تعليقات في السياسة الداخلية

                        قراءة في خطاب السيد الصادق المهدي (3)

طالب السيد الصادق المهدي "القوى السياسية ذات المرجعية الماركسية أن تراجع المواقف من الدين ومن آلية السوق الحر ومن الديمقراطية ومن الوطنية، على أساس التطورات الايجابية في هذه المجالات منذ عهد الماركسية الأولى ومنذ نهاية التجربة السوفيتية"

في المقالين السابقين أوضحنا موقف الحزب الشيوعي من آلية السوق الحر ومن الدين، في هذا المقال نتعرض لموقف الحزب الشيوعي السوداني من قضية الوطنية.

موقف الحزب الشيوعي من قضية "مستقبل السودان"

عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في العام 1945م ، خلقت العديد من المشاكل والقضايا العاجلة والملحةفي واقع بلادنا، تجسدت في الفقر المدقع والبؤس والتاخر الاجتماعي وغيرها من المشاكل التي فرضها الاستعمار البريطاني وتفاقمت بسبب النهب خلال الحرب فأصبحت القضية الأساسية للحكومة والحركة السياسية السودانية كما لخصها عبدالخالق محجوب تتمثل ليس في الخيار بين الأنجليز والمصريين، وإنما أصبحت القضية الجوهرية هي التخلص من الاستعمار البريطاني القابض على زمام الأمور وليس الخطر من استعمار مصري يسعى للاستيلاء على البلاد، فهذا خطر يستوجب التحوط فيه، ولكنه لا يمكن أن يطرح في نفس مستوى الاستعمار البريطاني القائم بالفعل ، فأصبح الموقف من الاستعمار البريطاني هو المحور الأساسي الذي تبلورت حوله الحركة السياسية في السودان.

تبلورت الحركة السياسية في محورين، الأول يدعو إلى التعاون مع الانجليز ليتدرجوا بأهله ويعلموهم كيف يحكموا أنفسهم وكان شعار هذا المحور "السودان للسودانيين" والذي تبناه حزب الأمة. وهو في حقيقة يعني الابقاء على الحكم البريطاني أطول فترة ممكنة، ومصادمة شعار المحور الثاني الداعي للوحدة مع مصر. وللحقيقة والتاريخ انتقد الأستاذ محمود محمد طه الذي أسس الحزب الجمهوري الطائفتين لارتباطهما ببريطانيا ومصر . كان ذلك في العام 1945م.

في صيف 1946م ذكر عبد الخالق محجوب أن الظروف المحلية والعالمية والاقليمية التي كانت قائمة آنذاك فرضت بروز قوة اجتماعية تثقبشعب السودان وبمستقبله وتحدد دون وجل طبيعة النضال ضد الاستعمار ومن أجل الاستقلال الوطني. وأن توضح الحقائق المعاصرة  وتوضح طبيعة العلاقات السودانية المصرية وتبتدع التنظيم الحديث التقدمي الملائم للحركة الجماهيرية السودانية وتقتنع منهجاً يلبي رغبات الشعب السوداني في الديمقراطية السياسية والاجتماعية

[لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي ]

رفع الحزب الشيوعي "حستو ذلك الوقت" شعار الكفاح ضد الاستعمار البريطاني ونادى بسقوطه، واعتبر الموقف من الاستعمار هو المحور الأساسي في نضاله. فأصبح في عداء سافر مع الاستعمار ، كذلك رفع شعار الكفاح المشترك بين الشعبين المصري والسوداني في مواجهة الشعارات التي كانت تنادي بالتعاون مع الإدارة البريطانية ويمثله حزب الأمة وتلك التي تنادي بوحدة مصر والسودان تحت مظلة البرجوازية المصرية .هكذا ولد الحزب الشيوعي وهو يواجه أكبر قوتين اجتماعيتين في البلاد وفي ذات الوقت عليه ان يثبت وجوده في الساحة السياسية بقدراته الذاتية. وقد فعل، رغم المصاعب والعقبات وناضل نضالاً مستميتاً مفعماً بالتضحيات ضد الاستعمار حتى خرج من البلاد ونال شعب السودان استقلاله بعيداً عن التبعية لبريطانيا أو الوحدة مع التاج المصري.

*الحزب الشيوعي ومعركة الجمعية التشريعية

تمثل الموقف الوطني للحزبالشيوعي ضد الاستعمار وتجسد في النضال ضد الجمعية التشريعية في العام 1948م، فبعد فشل المجلس الاستشاري لشمال السودان الذي كونته الإدارة البريطانية في العام 1943م، أرادت أن تحل مكانه مؤسسة دستورية لامتصاص الطموحات الوطنية والغضب الذي تفجر بعد الحرب العالمية. ومن جهة اخرى تنهي عزل الجنوب عن الشمال.فقاطعتها جميع الحزاب السياسية عدا حزب الأمة الذي برر قبوله في دخولها"ليتخذوا منها هيبة دستورية تمكنهم من مواجهة الانجليز في الداخل ومن الاتصال بدولتي الحكم الثنائي وبهيئة الأمم المتحدة إذا دعا الحال" [راجع كتاب (السودان للسودانيين 1991م لعبد الرحمن علي طه )]

في صيف 1948م انفجرت حركة شعبية واسعة ضد الجمعية التشريعية بقيادة الأحزاب الاتحادية وشاركت فيها المنظمات العمالية والطلابية والتي كان للحزب الشيوعي نفوذ واسع فيها، مما جعل دوره في المظاهرات ضد الجمعية التشريعية بارزاً بشكل واضح. واوضح الحزب للجماهير في بيان اصدره في عام 1948م طبيعة الجمعية التشريعية كمؤسسة استعمارية، داعياً للنضال ضدها. وقاد قادته واعضاؤه المظاهرات التي عمت معظم مدن السودان. ولهذا استطاع الحزب الشيوعي تطوير المظاهرات لمقاطعة الجمعية التشريعية إلى عمل واسع ضد الوجود الاستعماري كله. وكانت اعنف المظاهرات تلك التي سيرها العمال في عطبرة ، مما دفع الادارة البريطانية إلى استعمال الرصاص الحي فاستشهد خمسة مواطنين من بينهم ثلاثة عمال هم قرشي الطيب وحسن دياب وعبدالوهاب حسن مالك وهم اعضاء الحزب الشيوعي. واعتقل المناضلان قاسم أمين وعبدالقادر سالم وحكم على كلمنهما بالسجن عامين . وشهد يوم افتتاح الجمعية التشريعية في 15 ديسمبر 1948 مظاهرات عنيفة واعتقالات واسعة ، واستعملت السلطة الرصاص الحي مما أدى إلى استشهاد عدد من المواطنين في الواقع ولدت الجمعية ميتة .

[راجع لمحات من تاريخ الحزب ـ قدال]

لهذا أصبح عام 1948 عاماً حاسماً في مجرى الحركة الوطنية السودانية في تلك الفترة كتب عبدالخالق محجوب "في كل هذه المعارك قاد أعضاء الحزب الشيوعي السوداني الجماهير بجرأة لم تعهد من قبل في الحركة الوطنية الحديثة بالسودان، ولا يستطيع المؤرخ المنصف إلا أن يقدر ان حركة مقاطعة الجمعية التشريعية والنضال الذي نشب خلال تلك المعارك تم بمبادرة من اعضاء الحزب الشيوعي الذين برزوا في جبهة الكفاح المشترك التي اقيمت بمبادرة منا لحزب الشيوعي" . أكد ذلك تقرير السكرتير الإداري البريطاني في 26/2/1949م والذي جاء فيه "أن الحزب الشيوعي ظل يصدر كتباً من وقت لأخر كلها معادية للحكومة وموجهة ضد سياساتها وضد اي اجراء تتخذه. ويدعو الجماهير على وجه الخصوص إلى مقاطعة الجمعية التشريعية والتظاهر ضدها وضد أجراءات البوليس"

ساهم الحزب الشيوعي في تأسيس الحركة العمالية وحركة المزارعين والحركة النسائية وتنظيم الشباب في السودان. ولعبت جميعها دوراً بارزاً ومميزاً في النضال ضد الاستعمار مما جعل المخابرات الحكومية تكتب في تقرير سري لها جاء فيه أن أكثر حركة شيوعية ذات أخطار كافية في السودان هي حركة الشباب التي من أهدافها الكفاح لاحباط المشاريع الاستعمارية وضد اعوان الاستعمار والانتهازيين وتحرير السودان وتأسيس نظام ديمقراطي.

استطاع الحزب الشيوعي أن يربط ربطاً علمياً بين النضال ضد الاستعمار واخراجه من البلاد وبين المعنى الحقيقي للاستقلال بعد خروج الاستعمار والذي يعني التنمية الصناعية والزراعية والخدمية لمصلحة الشعب واستقراره وضمان آمنه وحياته الكريمة. كان ذلك في وجه سياسات الحزب الوطني الاتحادي التي جسدها شعاره "تحرير لا تعمير" وكان موقف الحزب الشيوعي السوداني الواضح هو أن التعمير لا يتعارض مع التحرير بل أن التعمير هو الضمان لتحرير حقيقي من السيطرة الاستعمارية والتحرير بدون تعمير يصبح خاوياً ، إلا إذا كانت الأحزاب البرجوازية تريد فقط أن ثرت الامتيازات الاقتصادية والسياسية للحكم الاستعماري.