وادينا الطيب ــ ( مِتيمنة ومُتنضِرة ) ــ

بقلم : عبد العزيز الحورى

هذه كتابة عن بعض أنواع ( القَسَمْ ) التى كانت متداولة داخل الحوش بحى العرب النجيبة ، تُصاحبها بانوراما عن جزء يسير من حراك ( خادم الله ) بت ( الريح ) اليومى ، لها الرحمة والمغفرة بقدر نضال هذه المرأة وشقائها على طول أيام حياتها من أجل أن تُربى ابناءها ، وتقدم للآخرين كذلك كل ما إستطاعت من مساعدة بأريحية كانت تُحسد عليها ، لكنى أطمع فى شاسع رحمته التى ذكرها ،،

ورب الاكوان !

هى عند الناس ذات تفخيم لما ينطقونها ،

وباقى مسميات خلقه ومن ضمنها الكون اذ لا تعتقد بوجود أكوان أخرى ، وهذا ما نشأت عليه وما قرأته فى مراحلك الدراسية كلها وما استقيته عند نضوجك بعد ذلك ، لكنك كنت تسمع وترى من القَسَمْ مختلف المسميات ، وكنت تقف عنده وأنت صغير ، حبوبتك ( خادم الله ) كانت تقسم بالله وبجانب ذلك كانت تقسم بمهدى الله وخليفته أحياناً ، وأحياناً أخرى بالخليفة على ود مكاوى و بأزرق طيبة والشيخ الكباشى عندما يأتى موسم العقارب ، يندهونه ويقسمون له بأنهم سينذرون شيئاً لله إن تم المراد كما فى حالة (مهدية) عندما لدغت العقرب حفيدها ( جار النبى ) فما توانت حين أقسمت بالكباشى ، ويقسمون بآبائهم ليس كمثل أيام الجاهلية ولكن يقولون القَسَمْ هكذا ( وحاة أبوى ) ، أو ( وحاة ود آدم ) كما كانت حبوبة ( شتونة ) تقول ، وود آدم هذا أبوها فهى بِقسَمِها هذا تعظمة وتحسم به المواضيع ، ولأنك لم تنشأ فى غير حوشكم كنت تعتبر أن ممارسات قسمهن هذا تخص فقط أهلك ، ولكنك لما تداخلت نفاجات الحيشان ومكثت بالبيوت أدركت أنهم متشابهون فى عاداتهم تلك ، بل أنك قد تجد أحدهم يقول ( وحاة بتى ) وهو معتد بذلك غاية الاعتداد ، كما فى حالة خالك وإبنته الوحيدة ،أو كما فى حالة فرد بوليس الهجانة عندما اناخ بعيرة ببئر الانصارى الذى كان يسقى بهائمه وأصر البوليس أن يسقى الجمل أولاً وحلف فى ذلك بالسيد ( على ) مما أغاظ الانصارى ودفعه لطرد جمل العسكرى مصحوبا بقسم ( وحاة خليفة المهدى أب حليفةً بتسرنى فى قلبى وبتكويك أنت فى مصارينك جملك ما بشرب قبال بهائمى ) ، هنا الاعتداد بما يقسمون يمثل عندهم العقيدة بدون أن يتشاركوا آلهتهم مع الله الذى يعلمون بأنه من خلق كل شئ ، حتى نماذجهم التى يقسمون بها ، ومع ذلك تحسدهم على اطمئنانهم وتزداد ايمانا بقوله تعالى :ـ ( إن رحمتى وسعت كل شئ ) ،،،،،،

 (متنضرة نضراً سدادو عمرى)!يعنون بهذا القَسَمْ النذر لله ، وهم بهذا يوعدون الله بتنفيذ مانذروه ويؤكِدُون ذلك بتقديم حياتهم كضمان للفعل ، وهنا عند هذا القسم تكون بت ( الريح ) قد وصلت أقصى مراحلها من الغضب والضيق ، كنت تعلم ذلك وتتأكده من تقاطيع وجهها التى تتحول الى ما كنت لا تفهمه ، إلا بعد ان تطاول بك العمر قليلا لتفهم أن وجهها تحول واتخذ شكلا مخيفا يسمى الغضب ، كنت تشفق عليها لأنها ترتجف وترغى وأحيانا تُزبد ويمتلئ فمها بعبارات كانت أقرب للطلاسم ، ثم أنها كانت تستدير الاتجاهات كلها وتجلس لتنتصب ثانية ً ، وكانت حالتها هذه تستمر معظم باقى يومها ، وغالبا ما كانت لاتهدأ إلا فى اليوم الثانى عندما تباشر ميكانيكية طقوسها الصباحية الى أن تحمل القُفة تُريد بها سوق أم درمان ، الذى تعود منه وكأنها شخص آخر غير الذى كان بالأمس ، اذن تأكدت بأن القسم الآخير ربما يكون أخطر أنواع القسم لحبوبتك بت ( الريح ) وربما ايضا لدى الكثيرات لكنك لا تعلمهن بحكم أنك لصيق بحوشكم معظم الوقت ، وتأكدت أيضا بأن السوق وجولتها فيه وخصوصا محطتها الآخيرة بزنك النسوان (أو مايسمى ايضا زنك الطواقى) حيث تقوم ببيع انتاجها اليدوى من طواقى ومطرزات  ، كان يجعلها متوازنة هادئة وكأنها خُلقت لهذه الجولات بالسوق ، ويقودك الحديث هذا لأواخيرها عندما تقدم بها العمر وصارت تتباطأ فى أداء فرضها اليومى بإنتظام الى أن جلست عاجزةٌ تماماً حتى عن المشى ، مما قادها ذلك للدفع بقوة بإتجاه مقاومة العجز حتى أوجد عندها حالة من الذهول وبالتالى أصبح تعاملها مع المحيط مقصورا فى رغبتها بالذهاب للسوق أو الخروج عموما ، هذا ما تصورته أنت وحللته عندما كنت تعايشها لحظةً بلحظة وتوصلت الى أن العجز عن أداء مهامها لم يكن يناسبها فبت ( الريح ) كانت عبارة عن دينمو يشغل محركاتها هى والآخرين الذين كانت تعتقد أنهم بدونها لا يستوون ، اذ أنها ومنذ توفى عنها زوجها وترك لها صغاراً لم يشبوا عن الطوق بعد ، كانت فى السادس والثلاثين من العمر وبحِسبةٍ بسيطة تجدها ناضلت مثل عمرها وأكثر قليلا ،،،،،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كنت تبكى وتتألم فى صمت عندما تراها تزحف زحفا نحو باب الحوش ، تُريد الخروج للسوق وهى تُنادى بأنها ذاهبة وترددها كثيرا ، ترديداً متواصل لازال صداه يجول أنحاء ذاكرتك ويجعلك تأسى خصوصا لأنك تعتقد أنها مسكينة لم تعش الحياة الرحبة الهانئة الوادعة ، وتتذكر عودتها من السوق وقفتها المليئة بالرحمة ومناوشاتكم الحثيثة لتروا ما بداخل الذى كان فى نظركم جراب ٌ لحاوى يحوى الكثير ، وكان لابد من أن تظفروا بشئ وترضيكم أبسط الاشياء ، حتى قرضة رغيفة حارة وكالعادة تكون مصحوبة بزجرةٍ حنينة ، مع علمكم بأنها سعيدة بحراك الشقاوة هذا ويقينك بأن كم سعادتها يساوى حياتها ، فببساطة لا يمكن الاحساس بما كانت تحسه لحظتها من ارتياح .

ترتاح قليلا وهى ممسكة بكوز الالمنيوم المخفج أو كوز الطَلِس المطرقع ، بعد أن أتت على مافيه ، وكان الكوز يأتيها قبل أن تردد جملتها الشهيرة وهى منهكة من المشوار : ( أدونى كوز موية صاقت من الزير ) ، ليبدأ بعدها تفريغ ماتحويه القفة على صينية متوسطة كانت تُجلب من التُكُل لفرز الخضار واللحمة وباقى ما تمكنت بت ( الريح ) من الفوز به فى جولتها اليومية بالسوق ، ثم تبدأ التصديف والتصديف هذه كلمة كانوا يقولونها عندما يعنون ترتيب الأشياء بحكمة وحرفية عالية لتمامة الغرض الذى يريدون إكماله فى غير بذار ، وهى تشرف بنفسها على سلخ كراع أو كراعين شرموط من لحمة المُلاح ليُضافوا لباقى الكِرعات على حبل الغسيل ويغطوا بعد ذلك بدلقان ليقيهم الذباب والكدايس ، وقطعا كان هذا نوع من التصديف الذى يقصدونه وأعنى هنا توفيرهن لهذا الشرموط المشرور الذى بلا شك له حوبة سيأتى زمانها هو والبصلة الناشفة وبعض من خمار العجين الراكد فى سكون داخل البُرمة العتيقة ،،،

كنت تنظرها ولا تتحمل نهايتها وبفهمك آنذاك كنت تحنق على الوجود والقدر وتعترض على ما آل إليه حال ( بت الريح ) ، لكنك طبعا ازددت وعيا وأنت تُشب إلى أن أصبح تسليمك لله كاملا بنضج جعلك تستغفر أيامك الفائتة وتدعو أن يتقبلها الله ويدخلها فى رحمته التى وسعت كل شئ ،

أما القسم من أمثال ( وحاة المغارب ديل والمك السارب)أو( وحاة الصباح ده ) أو كل أوقات الأيام والشهور فهذا ما كنت تعتبره عاديا فكم سمعته يقال بمناسبةٍ أو بدونها ، وربما تعاملت أنت أيضاً ببعض منه أحيانا مع ابتكارك لصيغ جديدة من أمثال ( وحاة القعدة دى ما أقوم منها ) أو( وحاة النعمة دى) أو( وحاة عيونك وحبى ليك) وفى هذه الآخيرة كانت لك مآرب وما كنت لتتجنبها ، لأنها تُلين قلوب الآخرين وتستميلهم بحنان نحو هدفك أياً كان نوعه.