موجة أولى

أنا لست مثقفاً

من لطائف صديقي (هـ. ج) أنه حين يُصب له الشاي، أو القهوة، ويُسأل كم ملعقة من السُكّر يضع في كوبه؟ يقول (ثلاثة)، ويضيف ضاحكاً.. (أنا لست مثقفاً).. وأشهد له بثقافة عالية منذ عرفته أواخر ثمانينات القرن الماضي، وأرى فيه نموذج لسلوك المثقفين. فبجانب أن صوته هادئ كما حركته، فهو ليس من المثرثرين دُعاة المعرفة، ولا من الذين يجرحون أحداً وإن احتد النقاش حول شأنٍ ما. وفوق هذا فهو دائماً مهندماً معطراً، في بيته وخارجه. وإن حظيت بزيارة منه، فإنه لا يترك خلفه ما يحتاج منك إزالة.

قلت له مرة معقباً على جملته (لست مثقفاً) أنني وقعت على تعريف للمثقف أعجبني جداً يقول " أن السلوك القويم السوي هو مدلول الثقافة، فالمثقف هو الذي يستطيع أن يكوّن لنفسه رؤية وموقفاً من الانسان بالدرجة الأولى، ومن المجتمع بالدرجة الثانية، ومن الطبيعة والكون بالدرجة الثالثة، ويستطيع أن يعبّر عن هذه الرؤية برموز الكلمات والألوان والأصوات" وأضفت من عندي (والأفعال.. فالسلوك البيئي إنما هو فعل وأثر).

في شتاء العام 2001 كنت حضوراً في مؤتمر نظمه مركز الدراسات السودانية بالقاهرة، و بعد إنقضاء المؤتمر طلب مني أحد الأصدقاء من زملاء المهنة كنت قد حللت أن نزور ثلاثة من الزملاء المتخذين من مصر محطة يقلعون منها إلى أقاصي الدنيا. كانوا يسكنون في طريقنا إلى عيادة الطبيب الذي سنزوره. وافقت على أن لا نتأخر على الموعد المحدد. وصلنا حيث يقيمون، وفُتح باب الشقة (الغرفة)، وليته لم ينفتح، فقد فجعت حقيقة بما رأيت من فوضى، وشممت من نتن، ما وطأت قدماي من قصاصات ورق وأكياس البلاستيك، وأعقاب سجائر وأعواد الثقاب.. و.. يا للهول.. كتل من التمباك على أوراق الصحف تحت الحوائط. وكتب ومجلات مبعثرة فوق الأسرة المتسخة، والمناضد المتهالكة. بل حتى الملابس التي استقبلونا بها لا علاقة لها بما يلبسونه في الخارج. جلابيب تيبست من العرق، فتكاد تُجزم أنها يمكن أن تنتصب واقفة دون أن يكون بداخلها أحد.

وبعد لحظات من التحيات والسؤال عن الحال هناك، ومحاولات إصلاح الحال هنا لنجد مكاناً يصلح للجلوس، بدأ أحدهم يصب كأسات (العرقي السوداني)، وهو يحكي كم عانى ليحصل على هذه القارورة. همست في أذن رفيقي بضرورة الاسراع بالمغادرة. اعتذرنا بأننا على موعد مع طبيب، وأنه يمكننا أن نلتقي ثانية، فهتف أحدهم "كنا نُمنّي أنفسنا بسماع الجديد من الشعر". وفي الشارع قلت لصديقي أنني في مثل هذه المواقف أُضل أن أردد مقولة لأحد الشعراء، حين طُلب منه أن يقرأ شعراً بينما الجماعة تتداول الكؤوس، فانتصب واقفاً ليعلنها (الشعر عندي يعني التهذيب).