من الارشيف

شكراً للصدفة

خليل الياس

في إحدى " أوراقه الشخصية" كتب الأخ العزيز المرحوم سيد أحمد خليفة مقالة ضافية عن إتحاد الشباب السوداني: تاريخه، أهدافه، برامجه وعدَّدَ الكثير من انجازاته ومناشطه التي قدمها للشبيبة السودانية في الميادين المختلفة، ولكنه أخجل تواضعي بما ورد فيها من سيرة ذاتية حالت دون إقدامي على التعليق في ما حوته تلك المقالة المهمة. وإن كان إسهامي المتواضع قد أضفى على تلك الصفات التي ساقها في قدر من التجاوز، فإن الفضل فيها يعود بكلياته إلى المؤسسة الديمقراطية التي نشأنا تحت مظلتها فأيقظت في وجداننا سكون الوطن والوفاء للآخرين.

وكان وقع تلك المقالة وردود أفعال ايجابياً فقد أمطرتني بعشرات المحادثات عبر الهاتف ورسائل بالفاكس وبعضها بالبريد من أخوة تباعدنا بالسنوات الطويلة، بعضها تجاوز الثلاثة عقود وبعض إلتقيت بهم في جولات الأقاليم وآخرون تعرفت عليهم داخل المعتقلات. وذكرت للأخ سيد احمد أنني تسلمت العديد من الرسائل يطلب كاتبوها أن تنشرها في ذات "أوراقك الشخصية" ورغم أنها اهتمت بدور الإتحاد وجهوده التي بذلها منذ حظيت بإنشائه، ولا يزال رغم الظروف الشاقة التي تواجه نشاطه العلني، إلا أنها لم تخل من استرسال مماثل لما ورد في مقالته. ولا أملك مقصاً للرقابة لكي أسمح لنفسي بالحذف أو التعديل من عندي فآثرت التحفظ عليها. غير أن الأخ السنجك وبحاسته الصحفية لم يتفق معي في ما ذهبت إليه، وكان له رأي غير ذلك يحفزني على نشرها. ومع تقديري لمنطقه لم استجب، وظلت جميعها في حرز أمين. وتواصلت الرسائل والاتصالات حتى استوقفتني واحدة من أبننا الدكتور/مجدي عبد القادر أسعدتني كثيراً، ذلك أنني إلتقيت به صدفة في مطار "زيورخ" بسويسرا في صالة "الترانزيت"، حيث كنا في انتظار الطائرة لتقلنا إلى "بودابست" وبعد تعارفنا بأننا من السودان علمت منه أنه قادم من هناك بعد أن تعذر علاجه واستحال استيعابه في وظيفة تلائم مؤهلاته الفنية، كان من خريجي كلية مهنية ماهراً ومقتدراً، ولكن آلام ظهره المستمرة الحادة تفرض عليه البقاء في السرير لأسابيع، مما أدى إلى إبعاده عن مهنته وأسندت إليه وظيفة كتابية لم تشبع طموحه، ضغط على والده كي يسافر إلى أوربا للعلاج، ولكن قدراته لم تسعفه بالاستجابة الفورية.

وطال انتظارنا في "الترانزيت" وتأخرت الطائرة بسبب الأحوال الجوية. سألته ما هي وجهته وبرنامجه وكيف يتحمل نفقات العلاج والإقامة؟ قال إنه بالضغط المتواصل على والده استكتبه رسالة إلى صديق له يعمل بالمجر، ولأن العلاج في شرق أوربا أقل تكلفة من غربها. وأخيراً "باصر" بعض المال الذي أحضرته معي ثم أخرج من حقيبته مظروفاً أراني اياه عسى أن أتعرف على الشخص الموفد إليه. وكانت دهشتي أنني كنت ذلك الصديق، وكان الوالد رفيق الطفولة وله في عنقي فضل كبير لن أنساه، حين كنا مطاردين من أمن مايو وكان لا يتردد في توفير عربته لترحيلنا ولم تجف يداه يوم يزور أسرتي خلال اعتقالاتنا. فاجأته بفض الظرف فأنزعج من سلوكي ولكنه تريث قليلاً ولم يمانع وأخبرني فيما بعد أن تفاءل بأنني عرفت صاحب الرسالة وأن البحث عنه لن يطول. ولكي أثير فضوله أكثر ذكرت له أن والده شخصية معروفة وأنه يشتهر بكذا وكذا، وعددت له بعضاً من صفات تميز بها فأندهش وزدته انفعالاً حين سألته: ألا يزال والده مجنوناً بفريق الهلال؟

وأعلن المذيع توجهنا إلى الطائرة، وبوصولنا دعوته للإقامة معي حتى إذا طلع إلى بودابست النهار نسعى لمقابلة صديق والده. وعند دخولنا المنزل فاجأته مرة أخرى بأن طلبت والده عبر الهاتف، وتحدثت معه قليلاً وطمأنته على سلامة الوصول وأدرك أنه إلتقى بصديق والده وقص عليه ما دار بيننا في الترانزيت.

كنت قد أعددت نفسي للعودة النهائية إلى السودان بعد اجتماع المنظمات غير الحكومية  NGOsالذي عقد في جنيف، وكان علي تلبية حفل وداع تقليدي يقيمه إتحاد الشباب الديمقراطي العالمي لكل ممثل تنتهي مدته هناك. وجمع الحفل ممثلين لكل منظمات الشباب العالمية، وكان بين الحضور "كيم" أمين العلاقات الخارجية لتنظيم "الكوسومول" إتحاد منظمات الشباب السوفيتي الذي ربطتني به علاقات شخصية سمحت لي برجائه مساعدة "مجدي" للعلاج في موسكو، اعتذر لي بأن إجراءات العلاج تستغرق وقتاً طويلاً لتداول التقارير الطبية بين المكاتب المختلفة، وأحياناً يجزمون بأن نوعاً من الأمراض يمكن علاجه بموطن المريض نفسه ولا داعي إطلاقاً لحضوره إلى الاتحاد السوفيتي . ثم استدرك قائلاً: لدي فكرة عملية اكثر ـ لماذا لا نستوعبه في منحة دراسية لهذا العام؟ حين تجرى له الفحوصات الطبية الروتينية سيكتشفون أنه مريض وعندها يحولونه مباشرة إلى المستشفى التخصصي. راقت لي الفكرة وقبل هو الالتحاق بكلية علمية. وسافر عاجلاً إلى موسكو وعدت بعده إلى الخرطوم وكان ذلك لقاءنا الأخير، حتى فاجأني بهاتف من القاهرة ليقول لي أنه عثر على العنوان صدفة، عندما اطلع على عدد قديم من صحيفة "الخرطوم" وتحت "أوراق شخصية" ومقابلة قام بها مع بعض الأصدقاء هناك تمكن من إرسال فاكس قص فيه تلك الحدوتة وقال أنه تم شفاؤه من الآم الظهر وأمراض غيرها واستمر في الدراسة حتى نال أخيراً درجة الدكتوراة بتقدير جيِّد، واختير من بين عشرين من جنسيات مختلفة ليعمل في "الدنمارك" في مؤسسة تقنية كبرى، وهو الآن في طريقه على رأس وفد فني لتنفيذ مشروع مهم في "تنزانيا" وقال أنه اقترن بزميلة له في نفس الكلية، وانجب طفلة أطلق عليها اسم "شباب" حتى لا ينسى فضل تنظيم إتحاد الشباب عليه وطفلة أخرى سماها على والدته فاطمة، ولكنه كغيره من شبابنا الذي اقعدته هذه الارتباطات الأسرية عن الوطن، ظل منذ تلك الفترة في الثمانينات لا يرى الخرطوم إلا مرة كل عامين. شكراً للأخ سيد أحمد الذي ربطتني أوراقه الشخصية بالعديد من الأخوة والأبناء "جزاه الله كل خير" "بتاعة زمان".