تشي جيفارا..في الذكرى الـ(50) لاغتياله

تقرير: فتحى الفضل 

يشهد عام 2017م الذكرى الخمسين لعملية اغتيال المناضل تشي جيفارا في جبال بوليفيا على أيدي عملاء(السي . أي . أيه) لقد إتخذت قيادة منظمة التجسس والاغتيالات العالمية الأمريكية قرارها بتتبع واغتيال المناضل الفذ تشي، نسبة لنفوذه وتمدد أفكاره الجرئية وسط الشباب وتأثيره الكبير على حركة الطلبة في البلدان الرأسمالية والقارة اللاتينية في منتصف الستينات من القرن الماضي.

والغريب في الأمر أن الرجل الأسطورة الذي عاش في غابات أفريقيا محرضاً على قيام الثورة، وساهم في تأسيس المقاومة في جمهورية الكنغو  كنشاسا سابقاً. واعتلى أعلى الجبال في بوليفيا محارباً خطط ونفوذ الامبريالية العالمية ، كان محل نقد من قبل بعض الأحزاب الشيوعية، خاصة في البلدان الاشتراكية، حيث اتهمته الأوساط الحاكمة في الإتحاد السوفيتي بمعاداة السوفيت،نسبة للنقد الذي قدمه تجاه بعض سلبيات النظام السوفيتي، ليس فقط في السياسة الخارجية، ولكن الأخطاء في بناء الاشتراكية.

وقد عبر تشي عن أفكاره الثورية منذ بداية الثورة الكوبية. مؤكداً في كتاباته أن المهمة الأساسية بعد الاطاحة بالنظام الدكتاتوري من الكفاح المسلح هو بناء النظام الوطني الديمقراطي كأرضية للتحول الاشتراكي وتنبأ بأن كوبا ـ كما في بلدان العالم الثالث ـ يمكن التمازج بين مهام مرحلة الثورية الديمقراطية وبناء الاشتراكية . ونبه كذلك إلى أهمية المشاركة الجماهيرية الواسعة في عملية بناء النموذج الجديد. وهنا لابد من الإشارة إلى الدور الرائد الذي لعبه تشي في عملية بناء "اللجان الشعبية الثورية"والتي اعتبرها البعض حتى وسط بعض التقدميين كأداة للسيطرة ومراقبة المواطنين. وأثبتت اللجان الثورية عبر تاريخ الثورة الكوبية وإلى الآن عن انجازاتها الكثيرة في الدفاع عن الثورة ضد التدخل الامبريالي، والمشاركة في الإنتاج وعملية إتخاذ القرار السياسي والاقتصادي وتنفيذهما. عن عبقرية تشي وزملائه في قيادة الثورة الكوبية.

وما يلفت النظر في مساهمات المناضل الأسطوري هو مزجه العبقري في مركزية السياسة وضرورة الالتزام الصارم بالأخلاق الثورية، حيث تؤثر العوامل الذاتية في العملية الثورية . الشيء الذي غاب في بعض تجارب الأحزاب الأخرى .وكان لهذه المساهمة دورها في إعادة الثقة بالثقافة الوطنية الكوبية بالتقاليد والأخلاق الحميدة والثورية للشعب الكوبي.وهكذا بدأت حملات العمل الطوعي في المزارع، والتقدم في مجالي التعليم والصحة. والمشاركة الجماهيرية الواسعة في تنفيذ الإصلاح الزراعي والثورة الإسكانية. ومن ثم تحولت الأفكار الثورية التي حملها القادة من الوطنيين القدامى مارتي وميللا والآخرين إلى أعمال وانجازات ثورية على يد النظام الجديد الذي ساهم تشي في قيادته.

اسهم تشي وفيدل بالمنهج الماركسي في تقديم البديل الأكثر ملائمة من أجل ثورة اشتراكية على أرضية التحرر الوطني،والتي تحول المؤسسات والعلاقات الاجتماعية والإنسانية عن طريق العمل وتغييرالواقع، ورغم الأخطاء التي صاحبت هذه العملية وباعتراف تشي وفيدل. فلا زالت كوبا تجني ثمار ثورتها الظافرة في وجه العدوان والحصار الامبريالي.وكما توضح تجربة تشي خاصة بتلك التي عكسها في كتاباته، والتي نشرت بعد اغتياله على أيدي الـC.I.A

نبه تشي إلى خطورة عدم رؤية الاعتراف بالقصور في "الاشتراكية الموجودة" ومن النقل الأعمى للنموذج السوفيتي، مشيراً إلى "الدماغوجية" المتمكنة في النظام من الستالينية والتي ورثتها التجربة المعاصرة والتي تقود في اتجاه الرأسمالية. وربما كان تشي من اوائل المنتقدين للنموذج السوفيتي، الشيء الذي قاد إلى أن تقف ضده بعض الأحزاب الشيوعية والعمالية، خاصة تلك التي كانت تدور في فلك الأخ الأكبر. وقد رأى المناضل الجسور كيف أن بعض انجازات ونشاط الثورة الكوبية والمسيرة الثورية في كوبا تتعارض مع ما هو موجود في الكتب السوفيتية. وأن تجارب كوبا تمثل إضافة كبيرة إلى استعمال منهج الماركسي في الواقع واستنباط الأسلوب الثوري في عملية التغيير الاجتماعي.

ومن أهم منجزات تشي كان إيمانه العميق بمبدأ التضامن الأممي، وضرورة الاهتمام بما يجري في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، لذا سافر تشي كثيراً في بلدان الجنوب وتعرف على أحوالها ونشاط الحركات الثورية، وكان لفيتنام موقع خاص في وجدان المناضل الأممي ، حيث دعا بوضوح لا لبس فيه " إلى قيام أكثر من فيتنام في العالم" وذلك تضامناً مع نضال الشعب الفيتنامي البطل. ووهب حياته للقيام بهذه المهمة الثورية ، حيث شارك في حرب العصابات بعدة بلدان في أمريكا اللاتينية مثل فنزويلا وغواتيمالا وتجول في غابات أفريقيا وأختار الكنغو مركزاً لنشاطه.

ولم يكتف تشي بممارسة العمل الثوري في بلدان الجنوب. بل سعى سعياً حثيثاً لبناء المنظمات القارية لمساعدة شعوب تلك البلدان. وقد نجح مع رفاقه الآخرين في تكوين منظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا ومقرها القاهرة، والتي كانت السند الرئيسي لنضالات حركات التحرر الوطني في أفريقيا.

وبجانب ذلك نجح في بناء منظمة التضامن لشعوب القارات الثلاث ومقرها هافانا كوبا. ومثلت المنظمة تلك الذراع الجماهيري لحركة عدم الانحياز الحكومية، وساهمت ضد الامبريالية وكشف وإدانة التدخل الامبريالي الصهيوني في البلدان العربية. وكان للقضية الفلسطينية حركة المقاومة موقعاً متقدماً في كتابات تشي.

ورغم أن نشاطات ونضالات تشي كثيراً ما يساء فهمها خاصة عند بعض الثوريين، باعتباره عدو أو مخالف لمبدأ التطور السلمي، وأنه ضد السلام العالمي، ومع التغيير عن طريق العنف. ولكن كتابات ومواقف تشي المنشورة وفي خطاباته أمام الاجتماعات الجماهيرية، كثيراً ما عبر عن موقفه المبدئي من أهمية النضال من أجل  السلم العالمي. مؤكداً أن تجربة الشعوب لاستعمال السلاح هي رد فعل لهمجية وعدوانية الامبريالية ولأهمية لجم هذه العدوانية وهزيمتها. عن طريق كل الأساليب الممكنة بما في ذلك الكفاح المسلح. وهكذا أعطى تشي حياته إيماناً بمبادئه التي لم يحيد عنها طيلة حياته الثورية القصيرة.