هكذا لحن وردي من غير ميعاد

حسن الجزولي

في نهاية ستينات القرن الماضي، وتحديداً في عام 1969 والشاعر المغمور وقتها يستعد كطالب في المرحلة الثانوية لآداء إمتحانه للشهادة السودانية، في هدا الوقت تحديداً أمكن للمطرب الراحل محمد وردي أن يقرأ قصيدة بديعة منشورة لهدا الطالب في مجلة الاذاعة والتلفزيون والمسرح وقتها، قرأ وردي المقطع الأول من القصيدة ، ثم الثاني، وعندما وصل لمقطع في القصيدة يقول:- "صحيتي في نفسي الوجود ورجعتي لعيوني النهار" عاد مرة أخرى لقراءة مقاطع القصيدة بتمهل وإعجاب، هنا أحس الموسيقار محمد وردي وبحسه الموسيقي العالي بطعم الشعر المموسق يجري بين سطور ومقاطع القصيدة، في هده اللحظة قرر محمد تلحين وآداء هذه القصيدة التي عرفت فيما بعد باسم "من غير ميعاد" لشاعرها التيجاني سعيد.

لم تكن هناك سابق معرفة بين الشاعر والمطرب، بل أن الشاعر نفسه لم يكن معروفاً في الوسط الفني الذي كان يحتشد بأسماء كبار شعراء الأغنية العاطفية كمحمد يوسف موسى والحسين الحسن ومبارك المغربي وحسين بازرعة وإسماعيل حسن وإسحق الحلنقي وغيرهم، فلم يكن التيجاني نفسه وهو  يكتب تلك القصيدة يتنبأ بأنها  ستلحقه بقائمة كبار شعراء الأغنية العاطفية، بل لم يكن في الأساس يخطط أو يحلم بهذا الأمر!. تجلى ذلك أكثر  ما تجلى عندما وقف أمام الفنان محمد وردي ذات أمسية بنادي الفنانين بأم درمان وبصحبته صديقه الشاعر المغمور وقتها أيضاً محجوب شريف، وعرفا نفسيهما لوردي الذي ألجمته المفاجأة فأخد التيجاني سعيد  بالأحضان وضمه عليه طويلاً وداعبه قائلاً له ما يعني أنه لو كان يعلم بأنه صغير في عمره لهذه الدرجة لما حفل به وردي أو إهتم بأن يغني له، إلا أنها كانت دعابة ليس إلا، حيث تسنى لهما أن يلتقيا مرة أخرى بعد تلك القصيدة بأكثر من أربعة سنوات في قصيدة أخرى سحرت الناس برقتها وعدوبتها فدخلت قلوبهم بإسم "قلت أرحل"!.

يحكي الفنان الراحل محمد وردي عن الظروف التي لحن فيها أغنيته البديعة "مين غير ميعاد" قائلاً أنه وبمجرد أن قرأها في تلك المجلة ظل محتفظاً بذلك العدد لفترة طويلة تحت وسادته دون أن يجرؤ على الاقتراب منها مرة أخرى، ولكنه كان قد حفظها عن ظهر قلب،  وظل هذا الأمر سائداً لفترة طويلة نسبياً. فقط كان يعود لقراءتها مرات متعددة دون أن يفكر في التخطيط لوضع أي مشروع لتلحينها، مؤكداً أنه قام بتلحين وتقديم بعض القصائد التي استلمها بعد حصوله على نص قصيدة التيجاني، وحول قدراته في التلحين صرح مرة خلال حوار صحفي بأن تلك القدرات قد تصل به درجة أن يلحن حتى مقالاً صحفياً مطولاً! وقال أن للحن أغنية من غير ميعاد قصة طريفة مفادها أنه كان في رحلة عودة من مدينة ود مدني، حيث كان في زيارة لأسرة زوجته الراحلة السيدة علوية رشيدي، وقد توقف بهم البص في إحدى الاستراحات على الطريق السفري بين مدني والخرطوم، وقال أنه اختار طاولة تبعد قليلاً عن زحمة الرواد وطلب كوباً من الشاي مع زجاجة عصير، في الأثناء قال أنه شاهد رجلاً كبيراً في عمره يحمل إبريقاً ويمر بجانبه للوضوء، وقال أنه سمع بعد قليل نحنحات للرجل وهو يتوضأ، وكانت تلك النحنحات مموسقة، وبحسه الموسيقي التقط محمد أولى مفاتيح اللحن، التي ظهرت من نحنحات الرجل كبير السن، وعلى الفور أكمل وردي الجملة الموسيقية، والتي جاءت فيما بعد كمقدمة موسيقية للحن أغنية "مين غير ميعاد" كأحد الأعمال الموسيقية الكبيرة التي أكدت على إبداع وردي وقدرته الموسيقية في بنائه لمشروعه الموسيقي الضخم لفترة السبعينات التي أنجب فيها روائعه الموسيقية الخمس " مين غير ميعاد.. بناديها .. جميلة ومستحيلة .. قلت أرحل .. الحزن القديم"!.