الإعتداء علي الوجدان الجماعي

بقلم :محمد حمزة

خططت السلطة لإضعاف الذاكرة الشعبية تخطيطاً دقيقاً حيث أنها إستهدفت التعليم العام والعالي في حملة بربرية تم بموجبها تدمير الملكات الفكرية للتلاميذ والطلاب وحل محلها منهج التلقين، كما وأنه قد تم  تغيير المناهج لمحو ما علق بالذاكرة الشعبية من مناهج كانت تقوم علي ربط التلميذ بالحياة، وبدأت مشروع التجهيل العظيم ،

حيث أضحي التلميذ أو الطالب مجرد آلة يتم حشوها بمعلومات لا قيمة لها بدلاً عن تنمية الملكات الفكرية لديهم، كما أنه تم إلغاء كافة المناشط الفكرية في البيئة المدرسية مثل حصص الموسيقي والفنون والفلاحة المدرسية والجمعيات الأدبية،هذه كانت مقدمات السيطرة علي عقول الطلاب والتلاميذ، وتنفيذ المشروع البربري الهمجي وتجريد العملية التعليمية من محتواها، هذا على مستوى أما على المستوى الآخر فقد كانت هناك معالم مهمة  في المدن، وهي لاشك تشير بوجودها إلي أزمنة كانت عامرة بالحياة، فبتعمد كامل تم بيع نادي الخريجين الخرطوم لينتصب مكانه البنك السوداني الفرنسي وتم تحويل نادي ناصر الثقافي إلي وزارة المالية , في مشهد يحاكي هجمات البرابرة علي مكتبات العراق وحرق كتب إبن رشد , هكذا وبكل بساطة أحالوا منابر الثقافة إلي مكاتب حكومية وتعدو علي قلاع الاستقلال لتباع ليذهب زنك الخضار غير مأسوف عليه فقد كان منتدي ثقافي ومكان تجمع الموظفين بعد الدوام ويعج بالحياة وقت أن كانت هناك حياة في هذه البلاد , لم يكن ميدان الأهلية لرأس المال لتنتج آلتها الدمار للاقتصاد ونهب خيرات البلاد , كما أن الحدث الجلل هو بيع ميدان الأمم المتحدة بكل تلك الرمزية العظيمة لتحتل محله غابة الإسمنت المتمثلة في جلافة الإسمنت وبلاهة الزجاج الملون في مشروع واحةالخرطوم .    لم تكن أم درمان ببعيدة عن هجمات التتار وحملات الدفتردار الانتقامية من ذكريات البلاد فتارة يتحول إلى منتج لبيع العربات المستعملة، وينوح فيه السماسرة وتارة أخرى يتحول إلى موقف مواصلات  تجلجل فيه أصوات الكمسنجية ، ذاك الميدان الذي توشح بخطابات الزعماء السياسيين من أمثال عبد الخالق محجوب في ندوة الاربعاء الشهيرة، وما زال صوته لا شك في ذاك الفضاء وإسماعيل الأزهري وبقية قادة الاستقلال , تلك الرمزية كانت هاجساً للعصبة الحاكمة فهم يريدون ذاكرة الدفاع الشعبي وأغانيه الجهادية، وأشد ما يزعجهم غناء الحقيبة وشعر الزمن الجميل.ساحات الفداء هي أعز ما يحافظون عليه في مشروع التغريب الكبير ,كانت حنتوب وخور طقت منارات تضاهي أعرق المدارس التي رفدت البلاد بالعلماء الأجلاء كما صال في عرصاتها عمالقة التعليم مثل هاشم ضيف الله والهادي آدم وتحولت إلي كلية التربية ولم يكن مصير خور طقت وخور عمر بأفضل منها , تلك النزعة الموغلة في الإجرام وذاك التربص القديم بكل ماهو يمت للوطن بصلة جميلة , كانت تلك المدارس حدائق للفكر الحر ومنتجة للأفكار المبتكرة ومخزن ثقافة مكتمل البناء.

بدأت جامعة القاهرة فرع الخرطوم ترفد الخدمة المدنية بالكفاءات منذ العام 1955م , حيث تخرج منها الرعيل الأول من المهنيين في شتي المجالات وخاصة في التجارة والقانون , وحينما تمكنت السلطة من إحكام سيطرتها علي  البلاد , حتى إنقلبت عليها  وصادرت المباني لصالح جامعة النيلين .

كان أثر تواجد حديقة الحيوانات بوسط الخرطوم كبير, حيث أنها كانت من أكثر الأماكن المحببة للاطفال , حيث الترفيه واللعب وكان لها عمق آخر، حيث المعلومة المفيدة عن التباين البيئي في السودان مع تعدد المناخات وتعدد أصناف الحيوانات , وأيضاً إمتدادات أيادي السلطة الغاشمة لينتصب مكانها برج الفاتح , غابة الإسمنت العظيمة , أن مخطط الاعتداء علي الوجدان الجماعي في صورتة البعيدة يمثل نزعة نازية ، حيث تريد السلطة محو كل ما يعلق بالذهن ويثير السؤال عن أي حقبة تاريخية غير حقية السلطة الباطشة , كل من يتأمل هذا المخطط الذي تمدد حتي أقاليم السودان المختلفة , يري تلك الصورة الموغلة في النازية , كانت هناك حديقة عائلية تنتصب في قلب سنار بإسم حديقة القرشي، وكانت تعبر عن رمزية المكان والثورة التي إشتعلت وإنتصرت علي حكم العسكر في العام 1964 , إنتصبت مكانها حديقة ( رزاز ) وحقيقة أن الشواهد كثيرة لهذه السياسة التدميرية وتنتصب في كل مدينة وكل منطقة.

كما ذكرت أنفاً بأن التربص بالمخزون القيمي والأخلاقي لشعبنا كان سياسة السلطة البغيضة لمحو الذاكرة الجمعية للوطن، ولكن هل نجحت السلطة في مرماها , الناظر إلي تجربة الحكم الذي شارف علي الثلاثين عام يري أن ما زرعته السلطة، وفي ظنها أنها دجنت هؤلاء الشباب وجعلتهم رصيداً لمشروعها القمعي ذهب أدراج الريح فكانت المقاومة الفاعلة تتمثل في هؤلاء الشباب في حركة الصدام المستمرة للنظام في الجامعات والمدارس الثانوية، وهم تحولوا بفعل أفاعيل النظام القمعية إلي رصيد لحركة شعبنا وما إنتفاضة سبتمبر 2013 م ببعيده عن الأذهان فالشاهد أن كل الشهداء في تلك الملحمة كانوا من الجيل الذي تربي في كنف مناهج النظام الرامية إلي تغبيش الوعي , فكانت هبَّة الشباب قوية ومربكة للنظام حتى طاش عقله  مسبباً تلك المجازر البشعة في حق أبناء وبنات شعبنا .

أن الضمير الحي لا يموت لمجرد أن تمت إزالة المعالم المرتبطة بحياة الشعب , تستمر حملات السلطة التدميرية ويستمر الشعب في إبتداع  أساليب المقاومة المجيدة، من أجل كنس النظام إلي مزبلة التاريخ.