بين العدالة الجالسة والواقفة ،،  حيل ودهاء

الميدان: المنوعات

في جلسة النطق بالحكم على قاتل زوجته - وكان بمثابة المتهم الأساسي في تلك القضية التي استمرت لسنوات طويلة نسبياً - إستشعر محامي الدفاع أن هيئة الاتهام ستكسب القضية باتجاه قاضي المحكمة لادانة المتهم، فلجأ لحيلة جعل منها خطاً أخيراً للدفاع، ليتعلق فيها المتهم بقشة في يم هائج!.

:- سيادة القاضي ،، أستميح عدالتكم الموقرة لكي أبين أمراً يبرئ موكلي من تهمة قتل زوجته!.

هكذا خاطب محامي الدفاع قاضي المحكمة الذي تجاوب مع طلب الدفاع.

ثم مضى محامي المتهم موضحاً وهو يقول:-

:- لا بد لهيئة المحكمة الموقرة من يقين لا تأتيه الشكوك أو الظنون بأن موكلي هو من قتل زوجته بالفعل!. وبعد أن أخذ نفساً عميقاً تقدم بإماءة مسرحية – دائماً ما يلجأ لها الأذكياء من المحامين ورجال القانون -  خطوتين نحو منصة القاضي قائلاً وهو يفرد يديه:-

:-  أسمحوا لي يا سيادة القاضي الموقر أن أقدم لعدالتكم الموقرة الدليل القوي الذي سيبرئ ولا شك موكلي من تهمة قتل زوجته،، ثم اتجه نحو صالة المحكمة حيث الجمهور المتابع لوقائع المحاكمة، قائلاً:-

:- فلينظر الجميع لذلك الباب الذي سيدخل منه الدليل المؤكد بأن زوجة موكلي حية ترزق وأنها لم تقتل ،، ستدخل الزوجة بنفسها يا سيادة القاضي!.

وبينما فتح باب المحكمة كانت كل الأنظار تتجه إلى الباب المعني،  فلم يدخل أي شخص منه!.

حينها قال محامي الدفاع بسخرية وتهكم:-

:- سيادة القاضي ،، لقد رأيتك ضمن الذين اتجهت أنظارهم نحو الباب الذي أشرت إليه في انتظار ظهور الزوجة القتيلة، ما يعني أن ضميركم العدلي ليس على قناعة ويقين تام بأن موكلي قتل زوجته بالفعل!.

وبين همهمات القاعة التي عبرت عن استحسانها لدهاء محامي الدفاع، أطرق القاضي الذي تجاوز عمره الخامسة والسبعين قليلاً، ثم ما لبث وأن رفع رأسه بتؤدة وهو يوجه حديثه لهيئتي الاتهام والدفاع وللجمهور داخل قاعة المحكمة التي كانت في انتظار هذه اللحظة الحاسمة بخصوص النطق بالحكم النهائي:-

:- الآن وبضمير مرتاح أحكم على المتهم بالادانة في قتل زوجته، وعليه أحكم بإعدامه لتوافر اليقين المتعارض مع الشكوك والظنون بأن المتهم هو بالفعل من قتل زوجته ،، ثم وبقبضة يده طرق بتلك المطرقة الشهيرة على طاولة الحكم وهو يصيح بيقين:

:- رفعت الجلسة!.

في أعقاب تنفيد الحكم على المتهم، أجرت إحدى صحف البلدة حواراً مع القاضي تستميحه الاذن حول سؤال يتعلق بكيفة توفر القناعة العدلية عنده ليحكم على المتهم بالادانة من وحي دهاء محامي الدفاع؟!.

فرد جناب القاضي قائلاً:-

:- ببساطة شديدة أود توضيح أن  بلبالي كان دون استقرار حول ما إن كان المتهم مداناً أم بريئاً، وإن صبر الدفاع قليلاً كنت سأحكم ببراءة المتهم! ،، ولكن بالحيلة التي لجأ إليها ممثل الدفاع، فقد أتاح لي في واقع الأمر فرصة نادرة  ليتوافر لدي من يقين عدلي لا يقبل الشك أو الظنون، ،،  فعندما أوحى للمحكمة بأن الزوجة القتيلة ستدخل من ذلك الباب، وتوجهت جميع الأنظار نحوه، كنت حريصاً على متابعة أنظار المتهم وأنا أجول النظر بينه وبين الباب المعني، لقد لا حظت أن أنظار جميع من بالقاعة، اتجهت نحو الباب، عدا الزوج ،، لأنه كان في واقع الأمر على يقين بأنه قتل زوجته.