الذكرى المئوية لثورة أكتوبر.. الاتحاد السوفييتي في الحرب الوطنية الكبرى(2)

كانت توقعات القيادة الألمانية أن جيشها سيتمكن من الاستيلاء على موسكو ولينيننغراد خلال شهر آب 1941، ويصل إلى منطقة القوقاز في تشرين الثاني، بحيث ينهار النظام  ويتفكك الاتحاد السوفييتي (إيلينشتاين، ص 337-338). وأطلق هتلر على خطة اجتياح موسكو اسم "الإعصار"، وتقدمت قواته  نحو المدينة منذ 10 تموز 1941، وبدأت تقصفها بشدة  من الجو، وتمكنت، في 2 تشرين الأول، من حشد قوات كبيرة حاصرت الفرق السوفيتية المدافعة عن المدينة، وأصبحت موسكو،

في 16 تشرين الأول، مهددة بالفعل، وبرز خطر جدي أن ينجح الألمان في إحداث اختراق على جبهتها، لا سيما بعد أن توقفوا في بعض المواقع على بعد  30 كيلومترا منها، وبات في وسع جنرالاتهم  رؤية بعض بنايات موسكو من مواقعهم.  وفي هذه الظروف الخطيرة، استدعى ستالين الجنرال غيورغي جوكوف من جبهة لينينغراد كي يشرف على عملية الدفاع عن عاصمة البلاد، التي استمرت الحياة طبيعية فيها، رغم كل المخاطر، واتخذ ستالين نفسه قراراً بالبقاء في المدينة، وهو ما ساعد على قهر الخوف وسط السكان ورفع معنوياتهم وتشجيعهم على الصمود.

في 6 تشرين الثاني 1941، التأم اجتماع كبير في محطة مترو ماياكوفسكي في موسكو لإحياء الذكرى الرابعة والعشرين لثورة أكتوبر بمشاركة ستالين، ونُظّم في اليوم التالي  العرض العسكري التقليدي في الساحة الحمراء في حماية مضادات الطيران، فكان الجنود يأتون إلى موسكو للمشاركة في إحياء المناسبة ثم يعودون إلى الجبهة. وفي الخطاب الذي ألقاه أمام المحتشدين، عرض ستالين حصيلة الأشهر الأربعة الأولى للحرب، فذكر أن الاتحاد السوفييتي فقد 350000 قتيل و 378000 مفقود و 1020000 جريح. وطالب ستالين الدول الغربية بفتح جبهة حرب ثانية في أوروبا ضد القوات الألمانية. ولعب قرار تنظيم تظاهرة يوم  7 تشرين الثاني دوراً كبيراً في تاريخ  الحرب وفي معركة الدفاع عن موسكو، كما  ساهم في تعزيز شعبية ستالين على الرغم من كل أخطائه وتجاوزاته (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 344).

لقد استمرت  معركة الدفاع عن موسكو حتى نيسان 1942، إذ  بدأ الهجوم السوفييتي المضاد في  6  كانون الأول 1941 ، في ظروف مناخية قاسية جداً، ونجح الجيش الأحمر في استنزاف قوى العدو وتقويض قدراته القتالية، وتمكن من إبعاد القوات الالمانية عن المدينة مسافة تتراوح ما  بين 100 إلى 250  كيلومتراً. وفي الفترة ما بين كانون الثاني وآذار 1942، شن الجيش الاحمر هجوما شاملاً، كبد فيه الجيش الألماني أولى هزائمه خلال  الحرب العالمية الثانية، وأحبط المدافعون عن المدينة خطة " الحرب الخاطفة " الهتلرية ضد الاتحاد السوفييتي، وانتزعت القوات السوفيتية المبادرة الاستراتيجية من أيدي العدو. واكتسب انتصار  الجيش الأحمر على القوات الألمانية في معركة موسكو أهمية سياسية وعسكرية ودولية كبيرة،  وأدى الى تغيير طبيعة الحرب وجعلها تتطبع، منذ ذلك الحين، بطابع استنزافي للقوات الألمانية.

في صيف سنة 1942، بدأ هجوم القوات الألمانية على مدينة ستالينغراد، بهدف احتلال منطقة  القوقاز وحقول النفط  الذي كانت تحتاجه هذه القوات كي تواصل الحرب. وعلى الرغم من المقاومة الشديدة التي أبداها الجيش الأحمر، فإن القوات الألمانية استطاعت التقدم على هذه الجبهة. وبينما بقيت القيادة السوفيتية تنتظر عبثاً، طوال صيف ذلك العام،  إقدام الحلفاء الغربيين على فتح الجبهة الثانية في أوروبا، كانت معركة ستالينغراد تشتد وتزداد حدة، إلى درجة أنها صارت واحدة من أبرز  معارك  الحرب العالمية الثانية على مستوى أهميتها الفعلية وعلى مستوى رمزيتها. فهي استمرت من 17 تموز 1942 إلى 2 شباط 1943، أي نحو ستة أشهر ونصف الشهر، ودارت من منزل إلى منزل داخل المدينة، وانتهت بتدمير القوات الألمانية بعد محاصرتها. وانتشر صدى الانتصار في معركة ستالينغراد على نطاق واسع في الاتحاد السوفييتي وفي كل أرجاء  أوروبا التي كان يحتلها  الجيش الألماني. فبعد الهزيمة الكبرى التي لحقت به في تلك المعركة، لم يعد الجيش الألماني قادراً على استعادة زمام المبادرة على الجبهة الروسية، وصارت تلحق به هزائم متوالية أفضت، في نهاية المطاف، إلى تحرير كل الأراضي السوفيتية، وإلى تقدم الجيش الأحمر نحو بولونيا ومن ثم نحو برلين.

وفرضت  القوات الألمانية، منذ  8 أيلول 1941، حصاراً كاملاً على مدينة لينينغراد، التي اتخذت القيادة السوفيتية قراراً بالدفاع عنها مهما كان الثمن. وكانت خطة هتلر ترمي إلى  تجويع المدينة، ورفض استسلام سكانها، ومحوها من الخارطة. والواقع، أن حصار مدينة لينينغراد وملحمة الدفاع عنها شكّلا لحظة متميزة أخرى  في تاريخ الحرب العالمية الثانية، إذ بقي فيها   نحو 2500000 شخص تعزلهم   عن بقية مناطق  الاتحاد السوفييتي بحيرة "لادوغا". وبعد فترة من الحصار، بدأت المدينة تعاني مجاعة حقيقية ويموت سكانها جوعاً. ومنذ  22 شباط 1942، بدأت السلطات السوفيتية بترحيل قسم من سكان مدينة لينينغراد  على دفعات إلى مناطق أخرى من البلاد، وصل عددهم إلى مليون  في تشرين الثاني 1942. ولعب الحزب الشيوعي دوراً كبيراً في الدفاع عن المدينة وفك الحصار عنها، إذ كان 70 في المئة من أعضائه و 90 في المئة من أعضاء الشبيبة الشيوعية يقاتلون على جبهة لينينغراد، كما قام المثقفون بدور كبير في رفع معنويات السكان وتوحيدها خلف قيادة الحزب الشيوعي. ومنذ  أيلول 1943، بدأت التحضيرات لكسر طوق الحصار عن المدينة، وهو ما تحقق في 27 كانون الثاني 1944، أي بعد 885 يوماً من المعاناة الشديدة.

أوضاع الاتحاد السوفييتي الدولية خلال هذه المعارك الكبرى:

كان الاتحاد السوفييتي مرتاحاً من ناحية  جبهة  اليابان، الذي انخرط في الحرب ضد  الولايات المتحدة الأميركية  عندما قامت طائراته بمهاجمة الأسطول الأميركي ودمرته  في ميناء بيرل هاربر في هاواي في 7 كانون الأول 1941، ولم يكن قادراً بالتالي على خوض حرب أخرى  ضد  الاتحاد السوفييتي. وآذن دخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب بتشكيل ائتلاف دولي واسع ضد ألمانيا الهتلرية وحلفائها.

وبينما دخلت قوات سوفيتية في شهر آب 1941 إلى إيران، بموجب المعاهدة السوفيتية-الإيرانية العائدة إلى سنة 1921، التزمت تركيا موقف الحياد في الحرب. وعلى الرغم من تحسن علاقات الاتحاد السوفييتي مع بريطانيا، فإن ستالين ظل منزعجاً من رفض تشرتشل فتح جبهة عسكرية ثانية ضد القوات الألمانية في أوروبا.  وفي أيار 1942 ، سافر مولوتوف إلى لندن ثم إلى واشنطن، ووقّع مع وزير الخارجية البريطاني أنطوني إيدن معاهدة صداقة  وتعاون مشترك صالحة لمدة عشرين عاماً. وصدر  في واشنطن، في 11 حزيران 1942، بيان مشترك حول "مبادئ التعاون المشترك في الحرب ضد المعتدي".  بيد  أن العبء الرئيسي للحرب ظل واقعاً على كاهل الاتحاد السوفييتي.

) "أموت، لكنني لن أستسلم أبداً! الوداع يا وطني"(

هذه العبارة كتبها شخص مجهول الهوية على جدار قلعة بريست-ليتوفسك المحاصرة، وهي عبّرت، أصدق تعبير، عن روح المقاومة البطولية التي أبدتها شعوب الاتحاد السوفييتي في مواجهتها للاحتلال الألماني بجيمع الأشكال وعلى جميع المستويات.  

منذ 24  حزيران 1941، تشكلت لجنة قيادية مسؤولة عن إجلاء  المصانع والمؤسسات  من مناطق المعارك في الغرب  أو تدميرها في حال بروز احتمال بوقوعها في أيدي القوات الغازية. وتم  بالفعل إجلاء حوالي 2000 مؤسسة صناعية كبيرة من غرب البلاد إلى شرقها، وأعيد تشغيلها  في مناطق ما وراء الفولغا والأورال وغرب سيبيريا وكازاخستان وآسيا الوسطى. وبذلت، في الوقت نفسه، جهود كبيرة، لتطوير صناعة الأسلحة، وبخاصة في مجالي الطائرات والدبابات، إذ خصصت لها سنة 1942 نحو 55 في المئة من الدخل الوطني . وتسلم الاتحاد السوفييتي مساعدات عسكرية واقتصادية من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ، لكنها لم تمثل سوى نسبة قليلة بالمقارنة مع الإنتاج الوطني.

كان هتلر يزدري شعوب الاتحاد السوفييتي، ويصفهم بـ "السلافيين-المغول"، و"البدو المسيسين" و"البشر الأدنى"، بحيث صارت تصفية هذه الشعوب، التي "لا تستحق الحياة"، أمراً مشروعاً في نظر النازيين. وعليه يعتقد أن نحو 4 ملايين سجين سوفييتي لقوا حتفهم في المعتقلات النازية، إضافة إلى نحو 280000 سوفييتي لقوا  المصير نفسه في معسكرات العمل القسري التي نقلوا إليها في ألمانيا (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 378-381).  وكانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي قد نشرت في 18 تموز 1941 بياناً "حول تنظيم النضال خلف خطوط العدو". وخلال الأشهر الأولى للغزو، نشأت حركة الأنصار بين صفوف الوحدات العسكرية السوفيتية المنسحبة أو المعزولة، التي صارت تنضم إليها مجموعات كبيرة  من الشيوعيين.

وإذ  منع نقص السلاح والعتاد هذه الحركة من لعب دور كبير ومؤثر خلال عامَي 1941 و 1942، على الرغم من مساهمتها في عرقلة حركة القوات الألمانية وفي تعزيز مقاومة  السكان، فإن الأشهر الأخيرة من سنة 1942 ، شهدت  نشوء  مناطق في شمال أوكرانيا خاضعة كلياً لسيطرة حركة الأنصار، التي فرضت سيطرتها كذلك على 60  في المئة من مساحة روسيا البيضاء. وخلال عامَي 1943 و 1944، صارت حركة الأنصار تشكل جيشاً مؤازراً للجيش الأحمر، ونجحت  عملياتها  في تحييد مئات الآلاف من الجنود الألمان وإخراجهم  من ساحات المعارك. وعلى الرغم من حملات القمع النازي، هب السكان لدعم هذه الحركة ، التي انضم إليها مئات  الآلاف من الفلاحين. ولعب الشيوعيون دوراً كبيراً في هذه  المقاومة الشعبية،

إذ قُتل منهم 400000 في السنة الأولى للحرب.  والتفت شعوب الاتحاد السوفييتي حول قيادة ستالين، وبخاصة بعد أن اتخذ  قراره بالبقاء في موسكو على الرغم من الخطر الكبير الذي كان يتهددها، وشارك بشجاعة وقُتل في معارك الدفاع عن الوطن السوفييتي عدد كبير من الذين تعرضوا لحملات القمع التي نظمها ستالين  في الثلاثينيات. وكان ستالين قد أضفى  على الحرب في مواجهة الغزو الألماني  طابعاً وطنياً، وذلك بعد أن لجأ  إلى ماضي روسيا البعيد  وإلى الروح الثورية في تقاليد البلاشفة، كما تجلى ذلك  في صرخته في احتفال 7 تشرين الثاني 1941: "عاش وطننا المجيد، عاشت حريتنا، عاش استقلالنا؛ إلى الأمام نحو النصر خلف علم لينين العظيم".  وبغية تعزيز الوحدة الوطنية، سعى ستالين إلى التقرب من الكنيسة الأرثوذكسية، التي أطلقت نداء إلى الشعب في 22 حزيران 1941  للنضال ضد هتلر؛ وتميّز في مقاومة الغزو الدور الذ ي لعبه  جنرالات الجيش الأحمر، وبخاصة الجنرال جيفكوف الذي برز بصفته الاستراتيجي الأول الذي نجح في تنظيم هذا الجيش وفي وضع استراتيجية انتصاره في المواجهة (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 391-391).