تعليقات في السياسة الداخلية

                         قراءة في خطاب السيد الصادق المهدي (2)

طالب السيد الصادق المهدي "القوى السياسية ذات المرجعية الماركسية أن تراجع المواقف من الدين ومن آلية السوق الحر ومن الديمقراطية ومن الوطنية ، على أساس التطورات الايجابية في هذه المجالات منذ عهد الماركسية الأولى ومنذ نهاية التجربة السوفيتية"

في المقال السابق تناولنا القضايا الاقتصادية التي وردت في خطابه وانتقدنا موقفه الذي يرجى فيه أن يقرر مؤتمر حزبه العام الثامن المزمع عقده (اعتماد آلية السوق الحر في الاستثمار)

في هذه المقال نتناول موقف الحزب الشيوعي من الدين ومن الديمقراطية ومن المواطنة استناداً على موقف الحزب الراسخ والمبدئي من هذه القضايا والتي حسمتها مؤتمراته المختلفة وسنستند عليها في هذه المقالات.

أكد المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي أن القوى الرجعية وتحت راية الدعوة للإسلام شنت معاركها ضد قوى التقدم والحزب الشيوعي لتحقيق هدفين أولهما منع تلاحم الحزب الشيوعي بالحركة الجماهيرية وتحوله إلى قوة اجتماعية مؤثرة في سير الأحداث بوطننا لتأخير الثورة الوطنية الديمقراطية. وثانيهما ـ وهذا ما حققته ـ قيام سلطة رجعية باسم الدين، ممثلة في دولة شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة. وأكد المؤتمر ايضاً أنه أصبح لزاماً على حزبنا أن ينمي خطه الدعائي حول قضية الدين الإسلامي وعلاقته بحركة التقدم الاجتماعي. و لاتقتصر أهمية هذا الخط الدعائي العميق على الردود لما يثار من قبل أجهزة الدعاية الرجعية والمعادية لحزبنا ولك ما هو تقدمي، بل يتعدى ذلك لجعل الدين الإسلامي عاملاً يخدم المصالح الأساسية لجماهير الشعب لا أداة في يد المستغلين والقوى الرجعية التي لا ترتبط بثرى هذا الوطن في مصالحها وتطلعاتها.

ونحن أيضاً في حاجة إلى هذا الخط في المستوى الفلسفي إذ تجرى محاولات دائبة في معاهد التعليم للتخلي عن الحياة الواقعية وتربية جيل بتزوير الأفكار الإسلامية ضد التقدم الاجتماعي والاشتراكية ، قوام حياته اعتزال المجتمع وتحطيمه لكل ما انجز كلياً وكجزء من البشرية.وكانت داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية خير شاهد على ما حلله الحزب منذ مؤتمر الرابع في أكتوبر 1967م.

وجاء في برنامج الحزب الذي اجازه المؤتمر السادس تأكيداً لموقف الحزب المشار إليه، يقول البرنامج: لا نؤسس لموقف جديد بشأن مسألة الدين والدولة بقدر ما نسعى لتطوير رؤيتنا التي تبلورت مع الارهاصات الأولى لنشأة حزبنا. تتأسس هذه الرؤية على احترام حزبنا لمقدسات شعبنا وأديانه" الإسلام ،المسيحية والأديان الأفريقية الأخرى" باعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات وعيه ووجدانه وهويته، وبالتالي نرفض كل دعوة تتلبس موقف حزبنا لتنسخ أو تستهين بدور الدين في حياة الفرد والأسرة، وفي تماسك المجتمع وحياته الروحية، وقيمه الأخلاقية وتطلعاته للعدالة الاجتماعية ونعتبرها دعوة قاصرة وبائنة الخطل. فوق ذلك يستلهم حزبنا أرفع القيم والمقاصد لنصرة المستضعفين وشحذ همهمهم وحشد قواهم من أجل الديمقراطية والتغيير الاجتماعي، وذلك على قاعدة الاحترام والتسامح الديني في بلادنا متعددة الأديان والمعتقدات كنزوع فطري يتوجب علينا الاعلاء من شأنه وتطويره، وتخليصه من علل الاستعلاء به، كما وبالثقافة و اللغة أو العرق وام يتولد عن ذلك من مرارات متبادلة بين مكونات شعبنا.

يرفض حزبنا أن يصبح الدين اداة نزاع في سياق الصراع الاجتماعي وان تتخذ لهذا السبب بالذات موقف المعارضة الفكرية والسياسية الحازمة ضد أي مسعى من أي قوة اجتماعية لاستغلاله في تحقيق أي مصالح اقتصادية وسياسية. وننطلق من موقفنا هذا من حقيقة أن معيار الأغلبية والأقلية معيار سياسي لا يتناسب مع قضايا الفكر والثقافة والمعتقد الديني والتي لا تحسم بالتصويت.

يبحث الحزب الشيوعي عن أصل استلاب إنسان بلادنا وعذاباته في عمق الصراع السياسي والاجتماعي حول علاقات الإنتاج الاجتماعية. ويتخذ هذا الصراع في الوقت الراهن مثلما ظل يتخذ منذ عقود طوال شكل ومضمون المواجهة بين مشروعين متوازيين تماماً: مشروع الدولة الدينية من جهة والذي تقف وراءه وتدعمه القوى الظلامية التي يتخذ من قدسية الدين دثاراً ودرعاً أيدولوجياً لتحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية الدنيوية الضيقة ومشروع الدولة المدنية الديمقراطية من جهة اخرى، والذي ترفع لواءه قوى الاستنارة والعقلانية السياسية التي تتطلع إلى نظام حكم يراعي خصائص التعدد والتنوع اللذين تتميز بهما أمتنا، بما يصون وحدتها الوطنية واستقلال بلادنا وسلامة أراضيها.

ويطرح الحزب أمامه مهمة قيام منبر واسع لتوحيد قوى الاستنارة في النضال من أجل الدولة المدنية الديمقراطية ومواجهة التطرف والهوس الديني استناداً إلى الخلاصات التي راكمتها خبرات شعبنا حول المخاطر الناجمة عن الدولة الدينية واقحام قدسية الدين في السياسة . نزع قناع التزييف عن البرنامج المعادي "باسم الدين" لطموحات الملايين من بنات وابناء شعبنا والرامي لوأد تطلعاتهم الوطنية والاجتماعية. وهوالبرنامج الذي طالما ذاقت جماهير شعبنا ويلاته تحت ديكتاتورية الجبهة الإسلامية، متحالفة مع الطاغية جعفر نميري، أو منفردة منذ انقلابها عام 1989م ابتداءاً من قوانين سبتمبر البغيضة، إلى قوانين النظام العام والأمن والقوانين الجنائية المختلفة ، حتى الجهاد باسم الإسلام ضد الشعب تقتيلاً وتعذيباً وتفرقة وقهراً.

اسهبنا في التوضيح هذا لموقف الحزب الشيوعي السوداني من الدين، من وثائق الحزب الشيوعي ليتمكن القارئ لهذه المقالات من الرجوع إلى برامج الحزب الشيوعي ، ولأننا على يقين بأن السيد الصادق المهدي يعلم علم اليقين الموقف الحقيقي للحزب الشيوعي من قضية الدين ولا يحتاج إلى استزادة.

ونذكر السيد الصادق هنا برد السيد عبدالرحمن المهدي على الغبشاوي وخوضه في حديث الافك عندما وقف في مسجد ود نوباوي بامدرمان واعاد على المصلين منشوراً أصدره شيخ العلماء بايعاز سياسي فاثار الخواطر وحرض الناس على الفتنة بصورة عمياء، وكادت مشاعر المصلين أن تنفلت ويخرجوا إلى الشوارع وربما حدثت أشياء يصعب تداركها. ونهض السيد عبدالرحمن وخطب في الناس منبهاً الناس إلى ان المصدر الحقيقي للمنشور حسب علمه تحيط به الشكوك ولم يثبت أنه من عمل الشيوعيين. وكان عبد الخالق محجوب قد نشر مقالاً نفى فيه حديث الافك، وقال انهم لا يحاربون الدين، واكد السيد عبدالرحمن أن هذا يكفي المسلمين. وحذر اتباعه من مغبة الزج بهم في أمر لا يعنيهم ولا مصلحة لهم فيه. كما أنه ليس من  حق أحد أن يهدر دماء الناس.

ونذكر أيضاً السيد الصادق المهدي بما قاله لمجلة طلاب جامعة الخرطوم في العام 1985م عن حادثة معهد المعلمين وحديث الافك وتداعياته مثل حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان قال "ما حدث كان انفعالاً"

إن الذي حدث في موضوع حل الحزب الشيوعي كان موقفاً سياسياً غير محسوب نتج عنه موقف انفعالي. ولكن يجب أن أقولها أنه لابد من الاستفادة من تجارب الماضي الأول أن حديث الطالب في معهد المعلمين فجر المشاعر وأن مثل الذي حدث قد يتكرر"

[راجع كتاب دكتور محمد سعيد القدال  "معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني"]

نواصل في المقالات القادمة موقف الحزب الشيوعي من الوطنية والديمقراطية