هل يمكن تصفية التطرف وقول ما بعد داعش؟

بقلم/أحمد الفاضل هلال

لا يمكن القول بأن التطرف والإرهاب هي سمات هذا العصر. ولكن يمكن القول بأن التطرف ظاهرة عالمية متعددة الملامح ولا يوجد رؤية فكرية واحدة أو مرجعية، ولكنها تستند على منهج آحادي يقوم على الإقصاء والنقاء العرقي والديني، وعدم الاعتراف بالتنوع وتربط الهوية بالسلطة والدولة.

يجب أن ندرك بأن منظمات وجماعات وأحزاب كالجبهة الوطنية في فرنسا وداعش وباغيدا في ألمانيا، ماهي إلا أعراض لأزمة عميقة في المنظومة الرأسمالية العالمية والدويلات التي تدور في مداراتها. وهي عناوين فرعية لأنظمة الاستبداد والقهر والظلم. وهذه الأنظمة تمثل المجرى الرئيسي الذي يرفد هذه الجماعات بماء التطاول على المجتمعات. وبلا شك أن جزءاً من هذه الجماعات هم ضحايا الظلم السياسي والاقتصادي والنظام الاجتماعي. وهنا لا ندافع عن الأعمال الإجرامية لمختلف التنظيمات التي ستخدم العنف كأيدولوجية؛ ولكن يجب إعطاء التوصيف الصحيح لهذه الحالة بغض النظر عن الممارسات المرئية.

إن العنف له جذور تاريخية عميقة في الظلم وعدم المساواة وهيمنة بعض المرجعيات الثقافية. ومما لا شك فيه أن العنف أصبح جزءاً من الثقافة المتداولة، لأن الصمت إزاء الكثير من ظواهره باعتباره بعيد عنا مكَّنَ من ظهوره بهذا الشكل الدموي.

وإذا اعترفنا بأن العنف والتطرف يظهران الآن بوجه العالم فليس من الانصاف إسقاط كل الحمولة على حركات الإسلام السياسي،  بالرغم من أنهما يتصدرا المشهد التراجيدي هذا، مع التفاخر بأن هذه الأعمال خالصة لوجه الله. أن في وسط الحركة اليهودية يوجد متطرفون يزرعون الرعب والقتل باسم الله، وهنالك جماعات مسيحية متطرفة جعلت من اللون حاجباً وعيباً. وهنالك نماذج لأنظمة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ مارست الإرهاب والقتل المجاني كالنازية في المانيا والفاشية في ايطاليا واسبانيا، وللانصاف لا يمكن استثناء تجربة البلدان الاشتراكية الآحادية وأنظمة القومية العربية والشعبوية . إن العنف متعدد ومتنوع ويتضاعف في الأنظمة الشمولية والعسكرية أو المدنية والدينية.

إن العنف ليس جديداً، ويمكن أن يؤرخ له منذ المجتمعات البدائية حيث الهمجية والوحشية وتطور حسب الملكية الفردية، ولازال حتى يومنا هذا يعشعش في كل التشكيلات الاجتماعية التي مرَّ بها المجتمع البشري، ولكنه كان في كثير من الأحيان يظل صامتا، ولكنه كان موجوداً في التشوهات والظلم.

العنف ليس مجرد ترسبات من الماضي، ولكن له جذور في النظام الاجتماعي فلو كان ذلك  لأنتهى، ولكنه أصبح ثقافة وكل ما هو عايش يصبح ثقافة.

ويبدو أن السؤال المنطقي هو لماذا استفحلت ظاهرتي التطرف والعنف ، يجب عدم الزج بالدين المطلق، باعتباره أداة عنف في الصراع . صحيح هنالك جماعات استخدمت الدين لأنها تبحث عن "مشروعية" "وشرعية" لأعمالها وانتزاع واحتكار الحق في التحدث والأمر باسم الآلهة. وهذه الجماعات عندما تعجز عن تحقيق أهدافها الخفية تهرب للقبلية، باعتبارها أكثر المواد المساعدة على الاشتعال. إن البشر في الواقع لا يتصارعون كما أثبت الواقع من أجل النساء أو في سبيل إدخال البشر إلى الجنة أو لتحقيق الفضيلة وإقامة العدل، هذه مجرد بالونات ومساحيق. إن الصراع الحقيقي هو الذي يختفي وسط هذه المسميات الممعنة في الكذب والخداع. وبدون أي زركشة إنه صراع السلطة والثروة وتقسيم والاستئثار بالموارد.

وبوكو حرام عندما تختطف وتغتصب هذا ليس عملاً لوجه الله. هذا صراع سياسي بامتياز، لكنه يتدثر بالتقوى. من أخطر الأسلحة والديماغوجية التي يستخدمونها في التلاعب بالفقراء والمعدمين، الحجز المباشر لمقاعد في الجنة التي لا يدخلها سدنة المال والطواغيت. إنهم تجار وعود وسماسرة البيع المؤجل . إن الظلم الاجتماعي والتهميش والإفقار الذي يمارس على مستوى العالم إنه يولد مجموعات من الناغمين، وهذا بجانب حالات الاغتراب الداخلي وعجز الدولة التقليدية في تحقيق العدالة ودولة القانون والمؤسسات واحتماءها بالقبيلة والعشيرة .إن  العنف ليس له جينات تتوارث عن طائفة أو قبيلة ولكنه يستخدم فب الصراع من أجل تحقيق مكاسب وفرض واقع والسيطرة على مواقع صنع القرار. فالصراع في العالم ليس بين مؤمنين وكفار أو بين الغرب والجماعات الإسلاموية هذا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ر الصراع. وبين الفريقين يتم التنسيق في كثير من القضايا التي تضر بمصالح الجهات التي يدعون تمثيلها. داعش ككيان مادي يمكن أن يحسم في معركة واحدة وتتم تصفية أدوات حربه، ولكن المسألة تخطت هذا الجسم الملموس والمرئي. وتحولت الفكرة إلى أيدولوجية ، وهذه الأيدولوجية والمناهج أضحت بلا ضفاف . إن هذا الفكر قد انداح في مساحات واسعة من العالم وسط الجماعات التي اختطف إيمانها، وتلك التي تشربت ثقافة العنف ومجموعات أخرى محترفة مؤمنة بأن العنف هو الوسيلة الوحيدة للسلطة وترف المعيشة.

استلهاماً من التراث في الفتوحات والغزوات باعتبار أن الاستيلاء على السلطة هو المحور الأساسي للهيمنة والتحكم في مصائر الشعوب. هذا الفكر المتطرف تجاوز مرحلة الأطر التنظيمية وأصبح في نسخته الجديدة عابراً للدول، وتتعدد فيه أشكال الانتماء من العاطفي والنفسي والفكري.

إن هزيمة الفكرة ليست بالسهولة طالما ظل السبب قائماً. وطالما هناك مؤسسات دول تقوم برعايته وتمويله، فإن المعركة ستطول وأن هذه التنظيمات ستتحور إلى مخلوقات جديدة مكتسبة للمناعة.

إن العنف ليس "مسألة" طارئة هو موجود في الممارسة اليومية وفي اللغة والثقافة، وما الدواعش إلا نائب فاعل، وهي قابلة للانشطار والتناسل في عتمات الفساد والاستبداد.

إن الخطر ليس داعش، وإنما "الجماعات" "النافذة" و"المستترة"، والتي توفر لها الحماية والانطلاق وتدعي زوراً بأنها تحارب الإرهاب!