إضاءات مكثفة

نحتاج معجزة!

يضيؤها اليوم:ـ محمود الشيخ المحامي

وصلنى مقطع فيديو يحتوى مقتطفاً لحفل تخرُّج من كليِّة جامعيِّة. ما أن تمَّت فيه إذاعة إسمٍ لخريجٍ بعينه، إلا  وسرعان ما إنطلق صوتُ مُغنٍ بأغنيةٍ ليست خادشةً للحياء فحسب، لكنها منتهكةً للعِرض، ومنهية لحالة اللا ( حرب ولا سِلم ) بين الغثِّ والسمين!.

فور اكتمال إذاعة اسمه، خلع الفتى عباءة التخرج بطريقةٍ تستبطئ العقلَ وتستعجل الجهالة  ابتدأ دون وجلٍ، وهو يتجه نحو إستلام شهادته، فى تقصيع جسده وتمييعه، بطريقةٍ لا تُجيدها إلا اللادنات جسداً، عظماً ولحماً، من الراقصات الخليعات، ظننتُ - وبعض الظنِّ إثمٌ - أننى سأشهد كارثةً داميةً فى نهاية المقطع بعد هذا الإنحطاط، أو على أقل تقدير، أن يتقدم أحدهم حاملاً سوطاً ينهال به على جسد الفتى، وكأضعف الإيمان، أن يغادر الحضور مسرح ذلك الحفل! لكن، لا كارثةٌ وقعت، ولا جمهورٌ غادر ولا يحزنون! بل شَهِدت عيناىّ مأساةً! وذلك عندما تقدم رجل طعن سِنه " ربما والده أو خاله أو عمه لا أدري"، لا لضرب المُتقصِّع، ولكن، لكى يحمل عنه العباءة ! حتى يتمكن من فرد جسده، وتجويد تقصُّعه، دون أى عوائق ! لكن الفتى تأبى نفسه تلك المساعدة، بل وحرن؛ حين أشار إليه ملوحاً بيده أن : ابتعد يا رجل! فالعباءة لم تكن عائقة إطلاقاً لجسده المائع وهو يدير جزءاً من جسده بإحترافية تحسده عليها أمهر مدربات العروسٍ السودانيِّة ليلة ليلة التعليم، فقد كان له فى العباءة المُنتهَكة والمغلوبِ على أمرها غرضٌ، إذ ظل يستخدمها ـ وهى  دِثار الخريج وموطن عزته ورمزيِّة فخره ـ كما تستخدم النائحاتُ المناديل  شداً وضماً  وهن يمارسن طقوس العويل والولولة! أى، كانت العباءة التى تم ابتذالها، بمثابة وسيلةٍ تُعينه على التقصع أمام أمة لا إله إلا الله!.

وإذا بمقطعٍ آخر، وعلى ذات الشاكلة، حيث  فتاة خريجة، ما أن سمعت إسمها، حتى خرجت للملأ تتلوى كما الكوبرا لدقائقَ معدودة، لكن تلك الدقائق استطالت بمسافة الزمن الفاصل بين الظلام والنور، و اللهوِّ والجَدِّ، والجهل والعلم. تهادت تلك الصبية أمام الملأ بأعينٍ مليئة بالغنج والدلال، بينما يشي جسدها المتلوي بشخصٍ داهمه مغصٌ كُلوىٌّ، محرِّكةً مع الأغنية كلَّ عضلةٍ من عضلات جسدها.

ما ازعجنى، ليس كونها خريجةً مشاركةً فى حفل تخِّرجٍ لطُلَّابٍ جامعيين، بل ثقتها الكاملة فى إمكانياتها غير العقليِّة، ورضائها التام عن مؤهلاتها  غير الجامعيِّة، بينما جاءت الأم بزغرودة فرح وانتشاء ووقف الأب عارضاً بأسارير مُتهدِّلة، قافزاً من الأسفل إلى الأعلى، ضارباً الأرض بقدميه!.

لسنا ضد الفرح العام والبهجة عند تخرج الأبناء والبنات ولسنا ضد الترويح عن النفس في لحظة من أجمل وأندر لحظات إنتهاء الكد والتعب والاستذكار، وهي لحظة استلام شهادة التخرج في نهاية الأمر، ولكن أنى يتم التعبير عن الفرح بهذه الصور، إذن فإن المجتمع السوداني في حاجة لمراجعات على أوجه متعددة.

فلقد ظنت الانقاذ أن ما زرعته طيلة السنوات السابقة فى المجتمع، من تجهيلٍ وتطرفٍ دينىٍّ وما اعقبه من فسادٍ، لن يضيرها في شئ. لكن التجهيل ما أخرج من قبل عالماً، والتطرفُ لم ينتج عنه إلا تطرفاً موازياً، والفسادُ المالىّ ما أعقبه سوى الفساد الأخلاقى. فلكل فعلٍ ردُّ فعلٍ، مساوٍ له فى القوة، ومضاد له فى الإتجاه.

مجتمعنا يحتاج إلى مُعجزة، ليس للنهوض فحسب، بل لكنس سلبيات الحاضر أولاً، ثم إعادة المكتسبات الحميدة من الماضى . بغير ذلك، لا مجال للحديث عن مستقبل، ولا عن مجتمعٍ معافى، فأىّ عافيةٍ تلك التى من شأنها أن تكسو المجتمع وشبابه يعانى من جفافٍ روحى وأخلاقى وعلمى وثقافى، فى ظل تلاشٍ شبه عام لدور المدرسة والأسرة والشارع العام؟! .. ثمّ. .هل حدثتكم عن المخدرات؟!.