أُكتوبَر: حِكَايَةُ رَجُلٍ اِسمُهُ بَشِيرُ الطَّيِّب!

بقلم/ كمال الجزولي

[هذه كلمـة مقتضبة سبق أن نشرتها في نفس هذا المكان، بتاريخ أكتوبر 2015م، بمناسبة الذكرى الحادية والأربعين لثورة أكتوبر المجيدة، تحت إحساس طاغ بقيمة الوفاء، وكان بطلها، آنذاك، حيَّاً يرزق. وهئنذا أعيد نشرها تحت نفس الإحساس الطَّاغي بقيمة الوفاء، لكن بعد أن شيَّعنا بطلها الذي لا يعرفه الكثيرون إلى مثواه الأخير، ظهر السبت الثامن من يوليو 2017م، أنزل الله عليه شآبيب رحمته، وعزائـم مغفـرته، فقد كان وفيَّاً لحريَّة شعبنا، حفيَّاً بديموقراطيَّته]

 (1)

صانعة التَّاريخ الحقيقي هي "الشُّعوب"، خصوصاً "جماهير الكادحين". هذا تلخيص ماركسي لطالما أثبت صحَّته عبر كلِّ الأزمنة، على العكس من تقدير التَّاريخ باعتباره بعض صنيع "الأفراد" ذوي القدرات القياديَّة الفذَّة، كما يذهب إلى ذلك علم الاجتماع البورجوازي.

لكنَّ ثمَّة مسألتين تحتاجان، هنا، إلى التَّدقيق، حتَّى من نفس زاوية النَّظر الماركسيَّة هذه: أولاهما أن هذه "الشُّعوب" أو "الجَّماهير" عندما تصنع التَّاريخ فإنَّها لا تفعل ذلك في أيِّ وقت، وبمحض هواها، وإنَّما من فوق معطيات ذاتيَّة معيَّنة، وظروف موضوعيَّة محدَّدة. أمَّا ثانيتهما فهي أن صناعة هذه "الشُّعوب" أو "الجَّماهير" للتَّاريخ ينبغي عدم تفسيرها، على إطلاق القول، في معنى إلغاء أيِّ دور لـ "الفرد" في العمليَّة التَّاريخيَّة، بصرف النَّظر عن مستوى قياديَّته!

وإذن، فإن نشاط "الشُّعوب" و"الجَّماهير" في صناعة التَّاريخ يقتضي أن يقع في لحظة مواتية، وفي ظرف ملائم، وأن يتوفَّر له المستوى المناسب من تأثير الشَّخصيَّات القياديَّة التي تتَّسم بخصال الوعي والشَّجاعة والإقدام، والقادرة على التَّنظيم والتَّوجيه والإلهام؛ مثلما أن تأثير هذه الشَّخصيات يقتضي أن يستجيب لقوانين التَّطوُّر، وأشراطه، ومتطلباته، وأن يستند إلى الحراكات الفعليَّة لـ "الشُّعوب" و"الجَّماهير" باتِّجاه التَّقدُّم.

(2)

على هذا الصَّعيد يلزمنا أن نشير إلى التَّفاوت بين عدَّة مستويات لمفهوم القيادة، بحسب الاعتبارات المختلفة التي تحكم كلَّ مستوى، كطبيعة المعركة المطلوب التَّصدِّي لقيادتها، والقضيَّة التي تمثِّل مضمونها، والمدى الزَّمني الذي تستغرقه، وما إلى ذلك.

ويلزمنا أن نشير، أيضاً، إلى خطورة الخلط الذي قد يقع بين الإقرار الماركسي الجهير بالدَّور المحسوب لـ "الفرد" القيادي في التَّاريخ، وبين "نزعة الفرديَّة" البورجوازيَّة المذمومة، حيث تؤجِّج علاقات الملكيَّة الخاصَّة مشاعر الكراهيَّة في المجتمع، فتنطرح أخلاقيَّاً، على وجه الخصوص، صورة هذا "الفرد" الذي يُفترض أن يكون قائداً للجَّماعة، في صدام مع صورة هذه "الجَّماعة" نفسها، ومن ثمَّ تنطرح مصالحه بمواجهة مصالحها، في حين أن من شأن استئصال علاقات الملكيَّة الخاصَّة التَّأسيس لاستئصال "نزعة الفرديَّة" المقيتة هذه من جذورها.

كذلك يلزمنا أن نشير إلى مسألة وثيقة الصِّلة بـ "الفرد"، خصوصاً "الفرد القائد"، وهي التَّمييز الواجب بين مفهومي "الفرديَّة" و"نزعة الفرديَّة"، فلئن كنا قد عرضنا أعلاه للمفهوم الثاني، فإن المفهوم الأوَّل هو، في الغالب، محض ميكانيزم للدِّفاع الذَّاتي ضدَّ العلاقات الاجتماعيَّة الرَّأسماليَّة التي تعيق تطوُّر أفضل خصال "الفرد"، وخصائصه الشَّخصيَّة، فليس المطلوب، ماركسيَّاً، طمس هذه الخصال والخصائص، أو تذويب شخصيَّة "الفرد" في الجَّماعة، كما يشيع، أحياناً، الاعتقاد الماركسي الخاطئ، بل "المبتذل"، بحسب عبارة ماركس نفسه.

(3)

صباح الثاني والعشرين من أكتوبر 1964م.

آلاف الطلاب، والشَّباب، والنساء، والعمَّال، والنِّقابيِّين، والمهنيِّين يزحفون، من كلِّ فجاج العاصمة المثلثة، باتِّجاه مشرحة مستشفى الخرطوم، يطالبون بتسليمهم جثمان الشَّهيد أحمد القرشي طه الذي كان قد أرداه، مساء البارحة، رصاص عصبة عبُّود الحاكمة، خلال ندوة عن "قضيَّة الجَّنوب" بجامعة الخرطوم. كان إحساس كلِّ مَن في ذلك الجَّمع أن الشَّهيد يخصُّه شخصيَّاً، فإذا بالجَّميع عائلة واحدة من آلاف الآباء، وآلاف الأمَّهات، وآلاف الأشقاء والشَّقيقات.

على امتداد شارع الحوادث الضَّيِّق أمام المشرحة كانت الوقفة المهيبة. العسكر من جهة الشَّرق بالبنادق المشرعة، والمجتمع المدني من الغرب بالقبضات المكوَّرة، والجَّباه المقطبة، والعيون المحمرَّة، والشِّفاه المطبقة، والأسنان الكازَّة على غضب قاتم. المسافة بين "الجَّيشين" تضيق، وتضيق، وتضيق. الالتحام قاب قوسين أو أدنى. القائدة النسائيَّة فاطمة أحمد إبراهيم تدخل، بغتة، في نقاش حادٍّ مع قائد القوَّة المسلحة حول حقِّ مجلتها "صوت المرأة" في التقاط الصُّور، ثمَّ ما تلبث أن تفتح صدرها، وتتقدَّم نحو ترسانة النَّار، ببسالتها المشهودة، وروح فدائها المعهودة، لولا أن القائد تراجع، والبنادق ارتخت، فعبرت اللحظة الخطرة! مع ذلك كانت كلُّ اللحظات تنذر بأن المواجهة العاصفة بسبيلها لأن تتحوَّل إلى صدام يفجِّر المزيد من الدَّم والموت.
أخيراً تمَّ استلام الجُّثمان، لفوه بالعَلَم، واتَّجهوا به في موكب جليل ناحية الغرب، وانعطفوا شمالاً بشارع القصر، جهة نصب الجُّندي المجهول ما بين كليَّة الطب ومعمل استاك، ثمَّ ساروا يميناً بمحاذاة السِّكَّة حديد، قبل أن ينعطفوا شمالاً ليعبروا كبري الحريَّة، وشمالاً أكثر صوب ميدان عبد المنعم، حيث أدوا صلاة الجَّنازة خلف الصَّادق المهدي، ثمَّ رفعوا الجُّثمان على ظهر شاحنة تقله ليُدفن في قريته "القرَّاصة" بنواحي الجَّزيرة.

(4)

إعتلى مقدِّمة الشَّاحنة عدة أشخاص ينتمي معظمهم إلى جماعة الأخوان المسلمين. كان من بينهم حسن التُّرابي، وحسن عمر، وربيع حسن احمد، وعثمان خالد مضوِّي. ألقوا كلمات مطوَّلة كانت، في معظمها، إيذاناً بكفكفة الموكب على مشهد ذلك الوداع الحزين للشَّهيد. وكان مِمَّا طلب التُّرابي من الحشود أن "يتفرقوا بهدوء"، تاركين الأمر ليتولاه "أبناؤهم الأساتذة"، و"سوف نقتصُّ من القتلة"، أو نحو ذلك، فاستحالت "القضيَّة الجَّليلة" إلى "يوميَّة تحرِّي"!

كانت المعطيات الذاتيَّة، والظروف الموضوعيَّة، أجمعها، أكبر من طاقة كلِّ "فرد" في ذلك الجَّمع الصَّغير الواقف فوق مقدِّمة الشَّاحنة، يحاول إرسال أولئك الآلاف من المحتقنين غضباً إلى منازلهم في هدوء!

لم يكن أيٌّ منهم بقادر على أن يلتقط الدَّلالة المتفجِّرة لتلك اللحظة الثَّوريّّة المواتية، أو يقبض على المعنى غير الخافي لذلك الظرف التَّاريخي الملائم، دَعْ أن يتَّسم بشيء من الخصائص القياديَّة "الشَّخصيَّة" التي تمكِّنه من بسط تأثيره "الفردي" على تلك اللحظة أو ذلك الظرف، بما يستجيب لقوانين التَّطوُّر، وأشراطه، ومتطلباته، في الدَّفع بحراك تلك "الجَّماهير"، يومئذٍ، إلى الأمام.

(5)

فجأة .. تعلقت أعين كلِّ تلك الجُّموع بشابٍّ مغمور لم يبلغ سنَّ الثَّلاثين يقفز إلى مقدِّمة الشَّاحنة، ينتزع المايكرفون، بفتوَّة، من براثن كلِّ الكلام الخطأ، ليختزل مجمل المشهد في هتاف واحد صحيح من أربع كلمات صدعت بهنَّ حنجرته القويَّة؛ هتاف انفجر الميدان أجمعه يردِّده خلفه بآلاف الحناجر؛ هتاف لم يكفَّ عن الدَّويِّ من تلك السَّاعة، وحتى انهار النِّظام العسكري العتيد كما كتدرائيَّة ضخمة تتقوَّض: "إلى الجَّحيم يا عبود"!

بعدها قفز من الشَّاحنة، كفهدٍ صيَّادٍ، وسط أصداء الهتاف الذي أطلقه للتَّو، واندفع، كريح خماسين عاتية، صوب عربة صالون ماركة هيلمان تتبع لقوَّات الشُّرطة، وراح يرجُّها رجَّاً، والنَّاس يتدافعون لإعانته عليها، حتى انقلبت رأساً على عقب، فأخرج من جيبه علبة ثقاب أشعل عوداً منها وقذف به إلى العربة التي كان وقودها قد أخذ يتدفَّق، فاندلعت جهنَّم نيرانها ودخانها في لحظات!

مع تكاثر الأمواج البشريَّة، وتفجُّر الغضب المكبوت، وتصاعد الدَّويِّ إلى عنان السَّماء، راحت الثَّورة التي دخلت التَّاريخ باسم "21 أكتوبر" تتخلق، وتستوي، وتستقيم على سوقها، يوماً بعد يوم، وهتافاً تلو هتاف، ونشيداً عقب نشيد، وشهيداً إثر شهيد، حتَّى ذهب عبُّود، تحت ضغط الحصار، "إلى الجَّحيم"، حيث اضطر للتَّنازل عن السُّلطة، وحلِّ أجهزتها، وتنكيس رأس نظامها الأرفع "المجلس الأعلى للقوَّات المسلحة".

هكذا انتصرت الثَّورة، وعادت الحياة إلى طبيعتها، وعاد النَّاس إلى بيوتهم وأعمالهم، يجترُّون ذكرياتها وحكاياتها، ويردِّدون أناشيدها وأهازيجها، ولو لم تنتصر لكان بطلها الشَّعبي المغمور ذاك على رأس مَن كان سيتمُّ القبض عليهم، وتقديمهـم للمحاكـمة، وربَّمـا إعدامهـم! لكـنه ما يزال، بحمـد الله، حيَّاً يُرزق، يناهز الثَّمانين من العُمر، وإن كان حتَّى بعض جيرانه، في العمل والسَّكن، لا يعرفون، إلى اليوم، أنه هو نفسه بشير الطيِّب المحامي بأم درمان، والذي كان، تاريخئذٍ، تحت التَّمرين بمكتب محمد احمد محجوب، فيستحقُّ أن نذكره بالخير في مثل هذا اليوم، وأن نكرِّمه من كلِّ بُدْ.


***