لم يلجأ لخيانة النص في ترجمته

القاص الزبير علي ومتعة الحكي عن أدب الرحلات

الخرطوم: منوعات الميدان 

ترجم القاص السوداني الراحل الزبير علي كتاب بعنوان  " كل شئ ممكن ، سنوات في السودان " لمؤلفه الزوجان البريطانيان مارقريت وأليك بوتر، وكان الكتاب حول جوانب فترة عملهما بالسودان، ويعد ضمن أدب الرحلات والمذكرات، حيث أشاد د. يوسف فضل بالكتاب وترجمته في تقديمه للطبعة الأولى من الترجمة التي صدرت عن مكتبة مدبولي بالقاهرة عام 1997 حينما قال عنه " أنه من أمتع وأصدق ما قرأت من أدب الرحلات والمذكرات، التي خلفها الأوروبيون عن سودان وادي النيل".

وضمن محتويات الكتاب التي وصلت إلى ثلاثة وعشرين فصلاً، ترجم القاص الزبير علي فصلاً بعنوان " الجذور" وهو عبارة عن دردشة  لموظف سوداني هو السيد إبراهيم المدير العام النوبي الأصل لأحد البنوك المزمع إنشاؤها في خمسينات القرن الماضي، مع أليك بوتر مؤلف الكتاب وأستاذ هندسة العمارة  فترة انتدابه لانشاء قسم للعمارة بكلية الهندسة جامعة الخرطوم في تلك السنوات، وكان إبراهيم ينقل للمهندس أليك بمكتبه المتواضع، وهما يحتسيان أكواب الليمون البارد، تلك المؤأنسة الآسرة التي تمت بينه وبين والدته كبيرة السن إثر عودته من زيارة عمل لأوروبا، وقد حرص إبراهيم على وصف بليغ لقريته الوادعة أقصى شمال السودان، في وادي حلفا، بمنازلها الطينية البسيطة المعمار، وأراضيها التي تفتقد للخصوبة وكيفية اعتماد أهالي القرية على أشجار النخيل التي يحرصون على غرسها لتنتج لهم بعضاً من ثمار وجذوع متينة يستخدمونها في بناء منازلهم المتواضعة، إلى جانب زراعتهم لبعض البقوليات وشيئ من الخضر وتربية قليل من الضأن والماعز، ما يشكل كل اعتمادهم في سبل كسب عيشهم.

واستطاع الزبير علي واعتماداً على موروث غني وتجربة ممتدة في كتابة القصة القصيرة أن يترجم بشكل خلاق ومؤثر ما جرى من مؤانسة بينه وبين والدته التي راحت تسائلة عن بلاد الدنيا التي رآها، وما إن كانت أبعد من مكة التي تعتقد أنها أبعد بلاد الدنيا! وعندما أكد لها إبنها أن البلاد التي زارها هي بالفعل أبعد من مكه، كم كانت دهشتها عظيمة عندما اكتشفت أن إبنها لم يشاهد مكة، فعاجلته بطلبها أن يفسر لها الأمر المتعلق بعدم مشاهدته لمكة وفي نفس الوقت يشير إلى أن البلاد التي زارها هي أبعد من مكة، فأسقط في يده كونه لا يستطيع أن يفهمها أشياءاً من الصعب عليها أن تفهمها بحكم تقدمها في السن وأن المدارس في زمن صغرها لم تكن متوفرة بقريتها!.

وعندما باغتته بسؤالها المتعلق بما إن كانت البلاد التي زارها جميلة كجمال قريتها ونهرها ونخيلها، لم يعرف كيف يجيبها، وقد طافت بذهنه مشاهد من البلاد التي زارها، " تعريشات الكروم والأودية المزروعة أرزاً في إيطاليا والمساحات الشاسعة والمزدهرة أبداً بفرنسا ،، وذلك النمط الفريد من الأشجار المورقة في انجلترا " ثم قارن كل ذلك بالأرض التي كانت تتمدد أسفل الكثبان الرملية أمام أعينهما، ثم راح يتأمل منظراً ساحراً ممتداً في قريته وكأنه يراه لأول مرة ويفتتن به، كالسماء الممتدة عند الأفق وقد إصطبغت بلون وردي فاتن، والذي تحول بعد برهة قصيرة إلى أحمر قان ، وكأن جذوات من نار هائلة كانت تضطرم تحته، "كانت المزروعات في أوج نضرتها، وقد تخللتها الظلال فأكسبتها روعة فوق روعتها، وأسفل كل نخلة كانت ترتسم على الرمال نجمة سوداء كبيرة شكلتها أشعة الشمس الغاربة" ويتخلل ذلك المنظر " نساء فارهات الطول يخطرن في فساتين سوداء تلامس أطرافها الأرض وقد حملن على رؤوسهن جراراً مملوءة بالماء!"

وعندها يقول السيد إبراهيم لمحدثه مستر أليك بوتر أنه عرف كيف يجب أن يكون رده على سؤال والدته، وكان  على هذا النحو:-

" :- لا يا أمي ،، إن ما نشاهده أمامنا الآن لهو في نظري أجمل وأروع من كل البلاد البعيدة التي زرتها!.

فبدت أمي سعيدة بهذه الاجابة. وغادرنا الكثيب معاً إلى المنزل".