السعودية وقطر وجهان لعملة أمريكية واحدة

بقلمفتحي الفضل

الأزمة الأخيرة كشفت الوجه البشع للتبعية للإدارة الأمريكية ـ فالسعودية ومجموعتها وقطر ومن سار معها ـ رغم إعلان كل مواقف صارمة لا تقبل التنازل ـ إلا أن الطرفين يعلقان آمالهما في حل يأتي على أيدي السلطان الأمريكي.

وكما هو معروف فإن أسرة "آل الصباح" الكويتية ثم حاشية قابوس العمانية قد تدخلتا في محاولة لحصر الخلافات التي ظهرت منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي. وربما تعود خلافات آل سعود مع دول الخليج واليمن إلى فترة تأسيس الدولة السعودية الحديثة قبل ثمانية عقود،  وما الخلافات الظاهرة حالياً سوى امتدادات لخلافات قديمة. حسب ما جاء في مقالات سابقة نشرتها "الميدان " بقلم الكاتب الفلسطيني.

والمعروف أن السعودية استولت في عام 1992 على الشريط الساحلي ورحمت قطر من حدودها البرية المباشرة مع الإمارات، وعندما أقامت قطر مركزاً حدودياً ولم تحترم التقسيم الذي اتفقت عليه مع السعودية ، عادت واحتلته السعودية، ولا تزال تسيطر عليه. كما استولت السعودية على كميات هائلة من النفط في باطن الأرض في المنطقة الواقعة بين الكويت والسعودية. وللسعودية والإمارات أطماع مشتركة في سلطنة عمان حيث اقتطعت الإمارات جزءاً من واحة "البريمي" العمانية الشاسعة وضمته إلى إمارة العين. أما البحرين فهي شبه محتلة من القوات العسكرية السعودية منذ عام 2011م. وحولت السعودية المنامة إلى عاصمة سياحية ومتنفس للكبت الذي يعاني منه رعايا آل سعود .

وتراقب الإدارة الأمريكية هذه التطورات عن كثب. وللجيش الأمريكي قواعد في كافة دول الخليج بلا استثناء. ويمثل تأسيس مجلس التعاون الخليجي ضمانات تسهر الامبريالية على تعزيزها وإبقاء الجميع تحت المظلة الأمريكية. وقد اشترت السعودية مؤخراً أرض الإدارة الأمريكية بفضل الصفقات الاقتصادية والعسكرية.

وتواصل الإدارة الأمريكية تقسيم الأدوار بين قطر التي تحتضن التنظيم الدولي لجماعة الأخوان المسلمين مع تركيا، ومن جهة أخرى الإمارات التي تظهر وكأنها "منفتحة" لكنها تلعب دورها في تطوير العلاقات "والانفتاح" على إسرائيل. أما السعودية التي لها من المقومات الديموغرافية والعسكرية والمالية ما يرشحها لدور الوكيل الأول للامبريالية في الخليج والبلدان العربية . فيما انتهزت أمريكا فرصة الخلاف لابتزاز قطر ومطالبتها بضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد الأمريكي.

لقد أدى النظام السعودي الدور المنوط به بإتقان وتفانٍ ودعم الخطط الأمريكية في مكافحة الشيوعية في العالم من أفغانستان والبلدان العربية إلى أمريكا الجنوبية.  وساهم في مد المجموعات الإرهابية بالتمويل وشراء السلاح الأمريكي لضرب النظام الوطني في أفغانستان والوجود السوفيتي هناك.

كما ساهم حكام السعودية وبلدان الخليج في خلق ورعاية وتمويل المنظمات الإرهابية التي تعمل على تحقيق أهداف الامبريالية الأمريكية في البلدان العربية وفي أفريقيا وأفغانستان والشاشان والقوقاز وأوربا الوسطى "يوغسلافيا السابقة وألبانيا". على الصعيد الداخلي وأثر انخفاض أسعار النفط وفرض حكام السعودية والخليج إجراءات تقشف على شعوبهم وضرائب غير مباشرة تضر صغار الموظفين والعمال والفئات الفقيرة، في ظل ارتفاع الأسعار وأزمة السكن وخفض الدعم الحكومي للطاقة والكهرباء والصحة والخدمات،مما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة.

ولكن نفس الحكام ينفقون بسخاء من أموال النفط على شراء الأسلحة التي لن تستخدم لتحرير فلسطين، بل لتفتيت اليمن والعراق وسوريا وقتل فقراء هذه البلدان العربية.

ويقدر حجم الصفقات المعلنة بحوالي 400 مليار دولار. أي ما يقارب حجم الاحتياطي النقدي السعودي و لا يشمل هذا المبلغ أي استثمار مستقبلي لتحسين إدارة موارد المياه أو الزراعة أو الصناعة،بل يشمل صفقات تسليح واستثمارات في أمريكا لخفض نسبة البطالة، ولكي تبقى عائدات النفط السعودي والخليجي في الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوربي وفي خدمة اقتصاديات تلك البلدان. سواء بشراء الأسلحة التي لا تناسب مقدرات تلك البلدان. كما تساهم تلك الصفقات في خلق وظائف في البلدان الرأسمالية عموماً. ولا تساهم البتة في تخفيف حدة البطالة في السعودية وبقية البلدان العربية.

وترفض الحكومة الأمريكية وبقية الحكومات الرأسمالية في نقل تقنيات صناعة السيارات أو الطائرات أو صنع السلاح والمهارات والتدريب إلى الأطراف ولا تسمح من تجميع بعض القطع في صناعة الطائرات أو الأسلحة المتطورة.

إن الامبريالية الأمريكية هي الطرف الأقوى والحاسم في الأزمة الحالية، وسمح لها حكام السعودية والخليج بتعزيز دورها بهدف خنق وضرب وتصفية أي نفس تحرري أو تقدمي في البلدان العربية.كما يعني ذلك ضرب حركة التحرر الوطني العربية وخلق المعوقات أمام شعوبنا العربية المتطلعة إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاشتراكية والسلام. وفي نفس الوقت لتصفية منجزات المقاومة الفلسطينية وتصفية القضية الفلسطينية لمصلحة إسرائيل ومطامح الإمبريالية العالمية.

إن عمليات الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة والدول الرئيسية في الاتحاد الأوربي على الطرفين لا يرمي إلى حماية مصالح شعوب تلك البلدان المتنازعة ، بل للوصول إلى حل يحمي مصالح رأس المال العالمي. وفي هذا الإطار إعادة الأمور إلى الهدوء وتخفيف التوتر بين السعودية وقطر بالطبع ليس المقصود به الحرب ضد الإرهاب أو تمويله. فالجميع بما فيهم أمريكاهي دول راعية وممولة للإرهاب. فالجميع بما فيهم أمريكا دول راعية وممولة للإرهاب. فالصراع ليس قضية الإرهاب. فالثلاث عشر نقطة التي قدمتها السعودية وحلفائها لحل المشاكل هي في الأساس تؤكد سعي السعودية والإمارات لفرض الهيمنة على المستوى الخليجي وبعده المستوى العربي" الشيء الذي يتطلب تحجيم قطر وآلتها الإعلامية.

وبالطبع ليس هناك دليل ملموس على تورط قطري ملموس في دعم نشاطات قوى مخرِّبة داخل السعودية أو الإمارات، ربما مصر هي الاستثناء في ذلك. لكن استعمال هذه الورقة هي للضغط على قطر فقط. بجانب ذلك لابد من الإشارة إلى قرار قطر لمد خطوط نقل الغاز القطري عبر إيران وهو ما تسعى السعودية والإمارات والبحرين لعرقلته وفرض هجمتهم على إمدادات الطاقة.

ويتوقع المراقبون أن استمرار الخلاف ربما يقود إلى ايجاد صنعة بديلة لمجلس التعاون الخليجي، وهذا يؤدي بتغيير في سياسات السعودية والإمارات في الضغط على البلدان العربية الفقيرة ـ الذي كان مالياً إلى الآن.  وتحويل أساليب الضغط إلى ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية. لتغيير الأنظمة العربية بما يتماشى وخطط الامبريالية والرجعية. بجانب ذلك يرجح المراقبون أن الصيغة البديلة لمجلس التعاون الخليجي ستضم السعودية والإمارات والبحرين والكويت وتشارك فيها الأردن ومصرمع استبعاد قطر وعمان،ومن الوظائف الرئيسية لهذه الصيغة هو تسوية القضية الفلسطينية وتوفير الغطاء العربي الرجعي للتصالح مع دولة إسرائيل.

لقد كشفت الخلافات الأخيرة هشاشة ماأدعته السعودية وغيرها بأولوية التناقض السني الشيعي . خاصة بعد انحياز تركيا لقطر ووقوف السودان وتونس والمغرب على الحياد المتحيِّز لقطر .

وأخيراً لابد من الإشارة والتأكيد أن المعلومات الأخيرة قد وضحت مدى ارتباط أزمة الخليج وأنظمتها بالمصالح والأهداف الامبريالية الأمريكية المباشرة والهادفة إلى الهيمنة على مواقع النفط والغاز .