تعليقات في السياسة الداخلية

الوضع الاقتصادي والسياسي المأزوم يوجب حكومة

وطنية ديمقراطية قليلة العدد ورخيصة التكلفة (2/1)

التشكيل الوزاري الجديد، رغم تأخير اعلانه ، إلا أنه سار على ذات النهج الذي درجت عليه الحكومات العسكرية التي تفتقد السند الشعبي وتبحث عن بديل له في توسيع أجهزة الحكم وفي القوانين القمعية وتزييف إرادة الناخبين ، واصطياد بعض القوى السياسية والحركات المسلحة والأفراد للمشاركة في السلطة. لهذا لم يكن هذا التأخير عرضياً أو بسبب كثافة الطلبات المقدمة للمشاركة، بل أيضاً بسبب الخلافات العميقة داخل الحزب الحاكم نفسه حول المناصب ومن يبقى ومن يخرج من الوزارة وغيرها من المناصب ، رغم النفي المتكرر لهذه الخلافات .

معظم الأحزاب التي شاركت في الحوار إن لم يكن جميعها تطالب بنصيب أكبر في الحكومة خاصة تلك الوزارات ذات النهب والفساد المهول المقنن . فقد سبق ذات التأخير عند تشكيل الحكومة في العام 2000م. فوعد رئيس الجمهورية في منتصف رمضان من ذلك العام بتشكيلها قبل عيد الفطر وأكد أنه لن ينتظر الأحزاب لتدفع بأسماء مشاركيها في الحكومة. لأن المشاركة في السلطة ليس بالضرورة أن يكون عبر الجهازالتنفيذي، بل هناك أبواب كثيرة مفتوحة للمشاركة. ولكن ما تأكد أيضاً في الفترة الماضية هو أن الحزب الحاكم كان يلهث لاصطياد بعض الأحزاب خاصة الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي الأصل بهدف إضعاف وتفتيت وحدة المعارضة. ومصداقاً لما نقول عرض حزب المؤتمر الوطني الحاكم ثلاث وزارات على الحزب الاتحادي الديمقراطي، وعندما رفضها ـ لأنها ليست في حجمه ولا تناسب مقامه ـ قال السيد إبراهيم أحمد عمر ـ مستشار رئيس الجمهورية في ذلك الوقت ـ إنهم سيرفعون تمثيلهم الوزاري لأكثر من ثلاثة وزراء ومنحهم مساعدين لرئيس الجمهورية ، وقد نجحوا في ذلك إلا انهم لم يصطادوا سوى "جنازة بحر".

الآن اعيد تمثيل ذات المسرحية في ظروف اكثر تعقيداً  وفي وقت شملت فيه الأزمة  العامة جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والخدمية وباتت تهدد استقلال الوطن وحرمة أراضيه وكرامة شعبه.

ففي الوقت الذي يتحدث فيه  رئيس الجمهورية عن "صغر الكيكة" ويقول المتنفذون في الحزب الحاكم أنهم لن يتخلوا عن بعض المناصب لأحزاب أخرى من ضمنها ولاة الولايات. ومن جهة أخرى تواجه القوى السياسية التي شاركت في الحوار هذا التصريح  لقولها " أنها ستستخدم أسلحتها المختلفة لتصديع النظام إذا لم تمنح نصيبها كاملاً في الحكومة والمجلس الوطني والمجالس الولائية والولاة المعتمدين"

ولهذا فإن التشكيل الوزاري الجديد ولد وهو يحمل معاول فشله وهدمه في داخله. وبالرغم من التوسع المهول الذي بلغ فيه حجم الحكومة 73 وزيراً وإذا أضفنا إليه منصب رئيس المجلس الوطني وهو برتبة وزير و7 رؤوساء لجان في المجلس الوطني برتبة وزير يرتفع العدد الفعلي للوزراء بكامل مرتباتهم وبدلاتهم ومخصصاتهم الخ 80 وزيراً وهو اعلى رقم تصله أية حكومة في تاريخ السودان القديم والحديث.

وبهذا يرتفع جهاز الدولة الحاكمة في السودان إلى (1547) يمثلون رئيس الجمهورية ونوابه ومساعديه ورئيس وزراء ونائب له إضافة إلى 38 وزير اتحادي و42 وزير دولة و410 عضو مجلس وطني و18 عضو مجلس ولائي و102 وزير ولائي و720 عضو مجلس تشريعي و189 معتمداً ورئيساً للمجالس الولائية و7 رؤساء لجان في المجلس الوطني. هذا العدد بخلاف العاملين من موظفين وعمال وغيرهم الذين يخدمون في رئاسة الجمهورية والمجلس الوطني  والمجالس الولائية والمعتمديات والمحليات وغيرها.

بجيش الجراد هذا فتحت سلطة الرأسمالية الطفيلية لنفسها طاقة أخرى على جهنم، إضافة إلى أن هذا الجيش العرمرم سيمتص معظم الفوائض التي كان من المفترض أن تذهب إلى التنمية الزراعية والصناعية والخدمية والتخفيف من معاناة الجماهير، التي ستتفاقم بأسوأ مما كانت عليه من قبل. ومع ذلك وبالرغم منه يقول رئيس الوزراء أنه لم يزد عدد الوزراء خوفاً من الترهل، وهو قول ينفيه جملة وتفصيلاً  الأرقام التي أوردناها.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا هذا الترهل إن لم يكن للإرضاء والتراضي وشراء الذمم؟ وهل يفرضه أي تطور صناعي أو زراعي أو خدمي حدث في البلاد؟ الواقع ينفي كل ذلك ، بدليل أننا نناضل الآن بعد أكثر من واحد وستين عاماً من الاستقلال لاسترداد المكاسب التي أحرزناها حتى في ظل الاستعمار بأغلى وأجزل التضحيات.

الواقع يقول إن البلاد ليست في حاجة لجيش من القراد يمتص رحيق الحياة ، ويعيق التطور والتنمية ورفاهية الشعب. يؤكد ذلك أنه في الفترة التي أعقبت استقلال البلاد وهي أعقد فترة في تاريخ السودان توجب نهوضاً واسعاً بالبلاد من قاع الحياة الاستعمارية إلى مصاف الدول المتحررة، لم يتعد عدد أول حكومة وطنية بين الحكومات الخمس التي حكمت السودان في الفترة من 19 يناير 1954م وحتى نوفمبر 1958 الـ18 وزيراً. ولم يتعد الوزراء في الحكومات التي أعقبت ثورة اكتوبر والتي حكمت في الفترة ما بين يناير1965م حتى 6 يوليو 1965م الـ15 وزيراً في كل حكومة ، وكان هذا هو العدد الأكبر بين الحكومات الثلاث وكانتا 11 وزيراً و14 وزيراً.

أما حكومات فترة الديمقراطية الثانية والثالثة فلم يتعد متوسط عدد الوزراء في كل منها الـ19 وزيراً.

(راجع السفر القيم:"حكومات السودان"1954ـ2004" لكاتب عبد الباسط صالح سبدرات).

يتأكد من كل ما سبق ذكره أن الحكومات الديمقراطية المنتخبة من الشعب أو تلك التي كونت بعد ثورة أكتوبر أو الهبات والانتفاضات الشعبية هي الأقل فى عدد الوزراء بما لا يقاس مع تلك في عهود الحكومات العسكرية. فإذا استثنينا الحكم العسكري الأول (عبود) والذي حكمت فيه البلاد حكومتان في الفترة من 18 نوفمبر 1958م حتى أكتوبر 1964م كان عدد وزراء الحكومة لا يزيد عن الـ13 وزيراً . وكذلك عدد الوزراء في الحكومة التي أعقبت انتفاضة مارس/أبريل لم يتجاوز الـ17 وزيراً. بينما نجد أن عدد الوزراء في حكومات السفاح نميري البالغ عددها ثمانية عشر حكومة ارتفع من 21 وزيراً في أول حكومة وأخذ يتصاعد حتى بلوغ الـ44 وزيراً في الحكومة المايوية الخامسة عشر والتي حكمت البلاد في الفترة من 29 مايو 1977م وحتى أول فبراير 1977. وإذا أضفنا وزراء الدولة الذين ألحقوا بالحكومة لحل مشاكلها الداخلية لارضاء البعض ولاستمرارها في الحكم قفز عددهم من اثنين في حكومة مايو الثامنة إلى خمسة في الحكومة التاسعة ثم إلى ثمانية في الحكومة الثانية عشر واستقر في ستة عشر وزير دولة يبلغ عدد الوزراء في الحكومة الواحدة 60 وزيراً مايوياً.

أما في ظل سلطة طبقة شريحة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة فقد ارتفع عدد وزراء الدولة من ثلاثة وزراء في التعديل الوازري الثاني والثالث والرابع إلى 45 وزيراً في التعديل الوزاري من الرابع عشر وحتى الحادي والعشرين في العام 2004م.

صحيح أن منصب وزير دولة استحدث في أول حكومة وطنية كونت في 9/1/1954م وتم تعيين وزراء دولة جنوبيين لارضاء الإخوة الجنوبيين واستحدث أيضاً منصب وزير دولة بدون اعباء ووزير دولة بلا وزارة،إلا أن التوسع فيها بلغ شأواً بعيداً دون أي معايير موضوعية تفرض أو تستوجب هذا الترهل في عهد إنقلابى مايو والانقاذ.

أكثر من ذلك ولذات الأهداف التي كرست لتصب في إطالة عمر النظام وإرضاء معارضيه في داخله وخارجه والموالين له وضمان استمرار خضوعهم وولائهم للنظام ولدت وزارات جديدة من داخل رحم الوزارات القديمة واستحدثت وزارات جديدة ـ وزارة التخطيط والاستثمار ، الحكم المحلي، وزارة رئاسة الجمهورية وأخرى لمجلس الوزراء، ووزارة لـ"الطيران والمساحة" ـ ومنصبان لنواب رئيس الجمهورية ومستشارون صحفيون وقانونيون له، ووزارة للتعاون الدولي ووزير للمجلس الأعلى للسلام ومستشارون لرئيس الجمهورية أحدهما للتأهيل والتخطيط الاجتماعي وآخر مستشار اقتصادي ووزارة للعلوم والتقانة ومستشار لرئيس الجمهورية للشؤون الأفريقية ووزارات للعلاقات بالمجلس الوطني، ووصل حد الاسفاف تعيين وزير اتحادي بدون وزارة!!

واستحدث أيضاً منصب وزير لـ(الأمانة العامة لشؤون مصر والسودان) .إن الأنظمة العسكرية الشمولية كما أكدت التجارب طوال عمرها في الحكم لا يهمها تطور السودان وتنمية ومعيشة شعبه،بدليل ممارساتها التي لايسندها أي واعز من دين  أو ضمير أو شرف، بل تستهدف البقاء في الحكم لأطوال فترة تتيسر لها وذلك بالصرف على أجهزة الحكم المترهلة وتوسيع وتطوير أجهزة القمع الموجهة للشعب والخوف من انتفاضاته والاصدار المتواصل لترسانات القوانين الموغلة في الاعتداء على الديمقراطية والحريات العامة.

هذا الصرف هو ما سنتطرق إليه في التعليق القادم للوصول إلى حكومة قليلة العدد ورخيصة التكلفة.