أوضاعهم لا علاقة لها بالإنسانية أو التحضر:

المشردون وصمة عار في جبين المسؤولين

  • التشرد يخلق مسؤولية إضافية تجاة الدولة الوطنية لمزيد من الإهتمام بالمتشرد.
  • في الدول المسؤولة يستقيل وزير الداخلية جراء موت أطفال بسبب الاهمال ،، دعك عن موتهم بمواد سامة لم يتم التحقيق فيها منذ سنوات.
  • غالبية برامج الدولة تجاه معالجة الظاهرة فاشلة وغير مجدية.

 كارثة إنسانية كبري وقعت وتعتبر  وصمة عار في جبين المسؤولين والمجتمع على حد سواء، إذ أنه   في صباح الـ العشرين من يونيو قبل اكثر من اربعة اعوام ، إستيقظت الخرطوم على حدث هز المشاعر، حيث لقيت أعداد من المشردين أو الشماسة كما نطلق عليهم، مصرعهم في مناطق مختلفة  مناطق مدن الخرطوم وأم درمان وبحري، نتيجة تسمم جماعي بمادة، لم يتضح حتى الآن معرفتها، ولا معرفة الظروف والملابسات التي أدت لذلك، حيث من الواضح أن ما تم يعتبر جريمة مكتملة الأركان وأنها تمت بفعل فاعل وعن قصد، حيث لا يعقل أن تكون الصدفة وحدها قد لعبت أدواراً في وفاة هذا العدد الهائل من هؤلاء المساكين الأبرياء، وما هو أفدح من ذلك، لم تحرك السلطات ساكناً، ولم يستقيل وزير الداخلية كما هو ديدن كل الحكومات التي تحترم شعوبها، بل لم يحرك المسؤولون أي إجراءات للكشف عن ملابسات هذه الجريمة الشنيعة، وكل ما فعلوه أنهم وجهوا الصحف والاعلام وقتها بعدم تناول القضية لحساسيتها ولأنها في طور التحقيق، ثم {موت يا حمار}.

الميدان تعيد فتح ملف هذه القضية الانسانية وتبدأها بتسليط الضوء على واقعهم المأساوي ثم تتدرج بالقضية حتى تتكشف أبعاد الجريمة ومقترفها، حيث هو ولا بد يعيش بيننا هادئ البال ومطمئن إلى أن القانون لا يطاله طالما توجد جهات نافذة تحميه، وربما سيعود لاحقاً لتكرار جريمته متى ما اقتضى الأمر!. ولكنا حزمنا أمرنا من أجل تجنيد كل طاقاتنا المتواضعة للمساهمة في وضع المجتمع ككل أمام ضميره ليصحو.

تحقيق:ـ حسن الجزولي ـ أقسام عبد الله

  • هروب بالسلسيون لعالم متخيل:ـ

 هم مأساة إجتماعية غض الجميع بصره عنها، الأرض فراشهم والسماء وسادتهم والقمامة وفتاتها طعامهم، والخوف والوجل صديقهم. يتخذون من مجاري المياة الأسنة مساكناً لهم، ويواجهون وضعهم المريع، بـمادة  (السلسيون) التي تغيبهم مؤقتاً ليعيشوا في عالم متخيل بعيداً عن العالم الذي لفظهم لقاع المجتمع دون أن يرتكبوا ذنباً، ولذا يتحدون المجتمع الذي لفظهم، بالعنف أحياناً وبالغضب وبتغييب وعيهم عنه، عله ينشغل عنهم ويتركهم في حالهم، وينشغلون عنه!.

إن تواجد هؤلاء المشردين بكثافة في وطن كالسودان يعاني  من ويلات الحروب الأهلية، ومن إنهيار تام للإقتصاد، وتفشي عام للفساد، فتبقى ظاهرتهم ليست غريبة، بمعنى أن هولاء المشردين  هم طبيعي لما انتهجته الحكومات المتعاقبة من سياسيات اقتصادية لم تعالج البنية الخربة في التوزيع العادل للثروة والاهتمام بالبنية التحتية التي تقوم خلالها بتطوير أنظمة التعليم والصحة والتحول لدولة الرفاة والرعاية للسكان في كل أوجه الحياة، ثم جاء النظام الحالي بسياساته المعادية أصلاً للانسان ليزيد من الطين بلة. فكان طبيعياً أن تزداد أعداد المشردين، ليس في العاصمة وحدها، بل في جميع أركان البلاد. ويتفاقم بالتالي سوء أوضاعهم، لما يجدونه من إهمال وسوء معاملة من السلطات والمواطنين على حد سواء في شوارع الوطن.

  • أعدادهم في تزايد:ـ

 في العام 2001م أجرت مجموعة من المنظمات وهي منظمة إنقاذ الطفولة الأمريكية،  منظمة إنقاذ الطفولة البريطانية، منظمة إنقاذ الطفولة السويدية، منظمة اليونسكو،  OXFAM، منظمة  المجلس القومي لرعاية الطفولة بدعم من السفارة الهولندية، دراسة بعنوان أطفال السوق العاملين  دوماً والمشردين منهم، فتوصلت الدراسة إلى نتائج مقلقة، حيث تم تحديد عدد المشردين المتواجدين بشوارع الخرطوم بحوالي  35000 متشرد، 80% منهم اي حوالي 2800 طفل متشرد يعملون في الشارع، بينما 20% منهم أي حوالي 7000 يعتبر الشارع مقراً دائماً لهم، أي مكان عملهم وسكنهم على حد سواء،  وتشير تقارير شبه حكومية  أن عدد المشرين هو في حدود 80 الف متشرد، أما منظمة اليونيسكو ووفقاً لمسح أجرته قدرت عدد المشردين في السودان عموماً  بحوالي 36930 وأن بالخرطوم بلغ عدد المشردين حوالي 14329 طفلاً من الجنوب.

  • سرية مطلقة في حياتهم:ـ

يصعب لأي باحث اجتماعي أو مهتم على المستوى العام من الاقتراب للتحقق من الحياة الداخلية لعالم هؤلاء المشردين، فعالم الشماسة أقرب لجيتوهات منعزلة ومتكتمة في شؤونها الداخلية، ولا تسمح لأي كان من الاقتراب منهم، وهو أمر طبيعي بحكم انعدام الثقة بينهم والمجتمع الذي لفظهم، خاصة بالنسبة للشرطة والمسؤولين على النحو الخاص، ورغم ذلك استطاع عدد من الباحثين والبحثات الاجتماعيين أن بنجحوا في إختراق الأسلاك الشائكة لمعسكرات وجودهم ونقل بعض من تلك الحياة التي يعيشونها،من هؤلاء الباحث ( الممبي محمد صالح) الذي عاش وسط المشردين لمدة ثلاثة أشهر من الساعة الثامنة صباحاً حتي الحادية عشر مساءاً ، واستطاع أن يقدم بحثاً رصيناً لصالح مركز دراسات المجتمع، حيث  كشف في دراسته أن للمشردين مجتمعاً يضبطه هيكل إداري وحدود جغرافية ونظام معقد ودقيق إلي أبعد الحدود، وأن هذا النظام يفي تماماً حاجات المجموعة، وهو يتألف من :

*المعلم:ـ  قمة النظام ويطلقون عليه المأجور، وهو المسؤول عن النظام وتوزيع الطعام والمخدرات.

*رأس الهوس:ـ وهو يتبع مباشرة للمعلم ومهمته استلام المسروقات وحفظها.

*تلفون الدلاقين:ـ وهو نظام إتصال يتبع أيضاً للمعلم

*الأفندي:ـ ويعتبر مشرداً جزئياً بحيث يكون نهاراً معهم وليلاً مع أسرته  ومهمته تسليم المسروقات لرأس الهوس.

* مجموعة الجوكية وهي التي تقع عليها أعمال المسروقات

  • أوضاع مأساوية:ـ

في مقابلة  أجريت مع عدد منهم ضمن دراسة ميدانية، أفادت إحدى المشردات في أم درمان حي الشهداء بأن إسمها زينب  وتبلغ من العمر حوالي 15 عاماً وهي أم لطفلة عمرها ثلاثة أشهر، تضيف أن أكثر مايزعجهم  هي عربات الحكومة التي تطاردهم، لتأخذهم إلي معسكرات في سوبا، وهنالك تساء معاملتهم ويتعرضون للضرب المبرح، مضيفة أنهم يتعرضون لكل ما يخطر على البال،  مشيرة إلى أن الكثيرين من هؤلاء يقدم على الانتحار، نسبة لقسوة المعاملة، مضيفة بأنهم يتناولون طعامهم من القمامة وبقايا الطعام في المطاعم وما يتصدق به بعض الخيرين، وقالت أنها  متزوجة من متشرد مثلها وهو أب لطفلتها وأنه  يعمل مورنشاً  للأحذية و ينفق عليهم.

وفي مقابلة أخري مع مشردي منطقة بحري،  جاءت جميع إفاداتهم متشابهة، إذ أن جميعهم خرجوا من أسرهم نتيجة ظروف إما أنها بسبب قسوة أسرية من أحد ألأبوين أو نتاجاً للحروب في مناطقهم، ويشير آخرون أنهم يتركون منازل أهلهم إلى مدن أخرى  ككسلا وسنار وكنانة بحثاً عن عمل ليعبلوا أسرهم الفقيرة، فيصطدمون بواقع نمط المعيشة المرتفع جداً، مقارنة بقراهم التي تركوها، فيتخذون  من الشارع مأوي لهم،  وأوضح أكثرهم بأنهم يعملون بشركات للنظافة أو بالأورنيش أو جامعين لأدوات البلاستيك الفارغة، فيعتاشوا من هذا الدخل الضئيل،  ويرسلون ما يفيض عن حاجتهم لأسرهم.

  • معسكرات لإيوائهم أم معتقلات؟:ـ

 كشفت إفادات من بعض هؤلاء المشردين بأن المعسكرات التي تشرف عليها السلطات لتأويهم، تغيب عنها أبسط مقومات الحياة، حيث تتحول إلى سجن قاس جداً، فقد أوضح أحد هؤلاء المشردين  وهو عامل بشركة نظافة، أن المشردين يعانون بشدة في المعسكرات التي تأخذهم إليها عربات الكشة، موضحاً أن تلك المعسكرات أشبه بالسجن، حيث فيه ينامون ويستيقظون ويقضون فضلاتهم وأنهم داخل ذلك المعسكر يحنون إلي الأكل من القمامة والكرتة وتصدق الناس  عليهم، مقارنة مع ما يقدم إليهم من طعام ردئ داخل تلك المعسكرات. وقال أنهم يتجنبون  الوقوع في الكشة، لذا تراهم يقضون الليل بالقرب من مركز الشرطة خوفاً من شرطة السواري التي إذا ماوجدتهم ينامون في الصالات تأخذهم إلي السجن بتهم ملفقة، فلا  ملاذ لهم إلا النوم بالقرب من مراكز الشرطة التي ليست بأفضل حالاً  من عربات الكشة  حيث يقوم أفرادها بإيقاظهم عند الرابعة صباحاً  عن طريق الضرب بالخراطيش  ويطلبون منهم أن ينظفوا البالوعات والحمامات، واوضح بأنه لو أن المعسكرات  كانت جيدة وبها تعليم ومأكل، جيد وملابس نظيفة،  لكانوا استحسنوها وعاشوا فيها، ولكن ليس بها شئ غير الضرب والاهانة فلماذا يبقون فيها؟!.

محمود صالح المحامي:ـ حقوقهم منتقصة

يقول لنا محمود صالح المحامي والناشط في مجال حقوق الانسان والسياسة، بأن المشردين سوي كانوا أطفالاً أو أشخاصاً بالغين فهم  كسودانيين من المفترض أن يتمتعوا بكافة الحقوق الممنوحة لكل مواطن سوداني، بموجب دستور عام 2005م  وخاصة الحقوق الواردة في الباب الثاني من وثيقة الحقوق المادة 27 بجميع فقراتها، وهي وثيقة موقعة عليها الدولة، إضافة لجميع الحريات المضمنة في الإتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان  والمصادق عليها من قبل حكومة السودان، وهي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من القانون والدستور، عليه فإن هولاء الأطفال لهم الحق في التمتع بكافة الحقوق الإجتماعية والثقافية ولهم أيضاً حقوق إضافية  كإتفاقية حقوق الطفل الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في  10/ديسمبر /1948م ويشمل  حق حرية التعبير والعمل والسكن وحق التعليم والعلاج وأن يكون للطفل المشرد جنسية  وحق الحركة والتنقل والتملك طالما هو سوداني يتمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها المواطن السوداني، بالإضافة للحقوق التي تاتي نتيجة للحقوق الإقليمية  كالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان، وكون أن يكون الانسان مشرداً، فإن هذا لا يقلل من قيمته كمواطن  سوداني، بل بالعكس التشرد يخلق مسؤلية إضافية تجاة الدولة الوطنية لمزيد من الإهتمام بالمتشرد، أن تمنحه الدولة قبل كل شي مأوي ومسكناً كريماً وأن يكون لديه حق التعليم وحق الرعاية الطبية، هذه كلها مسؤلية الدولة، بحيث أن  للتشرد أسباباً ودوافع كثيرة كالحرب مثلاً،  وللأسف فالحكومة السودانية غير جادة في معالجة ظواهر التشرد التي أنتجتها عبر الحروب ،ومالم تعالج مشاكل الحروب فسوف تتزايد أعداد المشردين حول المدن، خصوصاً  أن تلك المناطق من الصعب جداً العيش بها بسبب إنعدام الأمن وعدم توفر سبل العيش الكريم، والدولة ليست لها أي سياسات جادة لمعالجة هذا الوضع بشكل منهجي يستند للإتفاقيات  الدولية الموقعة  والمصدقة عليها.    

  • الحرب والفقر والتفكك الأسري ثالوث المشكلة:ـ

تشير الباحثة سليمة إسحق شريف الاختصاصية النفسانية، بأن التشرد في السودان له أسباب كثيرة ليست سلوكية في المقام الأول، إنما بسبب ظروف كثيرة جداً تأتي الحرب من أهم أسبابها، كذلك الفقر والتشرد والمشاكل العائلية وأحياناً التاثر بالأقران.

أغلب الأطفال الذين يطلقون عليهم لقب (الشماسة ) هم في الواقع نتاج  بسبب تفكك أسرهم نتيجة للحرب بين الجنوب والشمال، إذ يفقد الطفل أحد والديه، وفي أحيان كثيرة يفقد أسرته بأكملها ليكون الشارع أسرته البديلة والماؤي الوحيد له .

ثم تضيف موضحة بأنه نتيجة للحرب في دارفور حالياً، ومنذ نشوبها أصبحت هنالك ظاهرة جلوس الأطفال في الشوارع والأسواق، إذ أن الحرب تغير نمط الحياة في المدن المتأثرة بحيث يشعر الجميع  وخصوصاً المشردين أن الشارع أكثر أمناً من منازلهم، وهم يجدون فيه  الكثير من الحرية .

هنالك أيضاً تشرد بسبب المعاناة التي يعيشها الطفل بسبب سوء المعاملة من أقربائه الذين يقيم معهم، والطفل اليتيم يعاني مسبقاً من حساسية مفرطة بسبب فقد أحد أبويه، وبالتالي لا يستطيع تحمل أي قسوة من شخص أخر فيفضل حياة التشرد.

  • فشل برامج الدولة يفاقم المشكلة:ـ

هنالك برنامج وضعته الحكومة يسمي لم الشمل وهو برنامج  فاشل تماماً، خصوصاً عند البنات، والتي وصف الواحدة منهن من جانب الأسرة  البديلة بأنها قليلة أدب وفاقدة للسوك التربوي وبمثابة وصمة عار فلا يتم قبلوها وسط الأسرة البديلة.

هنالك أيضاً الدور التي أنشاتها الحكومة لحماية الأطفال المشردين، وهي ليست بأفضل حالاً من المنازل التي خرجوا منها، حيث يعاني الأطفال فيها من قسوة حادة جداً في التعامل والضرب المبرح، فيضطر الطفل للهروب إلي الشارع الذي أتي منه مرة أخري، فيكون الشارع بالتالي هو البديل عن الأسرة ويصبح مقراً دائماً له.

 وللشارع نظامه الخاص الذي يفتقر لنظام الأسرة بقواعدها التي تساعد على اكساب الطفل لكافة آليات وسلوكيات الدعم النفسي أو المقاومة النفسية، التي من المفترض أن يجدها في الأغلب لدي الأم والأب وبعض ذوي القربي، حتي يخرج كطفل سليم للمجتمع، كما أن للشارع قوانين قاسية جداً يظهر بعضها عند مطاردة عربات الكشه لهم، وعندما يتعرض المشرد منهم لحادث يؤدي بحياته، أثناء هروبه من الكشة، أو في حالات القبض عليه، مثل هذا يطلق عليه أقرانه، صفة {دقس}، وهي صفة تنم عن غياب التعاطف معه كزميل لهم أو أخ، أي لا يوجد تعاطف أو تراحم وهو كقانون الغابة البقاء فيه للأقوى!.

  • جرعات الحنان والعطف تعطي مفعولها وسطهم:ـ

وتشير الاختصاصية النفسانية سليمى إلى ملاحظات مهمة أخرى حول نمط سلوكهم، بحيث أنه إن تمت معاملتهم معاملة جيدة فإنهم يستجيبون فوراً، وتقول:ـ خلال تعاملنا معهم ـ خصوصاً الأطفال الأكثر هشاشة  كالمتاثرين بالحرب فنحن نستخدم معهم طريقة العلاج بالفنون، بجانب تقديم الكثير من العطف والحب والقبول التام لكل حاجات الطفولة  التي يرفضها المجتمع، فنجد منهم إستجابة جيدة، ونحاول جهدنا أن نعطيهم مهارات لمواجهة الحياة، ولكن للأسف تلك المحاولات يتم إيقافها ولا تستمر بسبب هروب الأطفال من تلك الدور نتيجة المعاملة القاسية التي يتعرضون لها، فبعد أن نبني معهم علاقات جيدة من الثقة المتبادلة، ويبدئون في التدرج لمراحل أكثر تطوراً، يتم  هدم كل شئ  بسبب المعاملات القاسية داخل تلك المنازل،  إن تلك المنازل  التي أنشأتها وزارة الرعاية الإجتماعية، تفتقر كثيراً للكادر المؤهل والمستعد لتقبل الطفل المتشرد كما هو، فالضرب الذي يتلقونه من الحراس، ربما يكون غرضه إخضاعهم للأوامر أو محاولة ضبطهم، ولكن  هذه طريقة خاطئة .

  • قوانينهم داخل مجتمعهم تزيد المشكلة:ـ

وتوضح سليمى أن المشردين يعانون من مشاكل كثيرة فيما بينهم  بسبب قوانين الشارع القاسية جداً، من تلك القوانين نشير  لقانون التنمر، وهو يسمح للكبار منهم بإغتصاب الصغار، وهنا نجدهم يتعرضون لمخاطر كبيرة  ليس من المجتمع فقط،  بل من بعضهم البعض، وهم لا يرون في قانون التنمر ضرراً، بل يرونه حقاً من حقوقهم، وهنالك من يعانون من إعاقات ذهنية  تزيد من مشاكلهم وتضاعفها، هذا بالإ ضافة للأمراض الجنسية كالأيدز،  وهناك أطفال دون السابعة وحتى أعمار الستة أشهر تجد جزءاً منهم يعاني من أمراض نفسية خطيرة جداً.

أما بخصوص  حقوقهم كأطفال مشردين فيما يخص الصحة والتعليم والسكن المجاني المريح من جانب الدولة، فإنه غير موفر لهم ، قد يتلقي أحدهم علاجاً مجانياً إن كان متواجداً في الدور المخصصة لهم، ولكن المشردين في الخارج لا يتعالجون مجاناً.

  • الفنون والكوادر المؤهلة ضمن برامج العلاج النفسي:ـ

تقول الاختصاصية النفسانية سليمى أن من أبرز البرامج التي تجعلهم  مؤهلين للدخول في المجتمع، هي برامج الفنون، ولكن تلك البرامج تحتاج لدعومات وجهود كثيرة ثم تدريب وتأهيل لجميع الكوادر، ومن ضمن تلك البرامج إعطاؤهم الحرية الكافية أن يختاروا ما يريدون، حتي وإن كانت إختياراتهم خاطئة، لأن فرض السيطرة والنظم القاسية لا يجعلهم يستجيبون لأي برامج،  لذا ففي البدء لابد من تقبلهم هكذا ثم بعد أن تبني بينك وبينه علاقة جيدة، فإنك تقوم بتعليمه  كيف يحب نفسه وكيف يتقبلها  وكيف ينظر لنفسه بطريقة أفضل، خصوصاً أنهم يعانون من تقدير متدني جداً لذواتهم ويعانون من عدم ثقة وخوف من المجتمع، ويميلون للعنف وعدم التحكم في الغضب، الفنون عموماً تمتص كل تلك الترسبات النفسية السالبة وتخرجها منهم.

هنالك أيضاً طريقة الفضفضة والونسة التي تجعلهم يخرجون الكثير مما بدواخلهم من مشاعر سالبة ،حالياً توقفت تلك البرامج تماماً، ولا نستطيع الدخول إلي تلك الدور ولا حتي لأجل تدريب الطالبات، حتي المنظمات التي كانت تعمل في ذلك المجال توقفت تماماً، كما أن الامم المتحدة لا تحبذ تلك الدور وتري أنه لابد أن يكون الطفل داخل أسرة وهذا الأمر صعب، إذ لابد من علاج الطفل وتأهيله حتي تقبله الأسرة، لأن الأسر السودانية نفسها ينقصها إتباع السلوك النفسي القويم بالنسبة لأطفالها، فكيف يمكنها أن تقبل طفلاً مشرداً في الشوارع يعاني من عدة أزمات نفسية؟، إن الحكومة وجهات الاختصاص المسؤولة مطالبون بتكثيف وضع برامج مدعومة لحماية الطفل المشرد، دون النظر إلي من أين أتي وما هو جنسه أو عرقه أو قبيلته، وتوضح سليمى قائلة:ـ باختصار بالنسبة لنا لدينا  نظام حماية متكامل ولكنه يحتاج إلى تفعيل. ولا نستطيع تفعيله لغياب تعاون الجهات ذات الاختصاص.

  • ثم ماذا بعد؟:ـ

نختم ونكرر ما سبق وأن بدأنا به هذا التحقيق ،،

في كل مناسبة كبيرة أو عند قدوم زائر مهم للبلاد نسمع بأنه سوف يتم تنظيف العاصمة من المشردين والمجانين، وفعلاً يأتي العيد مثلاً فتكون العاصمة خالية تماماً من المشردين والشوارع نظيفة منهم،  أين أختفوا هو سؤال كبير ومهم  يجب أن تجيب عليه الدولة! .. أن نسمع فجأة بأن هناك عدد هائل من المشردين قد وجد ميتاً مسموماً، فإن تلك مسؤلية الدولة ، حتي وإن كانت هي بريئة من ذلك، يجب أن تحقق وتبحث عن القتلي والجناة وتقبض عليهم، ففي الدول الأخرى التي تقدم نفسها كدول رعاية لمواطنيها فإن حدث كهذا يعد كبيراً وأبسط ردود فعله هي أن يستقيل وزير الداخلية!.

فالتشرد في السودان سوف يزيد أكثر مما هو عليه الآن، بسبب أن الطفولة غير محمية بطريقة جيدة، فالحروب مازالت مستمرة، والاطفال معرضون لأخطار كبيرة لقلة الاهتمام والعناية الكاملة والجيدة وعدم تشجيع البحث العلمي لضبط الظاهرة.

ومن جانبنا كصحفيين فإن مسؤولياتنا وواجباتنا تحتم علينا أن نسعى لدق نواقيس الخطر، لعل وعسى.