أمريكا أكثر بطشاً أم أكثر عدلاً(2/2)

حسن العبيد مدني

ما دفع للتقديم لهذا الموضوع هو التناول والتحليل الرصين الموضوعي، البعيد كل البعد عن أي تعصب أو انحياز لأي طرف من أطراف الموضوع. بل يستشهد بكثير من أقوال أهل الدار الأمريكية وهو يوجهون انتقاداتهم لأنظمتهم الحاكمة خلال العقود الأربعة الماضية وما جرته على شعوبهم أمثال "صاموئيل هنتجنتون" و"برنارد لويس" والخبير العسكري الأمريكي "جون جنتر".

ومن الأسباب الدافعة للإعداد والتقديم لهذا الموضوع أيضاً هي أن نيران المشكلة ما زالت مشتعلة وستظل مشتعلة إلى حين من الزمن حتى يقبض لشعوب العالم المحبة والمدافعة عن السلم العالمي والعدل الاجتماعي أن توقفها عند حدها والسبب الثالث أنه ربما لم يقدر الكثير من القراء على الحصول على الإصدارات التي ترد إلينا من الخارج بسبب أسعارها الغالية وعدم مقدرة معظمنا على اغتنائها إذا وجدنا فيها ما يفيد أو اللجوء للأصدقاء القلة المقتدرين للاستلاف مع الوعد القاطع بإرجاع الإصدارة أو الكتاب والذي أصبح الحصول عليه كالحصول على لبن الطير .

 

وإذا كان هناك الكثير من الأسباب التي تدعو أياً من الطرفين العربي الإسلامي والغربي المسيحي للارتياب في الطرف الآخر فإن مصدرها لا يعود إلى عدم التوافق الحضاري " وإلا لكانت  العلاقات بين الدول الغربية وجميع الدول الإسلامية علاقات تصادم وعداء، بل يعود للمصالح والتوازنات الدولية والتوزيع غير العادل للثروة في العالم، والحقيقة التي لا تقبل الشك أن هذه المصالح والتوازنات الدولية هي التي جعلت الولايات المتحدة تقود وتمول الهجوم الأشد ضراوة ضد نظام الحكم الأفغاني الموالي للاتحاد السوفيتي في أفغانستان في مطلع الثمانينات والذي ولد في النهاية "طالبان" و"بن لادن" و"عمر عبد الرحمن " وغيرهم ممن تضعهم أمريكا اليوم في قوائم الإرهابيين.

فالقضية ببساطة هي نزاع بين من يملكون الثروة وبين من لا يملكونها، بين من يسيطرون على مصير العالم وأولئك الذين يخضعون للسيطرة بين ثقافتين تريد إحداهما الغاء الأخرى من طريقها.

أمريكا في مواجهة النفس:

وضعت نهاية الحرب الباردة الولايات المتحدة في أزمة مع ذاتها واستشهد هنا بأحد غلاة المدافعين عن "الحضارة الغربية" وهو صامويل هنتجتون ففي مقال له نشره في عدد مارس 1999م من مجلة "ForeignAffairs" بعنوان القوة العظمى الوحيدة "TheLonely Super power" يقول فيه:" خلال السنوات القليلة الماضية حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تقوم منفردة بما يلي: الضغط على الدول الأخرى لتبني القيم والممارسات الأمريكية والحيلولة دون أن تحوز الدول الأخرى على القدرات العسكرية التي يمكن أن تجابه التفوق الأمريكي التقليدي وفرض تعميم القانون الأمريكي في المجتمعات الأخرى وتضيف الدول وفقاً لدرجة تمسكها بالمعايير الأمريكية حول حقوق الإنسان والمخدرات والإرهاب وانتشار الأسلحة النووية، وأخيراً الحرية الدينية وفرض عقوبات على الدول التي لا تلتزم بالمعايير الأمريكية حول هذه المسائل وتعزيز المصالح الأمريكية تحت شعارات التجارة الحرة والأسواق المفتوحة ورسم سياسات صندوق النقد الدولي لخدمة هذه المصالح بالذات والتدخل في النزاعات المحلية التي ليس لها فيها إلا مصلحة مباشرة ومحدودة نسبياً. وإكراه الدول الأخرى على تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تعود بالفائدة على المصالح الاقتصادية الأمريكية. وترويج مبيعات الأسلحة الأمريكية في الخارج فيما تحاول منع بيع أسلحة غربية مماثلة لدول أخرى وطرد أمين عام الأمم المتحدة وفرض تعيين خليفته وتوسيع حلف الناتو ليضم بولندا والمجر والجمهورية التشيكية حصراً دون غيرهما وتضيف بعض الدول في خانة الدول الشريرة واستبعادها من المؤسسات الدولية لأنها تأبى الخضوع لرغبات الولايات المتحدة . ويضيف هنتجتون كانت الولايات المتحدة في لحظة الاستقطاب الأحادي في نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي قادرة غالباً على إملاء إرادتها على الدول الأخرى. بيد أن هذه اللحظة قد فاتت والأداتان الرئيسيتان من أدوات القسر اللتان تحاول الولايات المتحدة استخدامهما هما :

العقوبات الاقتصادية والتدخل العسكري, وتؤتي العقوبات ثمارها عندما تساندها الدول الأخرى، ولكن هذا الأمر في تراجع مستمر أما أعمال التدخل العسكري الأكثر خطورة فينبغي أن تتوفر فيها ثلاثة شروط:

1/أن تكون شرعية من خلال منظمة دولية ما.

2/ أن تتطلب مشاركة القوات الحليفة.

3/ألا تسبب خسائر بشرية أمريكية شديدة.