تلخيص وإضاءات حول محاضرة تصور رأس المال( visualizing capital)

 للمفكر الماركسي دايفد هارفي

 مقدمة وعتبة اولى ضرورية:ـ

 كُتبت  هذه المساهمة في الاصل ابتداءا على موقع التواصل فيسبوك استجابة لطلب للمتابعين والمتابعات لخيط كنت ابتدرته للاحتفاء بمقدم هارفي لأبسالا ومن ثم تطورت لهذا المقال ,وأبسالا هي الجامعة المدينه او المدينة الجامعية التي تأسست جامعتها في العام1477م ومدينة أبسالا العاصمة الثقافية للسويد بل لمجمل الدول الاسكندنافية. المحاضرة اقامها معهد السكن والبحوث الحضرية (IBF) التابع للجامعة  ضمن المحاضرات السنوية التي درج على اقامتها منذ العام 2010م؛ إلتأمت المحاضرة يوم 20 ابريل 2017 في احدى قاعات قصر ابسالا العريق. وبعد مقترح كريم من هيئة تحرير جريدة الميدان رأيت نشرها لعدة اسباب أهمها ان يصل هذا الجهد المتواضع لاكبر عدد من السودانيين والسودانيات لاسيما العمال اصحاب  الوجعة. ولان مشروع هارفي حول اعمال ماركس بالعموم ومؤلفه المركزي رأس المال، تعتبر من اهم واميز الاسهامات المعاصرة ، وايضا لان شبح ماركس يلقي بكلكله على كل العالم الان، ولم تكن كتابة ماركس واسهامته النظرية اكثر راهنية وضرورة من الان. فالعالم كله اليوم يعيد قراءة ماركس وفهمه من جديد ونحن في السودان يجب علينا المشاركة بل والاسهام في هذه المعركة المعرفية الملحة والمصيرية.

اخيرا اقول انها مهمة ليست سهله على كل حال ولن تكن تفصيلية ولن تخلو بطبيعة الحال من الهنات والمآخذ وتطمح ان تكون امينه لنص وروح المحاضرة. توجد كثير من المصطلحات  بين الاقواس باللغة الانجليزية بالرغم من وجودها باللغة العربية في هذا التلخيص  قصدت تثبيتها لطبيعة المحاضرة ولانها تساعد في فهم الاطار العام الذي وضعه هارفي.  لكن العزاء ان المحاضرة بتسجيلها الكامل متوفرة على موقع الجامعة باللغة الانجليزية لمن يرغب في الرجوع إليها. بقى ان اقول هذا الملخص والاضاءات هي عبارة عن رواية يتبادل فيها ضمير المتكلم بين هارفي وراوي الرواية وهي ايضا فرصة للتدارس ولطالما يتعلم المرء اثناء الدرس كما عبّر المفكر الكبير ادورد سعيد.رواية لما حدث في يوم 20 ابريل رأيت اشراككم او توريطكم معرفيا فيها. هذا الجهد المتواضع بليلة مُباشر و تحية مقاومة لكل عمال السودان في يوم العمال وعيدهم.

  • من هو دايفد هارفي ؟:

 ديفيد هارفي المولود في العام 1935 هو بروفيسور الانثربولجي والجغرافيا في جامعة مدينة نيويورك ( CUNY) وهو المفكر الماركسي والمنظر العالمي في حقل الدراسات الحضرية.تدور أبحاث هارفي الأكاديمية حول عدة مواضيع منها :  نقد الرأسمالية والجغرافيا والنظرية الاجتماعية، المعرفة الجغرافية، سياسات المدن الحضرية، الاقتصاد السياسي بالمدن الحضرية، التمدن بالدول المتقدمة رأسمالياً، العمارة والتخطيط العمراني، الماركسية والنظرية الاجتماعية، التغييرالاجتماعي والتغيير الجغرافي، الفلسفة البيئية، البيئة والتغيير الاجتماعي، الحركات البيئية، العدالة الاجتماعية ... الخ  وله 26مؤلفا ترجم بعضها للغات مختلفة منها  العربية.

  • المحاضرة بعنوان تصور/ تمثل رأس المال :

في مقدمة محاضرته تحدث هارفي عن ان السبب الاساس لهذه المحاضره الجهل المستحكم لكثير من المتصدين بالنقد لاعمال ماركس الفكرية الحانقين والداعمين لها في آن حول اهم واكثر الاعمال جوهرية في فكر ماركس  ومشروعه وهو" رأس المال" (بمجلداته المعروفه المكتمله وغير المكتمله). وايضا ان هنالك من يعقدون افكار ماركس اكثر مما هي معقدة لذلك ياتي عمله محاولة لتصور رأس المال لا لتبسيطه بل لتوضيحه لفهم عمل ماركس في هذا الجانب وقد ذكر هارفي انه في هذه المحاضرة لن يتطرق للعوامل التاريخية لظهور رأس المال.

بما ان هارفي عالم جغرافيا ايضا وجد ان دورة الماء ( the water cycle) تصلح ان تكون نموذجا لتصور راس المال والفكرة الاساسية في دروة الماء ان الماء يكون في اشكال مختلفه احيانا سائلة وتارة بخار وبسرعات مختلفة (اشكال وسرعات مختلفة) وعليه بنى  تصوره كما هو ظاهر  الصورة  المصاحبة ،كما تلاحظون يبدأ التصور/الدورة من اسفل برأس المال الذي يستخدم في السوق لشراء البضائع والتي تكون في هيئتين قوة العمل ووسائل الانتاج، اذن يوجد طلب فعال (effective demand) لرأس المال في السوق. ويتطلب عمل دورة رأس المال ثلاثة شروط يجب توفرها ومن ثم تدخل قوة العمل ووسائل الانتاج في نظام الانتاج:

1-   لابد  ان يكون هنالك نظام نقود نشط (active money system)

2-   لابد من وجود عمال ومن ثم  تسليع قوة عملهم

3-   تسليع وسائل الانتاج ومن وجود سوق سلع نشط

ماركس يعرف رأس المال كvalue in motion أي قيمه تتحرك داخل النظام وتتخذ اشكال مختلفه كحال الماء في الدورة الهيدرولوجية مثلا كما واضح في الصورة. راس المال كان في صيغة نقود ثم اصبح جزءاً من قوة العمل ووسائل الانتاج اي embodied   فيهم بعد ما تم استخدام المال لشرائهم. هذه الصور والاشكال المختلفة لرأس المال سماها ماركس ميتامورفوسيس او metamorphosis هناك جزء مركزي في اطروحة/حجة ماركس فيما يخص انتاج السلع ( المستطيل الاحمر الكبير في الصورة)  وهو ان انتاج السلع يتوسع باستمرار من حيث القيمة ( لا احد يود ان يخرج من السوق في نهاية اليوم بنفس المبلغ الذي دخل به السوق، الجميع يريد المزيد من المال بنهاية اليوم) لذلك السلع ليست الشيء الوحيد الذي يتم انتاجه وانما يتم ايضا انتاج القيمة وفائض القيمة، ومن عملية الانتاج هذه يجري خلق سلعة جديدة والتي يجب او يتعين بيعها في السوق (توسع السوق)، وسيتخذ ذلك اشكالا مختلفة بعضها سيكون في شكل مجموعات الاجور التي تستخدم في الدفع للعمال وجزء منها يدخل في وسائل الانتاج وجزء ككماليات اوترف ((Luxury  للبرجوازية. كل هذه السلع او العناصر مجددا سيتم اعادة صياغتها في شكل نقودmoney form(انظر الصورة) حتى نصل للمرحلة الاخرى من دورة راس المال وهي تحقيق القيمة وفائض القيمة وهذا ميتامورفوسيس اخر.

ولحدوث هذا كله يجب توفر الرغبة (desire) في السلعة المعينة اي الطلب (consumer effective demand) لذلك يجب ضمان ان احتياجات الناس ورغباتهم تتماشى مع السلع، لذا يوهم الرأسماليون الناس بالاحساس بأن لها رغبات واحتياجات خاصة بها(احساس زائف بحرية الاختيار) وهذه نقطة في غاية الاهمية. على سبيل المثال تم خلق احتاجات ورغبات تتضمن نمط حياة معينه للتمدن (urbanization) في الولايات المتحده بعد الحرب العالمية الثانية وهي نمط الحياة في الضواحي، وقد استخدمت استراتجيات مختلفة لتحقيق ذلك مثلا الميديا فقد كانت اغلب المسلسلات حول الحياة والمعيشة في الضواحي (I love Lucy and The Brady Brunch) .. الخ

عندما يتحول رأس المال لصورة  المال النقدي (money form) وعند نقطة تحققه يوزع ويقسم بطرق مختلفة، وبعضه يتخذ شكل:-

  الاجور والتي تبدأ في التدفق مرة اخر كطلب استهلاك للعمال والذي يمكنهم من الانخراط في السلع العمالية (wage goods) وبالتالي في الانتاج الفعلي  لقوة العمل (انظر الصورة).

الضرائب(ماركس لم يتحدث عن الضرائب رغم اهميتها إلا لماما وهذا ايضا يشمل تدخل الدولة بالعموم).

أشكال مختلفه من ارباح رأس المال، بعضها يذهب الى رأس المال الصناعي وبعضها كارباح تجار (merchant profit).

 إيجار او قطاع التمويل مثل البنوك ....الخ

هناك ميل إلى افتراض أن هذه هي نهاية القصة، وهذا ليس صحيحا حيث أن النقطة الاساسية في فكرة دورة رأس المال انها مستمرة (حركة رأس المال ليست خطية). الجزء الاخر يذهب على الفور إلى طلب البرجوازية(bourgeoisie demand) والنفقات، والطلب على السلع الاستهلاكية. أما الجزء الآخر فيتم إعادة استثماره إما من خلال التوسع أو استمرارفي انتاج القيمة وفائض القيمة وهناك أيضا جزء من الفائدة تدخل في دورة الفائدة (interest bearing) ورأس المال غير الحقيقي او الوهمي(fictitious capital)التي تعود إلى رأس المال النقدي (money capital )وتستمر الدورة.

  • الحالة السياقية في دورة/ تداول رأس المال:

يتحدث ماركس عن العلاقات الأيضية مع الطبيعة(metabolic relations to nature) وهو ما لم يدرسه كثيرا في رأس المال على الرغم من أنه مهم جدا ذلك لأنه يركز على تداول او دورة  رأس المال في معظم الأحيان. (انظر الإنتاج واعادة الانتاج وتوزيع الفضاء والمكان والطبيعة في الصورة). هذه ليست عملية ثابتة ويتم بناؤها بشكل مستمر(عن طريق رأس المال) أي يتم بناء رأس المال بشكل مستمر. لذلك هناك حاجة لخلق الظروف السياقية التي من شأنها تسهيل تداول رأس المال. كما تدمج الطبيعة البشرية والثقافة (هدايا الطبيعة المجانية) في عملية الإنتاج من خلال قوة العمل وعملية البناء الاجتماعي.

 من المهم التأكيد والإستيعاب  على أن ماركس يستخدم في كتابته واعماله عدة  افتراضات حيث أنه بقصد يضمن بعض الافتراضات  ويستبعد بعضها في تحليله. لذلك النتائج  لهذه الافتراضات تختلف بحسب السياق وهذا مما يجعل الكثريين يعتقدون خطأً ان ماركس في احسن الفروض معقد او متناقض.إذا قمنا بتغيير الافتراض نحصل على نتائج مختلفة،وقد يكون هذا بالفعل مربكا للبعض لأن ماركس يستخدم افتراضات مختلفة في مجلداته. مجددا نقول  ماركس يفعل ذلك عمدا وعن قصد للنظر في مختلف المواقف. مثلا لتوضيح ذلك يفترض ماركس في المجلد الاول ان نقطة  تحقق القيمة في الشكل النقدي ليست معضلة؛ بينما تظهر كمعضلة حقيقية في المجلد الثاني والثالث. 

قلنا ان ماركس يفعل ذلك عمدا للنظر في مختلف المواقف (stances) لذلك في المجلد الاول من رأس المال اعتبر ماركس ان نقطة تحقيق القيمة (value) وفائض القيمة (surplus value ) في شكل مال (قروش) ليست مشكلة بالنسبة للرأسماليين وعليه فان الشيء الوحيد الذي يتعين على الرأسماليين القيام به لتراكم رأس المال هو استخراج او استخلاص(extract) اكبر قدر ممكن من القوى العاملة مع خفض اجور العمال الامر الذي يقود بالضرورة لكساد الاجور(depression) ومن ثم تدهور مستويات المعيشة  وهذا ما نراه يحدث في الولايات المتحدة حيث ان العمال اسوأ حالا مما كانوا عليه في السبعينيات ، ولكن في البلدان ذات الدخل المنخفض مثل بنغلاديش والهند وتايلند ...الخ حيث ان الاجور ومستوى المعيشة منخفض ومتدني جدا الامر الذي يجعل بعض العمال ينتحرون.ومع ذلك قد يأتي البرجوزايون ويجادلون  ان تبصر (prediction)ماركس غلط، ويستمرون  في القول ان اوضاع العمال اليوم في البلدان ذات الدخل المرتفع احسن ويعيشون اطول اي لديهم مستوى عمر اطول ( higher life expectancy ). ماركس كما ذكرنا سابقا يعمد في تحليله على استبعاد وإدراج الافتراضات. ويستند التبصر او التنبؤ بكساد الاجور إلى افتراض أن نقطة تحقق القيمة وفائض القيمة في شكل نقود ليست مشكلة، ومع ذلك ليست هذه نهاية حجة /اطروحة ماركس حيث يواصل ماركس شرحه في المجلد الثاني من رأس المال ان نقطة تحقق القيمة في شكل نقود في الواقع هي بالفعل مشكلة بالنسبة للرأسماليين الذين يحتاجون الى التأكد استمرار تراكم رؤوس اموالهم وبالتالي يحتاجون لعمال بصحة تكفي لاستمرارهم في العمل.(فهم لا يستطيعون جعل العمال يعملون حتى الموت ولايمكنهم تخفيض الاجور تماما ليصبح مايكفي من مال  لشراء البضائع /السلع  بحيث يصبح عامل الطلب الفعّال للمستهلك مهما(انظر الصوره) ورغبات واحتياجات الناس  ذلك مايناقشه ماركس في المجلد الثاني. غير ان ماركس في هذا المجلد –الثاني- يفترض ان التكنولوجيا والتي تشكل جزءا هاما جدا في المجلد الاول ليست قضية (issue) تجاهلها وغض الطرف عنها (عفص ليها) عند التحليل ، كما انه ايضا يتجاهل التوزيع (distribution) في المجلد الثاني   ولكنه عاد في المجلد الثالث الى الاستناد على افتراض أهمية التوزيع.