موجة أخيرة

بوابات

 

(والموية أووووو كاللظى

رمت الدهاليز والأُوَض

بس فضّل الباب العِظَة)

في كل مكان هنا، وبعد اجتياح السيول للقرى والأحياء التي تعدّت على مجاريها القديمة، أو البنايات التي تخطّت أماكن التروس والسدود في اتجاه مجاري الأنهار، رغم أنف الكبار ونصائحهم، ذلك مثلما حدث في ملحمة (الضو وجهجهة التساب) والتي صورها وأبدعها لنا (حميد) ليقول لنا أن من لا يتعظ يفقد كثيراً، وقد يتسبب في خسائر للآخرين. فقد حكى النص عن ذلك (المستقوي) الذي رفض النصائح، وبنى بيته خلف الترس القديم، فغرق بيته، وغرقت القرية بأكمها بسبب ذلك الخطأ.

أبواب شامخة، بينما كل البنايات قد تحولت إلى ركام، أو أنها تكون قد مضت بعيداً بما فيها.. لماذا هذا الاهتمام المتزايد بالبوابات؟ ليس الأمر مقصوراً على المساكن، بل حتى المؤسسات الحكومية العريقة والحديثة تجد أن الاهتمام بالبوابات فيها يفوق الاهتمام بالمباني الاخرى، ومن يشغلونها، وما أنشئت من أجله هذه المؤسسات. وفي مرة قال أحد (المغبونين) أن ما صُرف على بوابة المؤسسة يكفي لحل مشكلة المرتبات المتأخرة لشهور. ونعى آخر غياب التدريب المستمر بحجة عدم توفر الميزانيات، وهو يعلم أن من حقه ستين ساعة في كل عام في مجال عمله وغيره من المجالات التي تمكنه من التطوير الذاتي، حتى يرتقي بعمله. ولك أن تعبر أي مؤسسة تم تجديد بوابتها، وستلاقي من الشكايات ما يستعصي على البوابة الجديدة (تفويته).

دخلت في مرة إحدى المؤسسات بعد تجديد مسؤولها الأول والبوابة، وكنت أُمنّي نفسي بأن ألمس تغييراً في طريقة التعامل معنا كأفراد ذوي علاقة بالشأن الذي أنشئت هذه المؤسسة للقيام به، فوجدت أن الحال قد ازداد سوءاً على سوء. فالمسؤول الجديد لا هم له سوى تصفية تركة سابقه، وحمى السباق على أشدها بين المسؤولين الكبار للظفر برضا القادم الجديد، وتحت أقدام الأفيال ضاعت وتضيع في كل يوم الكثير من ملامح و(لوائح) ومهام المؤسسة.

طيب نرجع للبوابات... الكلام ده جاء من وين؟

حدثنا الجدود والحبوبات أن من يصنع بوابة لبيته كان يعد بخيلاً.. هذا إن كان يغلقها نهاراً ناحية الشارع. وأن هناك مداخل ومخارج بين الجيران بلا أبواب (نفاجات) تعبرها المحنة والمحبة، والأطفال، وستات البيوت (بلا كلفة) وصحن االملاح، والكثير من الأغراض.. ورحم الله المبدع محجوب شريف، حين ربط بين كل هذه المعاني السامية.. وهو يرثي (الكبير) عبد الكريم ميرغني.. حسب معلومتي القابلة للتصحيح:

ود باب السنط.. والدكة والنفاج

والحوش الوسيع الساكنين أفواج

واللمة التي ربّت جنا المحتاج

والنار الدُغش والريكة جنب الصاج

هل أصبحت البوابات الحديدية، وتلك المصنوعة من الزجاج والفايبر، وما يمسك بها من أحجار واسمنت، وما تُطلى به من ألوان منفرة أحياناً، وما ينقش عليها معلماً جديداً من معالم التراجع باسم التقدم لدينا؟

النفّاج في اللغة العربية غيره عندنا، فهو هناك يعني المرء الذي يتحدث بما ليس لديه. والفعل (نفج) يّربط في القواميس بـ(نفوج) الأرانب والحيوانات الصغيرة حين تهرب من عدوها.. فهل قصد أهلونا أن هروب الأطفال من العقاب عبر النفاجات يشبه نفوج الأرنب من العدو؟.. قد يكون ذلك صحيحاً أو خطأ.. لكن النفاّج لمن لا يعرفونه باب صغير يربط بين سلسلة من منازل الجيران والأهل (الأسر الممتدة)، حيث تجد بين كل بيت والآخر فتحة طويلة تتسع بالكاد لعبور شخص واحد، ويستخدم لزيارة الجيران بين بعضهم البعض دون تكلف وعناء الدخول من الباب الرئيسي، وهو من العادات التي بدأت في الاندثار حتى في القرى حيث البساطة في التعامل. ومن أكثر مستخدميه الأطفال والنساء، إذ يفضل الرجال الولوج من الأبواب، والتي تكون نفسها مفتوحة.

كلما أكتب في مثل هذه الشؤون أُمنّي النفس بأن يتناول الأمر أحد الباحثين، فيغرق في المعاني والشهادات، ليأتينا بالخبر اليقين، كأن يجيب على سؤال (ما السر في اهتمام مسؤولي هذا الزمن بتزيين المباني، والبوابات تحديداً خصماً على كثير من المطلوبات)؟