الحزب الشيوعي السوداني

اللجنة المركزية

مكتب التثقيف المركزي

   

محاضرات الأعضاء الجدد ( المرشحين)

الطبعة الثالثة المنقحة

سبتمبر 2016م

( انقر للتنزيل نسخة PDF  نسخة DOC )

المحتويات

الموضوع                                                     

1- الدستور 

2- البرنامج

3- متغيرات العصر

4- المنهج الديالكتيكي المادي 

5- المفهوم المادي للتاريخ

6- نقد الإقتصاد السياسي للرأسمالية

7- إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير

 

 تقديم:

   يسرنا أن نقدم لفروع الحزب الطبعة الثالثة المنقحة من كتاب " محاضرات للمرشحين" والذي يحتوي علي المحاضرات التالية:-:

الدستور المجاز في المؤتمر السادس

 البرنامج المجاز في المؤتمر السادس.

متغيرات العصر.

مدخل للمنهج الديالكتيكي المادي.

المفهوم المادي للتاريخ.

نقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية.

واخيرا محاضرة عن اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير..

   وتأتي هذه المحاضرات في ضوء ماأجازه المؤتمر السادس من وثائق (التقرير السياسي، البرنامج والدستور)، وفي ضوء ملاحظات الفروع والتي من ضمنها الاقتراح بعودة وثيقة اصلاح الخطأ ضمن محاضرات المرشحين، كما تم تنقيح بقية المحاضرات (مدخل للمنهج الديالكتيكي والمفهوم المادي للتاريخ ونقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية ومتغيرات العصر) في ضوء ملاحظات المناطق والمحاضرين الحزبيين والفروع والمرشحين.

 ونامل ان تصلنا ايضا الملاحظات علي هذه السلسلة حتي ناخذها في الاعتبار في الطبعة القادمة.

مع تحياتنا وتقديرنا

مكتب التثقيف المركزي

سبتمبر 2016

 ******************

  محاضرة رقم(1)

عن الدستور

الدستور

 تتكون هذه المحاضرة من النقاط التالية:

1-        تعريف الدستور.

2-        تطور دستور الحزب.

3-        الأسس الفكرية والنظرية للدستور.

4-        دستور الحزب المجاز في المؤتمر السادس، يوليو 2016.

أولا: تعريف الدستور:

 دستور الحزب هو النظام الداخلي العام الذي يقنن ويحدد العلاقات بين العضو والحزب وبين الهيئات الحزبية القيادية والقاعدية.

  تم التأكيد علي مصطلح الدستور في المؤتمر الخامس بدلا عن مصطلح (اللائحة) الذي كان سائدا في ادبيات الحزب الشيوعي، رغم انه يعطي المعني نفسه، ولكن تعبير (لائحة) يعني نظم وقواعد ونظم مستنبطة من الدستور، وبالتالي فهو أقل درجة منه ولايعطي المعني الدقيق.وبالتالي فان مصطلح الدستور هو الاوسع والاشمل.

 ودستور الحزب يجيزه المؤتمر ويدخل تعديلات عليه في مؤتمرات لاحقة.

ثانيا: - تطور دستور الحزب:

  لايمكن فهم ودراسة دستور الحزب بمعزل عن نشاة الحزب تحت اسم(الحركة السودانية للتحرر الوطني- حستو) في أغسطس 1946م، والصراع الذي دار حول وجود الحزب واستقلاله السياسي والفكري والتنظيمي، ومن اجل وجود دستور يقنن ويحدد العلاقات بين العضو والحزب وبين الهيئات الحزبية القيادية والقاعدية.

 ويشير عبد الخالق محجوب في كتابه (لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني)، الي الصراع الداخلي الذي دار داخل الحركة عام 1947م، والذي بدأ بالنقد لاسلوب عمل اول لجنة مركزية لها، تلك القيادة التي لم تبرز وجه الحزب المستقل، واختزلت التعليم الماركسي في بعض النصوص الجامدة، ولم تدرس أوضاع البلاد أو تحاول دراسة واقع البلاد من زاوية الماركسية، ولم تتجه لبناء الحزب وسط الطبقة العاملة، بل الأخطر من ذلك كله أن الحزب لم تتوطد فيه لائحة(أو دستور)، بل ظلت العلاقات بين أعضائه وهيئاته تسودها الاتجاهات الشخصية اكثر من الروابط التنظيمية.

 واستمر النقد والصراع ضد هذا الاتجاه وتم التوصل عام 1947 الي حل المسائل الآتية:

  • بناء فروع وسط الطبقة العاملة وترقية كادر عمالي وسط القيادة.
  • وضع لائحة(دستور) للحزب، باسم لائحة الحركة السودانية للتحرر الوطني 1947م.
  • اصدار مجلة الكادر( الشيوعي فيما بعد).
  • اصدار منشورات مستقلة باسم الحزب.
  • تصعيد النشاط الجماهيري المستقل ضد الاستعمار والجمعية التشريعية عام 1948م.
  • حل مشكلة التحالف مع الرأسمالية الوطنية علي أساس التحالف والصراع.
  • الدخول في جبهة الكفاح ضد الجمعية التشريعية وتصعيد النضال ضدها.
  • ساهم الحزب في تأسيس اول تنظيم نقابي لعمال السكة الحديد في عطبرة(هيئة شئون العمال)، كما ساهم في بناء حركة الشباب الديمقراطية وحركة النساء الديمقراطية واتحادات الطلاب والمعلمين والموظفين والمزارعين....الخ.
  • تم تأسيس رابطة الطلبة الشيوعيين عام 1947م، وبعدها مؤتمر الطلبة عام 1949م، ثم الجبهة الديمقراطية كتحالف ثابت بين الشيوعين والديمقراطيين وسط الطلاب.

  ثم بعد ذلك جاء المؤتمر التداولي عام 1949م والذي عالج الخلل في الحزب الذي عاد مرة أخري واهمه الضرب بلائحة(أو دستور) الحزب عرض الحائط واستطاع المؤتمر التداولي ان ينجز الآتي:

  • وضع اسسا ثابتة لتنظيم الحزب في اماكن العمل والسكن والدراسة ولبناء رابطة الطلبة والنساء الشيوعيات وتم التخلص من الاشكال الهرمية التي استجلبت من الحركة الشيوعية المصرية – شكل السكرتاريات الحزبية المنفصلة للعمال والطلاب والمثقفين، وانشاء قيادة واحدة لمنطقة العاصمة وصارت الفروع تضم أعضاء الحزب وفق التنظيم الجغرافي.
  • بني الحزب صحافته المستقلة(اللواء الأحمر – الميدان فيما بعد).
  • تمت تعديلات في لائحة الحزب تتلاءم مع تطور الحزب ، وطبقت مبادئها وجري كفاح ضد الانحلال التنظيمي والعلاقات الفردية ليحل محلها الضبط التنظيمي والعلاقات المبدئية.
  • بعد ذلك عملت اللجنة المركزية لدعم الديمقراطية داخل الحزب ، فاجرت اول انتخابات للقادة (بعد المؤتمر التداولي) وعقد اول مؤتمر للحزب عام 1950م
  • كان من نتائج المؤتمر الأول اجازة لائحة ساهمت في الاستقرار التنظيمي وفي ترسيخ الأسس المبدئية للتنظيم.

  ثم بعد ذلك جاء المؤتمر الثاني في اكتوبر 1951م، والذي حسم الصراع الداخلي لمصلحة وجود الحزب المستقل وعدم ذوبانه في الاحزاب الاتحادية وادخل تعديلات في اللائحة اكدت استقلال الحزب الفكري والسياسي والتنظيمي.

  وبعد ذلك جاء المؤتمر الثالث في فبراير 1956م والذي ادخل تعديلات علي اللائحة(الدستور)، وانخذ اسم الحزب الشيوعي، وطرح شعار( اجعلوا من الحزب الشيوعي قوة اجتماعية كبري).

 وتم عقد المؤتمر الرابع في اكتوبر 1967م، والذي ادخل تعديلات في اللائحة(الدستور) عكست تطور الحزب وتجربته التي اكتسبها خلال 11 عاما من المؤتمر الثالث.

ثم جاء المؤتمر الخامس في يناير 2009م وادخل تعديلات علي الدستور.

 وأخيرا تم المؤتمر السادس في يوليو 2016م والذي اجاز الدستور الحالي الذي نقدم هذه المحاضرة حوله.

 فنحن هنا لسنا امام ستة دساتير للحزب، ولكننا امام دستور واحد تطور واغتني مع تطور تجربة الحزب باضافة مواد وبنود جديدة تعكس تطور الحزب واسقاط بنود ومواد قديمة عفي عليها الزمن او تجاوزتها تجربة الحزب.

ثالثا: الأسس الفكرية والنظرية للدستور:

اضافة لتجربة الحزب هناك مصدر آخر للدستور وهو الجانب النظري أو الفكري الذي ينطلق من الماركسية كمنهج ونظرية لدراسة الواقع من اجل استيعابه وتغييره، ومن نظرية التنظيم باعتباره الأساس لرفع القدرات الذاتية للاعضاء والجماهير من اجل تغيير الواقع، التي وضع اسسها ماركس وانجلز ولينين والذين أشاروا الي ضرورة قيام تنظيم سياسي يسهم في ادخال الوعي السياسي في صفوف الطبقة العاملة والكادحين والجماهير، ولكي يتم ادخال الوعي في صفوف الطبقة العاملة، يتم التوجه لكل طبقات المجتمع، ذلك ان الطبقة العاملة تكتسب الوعي من خارجها.

ولكن لماذا يتوجه الحزب للطبقة العاملة؟

يتوجه الحزب للطبقة العاملة باعتبارها الطبقة الوحيدة التي لاتسعي ولاتحلم الي استغلال الطبقات والفئات الأخري، ولأنها كطبقة تتعرض لأبشع صور الاستغلال، ولأن تحررها من هذا الاستغلال يعني تحرر كل الطبقات والفئات الكادحة من الاستغلال، آخذين في الاعتبار المتغيرات التي حدثت في تركيب الطبقة العاملة بسبب الثورة العلمية والتقنية والتي اتسع مفهومها الذي اصبح يضم العاملين عضليا وذهنيا، ولكنهم يتعرضون للاستغلال الرأسمالي بانتزاع فائض القيمة منهم، رغم التباين في التركيب العضوي والتعليم والتدريب المهني المتطور.

 لقد ولدت مبادئ وقواعد الدستور في خضم الصراع الفكري والسياسي والتنظيمي الذي خاضه لينين ضد الاتجاهات التي كانت تري انه لاضرورة لتنظيم ثوري للطبقة العاملة، وتكوين احزاب فضفاضة بديلة واسعة ولكنها تفتقر الي الانضباط، وتموج بالشللية والتكتلات التي تعطل نموها وحركتها وتضعف فعاليتها في الصراع الاجتماعي، وفي مواجهة ذلك اكد لينين علي شروط العضوية الثلاثة والتي تتلخص في: قبول برنامج ودستور الحزب، والعمل في احد هيئاته وتسديد الاشتراكات، تلك هي الشروط لأساسية التي تميز عضو الحزب عن الاصدقاء والمتعاطفين والمضربين عن العمل، واكد لينين علي الفارق الجوهري بين الحزب الشيوعي والنقابات، فالنقابات هي منظمات تجمع في صفوفها كل العمال من مختلف الاتجاهات، أما الحزب فهو القيادة السياسية والفكرية لحركة الطبقة العاملة والكادحين، ولذا يجب ان يتميز بأعلي درجات الوحدة والانضباط والقدرة علي النشاط في كل الظروف، في حالات نهوض الحركة وحالات هبوطها، حالات القانونية وحالات السرية. والحزب من جهة اخري يسترشد بنظرية وفلسفة ماركسية، اما النقابات فانها منظمات تضم العمال علي اختلاف النظريات والفلسفات التي يعتنقونها بوعي وبغير وعي، والنقابات توحد كل العمال لأنها تدافع عن مصالحهم الاقتصادية كالاجور وشروط الخدمة، في حين ان الحزب منظمة سياسية مهمتها لاتقف عند حد المطالب الاقتصادية للطبقة العاملة، بل يتجاوزها للمصالح السياسية للعمال كطبقة وعلاقاتها ببقية الطبقات في المجتمع، وهذه قضية لايدركها كل العمال تلقائيا، بل تدركها طلائعهم التي تنخرط في الحزب لترفع وعي بقية أقسام العمال والجماهير الكادحة، هكذا خلص لينين الي نظرية ومبادئ تنظيم الحزب الجديد، وفي مقدمتها مبدأ المركزية الديمقراطية، والانضباط الواعي، وشروط العضوية، وفي الأدب الشيوعي مادة نظرية وتاريخية غنية حول هذه القضية في مؤلفات مثل: (البيان الشيوعي) لماركس وانجلز، ومؤلفي لينين: (ما العمل؟)، (وخطوة للامام وخطوتين للخلف)، اضافة لمساهمات مفكرين ماركسيين آخرين حول نظرية التنظيم باعتباره (ماركسية العامل الذاتي) مثل جورج لوكاتش في مؤلفه(التاريخ والوعي الطبقي)، وانطونيو غرامشي ومساهمته في تطوير حزب الطبقة العاملة والعمل وسط المثقفين لخلق مثقفين عضويين منحازين فكريا للطبقة العاملة ويسهمون في تغيير تركيب المجتمع، فالرأسمالية تحكم سيطرتها علي المجتمع بالعاملين الاقتصادي والثقافي بخلق مثقفين يدافعون عن مصالحها ولتغبيش الوعي الطبقي للعاملين.

 تلك هي الخلفية النظرية والفكرية لدستور الحزب والتي امتزجت بتجربة الحزب والتي اسهمت في تطوير وتعديل الدستور حتي يتلاءم مع واقع وتجربة الحزب العملية والتي بدورها تسهم في تطوير نظرية التنظيم.

 من هذا المدخل نقدم للمرشح المحاضرة الاتية حول الدستور:  

رابعا: يتكون الدستور من 8 فصول ومقدمة وهي:

  1. الاسم والاهداف العامة والوسائل.
  2. المبادئ التي تحكم حياة الحزب ونشاطه الجماهيري.
  3. العضوية.
  4. الهكيل التنظيمي.
  5. المنظمات وادوات الاتصال بالجماهير.
  6. علاقات الحزب الخارجية.
  7. مالية الحزب.
  8. اجراءات دستورية.

 

1-: الاسم والاهداف العامة والوسائل:

وضح الفصل الاول في المواد 1، 2 ، و3 ، 4 : اسم الحزب وهو الحزب الشيوعي السوداني الذي هو اتحاد طوعي يهدف الي انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، والتي بانجازها يتم الدخول في مرحلة الاشتراكية والتي تعتبر الطور الادني للمجتمع الشيوعي وهو الهدف البعيد والذي يستمد منه الحزب اسمه والذي يتم فيه الغاء كل اشكال الاستغلال الطبقي والعنصري والديني والقومي والاثني، وان هذا الحزب يستند في تكوينه علي الطبقة العاملة بتكوينها الحديث التي تضم قوي الكدح العضلي والذهني ، كما يضم في صفوفه الطلائع الثورية للجماهير العاملة في المصانع والحقول والمراعي ودور العالم وبين المثقفين الذي يقبلون برنامجه ويناضلون لتنفيذه.

كما يتخذ الحزب الماركسية منهجا ونظرية لدراسة الواقع من اجل استيعابه وتغييره، وهذا يعني ايضا استيعاب كل ماهو متقدم وايجابي في تراثنا بتنوعه وفي الثقافة الانسانية.

 كما يقف الحزب ضد كل اشكال الاضطهاد والاستغلال ويعمل علي اشاعة التوزيع العادل للثروة لمصلحة المنتجين، ويقف ضد استغلال الدين لخدمة مصالح دنيوية وسياسية ضيقة.

 كما يعتمد الحزب طريق النضال الجماهيري من خلال العمل في المنظمات الديمقراطية والجماهيرية المتنوعة ويستخدم وسائل العلم والتقنية الحديثة، ويرفض الارهاب كفكر وممارسة، ويعمل علي ترسيخ التداول الديمقراطي للسلطة.

كما يعتبر برنامج الحزب ودستوره هما أساس الوحدة الفكرية والتنظيمية بين أعضائه.

2-: المبادئ التي تحكم حياة الحزب ونشاطه الجماهيري.

وضحت المواد: 5، 6 ، 7 المبادئ التي تحكم حياة الحزب ونشاطه الجماهيري والتي تقوم علي المركزية الديمقراطية، والصراع الفكري والنقد والنقد الذاتي.

  فالحزب له مركز واحد منتخب بشكل ديمقراطي وبرنامج واحد ودستور واحد مجازين من مؤتمره وحياة الحزب الداخلية تقوم علي اسس ديمقراطية تتلخص في : حق كل عضو في التعبير عن رأيه في منابر الحزب المختلفة، والتزام الأقلية برأي الأغلبية مع الاحتفاظ برأيها، وجميع الهيئات القيادية تنتخب بالاقتراع السري من القاعدة الي القمة، والتزام الهيئات الدنيا بقرارات الهيئات العليا مع حقها في نقد هذه القرارات، وتصدر القرارات من الهيئات، كما تنشر جميع الهيئات تقارير عن نشاطها.

كما يشجع الحزب الصراع الفكري الهادف لتطوير الحزب وترقية أدائه، وباعتبار ان الصراع الفكري هو الذي يطور الحزب ويخلق الحيوية داخله، ووضح دستور الحزب ضوابط الصراع الفكري والذي يقوم علي المبادئ ويبتعد عن الحدة والمرارة، وفي حالة النزاع او الخلاف حول قضية تفتح اللجنة المركزية مناقشة عامة وتحدد قضاياها وفترتها الزمنية، والالية لحسمها: مؤتمر أو اجتماع عام، ويصبح راي الأغلبية هو السائد مع احتفاظ الأقلية برأيها. وان يكون الصراع مكشوفا لاعضاء الحزب والابتعاد عن الأساليب التآمرية والتكتلية.

كما اهتم الدستور بالنقد والنقد الذاتي الذي يطور الأفراد والهيئات لاالنقد الهادم للذات والعمل والابداع، والنقد الفعّال هو الذي يكون واضحا ومباشرا، اما النقد الذي يمس علاقة الحزب بالجماهير فيجب ان يكون منشورا ومعلنا، وان يكون النقد بناءا ومفيدا للعضو وليس لهدم الذات او قتل الشخصية، والزام قيادة الحزب ولجان المناطق بنشر النقد الموجه لها من خارجها أو النابع من داخلها. وعند تقديم النقد وقبوله، يعتبر موضوع النقد منتهيا.

3 - العضوية:

 حددت المواد: 8، 9، 10، و11، 12، 13، شروط العضوية وطريقة الالتحاق بالحزب، وحقوق وواجبات العضو، والفصل من الحزب وطريقة استعادة العضوية.

شروط العضوية:

السن القانونية لنيل عضوية الحزب 18 سنة/ والشروط الأساسية لنيل العضوية هي:

قبول برنامج الحزب ودستوره، ويوافق علي العمل في احدي هيئاته ويدفع اشتراكا شهريا منتظما، والا يكون قد رفض طلبه في مجال آخر،ويتصف بالاستقامة والخلق القويم والاخلاص لقضية الشعب، ومن هم دون الثامنة عشر يتم استيعابهم في تنظيم للطلائع او اي أشكال تنظيمية مناسبة

طريقة الالتحاق بالحزب

وضح الدستور طريقة الالتحاق بالحزب والتي تتم علي أساس فردي وتقديم طلب مكتوب لاحد فروع الحزب يزكيه عضوان، وتتم الموافقة بالاغلبية العادية، بعدها يصبح عضوا مرشحا لمدة ثلاثة أشهر يتلقي فيها الدراسات الحزبية والفكرية، ويتمتع بكل حقوق وواجبات العضو عدا حق الانتخاب والترشيح والتصويت، وبعد انتهاء فترة الترشيح يقرر الفرع منحه العضوية اوحجبها او مدها لفترة شهرين ريثما يتم البت في حالته قبولا او رفضا، مع حقه في حالة الرفض في اسئناف القرار الي الهيئة الأعلي، اما اعضاء الهيئات القائدة في الأحزاب الخري فتوافق علي قبولهم اللجنة المركزية.

حقوق العضو: تتلخص في تلقي الدراسات النظرية والسياسية والتدريب العملي ويطلع علي اعمال الهيئات القائدة لاستيعاب سياسة الحزب والمشاركة في تطويرها، وينتخب وينتخب للهيئات القائدة، ويشارك في المناقشات الحزبية العامة في اعلام الحزب وفي اجتماعاته، ويبدي رأيه حول أي عضو أو هيئة حزبية عبر القنوات الحزبية المقررة، ويقدم عبر القنوات الحزبية اي مقترحات او استفسارات، ويستأنف للهيئات الأعلي اي قرار يتخذ بشانه.

اما واجبات العضو فتتلخص في : العمل من اجل تنفيذ برنامج الحزب وسياساته وقراراته، ويوثق صلة الحزب بالجماهير، ويعمل علي توسيع صفوف الحزب بضم اعضاء جدد له، وان يكون قدوة وحسن السلوك ويبتعد عن اي تصرف شائن يضر بسمعته وسمعة الحزب، ويصون ويحمي ممتلكات الحزب وامواله ووثائقه ويحافظ علي أسراره، ويتحلي باليقظة تجاه اعداء الحزب ويمنع اختراقهم له، ويصون ويحمي وحدة الحزب، ويمارس النقد والنقد الذاتي بامانة وشجاعة، ويكشف عن النقائص والاخطاء في عمل هيئات واعضاء الحزب، ويثابر علي تثقيف ذاته ورفع قدراته المهنية والعملية، ويواكب ويستوعب الوسائل والأدوات العلمية الحديثة، ويحترم الرأي الاخر  يسلك مسلكا ديمقراطيا في مخاطبته لاعضاء الاحزاب الأخري.

الفصل من الحزب :كما حدد الدستور طريقة الفصل من الحزب والتي تتم بسبب خرق ايا من شروط العضوية او بسبب فعل شائن يسئ الي سمعته وسمعة الحزب، وتناقش التوصيه بعد تقصي حقائق كافي داخل فرع الحزب وبعد البت فيها ترفع الي هيئة اعلي، واعضاء لجان المناطق والمكاتب المركزية توافق علي فصلهم اللجنة المركزية ومن حقهم الاستئناف للمؤتمر، اما عضو اللجنة المركزية والاحتياطي فتفصله اللجنة المركزية وفق حيثيات تنشر علي الأعضاء، وفي الحالات المتعلقة بأمن وسلامة الحزب يوقف العضو فورا لحين البت في امره ويشمل الايقاف: عدم حضور الاجتماعات والاطلاع علي الوثائق وسائر أشكال الممارسة الحزبية.

 ويعتبر الفصل اقصي عقوبة حزبية، ولذا يجب ممارسته بحرص شديد وبعد تقديم كل أشكال المساعدة للعضو واستيفاء كل اجراءات تقصي الحقائق الدقيقة العادلة.

إستعادة العضوية : كما حدد الدستور طريقة استعادة العضوية بسبب فقدانها نتيجة للفصل او الانقطاع الطويل من الحزب، وفي هذه الحالة يتم كتابة الطلب والذي يوضح اسباب وظروف الانقطاع، اما الذين اشتركوا في اعمال تكتلية فعليهم ان يكشفوا المخططات الانقسامية والمعادية للوطن التي شاركوا فيها من نقد واضح، وان ينشر هذا النقد داخليا وجماهيريا اذا اقتضت الضرورة.طلبات استعادة العضوية تبت فيها لجان المناطق بتوصية من فروع الحزب، اما طلبات اعضاء لجان المناطق فتبت فيها اللجنة المركزية بعد الاستماع لرأي الهيئة التي كان يعمل فيها.

4 ــ الهيكل التنظيمي:

وضحت المواد : 14، 15، 16، 17، 18، 19، 20، 21، ،22   الهيكل التنظيمي للحزب، الذي يقوم علي الأساس الجغرافي والاداري والانتاجي، وأساسه اماكن العمل والسكن والدراسة، ويتدرج البناء الحزبي من فرع الحزب الي لجنة المنطقة الي اللجنة المركزية الي المكتب السياسي الي سكرتارية اللجنة المركزية الي المؤتمر العام.

 فرع الحزب: هو الأساس الذي يقوم عليه تنظيم الحزب والذي ينشأ في مجالات العمل والسكن والدراسة، والحد الأدني للفرع 3 اعضاء، ويحدد الفرع مسئولياته من السكرتيرين: السياسي والتنظيمي والمالي والثقافي، وأي مسئوليات اخري يراها الفرع ضرورية، ويوثق الفرع صلة الحزب بالجماهير بمختلف الأشكال، ويعمل علي توسيع عضويته بضم خيرة المواطنين الي صفوفه ويقدم لهم التدريب النظري والعملي اللازمين، كما يحتفظ الفرع بسجل لعضويته حسب قدراتهم حتي يتم وضع الزميل المناسب في المكان المناسب، كما يحتفظ الفرع بسجل لاجتماعاته وقراراته ويعد تقاريره الدورية منها ، كما يعقد الفرع اجتماعا سنويا  عاما يقّوم فيه اداءه ويضع خطة عمله للعام الجديد،وينتخب قيادته، كما يرفع الفرع تقارير دورية عن نشاطه، ويخلق صلات مع القوي السياسية الأخري، ويؤسس مع الديمقراطيين التنظيمات الديمقراطية في المجال ويحافظ علي وحدتها ويعمل علي تحقيق اهدافها.

اما فروع الخارج: فقد فرضتها ظروف الهجرة والاغتراب ، وبالتالي فان فرع الحزب بالخارج يعمل في اطار عضويته وبين السودانيين المقيمين في القطر المعين، ويقوم نشاطه علي أساس عدم التدخل في شئون تلك البلدان، ويعمل علي ربط اعضاء الفرع والديمقراطيين بالبلاد ويعمل علي تقليل آثار الاغتراب السالبة، ويذلل المشاكل التي تعترضهم ويسعي لتطوير علاقات شعوب تلك البلدان بالشعب السوداني، كما تنشئ فروع الخارج الاشكال المناسبة للصلة والتشاور مع مركز الحزب. وتعقد إجتماعاتها السنوية لمراجعة خطط أدائها ، ووضع خطط عمل جديدة.

لجنة المنطقة: أما لجنة المنطقة فهي الهيئة القائدة لفروع الحزب بمجالها ويقع عليها تأسيس نشاط الحزب وبناء الحركة الجماهيرية بالمنطقة، وتضع خطة عملها السنوية بالمنطقة، وتساعد الفروع في وضع خطط عملها، وتعد تقريرها السنوي الذي يعكس نشاطها خلال العام وتعمل علي تقويم الأداء، وترفع الحصيلة للجنة المركزية، وتقود العمل الساسي وتخاطب جماهير المنطقة في القضايا الخاصة بها وتمثل الحزب في الاتصال بالقوي السياسية والسلطات الاقليمية وتختار مرشحيها للانتخابات العامة والمحلية، وتعقد مؤتمرها العام كل عامين ويحاسب المؤتمر لجنة المنطقة علي أدائها وينتخب قيادة المنطقة والاحتياطي لها، كما يجوز للجنة المنطقة عقد مؤتمر استثنائي بالتشاور والتنسيق مع مركز الحزب، كما يحق لمؤتمر المنطقة مناقشة القضايا العامة ويرفع توصياته للجنة المركزية أو لمؤتمر الحزب، بالاقليم، كما لمركز الحزب الحق في عقد مؤتمرات بالمناطق مساعدة لها في تطوير عملها، كما تنتخب لجنة المنطقة بالاقتراع السري من بين اعضائها السكرتيرين: السياسي والتنظيمي والمالي والثقافي، وأي مسئوليات اخري يحتاجها عملها وترفع حيثيات ذلك للجنة المركزية للعلم والمتابعة، كما انه من المهم في حالة انتقال زميل من منطقة الي اخري ان يتم توصيله للمنطقة الجديدة في اسرع مايمكن في فترة لاتتجاوز الثلاثة شهور، اما الاعضاء القياديون في الاحزاب الأخري بالمنطقة فتوافق علي قبولهم اللجنة المركزية بتوصية من لجنة المنطقة.

اللجنة المركزية: اما اللجنة المركزية فهي القيادة العليا للحزب بين مؤتمرين متتابعين، وهي التي تنفذ السياسات التي يقرها المؤتمر وتصدر صحف ومطبوعات الحزب وتشرف علي مؤسساته وشئونه المالية والاعلاميه وعلاقاته الخارجية ويعمل اعضاؤها في فروع الحزب ما امكن ذلك، كما تقبل طلبات التفرغ للحزب، وتنسق مع الأحزاب والهيئات الأخري داخل البلاد وخارجها، وتنتخب من بين اعضائها مكتبا سياسيا وسكرتارية وتكون مكاتب متخصصة وتحدد مسئولياتها، ويتم اختيار اعضاء المكاتب المتخصصة بناء علي حيثيات تقدمها الفروع والهييئات التي يعملون بها، كما تعقد ثلاثة اجتماعات دورية في العام واخري استثنائية اذا اقتضي الأمر.كما تحدد عدد اعضاء اللجنة المركزية في ضوء تطور الحزب ونموه وبناء علي اقتراح تقدمه للمؤتمر العام، كما تعد تقريرا سنويا عن النشاط الداخلي والجماهيري ينشر علي الأعضاء، كما تجري تقويما دوريا لكادر الحزب في المجالات والمناطق المختلفة وتقدم تقريرا بذلك للمؤتمر العام، كما يجوز للجنة المركزية عقد اجتماعات موسعة ذات طابع تخصصي تدعو لها الأعضاء المتخصصين في القضايا المختلفة.

المكتب السياسي: اما المكتب السياسي فهو الهيئة القائدة للحزب بين اجتماعي اللجنة المركزية، ويتابع تنفيذ قرارات اللجنة المركزية وسياساتها ويقود المكاتب المتخصصة ولجان المناطق والمتفرغين واعلام الحزب، ويتولي الاتصال بالاحزاب والتنظيمات الساسية الأخري.كما يدعو لاجتماعات الجنة المركزية، او اذا طلب ثلث أعضائها ذلك، ويتولي الاعداد لها، ويقدم تقارير عن نشاطه لاجتماعاتها ويشمل تقويم اداء اعضائه.ويعقد المكتب السياسي اجتماعات دورية منتظمة.

سكرتارية اللجنة المركزية: تختار اللجنة المركزية سكرتارية لها تتكون من : السكرتير السياسي والتنظيمي والمالي والثقافي والاعلامي وسكرتيرين لمهام اخري تحددهم وفق مقتضيات العمل، وتتولي سكرتارية اللجنة المركزية العمل التنفيذي والاداري اليومي علي ضوء قرارات اللجنة المركزية والمكتب السياسي، وتتولي التحضير لاجتماعات المكتب السياسي، وتقدم تقريرا لاجتماعات المكتب السياسي عن النشاط اليومي للحزب، كما تحفظ أرشيف الحزب ومستنداته وأوراقه والسجل الخاص بالكادر والعضوية وكل مايتعلق بالنشاط الداخلي.

المؤتمر العام: هو اعلي سلطة في الحزب وهو الذي يحدد سياسات الحزب واهدافه العامة ويجيز ويعدل برنامجه ودستوره وينتخب لجنته المركزية، تتولي اللجنة المركزية التحضير للمؤتمر وتختار لجنة تحضيرية له بالتشاور مع الفروع، ويعقد المؤتمر دوريا كل اربعة اعوام، وتحدد اللجنة المركزية الدعوة وجدول أعماله قبل اربعة شهور علي الاقل من موعده، وتحدد اللجنة المركزية العدد الكلي للمؤتمرين من ممثلين للمناطق الذين تنتخبهم مؤتمرات المناطق بالاقتراع السري، مع مراعاة حجم العضوية والوزن السياسي والتنظيمي للمنطقة، اضافة لممثلين للمكاتب المتخصصة  الذين يتم انتخابهم بواسطة المكاتب، وأعضاء اللجنة المركزية بحكم مناصبهم، والمتفرغين ، يحق للجنة المركزية دعوة مراقبين من المتخصصين من  أعضاء الحزب للمشاركة في مداولات المؤتمر دون ان يكون لهم حق التصويت، يحاسب المؤتمر اللجنة المركزية في ضوء تقرير شامل تقدمه له، النصاب القانوني للمؤتمر ثلثا اعضائه، كما يحدد المؤتمر بناء علي توصية من اللجنة المركزية عدد اعضاء اللجنة المركزية والاحتياطي، و تتولي اللجنة المركزية بمساعدة لجنة الكادر تقديم قائمة المرشحين لعضوية اللجنة المركزية بحيثيات كاملة، يحق لاي عضو ان يرشح نفسه للجنة المركزية وحتي وان لم يكن عضوا في المؤتمر شريطة ان تزكيه الهيئة التي يعمل بها، يجب تمثيل المراة مع مراعاة قدراتها، وتتم انتخابات اللجنة المركزية بسرية تامة، يجوز للجنة المركزية الدعوة لمؤتمر استثنائي في حالة: ظهور قضايا تتجاوز صلاحياتها ولاتتحمل التأجيل الي موعد عقد المؤتمر الدوري او اذا رات هيئات تمثل نصف عضوية الحزب الدعوة لمؤتمر استثنائي، ويتمتع المؤتمر الاستثنائي بالصلاحيات نفسها للمؤتمر الدوري والاجراءات نفسها غير ان الدعوة له يجب ان تعلن قبل شهر علي الأقل من موعده.

المتفرغون: المتفرغون ضرورة فكرية وسياسية وتنظيمية وادارية، لذا حدد الدستور الاطار العام الذي يحكم عملية التفرغ، بوضع اللجنة المركزية خطة للتفرغ الحزبي حسب حوجة الحزب، وتوفر للمتفرغ احتياجاته الأساسية من راتب شهري يوفر له الحياة الكريمة اثناء التفرغ ومعاشا بعد انتهاء التفرغ، كما تحدد لجان المناطق احتياجاتها من المتفرغين علي ان تجيزهم اللجنة المركزية، و يتم اخذ توصية الفرع أو الهيئة التي يعمل فيها مقدم طلب التفرغ، وحدد الدستور ضوابط التفرغ المؤقت والذي تنطبق عليه حيثيات التفرغ الدائم، وينتهي في المدة المحددة له الا اذا رات اللجنة المركزية بناء علي طلب من الهيئة التي يعمل معها وبموافقة علي مد فترة لمدة اخري غير قابلة للتجديد.

الكادر: أشار الدستور الي ضرورة اعداد وتاهيل الكادر(القيادات من اللجنة المركزية الي فرع الحزب والزملاء المتخصصين في جبهات العمل الداخلي والجماهيري)، وذلك بوضع برنامج لحصر وتقويم الكادر، وتوفير التدريب النظري والعملي له وفق خطة سنوية، وتوزيع المسئوليات حسب القدرات والطاقات، وتحديد المدة التي يقضيها الكادر في المسئولية المحددة، واعداد سجل للكادر يشمل نشاطه وحياته الحزبية. 

هيئة التنسيق:وتضم اعضاء الحزب العاملين في قيادة منظمة او مؤسسة جماهيرية نقابية او مجلس الحكم المحلي او غيرها، ومهمتها التنسيق تحت اشراف الهيئة الحزبية او فرع المؤسسة او المجال التي تعمل فيه وهي ليست بديلا لفرع الحزب، ولاتتولي هيئة التنسيق في المجال المحدد اي مسئوليات قيادية تجاه هيئة تنسيق اخري، كما يشرف المركز المتخصص للتنظيم مسئولية التنسيق بين هيئات المركز والمناطق.

5-: المنظمات وادوات الاتصال بالجماهير.

حددت المواد:23، 24، 25،، ضوابط العمل في المنظمات وادوات الاتصال بالجماهير.

في العمل وسط المنظمات الجماهيرية(نقابات، اتحادات، جمعيات، روابط،منظمات حقوق الانسان وغيرها من المنظمات التي تعمل علي تحسين احوال الناس المادية والروحية، وأشارت الي ضروة التزام عضو الحزب في مساعدة تلك المنظمات في دراسة قضاياها ومطالبها حتي تؤدي دورها بكفاءة، واحترام اهدافها والسمو عن تسخيرها لاعمال خارجة عنها، والمحافظة علي نظامها ووحدتها واستقلالها وأن يكون قدوة في تنفيذ قرارتها والدفاع عنها وصيانة ممتلكاتها واموالها، ولايتهاون مع الاتجاهات الفوضوية التي تقوض وحدتها وتضر بنموها، ولايتسامح الحزب مع جماعة او فرد من اعضائه يحتل موقعا قياديا في هذه المنظمات وصل اليها بنفوذ الحزب ويسئ من فوقه لسمعة الحزب بسلوك يتناقض وخط الحزب وتقاليد الشعب الطيبة.

المنظمات الديمقراطية: اما المنظمات الديمقراطية فهي تحالف ثابت بين اعضاء الحزب والديمقراطيين، ويتحمل اعضاء الحزب مسئولية خاصة في توطيدها وتوسيعها وتطوير برنامجها ونشاطها علي أساس: المساواة الكاملة بين اعضاء التنظيم، والالتزام ببرنامج وقرارات التنظيم دون فرض وصاية او راي من فروع الحزب، او اي هيئة حزبية اخري، ويوصل اعضاء الحزب رأيهم الي الاطراف الاخري بطريقة ديمقراطية واضحة ومباشرة.

اعلام الحزب:حدد الدستور اعلام الحزب من صحف ودوريات ووسائط اعلام والدور ومركز المعلومات تحت اشراف المكتب السياسي، بهدف توصيل اهداف وسياسات الحزب لجماهير، والالتزام: بالديمقراطية والسيادة الوطنية والوحدة الوطنية، وتنمية قيم التضحية ونكران الذات، والدفاع عن السلم العالمي والصداقة بين الشعوب وعن سياسة حسن الجوار وفضح الخطط الامبريالية والافكار التي تشيع الانهزامية والانحلال والفساد، ونشر المعلومة الصحيحة والتوضيح المنطقي والسمو عن المهاترات والافتراء والابتزاز، والاستماع الي ملاحظات وانتقادات الاعضاء والجماهير والاستجابة للمقنع منها، واستخدام الوسائل المتقدمة في الطباعة والنشر والتوزيع في وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وانشاء مكتب مركزي لهذه المهام.

6 -  علاقات الحزب الخارجية:

 في هذا الفصل حددت المادة(26) علاقات الحزب الخارجية في الاتي: احترام المواثيق الدولية والاقليمية، وتنمية العلاقات مع الاحزاب الشيوعية والتقدمية مع مواصلة الاحتفاظ باستقلالية الحزب، ودعم نضالات الشعوب التي تتعرض للقهر والاضطهاد، والتضامن مع شعوب العالم من اجل الديمقراطية والحرية والسلم والمحافظة علي البيئة وفي سبيل نظام دولي عادل وضد القهر والتمييز الاثني والنوعي ومكافحة الاوبئة والمخدرات وحق كل شعب في استغلال موارده وتقرير مصيره، كما يسخر الحزب علاقاته الخارجية لمصلحة الشعب السوداني.

7 -  مالية الحزب:

 حددت المادة(27) من هذا الفصل مصادر مالية الحزب والتي تتكون من الاشتراكات والتبرعات وعائد المطبوعات الحزبية ومن دخل المؤسسات الحزبية، الاشتراك الشهري يعادل 3% من مجموع الدخل كحد ادني، كما حددت المادة ضوابط الدخل والصرف، وضرورة قيام مكتب مركزي لمتابعة ذلك وفق الضوابط المحاسبية والمالية، واشراف اللجنة المركزية علي اموال الحزب واجازة ميزانيته السنوية، وضوابط تنظيم حملات التبرعات العامة، وضرورة تحديد كل منطقة لنسبة من دخلها للمركز بعد تحديد نفقاتها السنوية، كما ان كل اوجه الصرف الحزبي تعتمد في الهيئات الحزبية، والمراجعة السنوية لاموال الحزب، كما ان اللجنة المركزية مسئولة عن ممتلكات الحزب وتنتخب من بين اعضائها ومن الكادر المتخصص لجنة للاشراف علي ممتلكات الحزب ومؤسساته وتقدم تقريرا سنويا عن نشاطها.

8 - اجراءات دستورية:

وضح هذا الفصل في المواد:28، 29، 30، ، الاجراءات الدستورية في الاتي:

احترام دستور الحزب:الالتزام بماورد في الدستور شرط أساسي لعضوية الحزب، ويجوز تقريظ الذين يضربون المثل في احترام الدستور، كما حدد العقوبات في حالة خرق الدستور والتي تشمل: التوجيه، الانتقاد، والتوبيخ مع النشر ان دعي الحال، كما ان اعمال الانقسام والتكتل هي اقصي حالات خرق الدستور وتتخذ الاجراءات التالية بعد التقصي: الانذار بالفصل او الفصل، حل الفرع او الهيئة او لجنة المنطقة واعادة تكوينها علي أسس ديمقراطية، ويتم حل الفرع بواسطة الهيئة القائدة له بعد التشاور مع الهيئة القيادية الأعلي من المنطقة المعنية وتنشر اسباب الحل علي الأعضاء، اما حل الهيئات والمكاتب المركزية ولجان المناطق فتقوم به اللجنة المركزية بعد التقصي الشامل للحقائق ونشر حيثيات الحل واعادة التكوين علي اعضاء الحزب.

تعديل الدستور: يتم تعديل الدستور بثلثي الأعضاء.

رفع بنود الدستور:   في الظروف الاستثنائية التي تفرض علي الحزب، يجوز للجنة المركزية رفع بعض البنود من الدستور التي تتعارض ممارستها مع سلامة الحزب وفق الضوابط الاتية: عدم المساس بحقوق الأعضاء الديمقراطية، ومراعاة وضع المناطق النائية وفروع الخارج، ونشر قرار الرفع بالتحديد الواضح للبنود التي تم رفعها مع توضيح الحيثيات، وفي حالة زوال الظروف الاستثنائية تعود البنود التي رفعت بعد ان تلغي اللجنة المركزية قرار الرفع ونشر ذلك علي اعضاء الحزب.  

 **************************

 

محاضرة(2)

عن البرنامج

طبعة ثالثة منقحة ومزيدة.

سبتمبر 2016م

 

البرنامج

تقديم:

   يسرنا ان نقدم طبعة ثالثة منقحة ومزيدة من محاضرة البرنامج والتي صدرت ضمن مقرر المرشحين الموحد في ديسمبر 1983م.  المنهج الذي اعتمدناه في التنقيح والاضافة هو اخذ المتغيرات التي حدثت في الاعتبار منذ العام 1983م، وحتي انعقاد المؤتمر السادس في يوليو 2016م، والذي اجاز التعديلات في البرنامج الذي يشكل اساس هذه المحاضرة، اي اننا نقدم للمرشح البرنامج الذي اجازه المؤتمر السادس، كما اخذنا في الاعتبار الملاحظات التي وردت من المحاضرين والمناطق حول المحاضرة.

  في التنقيح ايضا عملنا تبويبا للمحاضرة لمساعدة المرشح لاستيعاب  و متابعة تطور البرنامج ، ولمساعدة المحاضر ايضا في ترتيب تقديم المحاضرة، كما هو موضح في قائمة المحتويات. والمحاضرة هي مدخل لدراسة البرنامج ولاتغني عن دراسة وقراءة البرنامج بالتفصيل من اجل استيعابه وفهمه وشرحه للجماهير. كما قدمنا شرحا وتوضيحا لبعض المصطلحات والمفاهيم المستخدمة في البرنامج مثل: الفائض الاقتصادي ومفهوم التنمية...الخ.

   كما قدمنا في نهاية المحاضرة قائمة بالمراجع والمصادر والتي يمكن ان يرجع لها المرشحون واعضاء الحزب لاستيعاب قضايا وتفاصيل البرنامج، عن طريق التثقيف الذاتي والذي لاغني عنه لتطوير القدرات الفكرية والنظرية، و لدراسة الواقع لاستخلاص البرامج التفصيلية المحلية او الخاصة لكل منطقة وكل فئة أوشريحة اجتماعية من البرنامج الوطني الديمقراطي العام.

                                                          مكتب التثقيف المركزي

                                                              سبتمبر 2016م

 

المحتويات

تقديم                                                                              

            ماهو تعريف البرنامج؟.                                                      

-           ماهي برامج الحزب السابقة؟                                                

            ماهي استراتيجية الحزب؟                                                   

            ماهي التحالفات الاستراتيجية والتكتيكية؟                                      

            البرنامج والتحالف مع احزاب البورجوازية الصغيرة.                         

             ماهي أركان البرنامج الوطني الديمقراطي؟                                   

            لماذا البرنامج الوطني الديمقراطي؟                                           

            مساهمة الشهيد عبد الخالق محجوب في الوضوح النظري حول البرنامج.     

            برنامج الحزب المجاز في المؤتمر السادس.                                  

            المصادر والمراجع.                                                  

 

أولا: ماهو تعريف البرنامج؟                         

    معلوم أن البرنامج هو الوثيقة التي يعلن بها الحزب أهدافه بإيجاز ووضوح ودقة لفترة أو مرحلة تاريخية محددة ، ثم يتابع توضيح وشرح هذه الأهداف الموجزة في دراسات تفصيلية ، كما أن البرنامج ليس جامدا ، بل يتغير ويكتسب جوانب جديدة ويفقد جوانب قديمة مع المتغيرات المحلية والعالمية ، كما يحدد البرنامج الأهداف العامة أو الاستراتيجية ، ويوضح الوسائل والأساليب لتحقيق تلك الأهداف ، أي تكتيكاته والقوى الاجتماعية التي تعبر تلك الأهداف عن مصالحها ، ويناضل الحزب معها دفاعا عن مصالحها ، فضلا عن أن البرنامج يطرح لكسب ثقة الجماهير ، كما أن البرنامج يجيزه مؤتمر الحزب ويدخل عليه تعديلات تراعي المتغيرات الجديدة في مؤتمرات لاحقة .

  من الخطأ تصور أن يكون برنامج الحزب موسوعة لكل شئ او مجموعة كل الأجوبة لكل الاسئلة. هذا تصور جامد وبحث خيالي لراحة الذهن الكسول البعيد عن ضجيج النضال الثوري وصخب الصراع الطبقي في المجتمع، وهو الي جانب ذلك تصور غريب عن الماركسية، عن الديالكتيك المادي، البرنامج كما يقول لينين: ( يعني الاعلان عن كل مايريد الحزب تحقيقه بايجاز ووضوح ودقة)، ويقول ايضا: ( يجب ان يقوم برنامج الحزب الماركسي علي وقائع ثابتة بدقة مطلقة)، ويقول انجلز: (كثيرا مانخشي عدم الوضوح عندما نختار عبارات قصيرة وجذابة، ولهذا نضيف تفسيرات طويلة تثير الملل، اعتقد ان البرنامج يجب ان يكون بقدر المستطاع قصيرا دقيقا.. فالقراءة الجماعية في الاجتماع والشرح والتوضيح في الصحف يسدان الثغرات، وعندما تستقر الجملة القصيرة الجذابة في الأذهان عن فهم ووعي، تصبح شعارا، لكن يستحيل ان يصبح التفسير الطويل شعارأ).  علي سبيل المثال: كان شعار المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوداني: ديمقراطية راسخة- تنمية متوازنة- وطن واحد- سلم وطيد.

 وهو شعار لخص تلخيصا مكثفا كل برنامج الحزب الذي اجازه المؤتمر الخامس كما سنوضح في هذه المحاضرة.   

    وفي حالة الحزب الشيوعي السوداني، يمكن أن نشير إلى الآتي في تطور برنامج الحزب

ثانيا: ماهي برامج الحزب السابقة؟

1 -  برنامج الحركة السودانية للتحرر الوطني التي تأسست في أغسطس عام 1946، وكان الهدف المباشر تحقيق الجلاء وتقرير المصير.

2 - برنامج الجبهة المعادية للاستعمار ( 1954 )، والتي خاضت على أساسه أول انتخابات برلمانية عام 1954.

3 - برنامج ً سبيل السودان لتعزيز الاستقلال والديمقراطية والسلم ً الذي أجازه المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوداني ( فبراير 1956 ).

4 - البرنامج الذي صدر عقب المؤتمر الرابع ( اكتو بر 1967 )، وصدر في كتيب مع النظام الداخلي بعنوان ً دستور الحزب الشيوعي السوداني .

5 - خلال التحضير للمؤتمر الخامس عام 1971 كتب الشهيد عبد الخالق محجوب وثيقة ً حول البرنامج ً والتي صدرت في كتيب عام 1974، وصدرت في طبعة ثانية عن دار عزة للنشر 2002 م.

6 - بعد وثيقة حول البرنامج صدرت وثائق من ا للجنة المركزية عبرت عن فترات هامة في تاريخ الحزب مثل ً جبهة للديمقراطية وإنقاذ الوطن ً – أغسطس 1977 .

  وبعد انتفاضة مارس أبريل 1986 صدر برنامج الحزب الانتخابي والذي خاض على أساسه انتخابات 1986 .

7 - البرنامج المجاز في المؤتمر الخامس للحزب في يناير 2009م .

وأخيرا التعديلات علي البرنامج  المجازة في المؤتمر السادس والذي يشكل محور وموضوع هذه المحاضرة.

8 - هذا إضافة للبرامج التي وقع عليها الحزب الشيوعي في تحالفاته الواسعة ضد الاستعمار والأنظمة الديكتاتورية العسكرية والمدنية ومن أجل الحرية والديمقراطية مثل : جبهة الكفاح ضد الجمعية التشريعية ( 1948 ) ، الجبهة المتحدة لتحرير السودان ( 1952 ) ، جبهة أحزاب المعارضة ضد ديكتاتورية عبود ( 1959 ) ، ميثاق اكتو بر 1964 ، جبهة الدفاع عن الديمقراطية ( 1965 ) ، ميثاق اتحاد القوى الاشتراكية ( 1968 ) لخوض انتخابات الجمهورية الرئاسية ، برنامج التجمع الوطني الديمقراطي لإنقاذ الوطن ( إبريل 1985 ) ، برنامج التجمع الوطني الديمقراطي ضد نظام الإنقاذ ( اكتو بر 1989 ).

 علي انه لايمكن الفصل بين التحالف الواسع من اجل: الحقوق والحريات الديمقراطية وتحسين احوال الناس المعيشية والتنمية وتوحيد البلاد وترسيخ السلام، والبرنامج الوطني الديمقراطي، فانجاز برنامج التحالف الواسع يمهد الطريق لانجاز البرنامج الوطني الديمقراطي.

ثالثا: ماهي استراتيجية الحزب؟.

 المقصود بالاستراتيجية هي الأهداف المباشرة الذي يريد الوصول لها الحزب في برنامجه، اما التكتيك فهو الوسائل التي يتخذها الحزب للوصول لتلك الأهداف.

 استراتيجية الحزب هي انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، وبالتالي، فان هدف البرنامج هو انجاز تلك المرحلة في تقلباتها وفتراتها المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار المتغيرات الداخلية والخارجية وتبدل الاحوال السياسية وتوازن القوي وما يصحبها من تكتيكات هجومية ودفاعية، ويتضح أيضا في كل فترة وفي كل حالة سياسية يطرح الحزب خطه السياسي العام ويصوغ تكتيكاته وواجباته علي ضوء البرنامج.

 بانجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية يدخل الحزب في مرحلة الاشتراكية ثم مرحلة الشيوعية التي تمثل الطور الأعلي للاشتراكية.ويتضح أن الاهداف العامة للحزب هي انجاز الثورة الوطنية الديمقراطية والانتقال الي الاشتراكية ثم الشيوعية، فالبرنامج واحد من حيث الأساس، ولكن مهام وقضايا كل مرحلة تجد تركيزا ووضوحا في البرنامج الخاص بها.

 نخلص من ذلك ان استراتيجية الحزب او هدفه المباشر هو انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية.

رابعا: ماهي التحالفات الاستراتيجية والتكتيكية؟

  التحالفات الاستراتيجية: هي التي يقيمها الحزب كتحالفات ثابتة مع القوي الديمقراطية من أجل تحقيق برامج تفصيلية تهم فئات المجتمع السوداني المتعددة، يتم استخلاصها من البرنامج الوطني الديمقراطي العام في المجالات المختلفة علي طول المرحلة الوطنية الديمقراطية، ويتم استخلاص برامج هذه الفئات مثلا في التعليم، الصحة ، حركة الطلبة، الشباب ، النساء،...الخ فيما اصطلحنا علي تسميته برنامج الجبهة الديمقراطية وسط الطلاب، برنامج رابطة المعلمين الاشتراكيين، وبرنامج الجبهة النقابية وسط العمال، برنامج حركة النساء الديمقراطية وبرنامج حركة الشباب الديمقراطية، برنامج رابطة الاطباء الاشتراكيين...الخ، ومجموع هذه التحالفات الثابتة هي ما نطلق عليها تنظيمات الجبهة الوطنية الديمقراطية، والتي تشكل الاطار العام لتحالف القوي التي لها مصلحة في انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، وتتشكل هذه القوي من العمال والمزارعين والمثقفين الثوريين والراسمالية الوطنية المنتجة

 اما التحالفات التكتيكية أو المؤقتة: فهي تلك التي يدخل فيها الحزب مع أحزاب او جماعات سياسية أخري ، ويقوم هذا التحالف علي اهداف او شعارات سياسية محدودة، مع احتفاظ كل حزب باستقلاله السياسي والتنظيمي والفكري، وحرية الدعوة لبرنامجه من منابره المستقلة، ومن الأمثلة لتلك التحالفات التي دخل فيها الحزب: جبهة الكفاح ضد الجمعية التشريعية(1948)، الجبهة المتحدة لتحرير السودان( 1952)، التجمع الوطني الديمقراطي(1989م)، وغير ذلك من تلك التحالفات وبرامجها التي أشرنا لها سابقا.

 هذه تحالفات مؤقتة تنفض عندما تحقق اهدافها وتنشأ بعدها تحالفات تعبر عن مهام جديدة.

 علي ان نضال الحزب في فترة معينة لبناء جبهة واسعة او تحالف واسع مع احزاب و قوي اخري تيارات اخري، لايعني التراجع عن كيانات الجبهة الوطنية الديمقراطية او حلها لمصلحة الجبهة الواسعة، بالعكس، مثلما يواصل الحزب نشاطه المستقل لبناء قواعده وشرح برنامجه وخطه السياسي يواصل أيضا نشاطه مع كيانات الجبهة الوطنية الديمقراطية لتوسيع نفوذها وكسب جماهير اوسع حولها، التحالفات السياسية الواسعة تتغير وتتبدل، ولكن التحالف الثابت للقوي الوطنية الديمقراطية يزداد رسوخا، حتي تصبح القوي الوطنية الديمقراطية هي القوي ذات النفوذ الحاسم بين الجماهير ويصبح البرنامج الوطني الديمقراطي هو برنامج الجماهير وتطلعاتها.

خامسا: البرنامج والتحالف مع احزاب البورجوازية الصغيرة:

  وهذا يقودنا الي مسألة التحالف مع احزاب البورجوازية الصغيرة التي تلتقي مع الحزب الشيوعي في اكثر من نقطة، فان تحالف الحزب معها تحكمه عدة مبادئ أهمها : ان برنامج الحزب ينطلق من الماركسية كما أشار البرنامج المجاز في المؤتمر الخامس، في حين لايستند فكر هذه المجموعات الي تلك الفلسفة، وان الحزب الشيوعي ينطلق من طبيعة طبقية هي الطبقة العاملة، في حين ان تلك المجموعات الأقسام الثورية للبورجوازية الصغيرة، وان تطور الثورة الوطنية الديمقراطية مستحيل بدون قيادة الطبقة العاملة وحزبها، ولاتستطيع مجموعة الديمقراطيين الثوريين توفير تلك القيادة كما اكدت التجربة بعد انقلاب 25 مايو 1969م، اذ سرعان ما انتكست الي اتجاه يميني متكامل دفع البلاد في طريق التبعية لمؤسسات الرأسمالية العالمية وفرض نظام الحزب الواحد بالقهر وبالقانون وتمت مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية باسم الاشتراكية. لكل هذا فان بقاء الحزب الشيوعي واستقلاله، وكذلك استقلال حركة الطبقة العاملة وحركة الجماهير مسائل يصر عليها الحزب الشيوعي ولايتنازل عنها في تحالفه مع هذه المجموعات، وهو يسعي باستمرار وبصبر ومثابرة علي نجاح هذا التحالف، دون تهويل من قدرات الديمقراطيين الثوريين واعتبارهم البديل للحزب الشيوعي، ودون تقليل من دورهم – خصوصا وقد تبلورت في السودان وكنتاج لمجمل تجارب الحركة الثورية السودانية، اتجاهات ومجموعات ديمقراطية ثورية سودانية المنشأ والفكر، وقام بينها وبين الحزب الشيوعي تحالف ثابت في الجبهة النقابية والجبهة الديمقراطية والرابطة الاشتراكية..الخ، ويتعامل الحزب الشيوعي بذهن مفتوح مع أي تيار أو مجموعة أو حزب ديمقراطي ثوري نظير في الحياة السياسية السودانية لحل قضايا الثورة الوطنية الديمقراطية والتوجه نحو الاشتراكية.   

سادسا: ماهي أركان البرنامج الوطني الديمقراطي؟

 برنامج الحزب الشيوعي يقوم علي ثلاثة أركان: نظري وسياسي وعملي. ولاتظهر هذه الأركان منفصلة في كل باب أو جزء من البرنامج، لكنها متضمنة في كل البرنامج لحمته وسداه. فنظرية الحزب هي الماركسية، والأصل الطبقي عمالي، والسياسات التي يصوغها تنبع من منطلقه الماركسي ومصالح الطبقة العاملة والكادحين، والخطوات التي يطرحها تستهدف تغيير المجتمع وتحقيق الثورة وفق اهداف المرحلة. وعندما نقول أن برنامج الحزب الشيوعي السوداني منذ نشاته وحتي اليوم هو برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية، فان أركان البرنامج والأهداف الاستراتيجية الأساسية في البرنامج لا تتغير وهي:

1 -       السلطة السياسية الوطنية الديمقراطية، والدور القيادي الذي تحتله الطبقة العاملة بمفهومها الواسع والحديث والتي تضم قوي الكدح العضلي والذهني في الجبهة الوطنية الديمقراطية التي تعبر هذه السلطة السياسية عن ارادتها، وقضايا جهاز الدولة الذي تسيطر عليه هذه السلطة.

2 -       الديمقراطية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

3 -       التنمية: كعملية تغيير شاملة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا لتجديد بنية المجتمع السوداني بطريق وطني ديمقراطي يتجاوز طريق التطور الرأسمالي الذي اصبح مسدودا.

4 -       حل المسألة القومية حلا شاملا وديمقراطيا.

5 -       الثورة الثقافية الديمقراطية. 

 

سابعا: لماذا البرنامج الوطني الديمقراطي؟

    لاجدال ، أن برنامج الحزب المجاز في المؤتمر الخامس لاينفصل عن برامج الحزب السابقة ، بل أنه يستند على أفضل ما تبقي من القديم ، فالبرنامج يفقد جوانب قديمة ويكتسب جوانب جديدة مع المتغيرات المحلية والعالمية ، فنحن لسنا بصدد برنامج جديد عدمي ليس له صلة بالماضي ، ولكن النفي هنا ديالكتيكي ، بمعنى أن الجديد يستند على أفضل ما في القديم القابل للاستمرارية والحياة .    

  لقد كانت تجربة السير في طريق التنمية الرأسمالية الغربية منذ احتلال السودان عام 1898 م، وبعد الاستقلال فاشلة وكان من نتائجها:

أ – تشويه وتدمير القطاع الزراعي الذي يعتبر المصدر الرئيسي للفائض الاقتصادي اللازم للتنمية والمصدر لتأمين الغذاء، وبالتالي تأمين قرارنا وسيادتنا الوطنية.

ب – استمرار وتعميق الفقر حتى وصل نسبة 95 % من السكان.

ج – تعميق التبعية للعالم الغربي ، ديون خارجية بلغت حوالي 47 مليار دولار .

د – إهدار الاستثمارات والموارد الوطنية في برامج التصنيع الفاشلة.

  فشل هذا الطريق يؤكد مشروعية برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية الذي يحقق النهضة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ، وينتشل البلاد من غياهب التخلف .

2 ـــ الجذور التاريخية للتخلف :

     السمات الأساسية للتخلف الذي تعاني منه البلاد تتمثل في :

أ – في الجانب الدولي للتخلف الذي يشمل التبعية الاقتصادية للدول الرأسمالية الأجنبية وتصدير الفائض الاقتصادي للخارج .

ب – في الجانب الداخلي : الذي يتمثل في عدم الاستقرار والحروب والمجاعات والفقر وعدم تجانس المجتمع ( قطاع حديث وآخر تقليدي ) واقتصاد جامد ومفكك .

     هذا التخلف ليس لعنة حلت بنا لافكاك منها ، ولكنه نتاج تطور تاريخي . ومعلوم أن السودان في العصور القديمة والوسطي شهد مولد حضارات ( كرمة ، نبتة ، مروي ، ممالك النوبة المسيحية ، الممالك الإسلامية : الفونج ، الفور ، تقلي ، .. الخ ) ، وكانت هذه الحضارات مزدهرة فيما يختص بالتطور الزراعي والصناعة الحرفية ، وكانت هذه الحضارات لاتقل شأنا عن الحضارات التي كانت معاصرة لها في بلدان الشرق والعالم الإسلامي وأوربا في العصر القديم والوسيط . ولكن من أين جاءت جذور التخلف ؟

   لقد قطع الاحتلال التركي – المصري للسودان عام 1821 م التطور الطبيعي والباطني للمجتمع السوداني ، وبعد الاحتلال نشأت بنية اقتصادية – اجتماعية تابعة ومتوجهة خارجيا ، بمعني أن كل النشاط الاقتصادي والاجتماعي في تلك الفترة كان موظفا لخدمة أهداف دولة محمد على باشا في مصر ، وتم نهب وتدمير القوى المنتجة في السودان ( المادية والبشرية ) ، وكان ذلك جذرا أساسيا من جذور تخلف السودان الحديث . رغم ارتباط السودان بالعالم الخارجي وعرف المحاصيل النقدية مثل : القطن ، الصمغ ، والتعليم المدني الحديث والقضاء المدني ، .. الخ . وتم استنزاف ونهب موارد السودان ، وإرهاق الناس بالضرائب الباهظة حتى انفجرت الثورة المهدية . استمرت فترة المهدية لمدة 13 عاما كانت مشحونة بالحروب الداخلية والخارجية والمجاعات ، ولم تشهد هذه الفترة استقرارا حتى جاء الاحتلال البريطاني للسودان ( 1898 – 1956 ) ، وفي تلك الفترة عاد الاقتصاد السوداني للتوجه الخارجي ، أي أن الاقتصاد السوداني كان خاضعا لاحتياجات بريطانيا ومد مصانعها بالقطن الذي كان المحصول النقدي الرئيسي ويشكل 60 % من عائد الصادرات ، وتم تغليب وظيفة زراعة المحصول النقدي على وظيفة توفير الغذاء الأساسي في الزراعة ، هذا إضافة لسيطرة الشركات والبنوك البريطانية على معظم التجارة الخارجية ، وارتباط السودان بالنظام الرأسمالي العالمي ، وفي علاقات تبادل غير متكافئة ، هذا إضافة لتصدير الفائض الاقتصادي للخارج ، فعلى سبيل المثال في الفترة ( 1947 – 1950 ) كانت أرباح شركة السودان الزراعية أكثر من 9,5 مليون جنية إسترليني تم تحويلها إلى خارج البلاد ( تيم نبلوك : صراع السلطة والثروة في السودان ) . كما كانت الصناعة تشكل 9 % من إجمالي الناتج القومي ،  واجهض المستعمر أي محاولات لقيام صناعة وطنية ، وتم تدمير صناعات  النسيج والأحذية التي كانت موجودة خلال فترة المهدية ، بعد أن غزت الأقمشة والأحذية المستوردة السوق السوداني . وكان نمط التنمية الاستعماري الذي فرضه المستعمر يحمل كل سمات و مؤشرات التخلف التي تتلخص في الآتي : -

-           90 % من السكان كانوا يعيشون في القطاع التقليدي ( المعيشي ( .

-           قطاع تقليدي يساهم ب56,6 % من إجمالي الناتج القومي .

-           القطاع الزراعي يساهم ب61 % من تكوين الناتج المحلي .

-           ضعف ميزانية التعليم والصحة، تتراوح بين ( 4 - 6 % ).

-           نسبة الأمية حسب إحصاء 55 / 1956، كانت 86,5 % .

-           دخل الفرد كان حوالي 27 جنية مصري في العام.

-           اقتصاد غير مترابط ومضعضع داخليا ومتوجه خارجيا .

-           تنمية غير متوازنة بين أقاليم السودان .

  وبعد الاستقلال استمر هذا الوضع وتم إعادة إنتاج التخلف واشتدت التبعية للعالم الخارجي أو التوجه الخارجي للاقتصاد السوداني : ديون ، عجز غذائي

(مجاعات )، تصنيع فاشل، وغير ذلك مما اوضحه برنامج الحزب المجاز في المؤتمر الخامس بتفصيل (راجع البرنامج).

 

 3 ـــ فشل الرأسمالية السودانية في قيادة النهضة الوطنية :

    هناك عوامل ومؤثرات وعقبات وقفت في طريق تطور ونمو الرأسمالية السودانية والتي حالت دون أن تتمكن من قيادة النهضة الصناعية والزراعية ، رغم أن بذور نشأتها كانت مبكرة ومعاصرة للثورة الصناعية في أوربا ، فقد نشأت في خضم عمليات التراكم البدائي لرأس المال التجاري في سلطنة سنار ، ويمكن أن نلخص أهم الأسباب التي أدت إلى إجهاض دور الرأسمالية السودانية في قيادة النهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الآتي : -

-           لم تستطع الرأسمالية التجارية أن تحقق نصرا حاسما في صراعها ضد الطبقة الإقطاعية في سلطنة سنار على السلطان الذي كان يحتكر سلعتي الذهب والرقيق ، وبالتالي فشلت في الانفراد بقيادة الدولة ، كما فعلت الطبقة الرأسمالية في أوربا ، هذا فضلا عن توقف التطور الباطني الطبيعي لهذا الصراع بسبب تدخل عامل خارجي هو الاحتلال التركي للسودان .

-           في فترة الحكم التركي أصبح الاقتصاد السوداني متوجها لخدمة أهداف دولة محمد على باشا في مصر والذي كان يهدف إلى تحقيق نهضة صناعية وزراعية في مصر واللحاق بركب البلدان الأوربية ، وبالتالي حال ذلك دون أن تلعب الرأسمالية السودانية دورها في النهضة .

-           تميزت فترة المهدية بعدم الاستقرار والحروبات المتصلة والصراعات الداخلية والخارجية وإهمال القطاع الزراعي بسبب التهجير الواسع للمزارعين وأسرهم تلبية لنداء الجهاد مما أدى إلى تدهور الزراعة وانتشار المجاعات مثل مجاعة : سنة 1306 ه ، وبالتالي لم يكن الجو مساعدا لنمو وتطور الرأسمالية السودانية . 

-           في فترة الاستعمار البريطاني للسودان ( 1898 – 1956 ) تصدت الدولة لإنشاء المشاريع الزراعية والخدمية مثل مشاريع القطن ( الجزيرة ، القاش ، طوكر ، جبال النوبة ، .... الخ ) ، السكك الحديدية والطرق الداخلية ، خزان سنار ، ميناء بور تسودان ، ... الخ. كما غزت بريطانيا السودان بالسلع الرأسمالية المستوردة، مما حال دون نمو الرأسمالية السودانية وقيادتها للنهضة الصناعية والزراعية.

-           بعد الاستقلال لم تلعب الرأسمالية الوطنية دورها في النهضة رغم التسهيلات التي كانت تقدم لها، فقد ظل القطاع العام هو المهيمن.

-           بعد انقلاب مايو 1969 تم تحجيم الرأسمالية الوطنية التي بدأت تلج ميدان الإنتاج الصناعي والزراعي بقرارات التأميم والمصادرة العشوائية ، ومنذ العام 1978 ، وبعد التخفيضات المتوالية للجنية السوداني انهار الإنتاج الصناعي والزراعي وتزايد النشاط الطفيلي الذي دمر الاقتصاد السوداني بتهريب الفائض الاقتصادي للخارج .

-           وبعد انقلاب 30 / يونيو / 1989 سادت الرأسمالية الطفيلية الإسلامية على حساب الفئات الرأسمالية الوطنية الأخرى، وتم تدمير الإنتاج الزراعي ليحل محلة النشاط الطفيلي.

-             وخلاصة القول، أن الرأسمالية السودانية فشلت في قيادة النهضة الصناعية والزراعية. وبالتالي، كما جاء في مقدمة برنامج المؤتمر الخامس، يناير 2009م، هناك ضرورة لقيادة طبقية جديدة تعبر عن مصالح الطبقة العاملة والكادحين.

4 -  الدولة السودانية:

  بدأ الشكل الحديث للدولة السودانية في فترة الحكم التركي – المصري ( 1821 – 1885 ) ، الذي شهد مولد السودان الحديث بشكله الحالي تقريبا بعد ضم دار فور وسواكن وإقليم التاكا والمديريات الجنوبية الثلاثة ( الاستوائية ، بحر الغزال ، أعالي النيل).

  وكان جهاز الدولة منذ تشكل وتخلق في السودان الحديث جهازا للقمع ، وكان الإنسان السوداني خلال الحقب التاريخية المختلفة للسودان الحديث يصارع ضد القهر والظلم ومن أجل الحرية ويتجلي ذلك في الثورة المهدية ضد الحكم التركي ، وثورة الاستقلال ضد الحكم الإنجليزي ، وبعد الاستقلال كانت ثورة اكتو بر 1964 ضد ديكتاتورية الفريق عبود ، وانتفاضة مارس – إبريل 1985 ضد حكم الرئيس نميري ، ومقاومة الشعب السوداني لنظام الإنقاذ من أجل انتزاع التحول الديمقراطي. .

  بعد الاستقلال واجهت الدولة الوطنية السودانية التحديات الآتية : - عدم استقرار واستمرارية التجربة الديمقراطية من جراء الانقلابات العسكرية ، ودخل السودان في الحلقة المفرغة : ديمقراطية – ديكتاتورية – ديمقراطية - ... الخ ، وتأثر جهاز الدولة بتلك الانقلابات ، وفقدت الدولة أغلب كادرها المؤهل بسبب التطهير ، وانهارت الخدمة المدنية ، والفشل في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية المنوط بها إحداث النهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ، وتعزيز الديمقراطية والمؤسسات النيابية والدستورية ، رغم إمكانيات البلاد في القطاع الزراعي والحيواني ، وبعد اكتشاف البترول والمعادن لإحداث نهضة وطنية ديمقراطية عميقة تنتشل البلاد من الظلمات إلى النور ، وإلى آفاق التنمية والوحدة والسلام والتقدم الاجتماعي .

  وبعد الإنقاذ رفعت الدولة يدها عن خدمات أساسية مثل التعليم والصحة الذين دخلا دائرة الاستثمار الخاص ، وأصبحت الدولة السودانية في مفترق الطرق ومهددة بالتمزق وتم التدخل الأجنبي ، فإما أن تصبح الدولة السودانية مدنية ديمقراطية تستوعب التنوع الديني والثقافي واللغوي والعرقي أو تتعرض للتشرذم ، كما فشلت تجربة الدولة الدينية في فترة قوانين سبتمبر 1983 ، وفترة الإنقاذ والتي أفرزت حكاما طغوا في البلاد واكثروا فيها الفساد ، استغلوا الدين في السياسة ، وقهروا الناس باسم الإسلام .     

   على أن الدولة المدنية الديمقراطية ليست وحدها هي الحل السحري والضمان لوحدة السودان ، فلا بد من استكمال ذلك بالتنمية المتوازنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل أقاليم السودان وتوفير احتياجات المواطنين الأساسية في مستوى المعيشة اللائق والتعليم والصحة ، ..الخ.

5 – مفهوم التهميش والمناطق المهمشة :

     التهميش هو نتاج تطور تاريخي ، ولكن تم تعميقه في فترة الحكم التركي وفترة الاستعمار البريطاني والذي خلق تنمية غير متوازنة وعزل المناطق المهمشة بإدخالها في قانون المناطق المقفولة ، وبعد الاستقلال لم تحل قضايا التهميش .

   إن الانفجار النوعي الحالي في أطراف البلاد هو نتاج تراكم كمي من المظالم والقهر وإهمال تنمية تلك المناطق، والإحساس بضرورة الحكم الذاتي وتقرير المصير، وإحداث التنمية في ظروف تحول ديمقراطي تشارك فيه جماهير تلك المناطق، واقتسام السلطة والثروة.

  على أن مفهوم التهميش اتسع بعد سياسة الإنقاذ التي شردت الآلاف من أعمالهم وانهارت المشاريع الصناعية والزراعية التي أدت إلى الهجرة داخل وخارج البلاد ، وتركزت السلطة والثروة في يد قلة ، وتعمق الفقر والإملاق في البلاد حتى أصبح يشمل 95 % من سكان البلاد ، كما عمقت سياسة الإنقاذ الأحادية التهميش الثقافي واللغوي والديني والاثني ، مما أدى إلى انفجار الحركات المسلحة بشكل اكثر عنفا في الجنوب ، وفي دار فور والشرق مما أدي لانفصال الجنوب، واستمرار الحرب في المناطق الثلاثة. .

  كما أصبح مفهوم التهميش يشمل الاضطهاد الطبقي والقومي والاثني والديني واضطهاد المرأة كجنس ... الخ.

   إن الصراع ضد التهميش يعني القضاء على كل الاستغلال والاضطهاد والاستبداد والتمييز الجنسي والاثني والديني واقامة ديمقراطية حقيقية بأبعادها الشاملة : الاقتصادية والسياسية والثقافية واحترام الإنسان بوصفه أكرم الكائنات.

 هذه هي المقومات التي تحتم ضرورة البرنامج الوطني الديمقراطي ، وهذا يقودنا الي تناول البرنامج في علاقته بمهام التغيير الوطني الديمقراطي، ولأن السير في طريق التنمية الرأسمالية اصبح مسدودا، كما أكدت التجربة.

ثامنا: مساهمة عبد الخالق محجوب في الوضوح النظري حول البرنامج

  القت مساهمة عبد الخالق محجوب في وثيقة (حول البرنامج)، والتي كتبها من معتقله في معسكر الشجرة في يونيو 1971م،  الضوء علي مهام التغيير في الاقتصاد والثقافة وجهاز الدولة والتحولات التي تمهد الانتقال للاشتراكية. وطبيعي أن يتأثر البرنامج في صياغته وعرضه بالظروف السياسية في الفترة التي يصاغ فيها وتخضع بعض جوانبه للتعديل والتطور، فالمؤتمر الثالث مثلا انعقد في اول شهر بعد اعلان الاستقلال، وكانت ظروف تلك الفترة واضحة التأثير علي صياغة مهام التغيير، وبرنامج الحزب الذي صدر عن المؤتمر الرابع 1967م احاطت به ظروف ثورة اكتوبر ومابعدها، والبرنامج الذي صدر عن المؤتمر الخامس في يناير 2009م، جاء بعد تشويه سلطة مايو لشغارات الثورة الوطنية الديمقراطية كالتأميم والحكم الذاتي الاقليمي..الخ، بعد فشل التجربة الاشتراكية في بلدان الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا، ودخول الرأسمالية في مرحلة العولمة والازمة الاقتصادية العالمية الراهنة، وبعد توقيع اتفاقية نيفاشا وبقية الاتفاقات الأخري و في ظروف مواصلة الصراع من اجل استكمال التحول الديمقراطيي والتنمية وتحسين احوال الناس المعيشية، وتوحيد البلاد علي أسس طوعية وديمقراطية،وترسيخ السلام، واصلاح الخراب الذي احدثه نظام الانقاذ في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاخلاقية، كما اشار برنامج المؤتمر الخامس.  وبالتالي فان الظروف السياسية سوف تترك أثرها، لكن مهام التغيير الوطني الديمقراطي تبقي في جوهرها واحدة، اما النقاط التي سلط عليها الضوء الشهيد عبد الخالق محجوب في وثيقة حول البرنامج فهي:

 التنمية:

 يتناول البرنامج مهام التنمية باعتبارها تغييرا شاملا اقتصاديا واجتماعيا، وليس مجرد مشاريع صناعية وزراعية وطرق وخدمات. بمعني انها لاتقتصر فقط علي تطوير قوات الانتاج، بل تشمل علاقات الانتاج ايضا، وتغيير وجه الحياة وتركيب بنية المجتمع السوداني. لهذا يركز برنامج الحزب علي المسائل التالية في تناوله لمهام التنمية:

أ‌-          ان العدو الرئيسي هو الاستعمار الحديث الذي اصبح اكثر شراسة في مرحلة العولمة الحالية، وان الاستعمار الحديث يتسلل للبلاد استنادا الي حليف طبقي في الداخل هو الرأسمالية السودانية التابعة له، وان المصلحة المشتركة بين الاستعمار الحديث وحليف الداخل هي ابقاء السودان في حظيرة النظام الرأسمالي العالمين ودفع التطور الرأسمالي في الداخل. لكن طريق التطور الرأسمالي قبل وبعد الاستقلال وبعده لم يحرر البلاد من التخلف والتبعية. لهذا فان مهام التنمية يجب أن تتجه لحماية السيادة الوطنية وتصفية التخلف وهذا لن يتحقق الا اذا سار السودان في طريق وطني ديمقراطي، طريق غير رأسمالي.

ب‌-       لتنفيذ مهام التنمية بطريق وطني ديمقراطي، لابد من ان تحكم البلاد سلطة وطنية ديمقراطية، تمثل القوي الاجتماعية ذات المصلحة في التحرر من نفوذ وسيطرة الاستعمار الحديث، والحد من نمو واتساع العلاقات الرأسمالية، وتصفية علاقات الانتاج شبه الاقطاعية، وتصفية مواقع واحتكارات الاستعمار الحديث.

ج – تستعين السلطة الوطنية الديمقراطية بالتخطيط العلمي، لوضع خطط مرحلية للتنمية بحيث تصبح كل خطة بمثابة برنامج شامل للتطور الاقتصادي الاجتماعي والثقافي. وتصبح حصيلة هذه الخطط في النهاية، تطورا لقوي الانتاج وعلاقات الانتاج، علي نطاق شامل من المجتمع السوداني، بحيث تنبع الضرورة للانتقال للاشتراكية من باطن احتياجات هذا المجتمع لمزيد من التطور، وليست مفروضة عليه من اعلي او من خارجه. وهذا لايعني ان ظهور هذه الضرورة وتحقيقها سيتم بدون صراع طبقي، سياسي واقتصادي وفكري. فالصراع سوف يستمر طيلة فترة الثورة الوطنية الديمقراطية، حيث تعمل القوي الاجتماعية والطبقات ذات المصلحة في العودة للتبعية ويعمل الاستعمار الحديث لضرب الثورة وتصارع قوي العمال والمزارعين الكادحين وبقية اطراف الجبهة الوطنية الديمقراطية لدفع الثورة للامام وحمايتها، اضافة الي الصراع ضد التخلف والجهل والتقاليد البالية.. .. الخ.

 الفائض الاقتصادي:

معلوم ان الفائض الاقتصادي هو( مجموع الدخل – الاستهلاك)، والفائض الاقتصادي الكامن هو القدرات والامكانيات الخامدة والتي لم تمتد اليها ايدي الاستثمار(أراضي زراعية، ثروة حيوانية، ثروة معدنية..الخ)، وهو من المصطلحات التي ادخلها الماركسي الأمريكي بول باران في دراسته للاقتصاد السياسي للتخلف.

 الخطوة الحاسمة في طريق التنمية تتطلب حسم مسألة الفائض الاقتصادي، فشعب السودان ينتج ويكدح، لكن فائض عمله وكدحه تستحوذ عليه الجهات التالية:

-           مؤسسات الاستعمار الحديث، بما في ذلك التجارة الخارجية غير المتكافئة.

-           الرأسمالية المحلية، وخاصة الطفيلية بعد نظام مايو والانقاذ، بما في ذلك تهريب اموالها للخارج.

-           المنصرفات الباهظة علي جهاز الدولة، بما في ذلك الخطط الاقتصادية غير المدروسة والتي تهدر طاقات الانتاج وموارد البلاد، كما حدث في نظام مايو ونظام الانقاذ الحالي، اضافة للفساد ونهب المال العام.

 وهناك فائض كامن في قدرات المجتمع، لكنه خامد، وواجب السلطة الوطنية الديمقراطية تغييره بتصفية علاقات الانتاج القديمة شبه الاقطاعية. وهنا يوضح البرنامج قضيتين:

 أولاهما: ان الثورة الوطنية الديمقراطية، لاتهدف الي تصفية الرأسمالية السودانية. ذلك لن القطاع الخاص، بعد ان تسد السلطة منافذ تسلل الاستعمار الحديثن وتصفي مواقعه – قدرات وموارد: تحتاجها التنمية ولابد من توظيفها في اطار خطة التنمية، مع وضع ضوابط وسياسات واجراءات، تجعل نشاط القطاع الخاص خاضعا لمصلحة الوطن ككل، لخطة التنمية – مثل الحد من تطور واتساع العلاقات الرأسمالية، فرض ضرائب تصاعدية، حماية حقوق العاملين.الخ وفي الوقت نفسه ضمان نسبة معينة من الأرباح.           

والثانية: بعد تصفية مواقع ومؤسسات الاستعمار الحديث، لاترفض السلطة الوطنية الديمقراطية التعامل مع السوق الرأسمالي العالمي في التجارة الخارجية، لكنها تسعي للحصول علي شروط افضل في التبادل. كما انها لاترفض التعامل مع رأس المال الأجنبي في البلدان الراسمالية العالمية(امريكا، الاتحاد الاوربي، اليابان،..الخ)، لكنها تتعامل معه من مواقع استقلالها وسيادتها، ولاتقبل شروطه التي تمس السيادة الوطنية، وتحدد له مجال الاستثمار بما يخدم خطة التنمية، وتضمن له ارباحه وحقوقه، وتدفع له تعويضات عادلة في حالة تاميم نشاطه اذا اقتضت المصلحة الوطنية، وتشترط عليه ان يستثمر جزءا من أرباحه في السودان ولايصدرها كلها للخارج، وتطلب منه ان يقبل جزء من اقساطه وفوائده بالعملة السودانية لتنشيط السوق الداخلي من جهة وتخفيف الضغط علي حصيلة النقد الأجنبي، كما تشترط عليه تدريب كادر سوداني يتولي ادارة المنشأءت والمشاريع.

 هكذا يتضح ان توفير الفائض الاقتصادي الذي كانت تستحوذ عليه مؤسسات الاستعمار الحديث والرأسمالية المحلية، يتطلب ان تتخذ السلطة الوطنية الديمقراطية اجراءات اقتصادية وسياسية حاسمة تتمثل في تاميم البنوك الأجنبية، لأن البنوك وشركات التامين هي التي تتحكم في النشاط المالي الداخلي والخارجي، وعن طريقها يذهب الفائض للخارج بدلا من استثماره في الداخل. وكذلك الحال مع التجارة الخارجية التي يشترك رأس المال الأجنبي ورأس المال السوداني في استخدامها لاستنزاف الفائض الاقتصادي كأرباح تبقي في الخارج لرأس المال الاجنبي والمحلي. ولابد ان تسيطر السلطة الوطنية الديمقراطية عليها كخطوة سياسية لاستكمال السيادة الوطنية، وكخطوة اقتصادية للتحكم في التنمية بدءا بتحديد ماهو ضروري في الاستيراد حسب اسبقيات التنمية وتحقيق أفضل شروط للتبادل في السوق العالمي. وطبيعي ان يتحرر السودان الوطني الديمقراطي من تحكم السوق الرأسمالي العالمي وشروطه المجحفة، بتوسيع التبادل مع الدول الأخري.

 ولابد هنا من توضيح قضية فكرية ثالثة مهمة، وهي ان التاميم كوسيلة تسيطر بها الدولة علي بعض المؤسسات الأجنبية والمحلية، ليس هدفا في حد ذاته، وليس وسيلة اشتراكية في كل الظروف. فالعامل الحاسم هو طبيعة الدولة وطبيعة المجتمع، فالدولة الرأسمالية قد تؤمم بعض المؤسسات كما حدث في امريكا وبريطانيا وفرنسا بعد الأزمة الاقتصادية حيث تم تاميم بعض البنوك وشركات التامين لانقاذها من الأنهيار، فتتحول هذه المؤسسات الي قطاع رأسمالية الدولة  في القطاع العام. وفي السودان تحول مشروع الجزيرة عام 1950 من الشركة الزراعية البريطانية بعد انتهاء مدة العقد الي حكومة السودان التي تسيطر عليها بريطانيا يومئذ، وفي عام 1970 اممت حكومة مايو بنوك وشركات اجنبية ومحلية تحولت الي القطاع العام – أي رأسمالية الدولة – ثم اعادت بعضها مرة اخري لاصحابها، وسمحت للبنوك الجنبية الخري بالعمل مرة اخري في السودان.

 التاميم الذي تقوم به السلطة الوطنية الديمقراطية، يهدف الي تصفية مواقع ونفوذ الاستعمار الحديث، ووقف استنزاف موارد البلاد للخارج، وتحويل القطاع العام الي اداة للتنمية والتغيير الاجتماعي صوب الاشتراكية. ومن جانب آخر، فان اجراءات التاميم لاتشمل الرأسمالية السودانية بطريقة جزافية مثلما فعلت حكومة مايو عندما اممت مؤسسات صغيرة لاوزن لها وصادرت بعض المؤسسات من رأسماليين سودانيين. السلطة الوطنية الديمقراطية تراعي مصالح الرأسمالية السودانية بما يساعد تشجيع القطاع الخاص للاسهام في التنمية. وطالما قفلت السلطة المنافذ التي يتسلق منها الاستعمار الحديث، فالرأسمالية السودانية تجد نفسها مضطرة لحصر نشاطها في المجالات التي تحددها خطة التنمية ليست طائعة مختارة او بدافع مشاعر وطنية، بل مجبرة وبدافع الربح لأموالها، اما المصادرة، وهي عقوبة اقتصادية في المقام الأول، فقد طبقتها حكومة مايو في عام 1970م بطريقة فوضوية برجوازية صغيرة ضارة، فان الواجب اولا ان لاتوقع هذه العقوبة الاقتصادية بدون حكم قضائي اولا، وان لاتطبقها علي مؤسسات صغيرة كالمطاعم وماشابهها.

 لقد حدثت تغييرات كثيرة في هياكل الاقتصاد السوداني منذ صياغة برنامج 1967م، اخذها البرنامج المجاز في المؤتمر الخامس في الاعتبار(راجع البرنامج: فصل الاقتصاد)، ففي مجال البنوك مثلا هناك البنوك التي تملكها الدولة بعد تاميمها عام 1970م، وهناك بنوك اجنبية سمحت لها الدولة بفتح فروع لها في السودان، وهناك بنوك سعودية(اسلامية) مثل بنك فيصل، وهناك بنوك لرأسماليين سودانيين. لكن المبدأ العام للثورة الوطنية الديمقراطية لايتغير، فكل النشاط المصرفي يجب ان يكون في يد الدولة، مهما تعددت أشكال التنفيذ ودرجاته.

 ومن التغييرات التي حدثت ايضا، اكتشاف البترول وتصديره، والذي اصبح يشكل 90% من الصادر وهذا خلل، ولم يتم الاستفادة من عائده في دعم الزراعة والصناعة الخدمات(التعليم، الصحة، المياه، الكهرباء..الخ)، ولابد ان تسيطر الدولة السودانية علي كل مايتعلق به من المسح الجيولوجي، الي التكرير، الي التسويق، وتصفية أي سيطرة للاحتكارات الأجنبية في مجال البترول.

 ومن التعييرات كذلك، حجم الديون الأجنبية التي بلغت حوالي 31 مليار دولار، التي تتخطي قدرات السودان، فالسلطة الوطنية الديمقراطية تراعي المواثيق الدولية. وتحافظ علي قواعد علاقات السوق العالمي. لكنها تعيد النظر في الديون ومصادرها وقانونية عقوداتها، ومصادرها واوجه صرفها ونسبة فوائدها..الخ كيما تصل لاتفاق علي شروط ممكنة لسداد مايستحق السداد.

التصنيع:

 وفي الوجهة العامة للتنمية، يطرح البرنامج، هدف بناء مجتمع زراعي صناعي متقدم في السودان. وهذا يتطلب دحض وتفنيد بعض النظريان الخاطئة في تطور البلدان المتخلفة. فهناك نظريات تدعو لبقاء هذه البلدان زراعية وتركز علي تطوير الزراعة فقط، وهي نظريات يدعو لها الاستعمار الحديث، ونظريات اخري تدعو لامكانية التطور نحو الاشتراكية بالاعتماد علي الزراعة فقط ، وهي نظريات دعت لها انحرافات الماوية في الصين. كل هذه النظريات اثبتت التجربة خطأها، فتطور الزراعة مهما بلغ، لايطور قوات الانتاج علي نطاق المجتمع، بدون قاعدة صناعية وتصنيع. وقد اثبتت هذه النظريات فشلها في السودان، لأنها تمخضت عن بناء صناعات خفيفة لسلع استهلاكية بديلة للسلع المستوردة. فظلت بلادنا أسيرة للتبعية لأن هذه الصناعات تعتمد في خاماتها وقطع غيارها علي السوق الخارجي، ولاتسنهلك خامات محلية الا في حدود بسيطة، وتنتج سلعا رديئة الصنع عالية التكاليف والأسعار، ولاتستوعب ايدي عاملة كبيرة العدد. وقامت الصناعات علي سياسة خاطئة تجسدت في قانون الامتيازات الممنوحة للصناعة عام 1956م وتعديلاته المتعاقبة حتي قانون الاستثمار الصناعي الذي اصدرته حكومة مايووالحكومات المتعاقبة.

 لهذا تحتل سياسة التصنيع مكانة مقدمة وذات اسبقية في البرنامج الوطني الديمقراطي، بحيث تلعب الصناعة دورها في عملية تغيير المجتمع وتطور قوات الانتاج، ليس فقط من زاوية الارتفاع المتزايد لنصيبها في الدخل القومي، بل من زاوية توزيعها الجغرافي في البلاد لخلق مركز اشعاع ووعي، ومن زاوية دورها في تطوير الانتاج الزراعي..الخ. فتعمل الدولة الوطنية الديمقراطية علي خلق قاعدة صناعية في حدود قدرات واحتياجات الاقتصاد الوطني. وتقوم هذه القاعدة علي الصناعة الثقيلة كالطاقة والتعدين والبترول ومشتقاته وصناعة الالات. وتتولي الدولة ملكية وادارة وتطوير هذه القاعدة التي تستند اليها الصناعة الوطنية. وتعيد الدولة تنظيم الصناعات الخفيفة، كالنسيج والاسمنت والسكر والزيوت والجلود.الخ، فتتولي ملكية وادارة وتطوير ماهو استراتيجي منها مثل: السكر والاسمنت، وتسمح للقطاع الخاص بالاستثمار في بقية الصناعات الخفيفة – سواء بتشجيعه عن طريق حوافز أو ارغامه حيث لايجد مجالا آخر للاستثمار، لن الرأسمالية السودانية، كما أشرنا سابقا، نشات ضعيفة تابعة، تميل للاستثمار سريع العائد في التوزيع والخدمات والتجارة والعقارات، ولاتريد ان تتحمل اعباء الصناعة، بل وبددت الامتيازات التي حصلت عليها في الصناعة في المجالات الطفيلية سريعة العائد. وتولي الدولة الوطنية الديمقراطية اهتماما للصناعات الحرفية الصغيرة الواسعة الانتشار في ريف ومدن السودان، ويتعرض اصحابها وعمالها لاستغلال التجار والرأسماليين في التمويل والمواد الخام وتوزيع المنتجات، ان تطور هذه الصناعات الحرفية يمثل جزءا من تطور اقتصاد القرية وتطور قوي الانتاج بشكل عام لهذا تساعدها الدولة بتخفيض الضرائب وأسعار ألاراضي والتسليف من البنوك التعاونية، وتشجع أصحابها للانتظام في جمعيات تعاونية للصناعات الحرفية.

الاصلاح الزراعي:

  التصنيع كخطوة في تغيير بنية المجتمع السوداني وتطوير قواه المنتجة، تعقبه خطوة سياسية ومركزية، هي الاصلاح الزراعي الديمقراطي لتحرير جماهير الريف – اغلبية السكان – سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. هذه هي القضية المركزية للثورة الوطنية الديمقراطية. ويعالج البرنامج مسائل الاصلاح الزراعي في السودان علي النحو التالي:

 تحرير أغلبية السكان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، اضافة الي أن الزراعة هي المصدر الأساسي للثروة القومية، وان الانتاج الزراعي يوفر اكبر فائض للاستثمار – ويمد الصناعة بالخامات واليد العاملة ويمدها بالسوق لاستهلاك منتجاتها.

 الاصلاح الزراعي يتم تنفيذه بخطوات وأساليب متباينة في السودان، نسبة لأن الريف السوداني، يضم قطاعا تقليديا – او مايسمي الاقتصاد المعيشي، وقطاعا حديثا مثل مشاريع رأسمالية الدولة في الجزيرة، حلفا، الرهد،..الخ، والتي وصلت القمة في تدهورها تحت ظل نظام الانقاذ الحالي، الذي قرر خصخخصة مشروع الحزيرة(قانون 2005م)، ويتجه لخصخصة بقية المشاريع الأخري، ومثل مشاريع صغيرة ومزارع صغيرة يملكها أفراد او اسر او شركات علي ضفاف النيل ، مشاريع القطن علي النيلين الأبيض والأزرق، والمشاريع الرأسمالية الخاصة للزراعة الآلية، وجنئن الفواكة والخضروات والدواجن في مديرية الخرطوم وكسلا والشمالية وغيرها. كما يضم الريف السوداني والثروة الحيوانية في مناطق الرعي، وكذلك في القطاع الزراعي التقليدي.

 يشمل الاصلاح الزراعي في القطاع التقليدي الخطوات التالية:

-           تصفية علاقات شبه الاقطاع في الثروة الحيوانية وأراضي المراعي والزراعة لن هذه العلاقات هي الأساس المادي الذي تستند اليه الادارة الأهلية في سطوتها ونفوذها، الذي ظل باقيا وباشكال جديدة حتي بعد اعلان قرار تصفيتها بعد مايو، وقد عالج كتيب(القطاع التقليدي والثورة الوطنية الديمقراطية) الذي اصدره الحزب الشيوعي 1976م التحولات والمتغيرات في هذه المسألة، وكذلك الكتيب الذي اصدره الحزب الشيوعي حول المؤتمر الدستوري 1988م بعنوان(ديمقراطية راسخة، تنمية متوازنة، وحدة طوعية، سلم وطيد) هذا الموضوع أيضا.

-           الاستفادة الواعية من عوامل السوق الحديث وعلاقاته السلعية – النقدية، لاقناع جماهير هذا القطاع عن طريق التوعية وعن طريق الفائدة المحسوسة، بضرورة ادخال ثروتهم الحيوانية لدائرة الانتاج والتبادل السلعي – النقدي  بدل الاحتفاظ بها للتمايز الاجتماعي والتفاخر القبلي.

-           تساعد الدولة هذا الاتجاه بدخولها واشرافها ميدان التوزيع والرقابة علي التجارة في هذا القطاع بحيث تضمن أسعار مجزية لمنتجاتهم الزراعية والحيوانية، وأسعار معقولة للسلع الاستهلاكية الصناعية التي يحتاجونها، فتصفي بذلك شبكة الوسطاء(تجار الشيل) الذين يستحوذون علي الفائض الاقتصادي لكادحي هذا القطاع بأشكال ظالمة قاسية – وهذه خطوة مهمة لوحدة الوطن من جهة، وتصفية مشاعر العداء القومي من جهة اخري لأن اغلبية الوسطاء هم الجلابة في الجنوب والغرب.

-           وتساعد الدولة ايضا بتخطيط وتنفيذ سياسة واقعية في مقاومة الزحف الصحراوي، وتوفير مياه الشرب، بحيث تتحول الآبار الي مراكز للتجمع السكاني والحيواني، والعناية بالمراعي وتخزين العلف، والوحدات الطبية للعناية بالانسان والحيوان، وخدمات التعليم، والصناعات الريفية للالبان والجلود..الخ.

-           توعية الجماهير بجدوي الجمعيات التعاونية الانتاجية والتسويقية والاستهلاكية، وتقديم الدولة لهذه الجمعيات التسهيلات المصرفية التعاونية، والالات الزراعية بأسعار زهيدة.

-           تسلك الدولة سياسة طبقية واضحة في رفع مستوي فقراء المزارعين والرعاة في القطاع التقليدي لمستوي المتوسطين منهم.

 هذا المثال لخطوات الاصلاح الزراعي في القطاع التقليدي، يفقد معناه ومضمونه اذا تصورناه يصدر عن السلطة الوطنية الديمقراطية ذات يوم في شكل اعلان أو قانون او قرارات من الاذاعة وفي الصحف كاجراء فوقي تعلنه وتطبقه السلطة الثورية. فالمضمون الأساسي لخطوات الاصلاح الزراعي يكمن في النضال الثوري لحركة المزارعين من اجل تحقيق خطوات الاصلاح الزراعي، وانتظام المزارعين والرعاة في اتحاداتهم وشتي المنظمات الديمقراطية خلال هذا النضال، ومن اجل قيام سلطة وطنية ديمقراطية، من اجل انتصار الثورة الوطنية الديمقراطية يتولي خلالها المزارعون والرعاة تنفيذ الاصلاح الزراعي – هذا هو جوهر تحرير جماهير القطاع التقليدي من التخلف ومن سطوة شبه الاقطاع القبلي والطائفي. ونحو هذا الهدف يسير النشاط اليومي للحزب الشيوعي وسط جماهير القطاع التقليدي وطلائعهم في المدن حول مطالب ومشاكل حياتهم اليومية. وهذا هو جوهر تعبير السلطة الوطنية الديمقراطية عن مصالح جماهير القطاع التقليدي، عندما تصدر قانون الاصلاح الزراعي الذي يقنن مكاسبهم الثورية، ويحميها ويفتح الطريق أمامهم للتطور والتوجه نحو الاشتراكية.

 اما القطاع الزراعي الحديث بتكويناته المتعددة: مشاريع رأسمالية الدولة، مشاريع الزراعة الالية الرأسمالية..الخ، فقد شهد اتساعا وعمقا في نمو العلاقات الرأسمالية، ونحتاج لتطوير بعض جوانب برنامج حزبنا للاصلاح الزراعي فيه مثلا: مشروع الجزيرة وبقية مشاريع رأسمالية الدولة، تعدلت فيها علاقة ضريبة الأرض والماء حسب توصيات البنك الدولي، وحتي السعي المحموم الراهن لخصخصة مشروع الجزيرة، ومقاومة المزارعين لذلك، ونشات للمزارعين واتحاداتهم مطالب جديدة، لكن الأسس العامة للاصلاح الزراعي الوطني الديمقراطي تظل كما هي في عمومياتها، ويمكن الرجوع اليها في وثيقة(حول البرنامج)، ومجلة الشيوعي العدد(145)، والمقالات التي بدات صحيفة الميدان نشرها من عدد نوفمبر 1983م، وفي الوثائق التي اصدرها الحزب بعد ذلك حول الاصلاح الزراعي وحتي صدور برنامج المؤتمر الخامس في يناير 2009م، علي ان اهم المعالم العامة للاصلاح الزراعي في هذا القطاع يمكن ايجازها في:

-           تغيير علاقات الانتاج للحد من نمو الرأسمالية اولا، واتباع سياسة طبقية ترفع مستوي فقراء المزارعين الي مستوي المزارع المتوسط.

-           نمو تكوينات زراعية جديدة تحمل الطابع الاشتراكي وتصبح القاعدة الصلبة التي يتم من فوقها التحول الاشتراكي.

-           رفع الانتاجية بالنسبة للارض بايتخدام الآليات والأسمدة ونتائج العلم، ورفع انتاجية العاملين علي الأرض من مزارعين وعمال.

 وبما ان القطاع الزراعي الحديث يتشكل من عدة تكوينات فان الخطوات التي يتخذها الاصلاح الزراعي تختلف من تكوين لاخر. ففي مشاريع رأسمالية الدولة.. مثل مشروع الجزيرة، حلفا الخ – تتولي الدولة كل خدمات الآليات الزراعية من حراثة وغيرها بحيث تبعد القطاع الخاص عن العمليات الزراعية الالية، وترسم سياستها الزراعية والضريبية علي اسس طبقية لمصلحة فقراء المزارعين، فتعيد النظر في تجاوزات الحواشات وتنصف صغار وفقراء المزارعين، أما بالنسبة لنظام الشراكة، او العلاقة بين المزارع والدولة، فيعاد تنظيمها علي النحو التالي:

-           تحديد متوسط انتاج الفدان الذي تقوم عليه الشراكة وتحديد نصيب المزارع ونصيب الدولة من هذا المتوسط.

-           مايزيد عن المتوسط، يرتفع فيه نصيب المزارع ويقل نصيب الدولة، وان تكون الزيادة في حالة صغار المزارعين، اكبر من الزيادة للاغنياء.

-           تحديد الحد الأدني لاجور العمال الزراعيين وتحسين شروط خدمتهم.

 وفي منطقة المديرية الشمالية، تنزع الأراضي ذات الملكية شبه الاقطاعية وتوزع للفقراء وصغار المزارعين، واقناع المزارعين بجدوي التعاون في الانتاج للتغلب علي تفتيت الملكيات الصغيرة. وفي المشاريع الحكومية، حيث يسهل قيام الانتاج التعاوني تساعد الدولة بسياسات محددة اهمها خفض الضرائب، ومحاربة الشيل بالتسهيلات المصرفية التعاونية الخ.

 وفي مناطق الزراعة الالية، يعاد النظر في توزيع وتمويل المشاريع بحيث تكون الأسبقية لمشاريع الدولة، وتعاونيات ابناء المنطقة، ثم القطاع الخاص.

البرنامج والثورة الثقافية:

 أشارت وثيقة (حول البرنامج) الي ان بناء المجتمع الصناعي الزراعي المتقدم يتطلب تفجير وانجاز ثورة ثقافية شاملة، وتمثل هذه الثورة عاملا سياسيا واجتماعيا مهما لأنه من غير المعقول بناء مجتمع متقدم في محيط من الامية والجهل، لهذا تشمل الثورة الثقافية الخطوات التالية:

-           محو الأمية كنشاط جماهيري تسهم فيه منظمات الجماهير.

-           اصلاح مناهج التعليم بحيث يتلقي التلاميذ شتي الوان المعرفة العامة، وقدرا من التدريب العملي ليسهموا في تطوير المجتمع خاصة الريف.

-           التفاعل مع التيارات والثقافات الانسانية، وتحرير الانسان من الخوف والدجل، وبعث التراث العربي والزنجي.

-           سيادة الفكر العلمي وحرية البحث.

-           تطوير دور المثقفين السودانيين المهنيين وتقاليد نضالهم الديمقراطي وخلق المثقفين الجدد المنتمين للشعب والطبقة العاملة.

-           تامين الضمانات الفعلية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لحرية ومساواة المرأة.

-           بعث ثقافات التجمعات القومية.

البرنامج وحرية الضمير والمعتقد.

أشارت وثيقة حول البرنامج إلى أن ً الثورة الوطنية الديمقراطية توفر

حرية العقيدة الدينية وممارستها لجميع سكان بلادنا وذلك بناءا على الحقائق التالية :

-           إن تصور الإنسان لتكامل نفسه ووحدتها ولمستقبل الإنسانية أمور تنبع من اقتناع الإنسان نفسه ، ولا يمكن لأية قوة أن تفرض عليه إرادتها في هذا المضمار .

-           غض النظر عن الاختلاف في العقيدة الدينية أو الاتفاق حولها ، فإن الطبقات تتخذ مكانها وموقفها من الثورة الاجتماعية وفقا لمصالحها ، وبحكم مواكبتها لتطور حركة التاريخ أو لتخلفها عنه. إن الإنسان الاجتماعي هو الذي يحدد هذا الموقف ، ولا تحدده العقيدة الدينية .   – يرفض النظام الوطني الديمقراطي استغلال الدين من أجل مصالح الطبقات الرجعية في البلاد والتي تسعي إلى إعادة العلاقات الإنتاجية القديمة، وهي بهذا إنما تسخر الدين من أجل استغلال الإنسان وسلبه من إنسانيته. هذا الاستغلال للدين يتعارض مع مصالح المجتمع ويتناقض مع المستقبل الأفضل للإنسان الذي يصيغه بعقله ويديه وهو ينتقل من ساحة الحاجة إلى ساحة الحرية .

 

 البرنامج والثورة السياسية:

 اشارت وثيقة حول البرنامج الي حقيقة ان الديمقراطية طبقية وليست مجردة او مطلقة او فوق الطبقات وصراعها وان الدولة اداة في يد الطبقات والفئات الاجتماعية التي تسيطر علي الحكم، وليست فوق الطبقات او مستقلة عنها. وهذا الوضوح يتميز به دائما برنامج الحزب الشيوعي، وتتميز به النظرية الماركسية أيضا، في مقابل برامج الحزاب البورجوازية والبوجوازية الصغيرة وسائر نظريات وأفكار البورجوازية التي تسعي لاخفاء ونكران الطبيعة الطبقية لحزابها والطبيعة الطبقية لدولتها والطبيعة الطبقية للديمقراطية.

 السلطة السياسية الوطنية الديمقراطية، بعد انتصار الثورة، تصبح في يد التحالف الطبقي الذي توحده الجبهة الوطنية الديمقراطية، الطبقة العاملة، المزارعين بمختلف فئاتهم، المثقفين الثوريين والوطنيين، والفئات الرأسمالية الوطنية المنتجة، والتجمعات المسحوقة في هامش البلاد..الخ ، هذه صورة طبقية واضحة للسلطة السياسية، وبالتالي للديمقراطية في ظل هذه السلطة. وليس المقصود فقط الديمقراطية السياسية، بل الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أي تطابق الديمقراطية بعمليات التغيير الشامل للحياة، في علاقات الانتاج وفي الحقوق السياسية للجماهير الكادحة، وفي النظام السياسي، وهذا يعني المقاومة الجماهيرية الواسعة لنهب الاستعمار الحديث لثروات البلاد ، ووقف عبث الراسمالية الطفيلية بموارد البلاد، ووقف استيلاء شبه الاقطاع لفائض عمل وكدح المزارعين والرعاة، أي وقف الاعتداء علي حقوق الجماهير السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبذلك تؤمن الثورة الديمقراطية حماية سلطتها. وتؤمن لجماهير التي تحررت ممارسة حقوقها كاملة لحماية مكتسباتها ولمقاومة مؤامرات الاستعمار الحديث وشبه الاقطاع والراسمالية الطفيلية والكبيرة، ولكيما تحمي السلطة نفسها وتحمي الجماهير مكتسباتها يصبح مشروعا اتخاذ اجراءات قانونية وعملية لحماية مسار الثورة بما في ذلك تسليح الجماهير.

 يوضح البرنامج ان الديمقراطية بمضمونها الثوري هذا، لاتنسخ الديمقراطية الليبرالية البورجوازية، بل تطورها وتستكملها، فالديمقراطية البورجوازية الليبرالية كانت قفزة هائلة من تطور المجتمع البشري كثمرة للثورة البورجوازية في غرب اوربا وبصفة خاصة فرنسا. وكان اشتراك جماهير العمال والفلاحين والكادحين في تلك الثورة عنصرا حاسما في انتصارها وفي طابعها الديمقراطي. لكن البورجوازية انفردت بالسلطة السياسية واستخدمت السلطة لبناء مجتمعها الرأسمالي القائم علي الاستغلال الرأسمالي وشبه الاقطاعي ايضا. وأخذت تحد وتصادر حقوق العمال والفلاحين والكادحين كلما اشتد نضالهم ضد الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي وتحولت شعارات الحرية والمساواة والاخاء الي مجرد حقوق شكلية محدودة، فتجري الانتخابات كل فترة لكن السلطة تبقي في يد الرأسمالية. وحتي عندما تتسع حركة الجماهير التي تستخدم حقوقها السياسية من اجل التغيير الاجتماعي تلجأ الرأسمالية لسن القوانين الاستثنائية وتشديد القمع والانقلابات العسكرية..الخ.

 السلطة الوطنية الديمقراطية تؤمن للجماهير حقوقها السياسية كاملة، ولأول مرة تنتقل ممارسة هذه الحقوق الي حيز الممارسة الفعلية لأنها تشمل ميادين السياسة والاقتصاد معا. فبدلا من ان تبقي حقوق الجماهير مجرد نصوص من الدستور، تصادرها قوانين في الممارسة، تمارس الجماهير حقوقها بلاقيود. وهذا تأكيد لحقيقتين الأولي ان الثورة الوطنية الديمقراطية تستكمل وتطور الحقوق السياسية للجماهير ولا تصادرها وتنسخها، والثانية الاتعارض بين الديمقراطية والاشتراكية، بل ان الديمقراطية هي الجسر للانتقال الي الاشتراكية. وهذا تمييز وتمايز واضح للسلطة الوطنية الديمقراطية عن سلطة الرأسمالية وشبه الاقطاع التي ما ان وصلت احزابها للحكم بعد الاستقلال في السودان حتي أخذت تحد من حرية الجماهير في فرض ارادتها لتحويل الاستقلال السياسي الي اداة للاستقلال الاقتصادي والتغيير الاجتماعي حتي وقع انقلاب عبود عام 1958م، وكذلك الحال بعد ثورة اكتوبر 1964م. وهو تمايز ايضا يميز السلطة الوطنية الديمقراطية عن سلطة البورجوازية الصغيرة العسكرية بعد انقلاب مايو، التي رغم رفعها لشعارات تقدمية واعلانها لبرنامج لتطور غير رأسمالي، كانت تخاف وتخشي اتساع حركة الجماهير لتحقيق تلك الشعارات وتنفيذ ذلك البرنامج. ويوضح البرنامج قضية أخري مهمة لتبديد اية أفكار جامدة او يسارية، تقلل من الحقوق السياسية للجماهير حتي في ظل حكم الرأسمالية وشبه الاقطاع  او في ظل حكم البورجوازية الصغيرة. فالجماهير السودانية استطاعت عبر تاريخها أن تستخدم هذه الحقوق مهما كانت محدودة لتطوير وتوسيع حركتها السياسية من اجل التغيير الاجتماعي ومن اجل مقاومة استغلال وتسلط الرأسمالية. هكذا كان الحال مع نقابات الطبقة العاملة ونقابات المهنيين، واتحادات المزارعين، والطلاب والشباب والنساء والصحف الوطنية والتقدمية، والحركة الثقافية: اذن فالنضال من اجل الحريات الديمقراطية والحقوق الأساسية قبل انتصار الثورة الوطنية الديمقراطية هو الواجب المركزي الدائم، وهو الذي يؤمن بعد انتصار الثورة أهم عناصر تطورها وحمايتها لن الجماهير تظل تتمسك بحقوقها وحرياتها. وهذا افضل ضمان لحماية الثورة. ولهذا فالسلطة الوطنية الديمقراطية لاتخشي اتساع حركة الجماهير، وما تبتدع هذه الحركة من أشكال تنظيمية متنوعة متعددة تتوسل بها الجماهير للتعبير عن استقلالها وطموحاتها، وتصب كل هذه الاشكال في الجبهة الوطنية الديمقراطية – فمصالح واهداف الجماهير لاتتعارض مع مصالح واهداف الثورة الوطنية الديمقراطية، ولاتطرح الجماهير مستقبلا أفضل من الاشتراكية.                     

 علي ضوء هذه المفاهيم والقضايا التي طرحتها وثيقة حول البرنامج، تتم التغييرات الديمقراطية في جهاز الدولة، وفي اجهزته المختلفة كالجيش والشرطة والقضاء والخدمة المدنية..الخ، فجهاز الدولة ليس منفصلا عن الجماهير وليس بديلا لنشاطها وارادتها ، وليس جهازا بيروقراطيا متخصصا في الحكم وكبت الجماهير – بل هو اداة لتنفيذ أهداف ثورة الجماهير وتنظيماتها، وتمارس منظمات الجماهير العديد من الوظائف والأعمال التي كان يقوم بها جهاز الدولة – مما يخفض تكاليفه من جهة، ويؤمن مشاركة الجماهير مثلا في ادارة شئون الحياة، والتأثير علي القرار السياسي من قمة الدولة. فمشاركة الجماهير مثلا في ادارة الانتاج عن طريق نقاباتها وممثليها، تطبيق عملي للديمقراطية الاقتصادية، ومشاركة الجماهير في التخطيط والتنفيذ الاقتصادي. وتسليح الجماهير مثلا يعني تقليص حجم ونفقات الجيش والشرطة. الغاء التشريعات والقوانين المقيدة لحريات الشعب، والقوانين التي كانت تبيح للاستعمار الحديث وشبه الاقطاع والرأسمالية استغلال الكادحين وسن تشريعات وقوانين جديدة، وطنية ديمقراطية مثلا، يغير طبيعة جهاز الدولة ووظيفته، ودور الجبهة الوطنية الديمقراطية في كل المستويات في توجيه شئون الحكم والادارة، يمثل اخضاع جهاز الدولة لرقابة الجماهير ويحد من تسلط البيروقراطية. وفي هذا الصدد يوضح البرنامج تمايز موقف الحزب الشيوعي عن موقف البورجوازية الصغيرة حول مسألة التطهير التي مورست بعد ثورة اكتوبر 1964م وبعد انقلاب مايو 1969م، فالسودان كبلد متخلف يحتاج لكل الكفاءات المهنية، ويجب المحافظة عليها في مواقعها طالما تقيدت باداء واجبها المهني في اطار السياسة التي تحددها الدولة الوطنية الديمقراطية. وطالما كانت الجبهة الوطنية الديمقراطية قادرة علي توفير القيادة والاشراف.

 وفي جهاز الجيش والشرطة والسجون، كاجهزة مهمة، يشمل الاصلاح الديمقراطي تجديد قوانينها في اتجاه ديمقراطي ثوري، بما في ذلك حق تنظيم لجان الجنود والغاء القوانين واللوائح التي تعرضهم للاذلال، مع رفع الكفاءة والتدريب والتسليح والانضباط، وازالة الفوارق الاجتماعية – لتصبح هذه الأجهزة درعا حقيقيا لحماية النظام الوطني الديمقراطي، وتصبح اجهزة الأمن التابعة لها موجهة لملاحقة النشاط الاستعماري والرجعي، ويخضع نشاطها للقانون بعيدا عن – التجاوزات والانتفاع بعد ان تكون حركة الجماهير والسلطة الثورية قد كشفت عن كل التجاوزات ومعاقبة الذين ارتكبوها قبل الثورة. وفي جهاز القضاء، تؤمن السلطة الوطنية الديمقراطية أن يمارس القضاء دوره بنزاهة واستقامة في تطبيق حكم القانون، ويتمتع بالحصانة فلا اغراء  ولاتهديد، ويعلي شان الشرعية ويصون حقوق الجماهير وامنها ومستقبلها.

 ولنظام الحكم الوطني الديمقراطي دستوره الذي يقنن ويحمي مكتسبات الثورة اجهزتها النيابية ونظامه الانتخابي الذي يضع السلطة التشريعية والتنفيذية في يد الجماهير، ويحل التناقض بين التشريع والتنفيذ في اطار فصل السلطات ورقابة البرلمان علي السلطة التنفيذية حتي لايبقي البرلمان مجرد واجهة او منتدي للمناظرات والمبارزة الكلامية، ولايتحول المنصب النيابي مكانا للارتزاق.

 وفي اطار الدولة الوطنية الديمقراطية يتمتع جنوب السودان بحكمه الذاتي الاقليمي، الذي تقتنع من خلاله جماهير الجنوب بتقرير مصيرها لمصلحة السودان الواحد الاشتراكي.

 

البرنامج والاشتراكية:

 يصل كل شعب للاشتراكية بالطريق الممتد عبر تاريخه السياسي وخصائصه الاجتماعية والقومية، فالاشتراكية امتداد وتطور طبيعي لشخصية كل شعب وليست مسخا لها. انها بعث وتجسيد لكل ماهو خير وانساني وتقدمي في تراث وتاريخ الشعب، لكن مهما اختلفت طرق وصول الشعوب للاشتراكية، بكل ما تضيفه لتجربة الاشتراكية من جديد ومتفرد، هناك معالم مشتركة موضوعية هي:

1-        السلطة في يد الجماهير الكادحة بقيادة الطبقة العاملة – ولا تفرض الطبقة العاملة دورها القيادي فرضا، بل تقتنع به الجماهير والطبقات المتحالفة معها بتجربتها الذاتية باحقية هذا الدور القيادي. وهذه السلطة هي اكثر السلطات ديمقراطية في تاريخ الشعب المعين، كما انها تنبذ نظام الحزب الواحد المفروض بالقانون.

2-        الملكية الجماعية لوسائل الانتاج، وبهذا يزول الأساس المادي لاستغلال الانسان لأخيه الانسان. وتفتح الباب للوحدة بازالة التناقض القائم في النظام الرأسمالي بين الطابع الاجتماعي لقوي الانتاج والتملك الفردي لعائد الانتاج ووسائله. ويصبح التوزيع لعائد الانتاج علي أساس العمل كما ونوعا – من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله، وبحسب مستوي تطور قوي الانتاج في بلد معين، فان تطبيق الملكية الاجتماعية لوسائل الانتاج تشمل ماهو أساسي منها في كل الظروف، لكنها تتفاوت بالنسبة للمتوسطة والصغيرة التي تبقي في يد مالكيها كقطاع خاص وقطاع للمنتج الصغير.

3-        التضامن والاخاء بين الشعوب ونبذ التعالي القومي، واعلاء رأية التضامن الأممي بين العاملين في العالم اجمع، ونبذ الحروب وسيادة السلم العالمي.

4-        الدور القيادي، والقائم علي اقتناع الجماهير، للحزب الشيوعي في تحقيق التنظيم والانضباط في المجتمع، ومن اجل حشد الطاقات لتحقيق اهداف المجتمع الاشتراكي طالما كان الحزب يضم خيرة ابناء وبنات المجتمع واكثرهم تفانيا فعلا لاقولا في سبيل ذلك.

 ليس واردا التكهن بخصائص النظام الاشتراكي في السودان ومايميزه عن غيره من المجتمعات الاشتراكية، لكن يمكن القول ان تلك الخصائص سوف تتبلور من ثلاثة مواقع: الموقع الأول الخصائص التاريخية لشعب السودان ومكوناته القومية والحضارية والروحية، والموقع الثاني سمات التخلف العام في السودان، والموقع الثالث خصائص مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ومدي نجاحها في تطبيق المنهج العلمي لحل قضاياها وانجاز مهامها بالطرق الملائمة لظروف السودان.

 تلك هي القضايا التي طرحتها وثيقة (حول البرنامج)، وطورها الحزب في مؤتمره الخامس في ضوء المتغيرات المحلية والعالمية، في البرنامج الذي اجازه في يناير 2009.

 

تاسعا: برنامج الحزب المجاز في المؤتمر السادس:

تناول البرنامج الابواب الآتية: 

مقدمة – مهام الفترة الإنتقالية- التنمية الإجتماعية – مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية – البديل الوطني الديمقراطي للتنمية..

 أشارت مقدمة البرنامج الي الاوضاع الداخلية والعالمية التي يتم فيها طرح البرنامج، والتي أشرنا لها سابقا في هذه المحاضرة.

داخليا: في ظل نظام الانقاذ الحالي والمتغيرات التي حدثت في تركيب البلاد الاقتصادي والاجتماعي، واعتماد البلاد علي سلعة واحدة(البترول). ، وتحت ازمة وطنية عامة مركبة ومتفاقمة.

عالميا: انهيار النموذج السوفيتي للاشتراكية ونماذج بلدان شرق اروبا.

وتحت ظل رأسمالية العولمة التي احكمت قبضتها علي مفاتيح وقمم الاقتصاد العالمي ونظامه المصرفي وأوراقه العالمية، وتحت ظل ازمة اقتصادية طاحنة يعاني النظام الرأسمالي العالمي، وانفراد امريكا بموقع الدولة العظمي.

 وتحت ظل مقاومة حركة الطبقة العاملة والحركات الجماهيرية المناهضة للعولمة.

 أشارت المقدمة الي اننا نستند علي الماركسية كعلم ومنهج متجدد لايقبل الانغلاق، والاستعانة بها لدراسة وفهم الواقع وتغييره.

.

1 -       تناول البرنامج الديمقراطية وأشار إلي: سمات السودان المتنوع وضرورة الاعتراف بهذا الواقع، كما تناول الديمقراطية والتعددية باعتبارها الطريق السالك للنظام الوطني الديمقراطي بديلا لنظام الحزب الواحد الذي برهنت التجربة فشله، كما تناول الاصلاح الديمقراطي في جهاز الدولة والمجتمع، اضافة الي العدالة الانتقالية ولجنة المكاشفة والحقيقة، والي ان السودان جمهورية برلمانية اتحادية.

 تناول السلطة الوطنية الديمقراطية التي تعتمد مبادئ الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتدمج بين الديمقراطية البرلمانية والمباشرة، وتتيح الفرصة للجماهير الشعبية لممارسة حقوقها وحرياتها، وان التحالف الوطني الديمقراطي يتيح الفرصة لاستقلال اطرافه سياسيا وتنظيميا وايديولوجيا، وبالتالي، لاتتقيد السلطة الوطنية الديمقراطية بايديولوجية معينة.

2 -       تناول الاقتصاد حصيلة التنمية الرأسمالية التابعة التي كرست الفقر والتخلف ووسعت من دائرة الفقر والتفاوت بين أقاليم السودان المختلفة، وكذلك طبقاته وشرائحه الاجتماعية، حتي اصبح 95% يعيشون تحت خط الفقر.

 اكد البرنامج ضرورة ومشروعية البديل الوطني الديمقراطي بالتنمية الواعية والمستمرة والمتصاعدة، وتتطلب التنمية الواعية: كبح تسرب الفائض الاقتصادي للخارج وتقليص الاستهلاك التفاخري للرأسمالية الطفيلية والحيلولة دون تفشي سلوك هذه الشريحة الاجتماعية في اوساط الطبقات والشرائح الاجتماعية الأخري ومكافحة الفساد، والحد من الانفاق العسكري والأمني والاداري المتضخم في كل مستويات الحكم.

 اكد علي الدور القيادي للدولة في الخطط والاشراف عليها ودعم خدمات التعليم والصحة، كما اكد البرنامج علي دور القطاع الخاص والقطاع التعاوني والقطاع غير المنظم، واسلوب ادارة الاقتصاد.

 أشار البرنامج الي أهمية التصنيع والصناعة التحويلية وقطاع البترول والثروة المعدنية. اضافة الي توفير البنيات الأساسية مثل شبكات المياه والسدود والخزانات والكهرباء والنقل والاتصالات والسكك الحديدية والنقل النهري والطرق والنقل البري والكباري، اضافة للنقل والمواني البحرية والنقل الجوي والطيران والاتصالات والمعلومات، والقطاع المالي والمصرفي.

 كما أشار الي العلاقات الاقتصادية الخارجية والتجارة الداخلية والخارجية والقروض والاستثمار الاجنبي المباشر والمديونية، والتكتلات الاقتصادية والمنظمات الدولية.

 اشار الي الاصلاح الزراعي الوطني الديمقراطي من خلال اصلاحات عاجلة واصلاحات لتخفيف حدة الفقر ولمعالجة الاوضاع الزراعية الحرجة، واجراءات لتحقيق دفعة في مجال المعروض من السلع الزراعية خاصة الغذائية.

 كما تناول قضايا الاصلاح الزراعي الوطني الديمقراطي في المدي الطويل، نحو انطلاقة ثابتة للانتاجية والانتاج وفق اسس راسخة، من شقين الأول: التغيير الجذري في احوال التملك للموارد ووسائل الانتاج، والثاني: التوسع الراسي والأفقي للنظام الزراعي كما أشار الي خصوصية الاصلاح الزراعي الوطني الديمقراطي في الجنوب.

 كما أشار الي ضرورة تطوير وتنميةالثروة الحيوانية.

3 -     التنمية الاقتصادية والاجتماعية لايمكن ان تنفصل عن الاهتمام بالبيئة، كما جاء في الفصل الخاص بالبيئة، كما لايمكن عزلها عن الاهتمام بصحة الانسان، ذلك ان الانسان الخالي من الامراض هو اٌلاقدر علي الانتاج ومضاعفة العطاء، وبالتالي أشار فصل الصحة الي ضرورة الالتزام بالرعاية الصحية وتوفير الموارد البشرية واسئتصال الأمراض المعدية والاوبئة والمزمنة وتعزيز انماط الحياة الصحية والانفاق علي الصحة وزيادة ميزانيتها، وتوفير الخدمات الصحية والاهتمام بالرياضة وتوفير كل مقوماتها.

 كما لايمكن الحديث عن التنمية بدون التعليم والتدريب والتاهيل ولذلك جاء جاء في البرنامج عن التعليم والبحث العلمي باعتباره استثمار مستقبلي، أشار فصل التعليم الي الفلسفة والاهداف، والتعليم قبل المدرسي، التعليم الاولي،الحرفي والمهني، البحث العلمي، والتدريب والتاهيل.

 واشار الي ان التغيير الاقتصادي وحده لايكفي، ولابد من تغيير البنية الثقافية حتي تواكب التغيير في البنية الاقتصادية والاجتماعية،والتي تسهم في التغيير الاجتماعي، وبالتالي اكد علي الثقافة الوطنية الديمقراطية ليوضح ذلك وجاء فصل خاص عن المراة، باعتبارها نصف المجتمع، وبالتالي لابد من ضمان مساواتها الفعلية مع الرجل، وأن تحريرها مرتبط بتحرير المجتمع من كل اشكال الاضطهاد الطبقي والإثني والنوعي ، وأن تحريرها النهائي يرتبط بتحقيق المحتمع الشيوعي الخالي من كل اشكال الاضطهاد..

  كما أشار البرنامج الي جوانب اجتماعية مهمة هي من صميم مهام الدولة الوطنية الديمقراطية وهو الاهتمام بالطفولة والشباب والمسنين، باعتبار ان الطفولة هي المستقبل الواعد للمجتمع والشباب هو القوي المنتجة الحقيقية والمسنون هم الذين افنوا شبابهم في خدمة حياتهم، وبالتالي لابد من ضمان حقوقهم الاجتماعية كاملة.

 اشار البرنامج الي رفض استغلال الدين في السياسة، ووأشار إلي تجديد المشروع الاشتراكي ليؤكد المبادي التالية في ظل المتغيرات المحلية والعالمية:

 

    انجاز المهام الوطنية الديمقراطية يفتح الباب لولوج مرحلة التحول الاشتراكي وبهذا نؤكد بطلان الادعاء بأن هنالك طريقا واحد للوصول الي الاشتراكية لانه ينفي حقيقة المميزات الوطنية لكل شعب ويجعل من الاشتراكية عقيدة جامدة و عقيمة ويخرجها من نطاق العلم الي نطاق الخرافة .الاشتراكية العلمية هي حصيلة التجارب الثورية للشعوب وهي تتحقق لدي كل شعب بارتباطها بجذور عميقة في مجري تجاربه الخاصة وفي مجري سماته الحضارية ايضا . السمات الاساسية للاشتراكية التي ننشدها هي :-

-           تحرير الانسان من الاستغلال .

-           الغاء الامتيازات الطبقية بما ينهي اغتراب الانسان.

-           الملكية العامة لوسائل الانتاج باشكالها المختلفة والتي تكرس تملك الشعب لهذه الوسائل وعائدها .

-           مكافاة الانسان حسب عمله .

-           السياسات والتدابير التي توسع من دائرة الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية .

-           سلطة سياسية ديمقراطية تعددية لتحالف واسع من الاحزاب والتنظيمات السياسية للطبقة العاملة والمزراعين والمثقفين الثوريين. وتؤسس تلك السلطة من خلال التجارب وزمالة النضال السياسي والاقتصادي والفكري ولا تفرض فرضا او قسرا وهذا ما اكدنا عليه في برنامجنا المجاز في المؤتمر الرابع ( قيادة الحزب الماركسي في  ظل النظام الاشتراكي ، لايعني  وجوب  نظام الحزب الواحد . الديمقراطية الاشتراكية ترتكز علي ما حققته الشعوب من حرية للفرد والجماعة في التعبير وحرية الفكر ، وتستكمل هذا البناء بتحرير الانسان من سيطرة راس المال واغترابه من مراكز النفوذ والقرار ) . الاشتراكية تدعم الديمقراطية النيابية بالديمقراطية المباشرة .

-           توفير الشروط اللازمة كيما تصبح المراة عضوا فاعلا في المجتمع بكفالة الحقوق المتساوية بينها والرجل .

-           التحرر من الاضطهاد القومي والاستعلاء العرقي والثقافي .

-           النضال الاممي .

-           النضال من اجل حماية السلام العالمي ونبذ الحروب والحد من التسلح .

- التأكيد علي ان الاشتراكية ليست عقيدة جامدة يستوجب تجديد المشروع الاشتراكي وتطويره من خلال الاستفادة من كل الانجازات التي توصلت اليها البشرية . وهذا يستدعي :-

1/ استيعاب ما استجد واستحدث من مقولات ومفاهيم في العلوم الطبيعية و الاجتماعية للوقوف علي مدي اثرها في تطوير او تجاوز استنتاجات الماركسية باعتبار الماركسية نظرية ومنهج لدراسة الواقع من اجل استيعابه وتغييره وليست منظومة مغلقة ومنكفية علي ذاتها .

2/ التقويم الناقد للعوامل والاسباب الباطنية – موضوعية وذاتية – لانهيار النمط السوفيتي للاشتراكية ،و لفشل تجارب نمط الحزب الواحد وراسمالية الدولة والاصلاحات الاجتماعية (مصر عبد الناصر وتنزانيا نيريري ). الوقوف علي الجوانب الايجابية لتلك التجارب وامكانيات تطويرها الي جانب تقويم ما استجد في البرامج والمنطلقات الفكرية للنماذج الاشتراكية الماثلة : الصين ، فيتنام ، كوريا الديمقراطية ، كوبا ، ولما هو جديد في فكر المدارس الاشتراكية في افريقيا والمنطقة العربية ، في امريكا اللاتينية واسيا وغرب اوربا ، ولما استجد من افكار وبرامج الاحزاب الشيوعية في روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة وبلدان شرق اوربا .

ويبقي الالتزام بالدفاع عن الحريات الديمقراطية و حقوق الانسان التي نصت عليها مواثيق الامم المتحدة واتفاقيات المنظمات الدولية والاقليمية والالتزام بدولة المواطنة والتعددية الحزبية والتداول الديمقراطي للسلطة . من ابرز سمات الاشتراكية التي نناضل من اجل  تحقيقها ومن اهم شروط تجديد المشروع الاشتراكي .   

 

عاشرا: اهم المصادر والمراجع:

1 -       التقرير السياسي للحزب الشيوعي السوداني المجاز من المؤتمر الخامس، يناير 2009م.

2 -       برنامج الحزب الشيوعي السوداني المجاز من المؤتمر الخامس، يناير 2009م.

3 -       البرنامج المجاز في المؤتمر السادس سبتمبر 2016 م.

4 -       الماركسية وقضايا الثورة السودانية، دار الوسيلة الخرطوم 1987م.

5 -       برنامج ودستور الحزب الشيوعي المجازان في المؤتمر الرابع، اكتوبر 1967م.

6 -       برنامج سبيل السودان لتعزيزالديمقراطية والاستقلال والسلم، المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي، فبراير 1956م.

7 -       عبد الخالق محجوب: حول البرنامج، دار عزة 2002م.

8 -       دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني: جبهة للديمقراطية وانقاذ الوطن، اغسطس 1977م..

9 -       دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، اغسطس 2001م

10 -    برنامج الحزب الشيوعي الانتخابي 1986م.

11 -    محمد ابراهيم نقد: مبادئ موجهة لتجديد البرنامج، ديسمبر 1997م.

12 -    محمد سعيد القدال: معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، دار الفارابي 1999م.

13 -    محمد سليمان: السودان: حروب الموارد والهوية، لندن 2000م.

14-      وثيقة المؤتمر التداولي لكادر الحزب الشيوعي السوداني، اغسطس 1970م.

15 -    وثيقة الحزب الشيوعي للمؤتمر الدستوري 1988م(ديمقراطية راسخة- تنمية متوازنة- وطن واحد- سلم وطيد).

16 -    تاج السر عثمان: دراسة في برنامج الحزب الشيوعي السوداني(الشركة العالمية 2009م).

17 -    تاج السر عثمان: الجذور التاريخية للتهميش في السودان، مكتبة الشريف الاكاديمية 2006م.

18 -    أزمة مشروع الجزيرة، دار الوسيلة 1988م.

 **********************

 

 محاضرة رقم(3)

متغيرات العصر

طبعة ثالثة منقحة ومزيدة

متغيرات العصر

 

نسلط في هذه المحاضرة الضوء على تحرير الماركسية من الجمود ومتغيرات العصر ، تتناول المحاضرة القضايا التالية:

 أولا : تحرير الماركسية من الجمود ومستقبل الفكر الاشتراكي.

ثانيا : أهم سمات العصر ومتغيراته والتي تشمل :

أ/ اجهاض التجربة الاشتراكية .

ب/ العولمة .

ج/ الثورة العلمية التقنية .

ثالثا: المناقشة العامة التي اقرها الحزب الشيوعي السوداني حول متغيرات العصر.

رابعا: ماركس ومتغيرات العصر.

خامسا: البيان الشيوعي ومتغيرات العصر.

 

أولا : تحرير الماركسية ومستقبل الاشتراكية :

 

الماركسية ذات طابع علمي نقدي ثوري. لا يعرف النهائية والاكتمال إلا إذا توقف عقل الإنسان عن التفكير ، وهي ليست تعاليم جامدة , بل مرشد للعمل، وهي متجددة مع تجدد وتغير الواقع.

قامت الماركسية على نقد المجتمع الرأسمالي ، وطالما ظل النظام الرأسمالي قائماً فأن مشروعية النقد تظل قائمة . على أن الماركسية لم تظهر من فراغ ، ولكنها كانت نتاج وتفاعل لتطور العلوم الطبيعية والاجتماعية في القرن التاسع عشر مثل: اكتشاف دارون لنظرية تطور الأنواع بالانتخاب الطبيعي ، والذي برهن إن الإنسان والكائنات الحية نتاج تطور تاريخي طويل، ولم تكن في يوم من الأيام كائنات نهائية مكتملة التكوين .

كما تطور علم الجيولوجيا الذي أوضح أن الأرض نتاج لتطور تاريخي طويل، وقبل ذلك كان جاليليو قد برهن نظرية كوبرنكس التي ترى أن الأرض ليست مركز الكون ، وبرهن جاليليو كروية الأرض .

وتطور علم الميكانيك باكتشاف نيوتن قوانين الحركة ، وكذلك تطورت علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء. ولاشك أن  تطور تلك العلوم كان مفتاحا لقيام الثورة الصناعية، ولتطور الإنتاج المادي الذي فتح الطريق لانتصار نمط الإنتاج الرأسمالي .

 

كما تطورت الفلسفة الألمانية والتي بلغت قمتها على يد هيغل الذي طور وعمق المنهج الديالكتيكي في التفكير ، كما تطورت النظرية المادية على يد فورباخ ، وحدثت قفزة هائلة في العلوم الاجتماعية نتيجة لتطور أفكار المنورين الفرنسيين الذين مهدوا فكريا للثورة الفرنسية ( روسو ، فولتير ...) والذين أثاروا ضرورة تنظيم المجتمع على أساس حكم القانون والدستور وحقوق الأسنان وانتصرت الليبرالية والعلمانية بعد إن تم دك حصون الإقطاع وانهيار عروش الدولة الدينية التي كانت تدعي أنها تحكم بالحق الإلهي .

ومع تطور المجتمع الرأسمالي ، وما نتج عنه من استغلال للعمال والنساء والأطفال ، ظهرت أفكار الاشتراكيين الخياليين ( الطوباويين ) مثل ( سان سيمون، فوربيه ، أوين .. الخ ) الذين نقدوا المجتمع الرأسمالي بوصفهم الدقيق للاستغلال البشع الذي كان يعاني منه العمال .

كما تطور الاقتصاد السياسي في إنجلترا والتي بلغت الرأسمالية فيها قمتها وظهرت نظريات آدم سميث وريكاردو ووليم بيتي ، وبرز الصراع الطبقي بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية.

هذه هي الخلفية التي مهدت لظهور الماركسية كأفكار .

ولكن ما الذي مّيز الماركسية عن بقية المدارس الاشتراكية الأخرى والسابقة ؟

ما يميز الماركسية عن المدارس الاشتراكية الأخرى هو اكتشاف المفهوم المادي للتاريخ ، ونظرية فائض القيمة التي أوضحت جوهر الاستغلال الرأسمالي .

بهذين الاكتشافين ، كما أشار انجلز تحولت الاشتراكية إلى علم واصبح الواجب تطويرها من كل النواحي ، فالعلم لا يعرف الحقيقة المطلقة ، ويتعارض مع الجمود .

ومع  التحولات العاصفة التي يشهدها عالمنا ، خضعت بعض مقولات ومفاهيم الماركسية للنقد مثل ديكتاتورية البروليتاريا . وطرحت إمكانية الوصول للاشتراكية عبر الديمقراطية والتعددية , كما اشارت لذلك تجربتنا في السودان منذ صدور والوثيقة الصادرة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني( الديمقراطية مفتاح الحل للازمة السياسية: جبهة للديمقراطية وإنقاذ الوطن) في أغسطس 1977. وقبل ذلك كانت الأحزاب الشيوعية في غرب أوربا مثل الحزب الشيوعي الإيطالي الذي طرح فكرة انطونيو غرامشي( الهيمنة ) أو إيجاد أغلبية مؤثرة تصل للسلطة بطريق ديمقراطي جماهيري ،كما طرحت الأحزاب الشيوعية الأخرى في غرب أوربا استراتيجية الوصول للاشتراكية عن طريق البرلمان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية .

وهناك التطور الهائل الذي تم في عالم المعرفة والعلوم الطبيعية والاجتماعية والسلوكية والتي أسهمت في تجديد وتأكيد المفهوم المادي للتاريخ

والتي تستوجب تطوير مفاهيمه مثل: بذل الجهد الفكري والنظري لدراسة واقع كل مجتمع وبلد بعيدا عن التصورات المسبقة والتبسيط الذي كان سائدا في فترة الجمود مثل محاولة تعميم اللوحة الخماسية التي أشار إليها ماركس للتاريخ الأوربي او محاولة تعميم نمط الإنتاج الأسيوي الذي أشار إلية ماركس لكل البلدان غير الأوربية فبالإضافة للملامح والسمات العامة لتطور المجتمع البشري هناك سمات وخصوصيات معينة في كل بلد يجب البحث عنها .

وهناك مسألة العامل الاقتصادي أو الصراع الطبقي كعامل وحيد حاسم . فهذا لا يعني إهمال العوامل الأخرى مثل: العوامل الدينية  والسياسية  والقومية  والثقافية  والعرقية ..الخ.

كما يتطلب البحث والجهد اكتشاف خصوصية تطور الدولة في كل بلد ، بالإضافة للعامل الطبقي والاقتصادي هناك عوامل مكملة ومتداخلة ومتشابكة تؤثر في نشأة الدولة .

كما أن الدولة ظاهرة معقدة لاتزول بين يوم وليلة كما أشارت إليها كلاسيكيات الماركسية . ، كما أن الدين يمكن أن يكون أداة في خدمة التغيير الاجتماعي . ويمكن أن تستخدمه الطبقات المحافظة . في تثبيت أركان نظامها الاجتماعي ، كما طرحت الماركسية حرية الضمير والمعتقد الشي الذي يتعارض مع الطريقة التي تعاملت بها نماذج شرق أوربا مع الدين عندما تم إحلال الإلحاد محل الدين .

ورغم انهيار نماذج الاتحاد السوفيتي وشرق أوربا ، فان ذلك لا يعني زوال الماركسية ، كما يظل مشروعا تطلع الإنسان للاشتراكية والعدالة الاجتماعية وتوفير احتياجاته ا لأساسية وتطوره من كل النواحي . وتحرير الإنسان من الرأسمالية والاستلاب والحاجة ، إضافة لاستفادة الاشتراكية من منجزات الرأسمالية في تطور قوي الانتاج والمنجزات الايجابية للعولمة التي جعلت العالم قرية صغيرة بفضل ثور الاتصالات والمعلومات ومنجزات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون .

ومن المهم استخدام المنهج لدراسة واقعنا مع الاستفادة من مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة  مثل : التحليل الإحصائي. هذا إضافة للقراءة الناقدة لأصول الماركسية في ضوء متغيرات العصر بذهن مفتوح

 .

مستقبل الاشتراكية:

رغم انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوربا ، إلا أن قضية الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية مازالت ملحة تنتظر الإنجاز ، وتظل فكرة الإنسان المتحرر من الاستلاب والذي يحقق ذاته في المجتمع والمتحرر من كل النواحي . فكرة جاذبة للعقول النيرة من البشرية .

 

ومازال نقد الماركسية للمجتمع الرأسمالي صحيحا ، فعلى سبيل المثال : في بريطانيا 10% من السكان كانوا عام 1993يملكون 50% من ثروة المجتمع  برمتها ، وان 25% من السكان يملكون 71% من الثروة . وفي بلد متخلف كالسودان اكثر من 95% يعيشون تحت خط الفقر . و10% يملكون 60% من الثروة ، وهذه الحالة غير المتكافئة لتوزيع الثروات . موجودة في جميع البلدان الرأسمالية.

كان مفهوم ماركس وانجلز للاشتراكية هو عملية (process ) لا يتم تحقيقها بضربة واحدة , ولم يتحدث ماركس وانجلز عن تصور مكتمل للاشتراكية , وإنما أشارا إلى ملامح وخطوط عامة , وانتقد انجلز الاشتراكيين الطوباويين . لأنهم لم يعتبروا أن الاشتراكية نتيجة ضرورية من نتائج التطور التاريخي , كما انهم حاولوا استنباط أنظمة اشتراكية . في عصر مازال الإنتاج الرأسمالي فيه ضعيف التطور .

كما أن الاشتراكية لا يمكن الوصول أليها بالقفز وحرق المراحل . كما يقول ماركس ( الحق لا يمكن أن يكون أعلى من البناء الاقتصادي للمجتمع والتطور الثقافي الذي يحدد هذا البناء).

من المؤشرات والملامح العامة التي أشار أليها ماركس وانجلز للاشتراكية هي :

  • توقع بدء الثورة الاشتراكية في البلدان الرأسمالية المتطورة، وبالتالي الافتراض ان المجتمع الجديد سيكون منذ البداية أكثر تطوراً ماديا وثقافياً من البلدان الرأسمالية المتطورة.
  • تحسين مستوي ومعيشة العاملين , وتوفير الخدمات الأساسية: التعليم، الصحة ، الضمان الاجتماعي ، العناية بالطفولة ... الخ .
  • الإلغاء الكامل لانفصال العمل الذهني واليدوي وانفصال الريف عن المدن.
  • في ظل الاشتراكية يكون الموقف من الفلاحين على أساس الاقتناع لا القهر والقسر في سبيل الزراعة التعاونية والاشتراكية .
  • المساواة بمعنى المساواة أمام علاقات الإنتاج , تحدث ماركس في مؤلفة ( نقد برنامج غوتا ) عن استمرار الحق البرجوازي في علاقات التوزيع في فترة الانتقال ، آي أن حق المنتجين متناسب طرد يا مع العمل الذي يقدمونه ، أو في مرحلة المجتمع الشيوعي , ويمكن تجاوز الأفق الضيق للحق البرجوازي وتطبيق شعار ( من كل حسب قدرته ولـكل حســـب حاجته ) كما أن المساواة لا تعني التماثل في الاستهلاك .

          ديكتاتورية البروليتارية مرحلة انتقالية نحو القضاء على الطبقات وقيام مجتمع لا طبقي .

          اختفاء الدولة كأداة للقهر والقمع .

          الموقف من الدين على أساس حرية الضمير والمعتقد وضد القهر والقسر .

          الملكية العامة لوسائل الإنتاج , وهذا لا يعني إلغاء التنوع في أشكال الملكية التي تجعل المجتمع أكثر غني ووفرة وثروة ( ملكية تعاونية ، ملكية خاصة ،.... الخ ).

          الديمقراطية : صحيح أن ماركس تحدث عن (ديكتاتورية البروليتاريا) باعتبارها ديمقراطية أوسع من الديمقراطية البرجوازية ، ولكن التجارب المعاصرة أكدت ضرورة أن تجسد الاشتراكية تصورا لمجتمع اكثر ديمقراطية، يطور ويعمق الديمقراطية ويعطيها أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية .

          إزالة الاضطهاد القومي : أن شعبا حراً لا يمكن أن يقهر شعباً آخر .

          تحرر المرأة باعتباره المقياس لتطور المجتمع .

المنهج في تناول الاشتراكية هو حركة نضال يومي لجماهير العاملين لتحسين أحوالهم الاقتصادية والارتقاء بالإنسان وإشباع تطلعاته المتنامية في الإبداع . والحرية والديمقراطية وتوسيع حرياته المدنية والشخصية وبالتالي . فان مفهوم الحريات الديمقراطية هي جزء مكون وأصيل في الاشتراكية ولا ينبغي معاداتها باسم الاشتراكية .

لقد أكدت تجاربنا الأليمة في السودان وأفريقيا والمنطقة العربية وتجارب البلدان الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا أن  الملكية العامة بدون ديمقراطية وتعددية سياسية، وحق الجماهير في التنظيم المستقل، تشكل حجر الأساس لتسلط الدولة والبيروقراطية الحاكمة .

لا يمكن تصور النظام الاشتراكي بدون سيادة حكم القانون والتنوع والتعدد السياسي والفكري والفني والثقافي والتداول الديمقراطي للسلطة .

النظرة الواقعية  وخطأ  توقع تحقيق العدالة الاجتماعية دفعة واحدة . او سوق الناس إلى جنة الاشتراكية قسرا . فعملية تجديد حياة الناس تتم بإقناعهم ومشاركتهم . إذا أردنا أن نضمن لها النجاح والاستمرار .

والواقعية تتطلب أيضا أن الانتقال الديمقراطي للاشتراكية هو طريق شاق . لان الطبقات الحاكمة والرأسمالية . سوف تدافع بشراسة عن  مصالحها ، وبالتالي فهو ليس طريقا مفروشا بالورود .

الخصوصية والأصالة الوطنية مكون هام من مكونات الاشتراكية ، وان للعدالة الاجتماعية جذور في تراثنا العربي والأفريقي وفي الاسلام والمسيحية وكريم المعتقدات ، وفي تقاليد وبنية المجتمع السوداني ، الذي يقوم علي التكافل  

الترابط والعمل الجماعي في الزراعة والحصاد ( النفير ) والمساعدات في  الأفراح والاتراح ، ومساعدة الأغنياء للفقراء انطلاقاً من قيم ووجدان المجتمع والمؤسسات التعاونية في الإنتاج والتوزيع ، إضافة للحركة التعاونية ذات التقاليد الراسخة في النضال من اجل حياة العاملين .

وأخيراً من روح ومنهج الماركسية في تناول الاشتراكية يمكن أن نصل إلي الآتي :

أ) الاشتراكية نظام لا يتم إنجازه من خلال عملية واحدة منتهية , وهو يتناسب طرديا مع تطور الإنتاج المادي والعلم والتكنيك والمعرفة .

ب) النظام الاشتراكي لا يتم استنباطه من المخيلة أو العقل بل من تطور التاريخ المعاصر ، وان الرغبة الذاتية لا مكان لها في ذلك .

ج) الاشتراكية ستقوم بأشكال متعددة ، ولن يكون هناك نمطا مكتملا نعرف مسبقا أسراره ، وكل شعب يستخلص نموذجه الاشتراكي الديمقراطي الإنساني استناداً إلى أصالته وخصائصه الثقافية والحضارية وسماته المحلية , في تفاعل مع تطور الفكر الإنساني .

 

ثانيا:

  • انهيار التجربة الاشتراكية ( نموذج الاتحاد السوفيتي )

رغم اختلاف الآراء حول انهيار التجربة الاشتراكية ، إلا أن المدخل السليم للتحليل وتفسير ما جرى هو استخدام المنهج الماركسي ، نفسه الذي يعالج الظاهرة في تكوينها ونموها وتطورها وزوالها والتناقضات الكامنة داخلها ومن خلال نظرة تاريخية كلية .

فالتحول الكيفي هو نتاج تراكمات وتحولات كمية بطيئة خلال السنين، وبالتالي فان النظرة  الموضوعية الباطنية لأسباب الفشل والانهيار هي الأنسب،  وهي التي تتوافق مع النظرة العلمية للظواهر والأشياء .

ورغم إشارة ماركس وانجلز إلى قيام الثورة الاشتراكية في البلدان الرأسمالية المتطورة ( ألمانيا إنجلترا ....) واختلاف التصورات بين الاشتراكيين الروس ، وغير الروس حول الطريق للاشتراكية داخل روسيا طرح البلاشفة التحول الاشتراكي دون المرور بالمرحلة الرأسمالية وبمساعدة الثورات الاشتراكية في أوربا ، أما المناشفة فقد طرحوا ضرورة المرور بالمرحلة الديمقراطية .

وعندما قام البلاشفة بالاستيلاء على السلطة كان لينين يتوقع مساعدة النظام الاشتراكي الوليد بقيام الثورات الاشتراكية في بلدان الغرب المتطورة . وكانت روسيا أضعف حلقات النظام العالمي وفيها تركزت التناقضات ، نظام قيصري متخلف معادى للديمقراطية ، تطور رأسمالي , وحركة اشتراكية ناهضة تطالب بالتغير والتجديد . بالإضافة لمآسي الحرب . المجاعة ، الفقر ، البؤس ، .. الخ .

ويمكن تلخيص أسباب الانهيار , في غياب الديمقراطية . أخطاء اقتصادية وقومية ، الجمود ، أسباب تاريخية وموضوعية .

أ/ غياب الديمقراطية الذي تمثل في النظام الشمولي الذي اعتمد الحزب الواحد ، وتبعية النقابات والاتحادات والسوفيتيات للدولة ، وتصفية الحزب الشيوعي وقيادته ، كما أشار تقرير المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي ، وتم منع حق الإضراب ، أصبحت عقوبته الإعدام ، التي تغيرت للسجن لمدة عشرين عاما . ونشأت طبقة اجتماعية جديدة استفادت من ملكية الدولة .

ب/ أخطاء اقتصادية مثل تغليب الصناعة الثقيلة على حساب سلع الاستهلاك، والتحولات الاشتراكية في الزراعة بالقسر .

ج/ السياسة القومية التي قامت على التهجير والقسر ، هذا فضلا عن الحروب الأهلية والحرب العالمية الثانية التي فقد فيها السوفيت اكثر من 20 مليون  من القوى البشرية الحية والمنتجة في المجتمع، كما تم تدمير الصناعـة

 

 د/ الجمود : تحولت الماركسية من منهج للبحث والدراسة والنقد إلي فلسفة رسمية . كانت تدرس بطريقة جامدة للطلبة في المدارس والجامعات هذا إضافة إلى خطأ محاولة تعميم التجربة الستالينية وعدم الاعتبار الكافي لخصوصية كل بلد ، والدور القيادي للحزب الشيوعي في الأممية الثالثة ، ونتيجة لذلك تم التدخل في المجر وتشيكوسلوفاكيا .

وتحولت الماركسية من منهج للبحث الى نظام يمنع كل بحث حر وتم قمع حركة الإبداع في العلوم والفنون . وتحول الإلحاد الي فلسفة رسمية وتم اتخاذ موقف خاطئ من الأديان وحلت عبادة الفرد ( ستألين ) محل عبادة القيصر وتحول ضريح لينين الى كعبة يؤمها الزوار من كل فج عميق .

هـ/ من الأسباب الموضوعية : النظام الشمولي وما يتبعه من نشؤ الظاهرة الستالينية وعبادة الفرد وحكم الفرد لا ينفصل عن الظروف التاريخية التي نشأ فيها النظام السوفيتي الذي عندما قام كان الوضع الاقتصادي متخلفا 70% أميين ، الحروب والمجاعات ، ضعف الطبقة العاملة ، إضافة لميراث النظام الروسي القديم مثل : نفوذ الكهنة ، عبادة الأيقونات ( الصور المقدسة للمسيح والعذراء والقديسين ) ، عبادة القيصر ، انعدام الحريات الشخصية.

هذا اضافة لاجهاض محاولات الاصلاح التي بدأت بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، ومحاولة الاصلاح التي جاءت متاخرة في فترة غورباتشوف فيما عرف (بالبيروسترويكا) والتي طرحت سياسة تقوم علي التعددية الاقتصادية دون أن يتبعها تعددية سياسية، فضلا عن طابعها الفوقي، والتي تم اجهاضها ايضا بعد انقلاب اغسطس 1992م، والتي ادت تفكك الاتحاد السوفيتي والتحول الكامل الي الرأسمالية.

ورغم انهيار التجربة الاشتراكية , نلاحظ أن الأحزاب في تلك البلدان أجرت تقويما نقديا , وجددت برامجها ونظمها الداخلية ووصل بعضها الى السلطة عن طريق الانتخابات البرلمانية ( بلغاريا ، رومانيا ... الخ ) ووجود كتلة برلمانية مؤثرة في روسيا وبعد عودة الرأسمالية في تلك البلدان ساءت الأحوال وفقدت تلك الشعوب منجزات ومكاسب كثيرة ، وتحاول مرة أخري الوصول لنظام اشتراكي ديمقراطي إنساني ، ومؤكد أن العودة للنظام الشمولي القديم مستحيلة.

 

(ب) العولمة :

هناك تعريفات كثيرة للعولمة ، إلا أن جوهرها (هي تعبير ملطف يستخدم للاستيلاء التدريجي علي الموارد والأسواق من قبل الدول الثماني الكبار (G 8) الغنية).

بمعنى آخر سيادة نمط الإنتاج الرأسمالية على صعيد عالمي وهي عملية بدأ ظهورها منذ نشأة الرأسمالية ، وانتصار الثورة الصناعية الأولي التي غزت منتجاتها شعوب المستعمرات.

 وطرح ماركس وانجلز في البيان الشيوعي في مواجهة الرأسمالية على صعيد عالمي شعار ( يا عمال العالم اتحدوا) وطور لينين هذا الشعار بعد دخــول

الرأسمالية مرحلة الإمبريالية ( يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا ) وبالتالي فالعولمة ليست جديدة , ولكن تصاعدت وتائرها بعد ثورة المعلومات، والاتصالات حتى أصبح العالم قرية صغيرة،  وسعى الرأسمالية عن طريق الشركات متعدية الجنسيات لسيادة قيمها وثقافتها في مختلف بلدان العالم .

 وظهرت نظريات ، مثل نظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ ، بعد سيادة الرأسمالية ، وانهيار التجربة الاشتراكية ، إلا أن هذا الزعم ليس صحيحاً وستظل الرأسمالية التي اشتدت تناقضاتها تشكيلة اقتصادية – اجتماعية عابرة في التاريخ .

والإحصاءات تشير الى 95% من ثروات وموارد العالم الاقتصادية مركزة في يد اقل من 15% من سكان العالم ، ويوجد الان في العالم 358 من المليارديرات يملكون قدر ما يملكه نصف سكان العالم ، ومازالت الحركات الجماهيرية الديمقراطية متنامية في البلدان الرأسمالية المتطورة التي تطالب بتحسين حياة العاملين المعيشية ، وحماية البيئة ، وحقوق المرأة ، والاقليات المضطهدة واحترام حقوق الإنسان ، وضد التمييز العنصري خاصة السود وضد الأمراض الفتاكة ( الإيدز) والدفاع عن شعوب العالم الثالث ، ومن أجل إلغاء الديون وخلق نظام دولي عادل .

 

(ج) الثورة العلمية التقنية :

 

أحدثت تحولا هائلا في التشكيلة الرأسمالية ، ورفعت مستوي الإنتاج المادي وجددت الرأسمالية نفسها ووجدت لها متنفسا جديدا لاستثماراتها , كما ربطت العالم بالإنتاج ، أحدثت تحولا هائلا في العمل البشرى من خلال الأتمتة .

كما أحدثت تغيرات في تركيب الطبقة العاملة ، وأتسع مفهومها الذي أصبح يضم العاملين اليدويين والذهنيين الذين يتعرضون للاستغلال الرأسمالي وهذه قضية هامة في الصراع والاستنتاجات الدائرة حول ثورة العلم والتكنولوجيا وأثرها على الطبقة العاملة . ومن آثار الثورة العلمية أنها زادت من شدة الاستغلال الرأسمالي والاستقطاب الطبقي مثل . في الولايات المتحدة 1% من السكان يستحوذون على 40% من الثروة في العام 2008 م . بعد أن كان 20% عام 1967. كما ازدادت العطالة والتبادل غير المتكافئ مع بلدان العالم الثالث والديون الثقيلة عليه ( كما اتضح في المظاهرات ضد سياسات مجموعة الثماني الكبار(   G 8 ) في اجتماعاتها  (في سياتل وجنوه ... الخ ) . ثورة الاتصالات والمعلومات جعلت العالم قرية صغيرة . وعن طريق الثورة العلمية التقنية استطاعت الرأسمالية أن تعيد تقسيم العالم : فمركز العالم الرأسمالي يحتفظ لنفسه بالصناعات ذات التقنية العالية ( كمبيوتر، ذرة،  هندسة وراثية، ... الخ)، ويترك للعالم الثالث الصناعات الثقيلة الملوثة للبيئة.

 

 

 

ثالثا - المناقشة العامة :

 

عندما افتتحت اللجنة المركزية المناقشة العامة في أغسطس 1991 تساءل أجد  الأعضاء هل المناقشة في الحزب تحتاج لقرار من اللجنة المركزية حتى يشرع فيها الأعضاء . معلوم أن حرية النقاش مكفولة للأعضاء حسب لائحة الحزب ، فمن حق العضو أن يشترك في المناقشات الحزبية العامة وفي صحافة الحزب واجتماعاته وان يطلع على أعمال  الهيئات القائدة لاستيعاب سياسة الحزب والمشاركة الفاعلة في تطويرها وتنفيذها وهي عملية يمارسها الأعضاء يوميا في هيئاتهم الحزبية ، هذا صحيح، ولكن ماهو المقصود بالمناقشة العامة؟.

للاجابة علي هذا السؤال نتناول موضوعين:

1 - تجربة الحزب في المناقشة العامة ، كيف نشأت وتطورت أصبحت تقليدا مستقرا في الحزب ، وتم تقنينها في لائحة الحزب ؟

2 - المناقشة العامة التي افتتحتها اللجنة المركزية حول متغيرات العصر،حتي تم عقد المؤتمر الخامس للحزب.

 

1 - تجربة الحزب في المناقشة العامة:

استقر تقليد المناقشة العامة في الحزب منذ السنوات الباكرة لتأسيسه ، كان من نتائج المؤتمر الأول للحزب في أكتوبر 1950إشارة إلى ضرورة ربط العمل الفكري بالعمل الجماهيري واستقلال الحزب في نشاطه بين الجماهير وإعلان موقفه المستقل في كل المسائل من منابره المختلفة ورفض المؤتمر الاتجاه الذي كان يقول بدراسة النظرية أولاً ثم العمل الجماهيري ، علي أن يتواصل نشاط الحزب الشيوعي من داخل الأحزاب الاتحادية . بعد المؤتمر الأول وقع الصراع الفكري الداخلي ، وكان الأجراء فتح المناقشة العامة على صفحات مجلة الكادر ( الشيوعي فيما بعد ) طارحا على الأعضاء القضايا مدار الصراع وموقف الطرفين منها وكانت تلك أول مناقشة عامة تفتح في الحزب وتحولت المناقشة في مجلة الكادر إلى مناقشة تحضيرية للمؤتمر الثاني الذي انعقد في أكتوبر 1951 وحسم المؤتمر الصراع الفكري الداخلي لمصلحة نشاط الحزب المستقل وبعد الحكم الذاتي ، كانت ابرز الخطوات في عملية بنا الحزب هي آلتي جاءت في اجتماع اللجنة المركزية في مارس 1953 الذي أشار لضرورة بناء الحزب على النطاق الوطني ليصبح حزبا شعبيا وتحويل الحزب إلي قوة اجتماعية كبرى، وانعقد المؤتمر الثالث في فبراير 1956 من فوق حصيلة المناقشات العامة التي بدأت منذ دورة ل.م في مارس 1953 حول بناء الحزب ومهامه فـي الظروف الجديدة التي نشأت بعد الحكم الذاتي ، وأجاز المؤتمر برنامج الحزب (سبيل السودان ..... ) كما أجاز اللائحة المعدلة واتخذ اسم الحزب الشيوعي السوداني وطرح شعار ( اجعلوا من الحزب الشيوعي قوة اجتماعية كبرى ) وانتخب المؤتمر لجنة مركزية من 31 عضوا .

وبعد المؤتمر الثالث اندفعت مشاكل جديدة بعد استقلال منها الديمقراطية ، الاستقلال الاقتصادي ، طريق التطور غير الرأسمالي ، النهضة الثقافية ، حماية السيادة الوطنية ، دفع الطبقة العاملة لاحتلال مواقع القيادة بالتدريج ،المصاعب التي نجمت عن الانحسار في الحركة الجماهيرية . وتم فتح مناقشة عامة حول تلك القضايا على صفحات مجلة الشيوعي.

قطع انقلاب عبود في نوفمبر 1958 تلك المناقشة .

أنعقد المؤتمر الرابع في أكتوبر 1967 وأجاز وثيقة ( الماركسية وقضايا الثورة السودانية ) ودستور الحزب والبرنامج ولخص الدستور (اللائحة) تجربة المناقشة العامة والصراع الفكري على النحو الآتي :

أ/ يدار الصراع الفكري داخل الحزب وفق المبادئ التالية :-

  • حصره في المسائل المبدئية والابتعاد عن المسائل الشخصية .
  • الاعتبار التام لمصالح الشعب والحزب.
  • تأكيد سيادة روح العقل والمنطق والابتعاد عن الحدة والمرارة.
  • الاحترام التام للنظام الداخلي .

ب/ لا يسمح بأي صراع غير مكشوف او غير معروف للأعضاء . كما لا يسمح بالاتصالات الجانبية أو السعي لكسب أي عضو او هيئة خارج القنوات التنظيمية .

ج/ أحيانا يتطلب الوضع داخل الحزب لحسم خلاف أو لاصلاح العمل أجراء مناقشة عامة يشترك فيها الأعضاء على نطاق محدود او عام .

          المناقشة العامة تقرر فتحها وتقودها اللجنة المركزية التي تحدد القضايا المطلوب حسمها والفترة التي تستغرقها وضوابطها .

          تنتهي المناقشة العامة بعد الفترة المحددة لها بالتصويت داخل الهيئة التي حددت لحسمها ويعتبر رأى الأغلبية هو السائد ما لم ترى هيئة أعلى غير ذلك .

وبعد انقلاب 25 مايو 1969 تم فتح مناقشة عامة في أغسطس 1969 حول طبيعة النظام الجديد وصدرت وثيقتين: وثيقة عبد الخالق محجوب ووثيقة معاوية ابراهيم،  امتدت المناقشة لمدة عام أنعقد بعدها المؤتمر التداولي لكادر الحزب في أغسطس 1970 وحسم فيها المؤتمر الصراع الداخلي حول الموقف من النظام الجديد، وقررت اغلبية الكادر: تاكيد وجود الحزب المستقل والتمسك باستقلال الحزب الفكري والسياسي والتنظيمي ورفض ذوبان الحزب في السلطة.

وخلال فترة الديمقراطية الثالثة ، تم فـتح مناقشـة عـامة حـول عـمـل الحـزب 

 

وسط النساء وبدأت تنشر حصيلة المناقشات على صفحات مجلة الشيوعي، ولكن انقلاب يونيو 1989 قطع الطريق أمام إكمال المناقشة العامة مثلما قطع الطريق أمام المؤتمر الخامس الذي شرع الحزب في التحضير له منذ دورة ل .م في اكتوبر 1985 .

 

2 ــ المناقشة العامة حول متغيرات العصر :

بعد الزلزال الذي وقع عام 1990 بانهيار منظومة الدول الاشتراكية في شرق أوربا والاتحاد السوفيتي افتتحت اللجنة المركزية مناقشة عامة حول متغيرات العصر وكان كعب أخيل في تلك المناقشة منذ البداية أنه لم يتم تحديد إطار عام لها وتحديد الفترة الزمنية وضوابطها وآلية حسمها وتم تصحيح مسار المناقشة العامة في دورة اللجنة المركزية في ديسمبر 1997 التي أجازت الإطار العام الذي شمل المحاور الثلاثة الآتية:-

  • دروس انهيار التجربة الاشتراكية
  • الماركسية ومستقبل الفكر الاشتراكي في ضوء معطيات العلم وتجربة الشعب السوداني.
  • الحزب وتجديد برنامجه ولائحته واسمه والتقويم النقد ا\لتجربته وكونت اللجنة المركزية ثلاث لجان:

1 - لجنة لتسير المناقشة العامة من مهامها إعداد تقرير ختامي للمناقشة العامة.

1 - لجنة لإعداد مشروع البرنامج.

3 - لجنة لاعداد مشروع اللائحة وصدرت وثيقتان وثيقة مبادئ موجه لتجديد البرنامج وهي مساهمة من السكرتير العام ووثيقة المدخل لتجديد اللائحة التي أصدرتها لجنة اللائحة وبدأت تنشر مساهمات الأعضاء في مجلتي الشيوعي وقضايا سودانية صدر منها الأعداد: من 156 إلى 171 وقضايا سودانية صدر منها 28 عدداً.

 كما أصدرت لجنة التسيير رسالة للديمقراطيين وأصدقاء الحزب تدعوهم للمساهمة

في المناقشة العامة لتجديد الحزب وعقدت سمنارات متخصصة لمساعدة أعضاء الحزب في المناقشة العامة مثل: سمنار الاشتراكية ، سمنار الثورة العلمية أثارها على بلدان العام الثالث السودان نموذجاً، وسمنار التنظيم. كما أصدرت لجنة التسيير بياناً صحافياً ساعد في تنشيط الكتابة عبر الصحف حول المناقشة العامة وظهرت مساهمات كثيرة أدلت بدلوها في المناقشة العامة واهتمت لجنة التسيير بتلك المساهمات كما تابعت اللجــنة المركـزية في دورة يونيو 2000م وبعدها سـير المناقشـة

وتابعت اللجان عملها حتي تم انجاز التلخيص الختامي للمناقشة العامة وانجزت لجنة البرنامج مشروع البرنامج ولجنة الدستور مشروع الدستور ولجنة التقرير السياسي مشروع التقرير السياسي العام، كما انجزت لجنة التقرير التنظيمي مشروع التقرير التنظيمي وانجزت لجنة الكادر مشروع تقرير الكادر، وتم عقد المؤتمر الخامس في يناير 2009م الذي اجاز التقرير السياسي العام والبرنامج والدستور والتقرير التنظيمي وتقرير الكادر والتقرير المالي وتم نشرهذه التقارير علي الأعضاء.

أثناء التحضير للمؤتمر السادس فتحت اللجنة المركزية مناقشة عامة حول وثائق المؤتمر التي نزلت للاعضاء وهي التقرير السياسي والبرنامج والدستور ، وتم المؤتمر الذي أجاز تلك الوثائق وادخل التعديلات عليها ، وخرج الحزب موحدا حول منهجه الماركسي وطبيعته الطبقية المنحازة للطبقة العاملة والكادحين، وابقي علي إسمه.ولاشك أن مناقشة وثائق المؤتمر( التقرير السياسي والبرنامج والدستور والتقرير التنظيمي والمالي وأداء اللجنة المركزية) سوف تفيد العضوية في الإطلاع علي متغيرات العصر ونشاط الحزب في الفترة بين المؤتمرين الخامس والسادس.

 

رابعا: ماركس ومتغيرات العصر

1818- 1883م

  مع اشتداد حدة الأزمة الاقتصادية العالمية بدأ الكثيرون يعيدون قراءة ماركس والتامل في منهجه لنقد النظام الراسمالي، هذا ويعتبر ماركس(1818-1883م) من اعظم المفكرين في العالم، ولاغرو ان اعتبر ماركس الشخصية الأولي في الألفية الثانية، باعتراف اعداء ماركس والماركسية، ومما له مغزاه، أن هذا التقويم لماركس جاء بعد انهيار التجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي واوربا الشرقية، مما يؤكد حيوية الماركسية ومنهجها الناقد للرأسمالية والتي تعمقت ازماتها باكثر من اى وقت مضي، فماهي اهم معالم سيرة ماركس واعماله؟.

   في المعالم البارزة لسيرة ماركس: قال عنه رفيق دربه وصديقه انجلز في خطاب علي قبره: ( مثلما اكتشف دارون قانون تطور الكائنات العضوية بالانتخاب الطبيعي، اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري).

 ولد ماركس في ترييف بالمانيا، حيث انهي المدرسة الثانوية في العام 1830م، وبعد ذلك التحق بجامعة بون  ثم جامعة برلين، ونال درجة الدكتوراة في الفلسفة، وكان موضوعها:

( الاختلاف بين فلسفة ديمقرطيس الطبيعية وفلسفة ابيقور الطبيعية، 1841م).

 وبعد ذلك كما هو معروف تطور فكر ماركس من الاتجاه اليساري في فلسفة هيغل الي النظرة المادية الفلسفية، والتي جاءت نتيجة للدراسة الناقدة لفلسفة هيغل، وكان هيغل يري أن الديالكتيك هو القوانين العامة لحركة الفكر، اما ماركس فقد وسع من مفهوم الديالكتيك والذي صار عنده ( القوانين العامة لحركة الطبيعة والمجتمع والفكر)، وبذا تم وقوف ديالكتيك هيغل علي ارجله بعد أن كان واقفا علي رأسه.

  كما تأثر ماركس بمادية فيورباخ وانتقد منهجه الميكانيكي، وعبر عن ذلك المفهوم الجديد في مؤلفه الذي نشر عام 1844م بعنوان( في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل)، والذي اشار فيه الي أن مهمة الفلسفة ليست تفسير العالم، بل تغييره، ومن خلال نشاط ماركس العملي ودراسته الناقدة للاقتصاد السياسي وافكار الاشتراكية الخيالية، بدأ ماركس يضع يده علي المعالم الاساسية للدور التاريخي للطبقة العاملة، وضرورة توحيدها حول نظرة عامة علمية الي العالم.

 ما هي اهم اكتشافات ماركس؟

 اهم الاكتشافين والذين اطلق عليهما الماركسية فيما بعد هما:

1 - المفهوم المادي للتاريخ والذي كان نقطة تحول هامة في دراسة علم التاريخ، فقد انطلق ماركس من الحقيقة البسيطة، وهي أن الناس قبل أن يمارسوا السياسة والفن والدين والحقوق..الخ، عليهم توفير احتياجاتهم الأساسية من: مأكل ومشرب ومأوي وملبس..الخ، ولكي يتم ذلك لابد أن ينتجوا، ولكي تتم عملية الانتاج، لابد من توفير وسائل الانتاج التي تتكون من أدوات الانتاج ومواضيع العمل، وقوي الانتاج التي تتكون من وسائل الانتاج والعمل البشري.

واثناء عملية الانتاج تنشأ علاقات تتعلق بالملكية والتوزيع، اطلق عليها ماركس علاقات الانتاج، ثم استنبط ماركس مفهوم البنية التحتية للمجتمع التي تتكون من قوي الانتاج وعلاقات الانتاج، وكذلك مفهوم البنية الفوقية التي تتكون من آراء الناس السياسية والحقوقية والدينية والفلسفية والفنية..الخ. ووحدة البنية التحتية والفوقية هي ما اطلق عليه ماركس التشكيلة الاجتماعية. واستقرأ ماركس تطور التاريخ الاوربي نتيجة للتناقض بين القوي و وعلاقات الانتاج والذي يشكل المفتاح لفهم التغيير الاجتماعي، أشار الي اللوحة الخماسية التي تتكون من: المشاعية البدائية، الرق، الاقطاع، الرأسمالية، الاشتراكية.

 كما رفض ماركس تعميم اللوحة الخماسية الخاصة بتطور التاريخ الاوربي، علي كل المجتمع البشري، بل أشار الي ضرورة الدراسة المستقلة لكل مجتمع، اي أن ماركس رفض تحويل اللوحة الخماسية الي نظرية فلسفية تشمل كل بلدان العالم.

2- اكتشف ماركس ايضا القانون الذي يحكم نمط الانتاج الرأسمالي والمجتمع البورجوازي الذي خلقه هذا النمط من الانتاج، وهو قانون فائض القيمة الذي كشف جوهر وسر الاستغلال الرأسمالي.

 وفي خطاب انجلز علي قبر ماركس أشار انجلز الي أن: ماركس لم يكتف بهذين الاكتشافين، رغم ان المرء سوف يكون سعيدا لو تسني له تحقيق واحد من هذين الاكتشافين.

 أشار انجلز أيضا الي أن ماركس: كان يتسم بالعمق في كل حقل بحث فيه، حتي في حقل علم الرياضيات قام ماركس بابحاث مستقلة.

 يواصل انجلز ويقول:هكذا كان ماركس رجل علم، لقد كان العلم بالنسبة لماركس حركة ديناميكية- تاريخية وقوة ثورية، وكان سروره عظيما بأى اكتشاف جديد في حقل العلوم النظرية، وان كانت مستحيلة التطبيق وقتها، ويزداد سروره عندما يشمل الاكتشاف الجديد تغييرا ثوريا مباشرا في الصناعة وفي التطور التاريخي عموما. فعلي سبيل المثال: كان ماركس متابعا عن كثب لتطور الاكتشافات المحققة في مجال الكهرباء واخرها تلك لمارسال دوبري.

 لم يكن ماركس رجل علم فقط، بل كان مناضلا من اجل تغيير المجتمع الرأسمالي ومؤسسات الدولة التي جلبها معه، وكذلك ساهم ماركس في تحرير الطبقة العاملة الحديثة، والذي كان أول من جعلها تعي بموقعها وحاجاتها وتعي بشروط تحررها.

 يواصل انجلز ويقول: كان النضال والنشاط العملي امرا اساسيا بالنسبة لماركس، فكافح بحب وعزم ونجاح لاينافسه فيه الا قليلون. وكان عمله في الصحافة: حيث عمل علي سبيل المثال: في الجريدة الرينانية الاولي(1842)، وفي صحيفة: الي الامام الباريسية(1844)، وفي صحيفة البروكسالي الالمانية(1847)، وفي التربيون النيويوركية ( 1861- 1852)....الخ.

  كما اشرف ماركس علي اصدار نشرات نضالية خلال عمله في منظمات في باريس وبروكسل ولندن ، حتي توج ذلك بتكوين تنظيم الشيوعيين الذي كان عبارة عن جمعية اممية للعاملين، وهذا وقد كلفت الجمعية الاممية للعاملين ماركس وانجلز باصدار بيان يوضح رؤي واهداف الشيوعيين، وقد اصدر ماركس وانجلز بالفعل ( البيان الشيوعي) والذي صدر عام 1848م.

 ورغم هجمات اعداء ماركس عليه، الا انه لم يرد الا عندما تقتضيه الضرورة.

 يقول انجلز ان ماركس مات محبوبا ممجدا ونعته الملايين من العمال الثوريين : من مناجم سيبريا الي كليفورنيا وفي انحاء اوربا وامريكا كافة.

 ويختتم انجلز خطابة علي فبر ماركس بقوله:

(ولعله من المهم القول انه برغم خصوم ماركس الكثيرين، الا انه لم يكن له عدو شخصي واحد. وسيخلد اسمه الي الابد، وكذلك اعماله).

ماهي اهم اعمال ماركس؟:

 اهم اعمال ماركس مع انجلز والتي تشكل محطات هامة في تطور فكره: الفلسفي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي هي:

-           المخطوطات الاقتصادية والفلسفية(1844).

-           العائلة المقدسة( 1845).

-           الايديولوجية الالمانية(1846)، والذي انجزه مع انجلز، والذي تم فيه اكتشاف المفهوم المادي للتاريخ.

-           بؤس الفلسفة(1847).

-           البيان الشيوعي( 1848)، والذي وضعه مع انجلز.

-           الحرب الاهلية في فرنسا(1871).

-           نقد برنامج غوتا(1875).

-           رأس المال، والذي اكتشف فيه القانون الاساسي للمجتمع الرأسمالي، نظرية فائض القيمة، ونشر المجلد الأول منه عام 1867م، والثاني نشره انجلز عام 1885م، والثالث في عام 1894م. 

وبعد وفاة ماركس حدثت متغيرات كثيرة في العالم، وظواهر جديدة مثل تحول الرأسمالية الي مرحلة الاحتكار والتي تناولها لينين في مؤلفه(الامبريالية اعلي مراحل الرأسمالية 1916)، كما حدثت تطورات فلسفية وعلمية تناولها المفكرون الماركسيون بالدراسة والتحليل، وقامت وسقطت النظم الاشتراكية الستالينية في الاتحاد السوفيتي وشرق اوربا، كما حدثت الثورة العلمية التقنية والتي احدثت متغيرات هائلة في العمل البشري وفي القوي المنتجة وفي تركيب الطبقة العاملة، والذي اتسع مفهومها ليضم العاملين عضليا وذهنيا، والذين يتعرضون للاستغلال الرأسمالي وامتصاص فائض القيمة منهم.

 ورغم سقوط النماذج الاشتراكية في بلدان الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا، الا أن الماركسية مازالت تحتفظ ببريقها، ويتخوف المفكرون البورجوازيون من نهوض اقوي للحركة الشيوعية والماركسية بعد تحريرها من الجمود،وبعد الازمة الاقتصادية الكبيرة التي يشهدها النظام الرأسمالي العالمي، واستخدام المنهج الماركسي نفسه في تقويم تلك التجارب واستخلاص دروسها، والاستفادة منها في قيام نماذج اشتراكية اكثر عدالة وديمقراطية انسانية. 

خامسا: البيان الشيوعي ومتغيرات العصر

(علي انقاض المجتمع البورجوازي القديم بطبقاته وتناقضاته الطبقية يبرز مجتمع جديد يكون فيه تطور الفرد الحر هو الشرط لتطور المجموع الحر)( البيان الشوعي).

 بهذه الفقرة ختم ماركس وانجلز البيان الشيوعي ، والتي تؤكد جوهر البيان الشيوعي، الهادف الي تحرير الناس من كل اشكال الظلم والاستلاب والاضطهاد الطبقي والقومي والاثني والجنسي، واستكمال الحقوق السياسية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحقيق الفرد الحر.تلك الافكار التي شكلت الأساس لتحقيق الحركات العمالية والنقابية مكاسب ضخمة في التجربة الاشتراكية السابقة وفي العالم الرأسمالي تمثلت في الحق في التعليم والصحة والضمان الاجتماعي وحقوق الامومة والطفولة والشيخوخة..الخ.

  وفي العام 2008م  احتفلت كل القوي الاشتراكية والشيوعية والديمقراطية في العالم بالذكري ال 160 لصدور البيان الشيوعي الذي شكل علامة فارقة في تطور الفكر الاشتراكي، فما هي القضايا التي طرحها البيان الشيوعي؟.

   صدر البيان الشيوعي عام 1848م، وقام بصياغته ماركس وانجلز بتكليف من تنظيم  الشيوعيين الذي كان عبارة عن جمعية اممية للعاملين ، كان ذلك في مؤتمرها الذي عقدته في لندن في نوفمبر 1847م، وكان الهدف وضع برنامج مفصل للحزب يوضح رؤى واهداف الشيوعيين، ثم نشره ، علي أن يكون عمليا ونظريا في الوقت نفسه.

  فقد صدر أول الأمر باللغة الألمانية ، وبعد ذلك صدرت منه مئات الطبعات باللغتين الانجليزية والفرنسية والروسية والبولونية وترجم الي بقية اللغات.

   أشار ماركس وانجلز في مقدمة الطبعة الصادرة في 24/ يونيو/1872م، الي أن (الظروف تبدلت منذ صدور البيان ، الا أن المبادئ العامة الواردة في البيان لاتزال بالاجمال تحتفظ برونقها وصحتها ودقتها ، وان كانت هناك فصول يجب ادخال بعض التعديل عليها ، وأن البيان نفسه يوضح أن تطبيق المبادئ يتعلق دائما وفي كل مكان بالظروف والاوضاع التاريخية في وقت معين ، فلا يجب اذن أن تعليق اهمية كبرى علي التدابير الثورية المذكورة في نهاية الفصل الثاني ، ونحن لو عمدنا الي انشاء هذا المقطع اليوم ، لاختلف في اكثر من نقطة عن الأصل ، وقد شاخ هذا البرنامج اليوم في بعض نقاطه ، نظرا للتطور الكبير الذي تم في الصناعة ، وللتجارب التي راكمتها الطبقة العاملة في تنظيمها الحزبي وتجارب كومونة باريس التي وضعت لأول مرة السلطة في ايدي الطبقة العاملة لمدة شهرين).

   يواصل ماركس وانجلز: (ان نقد الأدب الاشتراكي الوارد في البيان غير كامل ، اذ انه يتوقف عند عام 1847م ، ولذلك الملاحظات الواردة في الفصل الرابع عن موقف الشيوعيين من مختلف الاحزاب المعارضة، فهي وان كانت صحيحة اليوم من حيث مبادئها ، الا أنها اصبحت عتيقة من حيث تطبيقها ، اذ أن الحالة السياسية قد تغيرت بتمامها، وقضي التطور التاريخي علي معظم الاحزاب المذكورة فيها).

   يواصل ماركس وانجلز ( والبيان مع كل هذا، وثيقة تاريخية لانملك حق تعديلها، وربما ارفقنا احدي طبعاته بمقدمة تستطبع ملء الفراغ بين عام 1847م واليوم، اما الطبعة الحالية فقد فوجئنا بها مفاجأة، ولم يكن لدينا الوقت الكافي لكتابة مقدمة لها وافية بهذا الغرض).

  هكذا عالج ماركس وانجلز بمنهجهما الديالكتيكي المتغيرات التي حدثت منذ صدور البيان الشيوعي وضرورة اخذ الخصائص والظروف والاوضاع المحلية في الاعتبار. وضرورة اعادة التحليل والدراسة بعد كل متغيرات تحدث، فالبرنامج ليس جامدا، بل يأخذ المتغيرات العالمية والمحلية في الاعتبار ويفقد جوانب قديمة ويكتسب جوانب جديدة.

   كانت الفكرة الرئيسية في البيان الشيوعي كما أشار انجلز في مقدمة له في 28/يونيو/1883م، بعد وفاة ماركس: أن الاوضاع الاقتصادية والبناء الاجتماعي الذي ينشأ منها، يؤلفان في كل عهد التاريخ السياسي والفكري لهذا العهد، ولذا فالتاريخ بأسره منذ زوال المشاعة البدائية وظهور الطبقات ، كان تاريخ الصراع بين الطبقات السائدة والمسودة في مختلف مراحل تطورها الاجتماعي ، ولكن هذا النضال وصل في المجتمع الرأسمالي الحالي الي مرحلة اصبحت فيها الطبقة العاملة(البروليتاريا) لاتستطيع ابدا أن تتحرر من نير الطبقة التي تستغلها ( البورجوازية) دون أن تحرر في الوقت نفسه ، والي الابد المجتمع كله من الاستغلال والاضطهاد ، ومن نضال الطبقات.

 كما استعرض انجلز التحولات التي حدثت في نضال الطبقة العاملة في مقدمة طبعة اول مايو 1890م، وأشار الي صحة الشعار الذي رفعه البيان الشيوعي(ان تحرير الطبقة العاملة يجب أن يكون من صنع الطبقة العاملة نفسها)، وليس بالنيابة عنها، كما اشار الي نمو وتقوية الروابط الاممية بين العمال منذ صدور شعار ياعمال العالم اتحدوا، وكذلك نضال العاملين في امريكا من اجل تخفيض ساعات العمل الي ثماني ساعات.

  فما هي المواضيع التي تناولها البيان؟.

 يشمل البيان الشيوعي المواضيع التالية: مقدمة، البورجوازيون والبروليتاريون، البروليتاريون والشيوعيون، موقف الشيوعيين من مختلف احزاب المعارضة.

   يبدأ ماركس وانجلز البيان بتوضيح الآتي: هناك شبح يجول في اوربا هو شبح الشيوعية، وقد اتحدت كل قوى اوربا العجوز في حلف مقدس لملاحقته والتضييق عليه، بحيث اصبح اى معارضة يتهمها خصومها القابضون علي زمام السلطة بالشيوعية، ومن كل ذلك استخلص ماركس وانجلز شيئين:

1 -       أن الشيوعية اصبحت قوة معترفا بها من جميع الدول الاوربية.

2 -       أن الشيوعيين قد آن لهم أن يعرضوا أمام العالم بأسره مفهوماتهم واهدافهم وميولهم، ويدحضوا شبح الشيوعية ببيان من الحزب، ولهذه الغاية اجتمع في لندن شيوعيون من مختلف القوميات ووضعوا البيان الشيوعي.

يبدأ ماركس وانجلز في البيان بتحليل اسلوب الانتاج الرأسمالي والذي طور القوي المنتجة بشكل لامثيل له في السابق، والذي يختلف عن اساليب الانتاج الاستغلالية السابقة( العبودي، الاقطاعي) بتوضيح: أن البورجوازية لاتعيش الا اذا ادخلت تغييرات ثورية مستمرة علي أدوات العمل ، أى علي اسلوب الانتاج ، اى علي العلاقات الاجتماعية بأسرها.

   ويلفت ماركس وانجلز النظر منذ وقت مبكر الي ظاهرة العولمة أو سيادة نمط الانتاج الرأسمالي علي نطاق عالمي بتوضيح:أن البورجوازية تغزو الكرة الأرضية بأسرها بدافع الحاجة الدائمة الي اسواق جديدة، فينبغي لها أن تدخل وتتغلغل في كل مكان وتوطد دعائمها في كل مكان ، وتخلق وسائل للمواصلة في كل مكان ، وباستثمار السوق العالمية ، تصبغ البورجوازية الانتاج والاستهلاك في كل الاقطار بصبغة كونية. وتنزع من الصناعية اساسها الوطني المحلي.فتنقرض الصناعات العتيقة أو تصبح علي وشك الانقراض وتخلي مكانها لصناعات جديدة يصبح ادخالها وتعميمها مسألة حيوية لكل الامم المتمدنة.

  هذا ويؤكد تطور التشكيلة الرأسمالية بعد 160 عاما صحة تحليل البيان الشيوعي، فقد جددت الرأسمالية نفسها باستمرار وخاصة بعد الثورة العلمية التقانية والتي طورت الانتاج بشكل لامثيل له في السابق من ناحية الكم الكيف، وتم تدويل عملية الانتاج بفضل نشاط الشركات متعدية الجنسية،وعلي سبيل المثال: اصبحت اجزاء العربة المارسيدس تصنع في اكثر من دولة، وظهر مايسمي باضراب العاملين في شركة واحدة من جنسيات وبلدان مختلفة، اضافة للعمالة الاجنبية مما يؤكد تدويل عملية الانتاج، وضرورة تضامن العاملين علي نطاق عالمي، فليس للعمال وطن كما يؤكد البيان الشيوعي، لأن عملية الانتاج في الراسمالية اصبحت كونية،   وتم تحول في تركيبة الطبقة العاملة التي اصبحت تضم العاملين بايديهم وادمغتهم والذين يتعرضون للاستغلال الرأسمالي، كما تعمقت تناقضات الرأسمالية والتي اهمها: التناقض بين الطابع الاجتماعي للانتاج والملكية الفردية لوسائل الانتاج بواسطة الشركات متعددة الجنسية، كما اصبح مركز العالم الرأسمالي يصدر لبلدان العالم الثالث الصناعات الملوثة للبيئة ورخيصة الايدي العاملة، اضافة لنهب فائض القيمة النسبي والمطلق من العاملين،كما ازداد تركز الثروة وتعمقت مشكلة البطالة وتصاعدت وتائر تدمير البيئة في الرأسمالية المعاصرة.وتأكد شعار: ياعمال العالم اتحدوا، الذي طوره لينين بعد دخول الرأسمالية مرحلة الاحتكارات وبرز نهب شعوب المستعمرات كمصدر من مصادر ارباح الشركات الرأسمالية، بشعار: ياعمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا.

   كما يؤكد تطور الرأسمالية المعاصرة صحة ما أشار اليه البيان الشيوعي وهو:أن الشرط الاساسي للوجود والسيادة بالنسبة للطبقة البورجوازية هو تكديس الثروة في ايدي بعض الافراد وتكوين رأس المال وانمائه، وشرط وجود المال هو العمل المأجور، والعمل المأجور يرتكز بصورة مطلقة علي تزاحم العمال الذين يتجمعون في اتحادات ثورية للصراع اجل حقوقهم السياسية والنقابية وتحسين احوالهم المعيشية والثقافية.

  ويختتم البيان الشيوعي هذا الجزء بقوله: ان البورجوازية تنتج قبل كل شئ حفاري قبرها، وأن التشكيلة الرأسمالية القائمة علي استغلال العاملين ونهب الشعوب مرحلة عابرة في التاريخ، وسوف يخرج من احشائها المجتمع الاشتراكي الذي يزيل استغلال الانسان لللانسان والاستلاب، وتحرر الطبقة العاملة نفسها والمجتمع بأسره من كل أشكال الاضطهاد والاستغلال.

    أما الجزء الثاني من البيان الشيوعي فيوضح المبادئ العامة لعلاقة الشيوعيين بالطبقة العاملة، ويشير الي أن الشيوعيين لايؤلفون حزبا خاصا معارضا لأحزاب العمال الأخري، وليست لديهم مصالح تفصلهم عن مجموع الطبقة العاملة، وهم لايناضلون بالنيابة عنها ولايريدون صوغها وحشرها في مبادئ خاصة.

 وأن الشيوعيين لايتميزون عن بقية احزاب العمال الا في نقطتين هما:

1 -       في مختلف النضالات الوطنية التي يقوم بها العاملون يضع الشيوعيون في المقدمة المصالح المستقلة عن الجنسية والعامة لمجموع العاملين.

2 -       في مختلف مراحل النضال بين العاملين والرأسماليين يمثل الشيوعيون دائما، وفي كل مكان المصالح العامة للحركة بكاملها.

وبالتالي، فان الشيوعيين من الوجهة النظرية يمتازون من بقية العاملين بادراك واضح لظروف حركة العاملين وسيرها واهدافها العامة، وأن هدف الشيوعيين المباشر هو الهدف نفسه الذي ترمي اليه احزاب العمال ، اى تنظيم العاملين في طبقة والاستيلاء علي السلطة السياسية والغاء الملكية البورجوازية التي تقوم علي استغلال واستنزاف وافقار العاملين.وأن الشيوعية كما يوضح البيان الشيوعي: (لاتسلب احدا القدرة علي تملك منتجات اجتماعية، ولكنها لاتنزع سوى القدرة علي استعباد عمل الغير بواسطة هذا التملك).

 ويدفع البيان التهم البدائية والمتخلفة عن أن الشيوعية تريد هدم العائلة واشاعة المرأة والملكية الشخصية الناتجة عن عمل وابداع الانسان، والغاء الوطن.

  ويشير الي أن ازالة استغلال الانسان للانسان يمحو معه كل استغلال للنساء واشاعة لهن في البغاء، كما هو جاري الآن في الغرب الرأسمالي، حيث اصبحت الان التجارة في الجنس من النشاطات المدرة لارباح هائلة، ويخلق العائلة المتحررة من الخوف، فالرأسمالية باسلوب انتاجها الذي ينتج ويعيد انتاج الفقر هو الذي يهدم العائلة وينسف استقرارها. ويقوى الروابط الحقيقية لشعوب وقبائل الارض لتتعارف ولتتبادل منافعها وثقافاتها، بدلا من اسلوب الرأسمالي الحالي الذي يهدف الي اشاعة ثقافة الرأسمالية التي تقوم علي الانانية ومحو الهوية والثقافة الوطنية للشعوب،والغاء الحدود الوطنية من خلال نشاط الشركات عابرة القارات، فاسلوب الانتاج الرأسمالي بطبيعته هو الذي جعل عملية الانتاج كونية، وقوى الروابط الاممية بين العاملين والتضامن العالمي ضد الاستغلال الرأسمالي الذي اصبح كونيا، كما يؤكد تطور الرأسمالية في مرحلة العولمة الحالية.

 ويختتم البيان الشيوعي هذا الجزء: بأنه علي انقاض المجتمع البورجوازي القديم بطبقاته وتناقضاته الطبقية يبرز مجتمع جديد يكون فيه تطور الفرد الحر هو الشرط لتطور المجموع الحر.

   تلك هي الافكار والمبادئ العامة التي اوضحها البيان والتي تابعها ماركس وانجلز بالدراسة والبحث العلمي الشاق كما في مؤلف ماركس وانجلز: الايديولوجية الالمانية، والتي تم فيه وضع الاكتشاف الاساسي للماركسية: الفهم المادي للتاريخ والذي استخدمه ماركس وانجلز خيطا هاديا ومرشدا وبمنهجه الديالكتيكي في مؤلفه:رأس المال والذي اكتشف فيه نظرية فائض القيمة التي اوضحت جوهر الانتاج الرأسمالي، وبذلك تحولت الاشتراكية الي علم( الماركسية)، والتي شكلت الأساس النظري للعاملين في نضالهم من اجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

  وفي الذكري ال 168 لصدور البيان الشيوعي، ما احوجنا للقراءة الناقدة للبيان الشيوعي والذي مازالت المبادئ العامة التي طرحها سليمة، وخاصة في ظل الواقع البشع الذي كرسته الرأسمالية في مرحلة العولمة الحالية.  

 ************************

 

محاضرة رقم(4)

 مدخل الي المنهج الديالكتيكي المادي

طبعة ثالثة منقحة:

 

المحتويات:

تقديم

مقدمة:

الفصل الاول:

مدخل الي المنهج الديالكتيكي المادي

الفصل الثاني:

الديالكتيك: أمثلة من الطبيعة والمجتمع

المصادر والمراجع

 

تقديم:

  يسرنا أن نقدم طبعة ثالثة منقحة من محاضرة( مدخل للمنهج الديالكتيكي المادي)، راعينا فيها اضافة الملاحظات التي وردت في مدارس المحاضرين الحزبيين والمرشحين والمناطق والفروع التي وصلتنا، كما ركزنا فيها علي شرح قوانين ومقولات الديالكتيك المادي من خلال امثلة من العلوم الطبيعية الحديثة والمجتمع، وردت في الفصل الثاني من المحاضرة، حسب الاقتراحات التي وصلتنا.

الهدف من هذه المحاضرة هو تقديم الديالكتيك بوصفه المنهج العلمي في أوسع معانيه ، الذي ينظر للظواهر في حركتها وتطورها وترابطها وبذهن مفتوح ، كما أن الهدف هو مساعدة المرشح علي استخدام هذا المنهج في التحليل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية وكطريقة علمية في البحث ، إضافة للتطورات الأخرى في مناهج العلوم الحديثة ، وبهذا يتم معالجة السلبيات في الطريقة السابقة التي كان يقدم بها الديالكتيك بطريقة مدرسية تنقب عن أصله وأنواعه وميادين استعماله ... الخ ، بعيدا عن اتخاذه مرشدا لدراسة وتحليل الواقع الملموس والعمل علي تغييره . ومعلوم أن ماركس وانجلز لم يضعا قواعد أو بيانا منهجيا عن الديالكتيك ، وإنما  استخدما الديالكتيك المادي في أبحاثهما ودراساتهما.

كما أن الهدف هو تأكيد جوهر الديالكتيك النقدي الثوري والذي يتمشي مع منهج العلم الذي لا يعرف النهائية والاكتمال والحقيقة المطلقة .

كما يفيد تعريف مصطلحات مثل المنهج ، النظرية ، المقولات ، الأيديولوجية ... الخ وتوضيح الفرق بين الأيدلوجية والعلم .

كما نوضح أن المحاضرة ليست نهاية المطاف في الديالكتيك المادي ، وانما الهدف منها حفز المرشح لمواصلة البحث والاطلاع والتدرج في استخدام المراجع ، والأهم من ذلك هو محاولة استخدام المنهج في التحليل والدراسة واستنباط الحلول للمشاكل اليومية والحزبية التي تواجه الزملاء ، أي استخدام المنهج الذي تتسع وتتنوع طرقه وأهمها تناول الظواهر بذهن مفتوح ، بدون وضع نتائج مسبقة تحقق رغباتنا ، كما يمكن أن نعطي أمثلة من تطور العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية ، ومن تجاربنا كاستخدام المنهج في تناول ثورة اكتو بر 1964 ، الثورة المهدية (راجع الفصل الثاني من المحاضرة). 

 

  كما حاولنا أن نبسط المحاضرة بقدر الامكان وشرح المصطلحات والمفاهيم، دون ابتذال للعلم والمعرفة، والذي يتطلب جهدا من الدارس في الفهم والاستيعاب.

 كما راعينا أن المحاضرة مدخل للمرشح( العضو الجديد) ، تهدف الي تعريفه بالاساسيات، وربط النظرية بالممارسة والعمل ،ثم بعد ذلك يواصل عن طريق التثقيف الذاتي، مع الاخذ في الاعتبار ان هناك مرشحين متقدمين، لاتشبع المحاضرة تطلعاتهم، وبالتالي علي المحاضرين ان يتعاملوا معهم من نقطة متقدمة، المهم بقدر الامكان نراعي التفاوت بين المرشحين، والفروق الفردية بينهم كما يقول علماء التربية، في طريقة التقديم، وباعتبار ان المحاضرة عبارة عن خطوط عامة، علي المحاضرين أن يرجعوا للمزيد من المصادر لتوضيحها وشرحها وتقريبها للمستمعين، باشكال متعددة ومتنوعة.

 تتكون المحاضرة من فصلين:

  • الفصل الاول: يتناول المدخل للمنهج الديالكتيكي المادي، وهو مدخل نظري.
  • الفصل الثاني: يركز علي امثلة للديالكتيك من الطبيعة والمجتمع، ويمكن للمحاضرين والدارسين ان يتوسعوا في المزيد من الامثلة التي ترفع من درجة استيعاب الموضوع.

 كما قدمنا عددا من المصادر والمراجع في نهاية المحاضرة بهدف مواصلة التثقيف الذاتي الذي يصقل الشيوعي ويوسع مداركه السياسية والفكرية، اضافة الي أنه من واجب الشيوعي(المثابرة علي التثقيف الذاتي) والإنخراط في النشاط العملي الذي يساعد في إستيعاب النظرية وتطويرها، كما جاء في لائحة الحزب، ولصعوبة وجود المراجع في السوق اعطينا موقعين في الانترنت يمكن زيارتهما للوصول للمراجع والمصادر.

 ونامل ان تصلنا المزيد من الملاحظات حتي نضمنها الطبعة القادمة.

                                                                مكتب التثقيف المركزي

                                                                 سبتمبر 2016 م

 

مدخل الي المنهج الديالكتيكي المادي:

 

مقدمة:

قبل دراسة المنهج الديالكتيكي أو المنهج العلمي في اوسع معانيه، يبرز السؤال : ماهو المنهج؟ وماهي النظرية العلمية؟ وما هي الايديولوجية؟ وماهي المفاهيم والمقولات؟

أولا: المنهج:

هناك تعريفات كثيرة للمنهج اهمها: هو الطريقة التي يسترشد بها الباحث في دراسته، بحيث يتيح له أن يكتشف حقائق جديدة يضيفها الي تراث الانسان العلمي.

 علي أن المنهج ليس جامدا ، بل يتطور ويغتني مع تطور العلوم وتقدم التحليل المنطقي والرياضي والاكتشافات العلمية والانجازات التكنولوجية وتطور المعرفة ، كما أن المنهج لايشكل ضمانا من حدوث الاخطاء، ولكن في حالة حدوث الاخطاء يتم الاعتراف بها وتحليل الاسباب التي قادت لها ونقدها وتصحيحها.

ثانيا: النظرية العلمية:

أما النظرية العلمية فهي حقيقة علمية أو مجموعة من الحقائق التي توصل اليها الباحث بمساعدة طريقة ما ، يختارها هو بوعي أو بغير وعي وتتكون النظرية العلمية من عناصر تشمل الآتي:-

أ – قابلة للاثبات أو التحقيق من خلال وقائع محددة.

ب- تخضع للنقد الموضوعي.

ج- تقبل التعديل والتطوير.

د- قابلة للدحض.

ه- النظرية ترشد الممارسة التي بدورها تغني وتطور النظرية.

 وبعبارة اخري، ان النظريات العلمية أو القوانين العلمية ماهي الا تقريرات تعبر عن الانتظامات في الاشياء باكبر دقة ممكنة ، وانها تستخدم لتفسير الوقائع التي تمت معرفتها ، كما تستخدم للتنبؤ بالوقائع التي لم تعرف بعد، وعندما تعجز النظرية عن تفسير ظواهر جديدة تظهر نظرية جديدة تعمل علي تفسيرها، وكل نظرية جديدة تستند علي منجزات النظريات السابقة وتبني عليها، وهكذا تتطور المعرفة.

 على ان العلم ليس ضمانا من حدوث الاخطاء ، كما ان للعلم تقاليده وآدابه والتي يمكن تلخيصها في الآتي:-

أ‌-          حظر الوصاية علي التفكير العلمي ، حتي لو صدرت من مختص.

ب‌-       الاعتراف باحتمال وقوع العلماء في الخطأ ، بشرط تحليل الاخطاء والتعلم منها بدل التستر عليها، وممارسة عملية النقد والنقد الذاتي.

ت‌-       احترام الباحث في العلم لحرية الآخرين في النقد والاعتراف بحقهم في تنبهيه الي اخطائه، فذلك ادعي الي تصحيحها من الاكتفاء بالنقد الذاتي.

ث‌-       الا يكون اهتمام المشتغل في العلم تنبيهه الآخرين الي اخطائهم شاغلا له عن الاهتمام باخطائه هو.

(انظر ارنست ماير: هذا هو علم البيولوجيا( الكويت 2002، ص 60).

كما ان المهمة الاولى للعلم هى بالتاكيد استكشاف الحقائق وهذا ما يميزه عن الفلسفة. في العلم تكون الاجتهادات متجددة وليست هناك حقيقة نهائية، والاختلاف في الرأى يكون السمة الغالبة في كل زمان ، كما ان من سمات العلم الانفتاح لقبول التحديات والاستعداد لتنحية أي اعتقاد شائع عند ظهور ما هو اصح منه ، وذلك من اهم الفروق بين منهج العلم والجمود العقائدي.

ثالثا: الايديولوجيا:

  تعريف الايديولوجيا كما جاء في معجم العلوم الاجتماعية والفلسفية (هي مجمل التصورات والافكار والمعتقدات وطرق التفكير لمجموعة امة او طبقة أو فئة اجتماعية أو طائفة دينية أو حزب سياسي، وتكون الايديولوجيات عادة مشروطة ومحددة بالظروف المناخية والعادات)  ( انظر معجم العلوم الاجتماعية والفلسفية، نيويورك 1944م، ص 149).

وفي قاموس الياس العصري(1985م) ترد كلمة ايديولوجيا Ideology، بمعني : فن البحث في الافكار والتصورات أو الفكريات.

مفهوم الايديولوجيا في الادبيات الماركسية:

وفي مؤلفات ماركس وانجلز يرد تعبير الايديولوجيا بالمعاني الآتية:

  • في مؤلف “الايديولوجيا الالمانية” لماركس وانجلز يرد: ( الايديولوجيا والبناء العلوي الايديولوجي، بأنها تقلب الأشياء رأسا علي عقب). (خيالات)، ( الصور الكاذبة التي يرسمها الناس عن انفسهم).(آراء تبرر الأوضاع الاجتماعية الخاصة).(مذهب)، (انتاج عقلي مباشر)، ( الدين).

 

  • وفي “بؤس الفلسفة لماركس” و”البيان الشيوعي” لماركس وانجلز يرد بالمعاني التالية: ( يتضمن كل العلوم الانسانية وخاصة العلوم الاجتماعية، بما فيها الاقتصاد السياسي والتاريخ). (برامج وتصريحات الاحزاب السياسية المختلفة).(التصويرات والآراء وردود الأفعال السيكولوجيا). (أماني مختلف الطبقات الاجتماعية).

 

  • وفي “نقد الاقتصاد السياسي” لماركس يرد بالمعني الاتي: (الأبنية الايديولوجيا العليا، كل الاعمال الثقافية، القانون، الأخلاق ، الاستطاطيقا، اللغة والمعارف الفلسفية والعلمية، وكل المذاهب والمواقف الاجتماعيةوالسياسية، وكل المنتجات الفكرية والاحوال والافعال النفسية التي تميز الوعي الطبقي أو الوعي الفردي).

 

  • وفي “بؤس الفلسفة ” ايضا يخلص ماركس الي أنه ( لكي يتدعم كيان الطبقة، لابد أن يتحول الوعي الطبقي الي ايديولوجية طبقية، وان يتشكل الاثنان في خدمة الصراع الطبقي).

 

  • وفي كتابه “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت “، يشير ماركس الي الاتي( يقوم فوق اشكال الملكية وظروف الحياة الاجتماعية بناء علوي من الانطباعات والاوهام وأساليب التفكير والمفاهيم الفلسفية الخاصة والطبقة باجمعها هي التي تخلق هذه الاشياء وتشكلها وفقا لظروفها المادية والعلاقات الاجتماعية المقابلة لها، وقد يتخيل الفرد الذي يتلقاها عن طريق العرف أو التربية انها تشكل الأسباب الحاسمة لنشاطه ونقطة البداية لهذا النشاط، وكما أن الانسان يميز في حياته الخاصة بين مايقوله الناس عنه أو يفكرون بشأنه، وبين حقيقة شخصه، وما يؤديه بالفعل، فانه يجب التمييز اكثر من ذلك في الصراعات التاريخية بين اقاويل الاحزاب وادعاءاتها وبين تكوينها ومصالحها الحقيقية، وكذا بين ما تتخيله عن نفسها وبين ماهي عليه في واقعها).

 

  • وفي مؤلفه “لودفيج فورباخ ونهاية الفلسفة الالمانية الكلاسيكية” يحدد انجلز اشكال الايديولوجيا علي النحو التالي: ( ان القرون الوسطي الحقت بعلم اللاهوت جميع الاشكال الأخري للايديولوجيا: الفلسفة، السياسة، وعلم الحقوق وجعلت منها – اي هذه الاشكال- اقساما تابعة لهذا العلم(اللاهوت)، ولذا اضطرت كل حركة اجتماعية وسياسية أن تتخذ شكلا دينيا، وكانت كل حركة لكي تحدث اثرها في الجماهير المحشوة بالغذاء الديني وحده مضطرة أن تقدم لهذه الجماهير مصالحها الخاصة بها في لباس ديني).

 

  • كما يحدد الفيلسوف الماركسي الفرنسي التوسير في مؤلفه “من اجل ماركس” الفرق المنهجي بين الايديولوجيا والعلم يقول : ( وليس ثمة مجال للتساؤل حول تقديم تعريف دقيق للايديولوجيا، يكفي القول علي نحو تخطيطي جدا بأن الايديولوجيا هي نظام – يملك اتساقه المنطقي الخاص- من التمثلات، الصور أو الاساطير أو الافكار أو المفاهيم حسبما تكون الحالة، له وجوده ودوره في مجتمع معين، والايديولوجيا كنظام من التمثلات يتميز عن العلم بأن وظيفته العملية الاجتماعية ترجح وظيفته النظرية- أو وظيفة تقديم المعرفة).

 

-  وفي مؤلفه:” دراسات في الواقعية الاوربية” يقول الفيلسوف الماركسي المجري جورج لوكاتش( الماركسية تبحث عن الجذور المادية لكل ظاهرة وتلاحظها في علاقاتها وحركتها وتكشف عن تطوراتها عبر مراحلها المختلفة، وهي في هذا السبيل تنتزع كل ظاهرة من الضباب اللاعقلي والعاطفي والغامض، وتدفع بها الي ضوء الفهم الباهر).

 * مما سبق نلاحظ التباين في تناول ماركس وانجلز وبقية المفكرين الماركسيين للايديولوجيا، فماركس وانجلز تناولا الايديولوجيا بمعاني سلبية وغير مرغوب فيها مثل: (صور كاذبة يرسمها الناس عن نفسهم)، ( أراء تبرر الأوضاع القائمة)، وبالتالي، فان ماركس وانجلز كانا يهدفان الي نقد الاوضاع الرأسمالية القائمة وعدم تبريرها عكس الايديولوجيا البورجوازية التي تحاول تبريرها والابقاء عليها، وبالتالي، فان ماركس حاول أن يوضح الصورة الحقيقية والصادقة والتي تنير الطريق لتحرير الطبقة العاملة والكادحين من كل اشكال الاستغلال.

النقطة الهامة التي أشار اليها ماركس في مؤلفه(بؤس الفلسفة): انه لكي يتدعم كيان الطبقة، لابد ان يتحول الوعي الطبقي الي ايديولوجية طبقية، وأن يتشكل الاثنان في خدمة الصراع الطبقي. وعليه لايمكن تناول البرامج وقضايا الصراع الطبقي بمعزل عن الوعي الطبقي والايديولوجية الطبقية.

بالنسبة للطبقة الرأسمالية، فأن ايديولوجيتها تبرير الاوضاع القائمة، وبالتالي ترسم صور زائفة عن هذا الواقع.

اما بالنسبة للطبقة العاملة، فان مصلحتها في تغيير هذا الواقع، وبالتالي مصلحتها في امتلاك صورة حقيقية عنه، حتي تفهمه وتعمل علي تغييره، وبالتالي، فان ايديولوجية الطبقة العاملة تتسق مع العلم.

علي أن النقطة الجديرة بالاعتبار والتي أشار اليها ماركس في مؤلفه: “الثامن عشر من بروميرلويس بونابرت” ( يجب التمييز اكثر في الصراعات التاريخية بين أقاويل الاحزاب وادعاءاتها وبين تكوينها ومصالحها الحقيقية، وكذلك بين ما تتخيله عن نفسها وبين ماهي عليه في واقعها).

 

اذن القول بزوال الايديولوجيا وتقليل الحمولة الايديولوجية هو نفسه موقف ايديولوجي هدفه اشاعة المواقف الضبابية واللاعقلية والغامضة، بهدف التخلي عن الماركسية وطبيعة الحزب الطبقية وتبرير الاوضاع القائمة، والابقاء علي الاوضاع الرأسمالية التي تكرس الثروة في يد قلة والاستغلال البشع والمزيد من الافقار للكادحين ونهب ثروات شعوب العالم الثالث، وكبح تطلعاتها من أجل التنمية والديمقراطية والسلام والاستقرار.

اذن الماركسية ليست عقيدة جامدة ، ولكنها تغلب جانب العلم والمعرفة الحقيقية بالاوضاع القائمة من اجل فهمها وتغييرها. ، وهذا ماميز الماركسية ومنهجها “الديالكتيكي المادي” عن بقية الفلسفات السابقة لها، أن الماركسية تسعي لفهم العالم من اجل تغييره يقول ماركس: ( كل ماقام به الفلاسفة هو تفسير العالم بطرق مختلفة ، ولكن المطلوب تغييره). فالماركسية لاتبتدع مذهبا أو (ايديولوجيا) كما فعلت الفلسفات السابقة ، ثم تحاول أن تجعل كل شئ متلائما معه، ولكنها تتوسل للتغيير بدراسة الواقع، تلك الدراسة المنبثقة من الخبرة والممارسة، فالنظرية ترشد الممارسة والممارسة تغني النظرية.

رابعا: المفاهيم (المقولات):

 لكل علم منظومة من المفاهيم خاصة به وومميزة له، علي سبيل المثال في علم الميكانيك نجد مفاهيم أو مقولات مثل: الكتلة، الطاقة، ...الخ. علي أن المفاهيم (المقولات) قابلة للتطور ، ولايمكن للنظريات العلمية أو القوانين العلمية أن تكون دقيقة علي الاقل، لأن المفاهيم أو المقولات يمكن أن تتطور ، أى تظهر مفاهيم ومقولات جديدة تعبر عن نظرية علمية أو قانون علمي جديد يكون اكثر دقة من السابق.

المنهج تطور العلوم:

التطورات الراهنة في العلوم الطبيعية والاجتماعية والانسانية جعلت العالم يعيش اليوم في ثورة غير مسبوقة في تلك العلوم، وهذه الثورة تتطلب النظرة الشاملة للواقع وعدم الرؤية الآحادية له. كما تؤكد ثورة العلم والتكنولوجيا وحدة كل من الطبيعة والمجتمع والانسان. كما تؤكد ثورة العلم والتكنولوجيا علي ضرورة التعامل مع الواقع بذهن مفتوح ونبذ فكرة الحقيقة المطلقة والنهائية والتي تتعارض مع روح ومنهج العلم، فما ان تحل نظريات جديدة مشكلات قائمة أو تفسر ظواهر معينة حتي تظهر مشكلات جديدة اخري تحتاج لتفسير جديد أو اجابات جديدة. وهكذا تتطور النظرية العلمية والمعرفة.

 علي أن منهج العلم لايتعارض مع النظرية العلمية، فهو يؤكد أن النظريات العلمية الجديدة تستند علي منجزات النظريات السابقة وتكمل جوانب نقصها. وبعبارة اخري ، أن النقد للماضي لايعني تدمير منجزاته الايجابية والبداية من الصفر، وهكذا تتراكم التجارب والخبرات، كما ان الحقيقة التي يتم اكتشافها بالبحث لاتكون بالضرورة الحقيقة كلها أو الحقيقة النهائية عن الحياة والكون. وكلما اكتشفنا حقائق جديدة وقمنا بصياغة نتائج ، فان معارفنا تزيد وتراجع بصفة دائمة، وهذا هو مدخلنا للمنهج الديالكتيكي في هذه المحاضرة:

 

الفصل الاول

المنهج الديالكتيكي

 

اولا:ماهو الديالكتيك؟

اصل الكلمة (ديالكتيك) مستمدة من الكلمة اليونانية(Dialogue) وتعني النقاش أو المجادلة

أو( تقابل الناس سويا من اجل الحوار)، والغاية من الحوار الاقناع، والاقناع يستند علي برهان، ولهذا قيل عن الديالكتيك: أنه فن البرهان.

 اذن الديالكتيك قديم، ويقال أن الفيلسوف اليوناني زينون الايلي هو الذي ابدع فن الديالكتيك، كما اشار ارسطو. كما كان الفيلسوف اليوناني ابيقور يرى (الاشياء كلها في حالة حركة) ، وهيراقليطس كان يشير الي (وحدة الحركة والمادة).

 

وكان الديالكتيك يعني في العهد الاول من الفلاسفة الوصول الي الحقيقة باكتشاف المتناقضات التي يتضمنها استدلال الخصم ,وكان الجدل وتصادم الاراء عندهم وتصادم الاراء خير وسيلة لاكتشاف الحقيقة .

وكان للفلاسفة اليونان اراء مختلفة في تعريف الديالكتيك :

يري هيراقلطيس ان الديالكتيك عبارة عن توافق الاضداد في الفكر والاشياء علي منهج واحد . ويعتبر هيراقلطيس عند المادية المحدثة رائد الديالكتيك الاول فهو يرجع اصل الاشياء لشيء واحد وهو النار. , ويري ان التناقض هو اساس الوجود .

والديالكتيك عند زينون فن المناقشة وان الديالكتيك يشير الي صفحة سلبيه بحيث يقع المناقش في التناقض .

ويري سقراط ان الديالكتيك قائم علي منهج فلسفي بالحقائق , بالتدرج وصولا الي الحقائق المطلقة وعليه فان الفكر يأخذ من التشخص الي المجرد والعكس وكذلك من الكلي الي الجزئي والعكس ولذلك فالجدل عنده منهج استقرائي .

والديالكتيك عندافلاطون هو مناقشة النفس مع ذاتها اي هو حياة النفس من المحسوس الي المعقول .

وبذلك يكون الديالكتيك عند فلاسفة اليونان هو المنهج العقلي للحصول علي كشف الحقائق من خلال التناقض الذي يصطدم فيه الخصم مع ملاحظة دحض الحجة والقضاء عليها ومن خلال وقوع الخصم في التناقض والوصول الي الحقائق انبثق مذهب التناقض في المنهج الديالكتيكي.

 

 كما ظل الديالكتيك متداولا بين الفلاسفة العرب في العصور الوسطي والذين كانوا ينظرون للاشياء في شمولها وتطورها وحركتها، ويوردون عبارات مثل: ( بضدها تتميز الاشياء)، و(الشئ يظهر حسنه الضد).وابن خلدون، الذي يعتبر من المؤسسين لعلم الاجتماع، كان ينظر الي المدنيات أو الحضارات أو الامم في حركتها، اى في نشؤها وتطورها وانحطاطها وزوالها، وانبعاثها من جديد.

 علي ان الديالكتيك تطور علي يد الفيلسوف الالماني هيغل(1770- 1831م)، الذي بسط قوانين الديالكتيك الثلاثة بطريقته المثالية علي انها قوانين للفكر وحده.

  وتم توسيع مفهوم الديالكتيك بالمعني الفلسفي علي يد ماركس وانجلز واصبح يعني:

 (علم القوانين العامة لحركة وتطور الطبيعة والمجتمع الانساني والفكر).

 يقول انجلز في مؤلفه ديالكتيك الطبيعة: (ان المقولات الديالكتيكية غيبية الطابع عند هيغل الذي يصوّرها أولية، أما ديالكتيك العالم الواقعي عنده، فليس الا ظلالها، ولكن الامر في الحقيقة هو علي النقيض من ذلك ، ان ديالكتيك الفعل ليس الا انعكاسا لاشكال حركة العالم الواقعي للطبيعة والتاريخ علي السواء).

 يواصل انجلز ويقول: ( اذن من تاريخ الطبيعة وتاريخ المجتمع البشري استخلصت قوانين الديالكتيك، وهذه القوانين ليست سوى القوانين الاكثر عمومية لهاتين المرحلتين من التطور التاريخي ، وكذلك للفكر ذاته ايضا، وفي الحقيقة، فانها ترجع في جوهر الامر الي القوانين الثلاثة الآتية:

  • قانون وحدة وصراع الاضداد
  • تحول الكم الي كيف.
  • قانون نفي النفي.

هذه القوانين  الثلاثة كلها بسطها هيغل بطريقته المثالية علي انها قوانين للفكر وحده.

 ان الخطأ يكمن في أن هذه القوانين لم تستنتج من الطبيعة والتاريخ، بل فرضت عليهما من فوق علي انها قوانين للفكر، فاذا قلبنا الأمر يصبح كل شئ بسيطا. وبذا تم وضع الديالكتيك علي قدميه بعد أن كان واقفا علي رأسه عند هيغل)( انجلز: ديالكتيك الطبيعة).

ثانيا: ما هي سمات وخصائص المنهج الديالكتيكي؟

 يتسم المنهج الديالكتيكي بكونه يتناول الاشياء وانعكاساتها الفكرية في علاقاتها المتبادلة، وفي تشابكها، وفي حركتها، وفي شمولها ، وفي نشؤها  وتطورها ثم زوالها، وهو طريقة في البحث ومنهج علمي في التفكير.

 وكان دور هيغل الكبير أنه قدم لأول مرة كل العالم الطبيعي و التاريخي والروحي في شكل عملية، اى في حالة حركة مستمرة وتغير وتحول وتطور ، ويحاول ان يكشف عن الترابط الداخلي لهذه الحركة والتطور.

 يقول انجلز في مؤلفه( انتي دوهرينغ): ( كل كائن عضوي هو نفسه وليس نفسه، وهو في كل لحظة تموت بعض خلايا جسمه وتتكون خلايا جديدة ، وعلي مدي معين، طال ام قصر ، تتجدد تماما مادة هذا الكائن وتحل محلها ذرات جديدة من المادة، ولهذا، فان كل كائن عضوي هو نفسه وليس نفسه).

  وهذا هو جوهر المنطق الديالكتيكي، الذي يتعارض مع المنطق الصوري أو الشكلي الذي يقوم علي مبدأ عدم التناقض، فالشئ هو نفسه لايتغير في المنطق الشكلي أو الصوري، عكس المنطق الديالكتيكي الذي ابتدعه هيغل الذي يري الشئ في حالة حركة وتجدد دائمين، فالشئ هو نفسه وليس نفسه.

منهجية للبحث العلمي:

 من سمات الديالكتيك ايضا، أنه منهجية للبحث العلمي ، اعتبر لينين (رأس المال) لكارل ماركس مثالا للبحث العلمي الاصيل في ضوء المنهج الديالكتيكي.وأشار لينين الي ان ماركس لم يترك لنا مؤلفا في المنطق الديالكتيكي، بل ترك لنا منطق رأس المال.

 كما يقول انجلز: ( في كل ميدان – سواء في الطبيعة او التاريخ – يجب الانطلاق من الوقائع المعطاة لنا).

 يواصل انجلز ويقول: ( عادة ما تكون الاكتشافات العلمية هي تلك الانتقالات من التحولات الكمية( من ميدان المادة الوقائعية) الي الكيفية( في ميدان التناول النظري للمادة الوقائعية وتفسيرها وتعميمها).

 كما يقول لينين(ما اسماه ماركس وانجلز المنهج الديالكتيكي ليس شيئا اكثر او اقل من المنهج العلمي في علم الاجتماع الذي يتألف من اعتبار المجتمع كائنا حيا في حالة دائمة من التطور، يتطلب دراسته تحليلا موضوعيا لعلاقات الانتاج التي تشكل التشكيلة الاجتماعية المعينة وبحثا لقوانين عملها وتطورها(لينين: من هم اصدقاء الشعب وكيف يحاربون الاشتراكيين الديمقراطيين؟ - الجزء الاول).

 اذن الديالكتيك :

  • يعني المنهج العلمي في اوسع معانيه.
  • يتعارض مع التصورات المسبقة أو الجاهزة التي يجب أن تلائم كل الاشياء داخل نموذجها.
  • التحليل الملموس للواقع الملموس، ودراسة الواقع بذهن مفتوح بهدف معرفته واستيعابه للتاثير فيه وتغييره الي الافضل.
  • في جوهره نقدي وثوري .

ثالثا: ماهو الفرق بين المنهج الديالكتيكي والميتافيزيائي؟ .

  • المنهج الديالكتيكي كما اشرنا سابقا ينظر للظواهر في :

1- في ترابطها وشمولها.

2- في حركتها وتطورها وفنائها ( وأن الحركة هي عبارة عن وحدة وصراع الاضداد والتحول من كم الي كيف).

3- التطور من داخل الاشياء( نفي النفي أو ميلاد شئ جديد).

  • اما المنهج الميتافيزيائي: عكس المنهج الديالكتيكي ينظر للظواهر في :

1 -  في سكونها والنظرة الاحادية.

2 - يعتبر التطور مجرد زيادة أو نقصان.

3 - التطور من خارج الاشياء.

 رابعا:الديالكتيك والممارسة:

ولكن ما الذي يميز الماركسية ومنهجها الديالكتيكي عن بقية الفلسفات؟

 ما يميز الماركسية ومنهجها الديالكتيكي المادي عن بقية الفلسفات السابقة لها، أن الماركسية تسعي لفهم العالم من اجل تبديله تغييره. يقول ماركس ( كل ماقام به الفلاسفة هو تفسير العالم بطرق مختلفة ، بيد أن القضية هي تغييره)( ماركس موضوعات عن فورباخ رقم(11)). وبالتالي، فان الماركسية ومنهجها الديالكتيكي ، لاغنى عنه للمناضلين الثوريين الذين يستهدفون تغيير وتجديد مجتمعهم الي الافضل.

 فالماركسية لاتبتدع مذهبا كما فعلت الفلسفات السابقة، ثم تحاول أن تجعل كل شئ متلائما معه، ولكنها تتوسل للتغيير بالدراسة الواقعية للاشياء ، تلك الدراسة المنبثقة من الخبرة والممارسة، فالنظرية ترشد الممارسة والممارسة تغني النظرية، كما كان يقول الشاعر الالماني جوته: النظرية رمادية وشجرة الحياة مخضرة دوما.

 كما تعطي الماركسية اهمية لنشاط الناس الواعي وصراعهم من اجل التغيير والتجديد ، من هنا كان نقد الماركسية للمادية الميكانيكية التي ترى أن بيئة الانسان وتربيته هي التي تحدد ماهيته ، شخصيته ونشاطه ، ومن هنا اعلنوا أنه لايكفي لكي نجعل الناس افضل واسعد واكثر معقولية ان نضعهم في ظروف افضل وان تقدم لهم تربية افضل. لكن ماركس يجيب علي ذلك بقوله ( ان المذهب المادي الذي يقول ان الناس نتاج ظروفهم وتربيتهم، وبالتالي ان الظروف المتغيرة والتربية المتغيرة ستخلف اناسا متغيرين . ان هذا المذهب ينسي أن الناس بالتحديد هم الذين يغيرون الظروف ، وان الذي يعلم يجب عليه أن يتعلم هو ايضا)(ماركس: موضوعات عن فورباخ(3)).

 

خامسا:العلاقة الديالكتيكية بين المادة والوعي:

ما هي المادة؟

تعّرف المادة بانها الواقع الموضوعي والمستقل عن ذاتنا، اى الاجرام والاجسام المحيطة بنا والعمليات الميكانيكية والكيميائية والفسيولوجية..الخ، وتتنوع أشكال المادة مثل:

1 -  الاجسام المتناهية في الكبر والصغر مثل ( النجوم، الكواكب، الذرة، الالكترونات، البروتونات..الخ).

2 -  الاشعة(الراديو، اشعة اكس...).

3- الطاقة مثل( الذرية، الكهربائية، المائية..الخ).

4 - الحقول(الجاذبية، الذرية، الكهربائية،..الخ).

 ماهو الوعي؟

اما الوعي فيعرّف بانه مجمل الافكار والمشاعر والاحاسيس والانطباعات بواسطة الحواس الخمس، ويرتبط الوعي بالعمل واللغة والتفكير ، وكل منها يختلف في علاقته بالوعي.

أشارت الماركسية الي اسبقية المادة علي الوعي، ولكن للوعي استقلاله النسبي ويعمل علي تغيير المادة ويعيد تشكيلها ، اذن العلاقة بين المادة والوعي ديالكتيكية ومتبادلة ومتشابكة وليس هناك فصل ميكانيكي بين المادة والوعي.

وحدة المادة والحركة والزمان والمكان

يؤكد الديالكتيك وحدة المادة والحركة، وان المادة في حالة حركة وتغير دائمين، ولايمكن تصور الحركة بدون مادة، أو مادة بدون حركة.

  كما يؤكد الديالكتيك أن المكان والزمان لاينفصلان عن المادة، ومعلوم أن المكان يعبر عن مقاييس معينة(الطول، العرض ، الارتفاع، الزاوية المعينة..الخ).

 والزمان هو تواتر الظواهر المادية المتعاقبة بعضها اثر البعض الآخر(علاقات زمانية).

 وكان الفهم القديم علي ايام (نيوتن) أن الزمان مطلق والمكان مطلق، ولكن النظرية النسبية لاينشتين اكدت وحدة المكان والزمان والمادة والحركة.

سادسا:المفهوم الديالكتيكي للتطور:

اشرنا سابقا الي أن قوانين الديالكتيك هي:

  • وحدة وصراع الاضداد
  • تحول التغيرات الكمية الي تغيرات كيفية.
  • نفي النفي.

الماركسية لاتقتصر علي تأكيد حقيقة أن كل شئ في العالم يمر بعملية من التطور ، فما اكتشفته الماركسية هو كيف نفهم ونفسر هذا التطور بطريقة مادية؟.

 ينظر الديالكتيك المادي للكون لا علي أنه ثابت لايتغير ، بل علي انه في عملية تطور مستمر، وهو لاينظر الي هذا التطور كعملية هادئة مستمرة لاتنقطع ، بل كعملية تفترض فيها مراحل التطور التدريجي ، انقطاعات في استمرارها بوثبات فجائية من حالة الي اخري ، وهي تبحث عن تفسير حركة الكون هذه وقوتها المحركة داخل العمليات المادية ذاتها في التناقضات الداخلية والاتجاهات المتضادة المتنازعة التي تعمل في كل عمليات الطبيعة والمجتمع.

 يقول لينين:( الفكرة الأساسية للمادية الديالكتيكية هي ادراك الاتجاهات المتضادة التي تنفي بعضها البعض في كل ظواهر وعمليات الطبيعة ، فهذا وحده يزودنا بمفتاح الحركة الذاتية وانقطاع واستمرار التحول الي الضد ودمار القديم، وبزوغ الجديد، والديالكتيك بالمعني الصحيح دراسة التناقض في جوهر الاشياء ذاتها، فالتطور هو صراع الاضداد).

 اضافة لصراع الاضداد هناك قانون تحول التغيرات الكمية الي تغيرات كيفية، وقانون نفي النفي، والواقع انها عمليات مترابطة لايمكن الفصل بينها.

فقانون تحول التغيرات الكمية الي تغيرات كيفية يوضح أن كل تغير له جانب كمي، اى جانب من مجرد الزيادة والنقصان لايغير من طبيعة ما يتغير، لكن التغير الكمي ، الزيادة أو النقصان ، لايمكن أن يستمر الي مالانهاية، فعند نقطة التحول هذه أو النقطة الحرجة كما أسماها هيغل ، يحدث التغير الكيفي بشكل مفاجئ نسبيا عن طريق الوثبة اذا جاز التعبير مثال: غليان الماء وتحولة الي بخار عند درجة 100مئوية.

 ويقود هذا الي قانون النفي، فالنفي في الفهم الديالكتيكي له هو نفي يبقي علي كل انجازات القديم وجوانبه الايجابية وعناصره القابلة للحياة والاستمرار.

 اما نفي النفي، فياخذ الشكل الحلزوني (اللولبي)، فلا يعود بنا الي نقطة البدء الاصلية، انه يأخذنا اماما الي نقطة بدء جديدة هي النقطة الأصلية بعد أن رفعت – خلال نفيها ونفي نفيها – الي مستوى اعلي، هكذا نرى أنه يمكن في مجري التطور وكنتيجة لنفي مزدوج أن تكرر مرحلة اقدم، لكنها نكررها علي مستوى اعلي من التطور.

سابعا:مفاهيم أو مقولات الديالكتيك المادي:

مفهوم المقولة :

لكل علم مقولاته الخاصة، فللاقتصاد مقولاته مثل ( السلعة، النقود، القيمة، القيمة المضافة ...) ولعلم الأحياء مقولاته مثل ( الكائن العضوي، الوسط، التمثل، الوراثة .. ) وللقانون مقولاته كـ ( القانون، المعيار القانوني، المرسوم، المخالفة، العلاقة القانونية .. الخ ) ،

وللفلسفة أيضا مقولاتها ، لكن مقولات الفلسفة تتميز عن مقولات العلوم الخاصة كالقانون او البيولوجيا أو القانون ، وهذا الاختلاف يكمن في أنها لا تعكس مجرد العلاقات والخصائص الأساسية ، بل الخصائص والعلاقات الكلية ، أي تلك الواقعة في كل ظواهر الواقع والمعرفة،

ومن هذه المقولات الفلسفية : الفردي والعام / الكم والكيف / السبب والنتيجة / المضمون والشكل / الضرورة والمصادفة / القانون / الجوهر والمظهر ، والتناقض .

 

* وتعتبر هذه المقاولات مراحل في تطور المعرفة ، فالانسان مواجه بشبكة من الظواهر الطبيعية، الانسان البدائي ( الغريزي) لا يميز نفسه عن هذه الطبيعة، والانسان الواعي يميزها، والمقولات هي مراحل هذا التمييز، أي مراحل معرفة العالم.

 

* وهي أيضا ( المقولة ) شكل من أشكال التفكير ، تقوم بدورها كوسيط لفهم مادي فعلي تم اكتسابه عن طريق البحث العلمي والتغيير العملي للواقع .

عن الترابط الداخلي للمقولات :

 

حسب منهج الديالكتيك المادي، فإن الأشياء والموضوعات المادية تترابط فيما بينها ترابطا كليا داخليا ، ومتبادلة الاعتماد، وهي في تفاعل دائم إحداها مع الاخريات، وفي ظل ظروف معينة تنتقل إحداها إلى الأخرى،

ولهذا السبب يجب ان ندرس المقولات لا كلا على حدة ولا إحداها إلى جانب الاخرى، ولكن في ترابطها وتبادلها الاعتماد الطبيعي، من حيث الروابط الضوررية في نظام منطقي واحد تشغل فيه كل مكانها المحدد.

 

والفلسفة الماركسية هي التي قدمت الحل المادي والعلمي المتسق لمشكلة الترابط الداخلي للمقولات ، فقد طورها ماركس باستفاضة بالنسبة للاقتصاد السياسي في كتابه "رأس المال"، وطبقّها لينين على الفلسفة في " دفاتر فلسفية".

 

رأى لينين ان المقولات هي الاشكال الكلية التي تعكس الواقع ومراحل تطور المعرفة الاجتماعية والممارسة، واستنتج ترابطها الداخلي من القوانين التي تحكم الوجود والمعرفة، واعتبر ان علاقتها تعكس علاقة الجوانب والترابطات الكلية في الواقع، ومن ثم فهي تعبر عن التطور الضروري للمعرفة من المراحل الادنى للمراحل الأرقى.

 

وجدير بالتذكير بان ظهور المقولات الجديدة مرهون بتطور المعرفة كما ذكرنا سابقا، وهي تنشأ لأن المعرفة تصبح أعمق في عالم الظواهر، وتكشف بالتالي عن جوانب وعلاقات كلية جديدة لا تعود متفقة مع المقولات الموجودة وتتطلب مقولات جديدة تعبّر عنها وتسجلها، وما دامت هذه المقولة الجديدة ظهرت فلا بد أن تدخل في علاقات أو ترابطات ضرورية مع المقولات الموجودة، ومن ثم تأخذ مكانها في كلية المعرفة.

 

وإذا رتبت هذه المقولات بتعاقب ظهورها فإننا نستطيع أن نحدد ترابطها الداخلي وتبادلها الاعتماد الضروري.

 في المفهوم المادي ان المقولات أو المفاهيم هي انعكاس للعالم الموضوعي ، وانها وليدة الممارسة، وتتجدد وتكتسب مضامين جديدة مع تطور العلم والمعرفة، فالمقولات ليست ثابتة جامدة. وعلي عكس المدارس المثالية يتناول الديالكتيك المادي المفاهيم أو المقولات باعتبارها انعكاس للعالم الموضوعي ، وانها وليدة التجربة، كما يتناولها في تطورها وتغيرها تبعا لحركة وتطور الواقع الموضوعي، كما يتناولها في ترابطها وشمولها وتاثيراتها المتبادلة.

فعلى سبيل المثال:

1-        مقولة السبب والنتيجة أو (العلة والمعلول): ننظر اليها في علاقاتها المتبادلة والديالكتيكية، أى أن السبب والنتيجة لاينفصلان كما هو الحال في المنهج الديالكتيكي، وانما يتبادلان. علي سبيل المثال: الحركة الميكانيكية(سبب)، توليد الكهرباء(نتيجة)، والكهرباء نشغل بها الالات(سبب).اذن هناك ترابط، اذ لايمكن أن تكون الكهرباء سببا فقط أو نتيجة فقط، فالسبب يؤدي الي النتيجة والتي بدورها تصبح سببا تؤدي الي نتيجة.

يقول أنجلز " يوجد تصور سخيف عند الايديولوجيين، فنحن لانقر بالتطور التاريخي المستقل لمختلف الميادين الايديولوجية التي تتطلع بدورها في التاريخ ، فننكر بالتالي كل إمكانية لتأثيرها في التاريخ ، وفي أساس هذا ، يقوم تصور سطحي غير ديالكتيكي، عن السبب والنتيجة يعتبرهما قطبين متضادين أحدهما للآخر ابدا ودائما، ويغيب عن البال كليا التفاعل بينهما. إن هؤلاء السادة ينسون في كثير من الأحيان قصدا وعمدا تقريبا أن الظاهرة التاريخية التي تولدها بالالأحري أسباب من طراز آخر هي في آخر المطاف أسباب  إقتصادية ، تصبح علي الفور بدورها عاملا فعالا ، ويمكنها أن تؤثر بالمقابل في البيئة المحيطة وحتي في الأسباب التي ولدتها" أنجلز : رسالة إلي فرانس مهرينغ، لندن ، 14 تموز / يوليو 1893م).

2-        مقولة الصدفة والضرورة: لايمكن الفصل بينهما في الديالكتيك المادي، عكس المناهج الميتافيزيائية، علي سبيل المثال: صدفة سقوط تفاحة من شجرة كان نائما تحتها عالم الفيزياء نيوتن، كانت ضرورة لاكتشاف قانون الجاذبية، اذن لايمكن الفصل بين الصدفة والضرورة.

 

 

ثامنا:ديالكتيك الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية:

  المنهج الديالكتيكي، شأن منهج العلم يتعارض مع فكرة الحقيقة النهائية. كان انجلز يعترض بشدة علي أن يفترض الانسان أنه صاحب الحقيقة النهائية، أشار انجلز في كتابه ( انتي دوهرينغ) الي أنه( عندما يكون الانسان صاحب الحقيقة النهائية والاخيرة والنهج الدقيق الوحيد فمن الطبيعي أن يشعر باحتقار تجاه باقي البشرية الضالة والغريبة عن العلم). جاء انتقاد انجلز للاستاذ الجامعي والاشتراكي الالماني دوهريتغ لأنه ادعي أنه الفيلسوف الحقيقي الوحيد في عصره لأنه يتكلم عن الحقيقة الاخيرة والنهائية (لأنه لم يعرض ببساطة افكاره ويترك للتاريخ مسألة تقويمها ، وانما هو كائن غير مادي لايدعي لنفسه بأقل من العصمة البابوية من الخطأ والاعلان المسبق عن زيف أى رأي بجانب اراءه ، ولأنه تحدث عن اسلافه بازدراء شديد).

 يقول انجلز ( ان السيد دوهرينغ صاحب الحقيقة المطلقة أو ايضا صاحب المنهج العلمي الوحيد في البحث الذي تصبح بعده جميع المناهج الأخري غير علمية).

 وهناك ترابط ديالكتيكي بين الحقيقة النسبية والحقيقة المطلقة كما أشار لينين في مؤلفه(المادية والمذهب النقدي التجريبي)، يقول لينين( ان الفكر البشري قادر بطبيعته أن يقدم لنا، وهو يقدم لنا بالفعل الحقيقة المطلقة التي تتجمع من جملة الحقائق النسبية، فان كل درجة في تطور العلم تضيف حباتها الجديدة الي حصيلة الحقيقة المطلقة).

 وهذا يوضح أن طريق الحقيقة النسبية يقود الي الحقيقة المطلقة ، لكنه طريق لا نهاية له، فالمعرفة الانسانية مستمرة نحو الاعمق والارقي ، ولانهاية لها.

 وفي رسالة لانجلز الي كونراد شميدت بتاريخ: 27/10/1890م، يشير انجلز الي تطور الفكر الذي يرتقي صاعدا علي سلم المعرفة البشرية ويحطم عند كل درجة منه الاطر العتيقة للتصورات والمعتقدات القديمة، ينطلق في الوقت ذاته من مستوى المعارف القائم ويستند الي نتائجه ومن ذلك( ان فلسفة كل عصر تملك كمقدمة مادية فكرية معينة ورثتها عن اسلافها لتنطلق منها).

 كما ان المعرفة العلمية ليست تكهنا، كما أنها ليست يقينا نهائيا وكاملا، وعملية فحص العالم واختبار النظريات هي عملية الاقتراب من المعرفة والتقدم نحوها، هي عملية الانتقال من عدم المعرفة الي المعرفة، ومن عدم المعرفة الجيدة الي المعرفة الأفضل.

 وهذا يتطلب التواضع، فالمعرفة ليست لها حدود، فالانسان كلما ازداد معرفة كلما ازداد جهلا، كان ابوقراط (ابو الطب) يقول ( ليس لي من فضيلة العلم الا علمي بأني جاهل)، وهذا ما يطلق عليه تواضع ابوقراط. 

 

الخلاصة:

خلاصة مانود أن نقوله في هذه المحاضرة:

  • ان المنهج الديالكتيكي هو دراسة الاشياء في تغيرها وتطورها ، وان الديالكتيك لايفهم العالم علي أنه مركب من اشياء جاهزة، بل مركب من عمليات تمر خلالها الاشياء في تطور لاينقطع من الوجود والفناء ، وأن التطور لايمكن فهمه بمعزل عن قانون صراع الاضداد وتحول التغيرات الكمية الي تغيرات كيفية، وقانون نفي النفي ، في ترابط شامل.
  • الديالكتيك في جوهره هو التحليل الملموس للواقع الملموس، كما أن الديالكتيك يتعارض مع الحقيقة النهائية.
  • ان المنهج الديالكتيكي في النهاية ليس سوى المنهج العلمي وتطبيق المنهج بصور شاملة يتضمن استخلاص النتائج عن الانسان والمجتمع الانساني والقضايا الانسانية.
  • الديالكتيك في جوهره نقدي ثوري، ويتناول الظواهر بذهن مفتوح ويتعارض مع النتائج المسبقة، وهو في جوهره منهج للبحث والتحليل، ودراسة الواقع من اجل استيعابه وتغييره. كما أن النظرية ترشد الممارسة، والممارسة تغني وتخصب النظرية.

 

الفصل الثاني

الديالكتيك : أمثلة من تطور العلوم والمجتمع :

تطورت معارفنا عن القوانين الأساسية التي تعتمد عليها معظم فروع العلم والتي كشفها العلم الحديث مع نهاية القرن العشرين مثل :

  • نظرية الكم عن المادة .
  • نظرية اينشتين عن الزمان والمكان .
  • نظرية داروين في التطور والأساس الجزئي ( D . N. A ) .
  • نظرية الانفجار الأعظم الفلكية.

وما زال العلم الحديث في حالة حركة وتطور لاكتشاف المزيد من أسرار الطبيعة والحياة .

ليست هناك أحكام نهائية أو نظريات مكتملة ، فحركة العلم هو الانتقال من المعرفة الضيقة إلي المعرفة الأوسع ، وطرح أسئلة جديدة تحتاج إلي إجابة بعد كل اكتشاف لنظرية جديدة . وهذا هو جوهر الديالكتيك ، كل جيل يضيف معرفة جديدة إلى ما راكمته الأجيال السابقة من معارف .

1 -  الفيزياء الحديثة

            معلوم أن الفيزياء التقليدية كانت تقوم علي قوانين نيوتن في الحركة ، ونظرية دالتون الذرية ، وانفصال الزمان و المكان عن حركة المادة ، ومع نهاية القرن التاسع عشر تم اكتشاف مكونات الذرة ( إلكترون ، بروتون ، .. ) ، كما ظهرت النظرية النسبية لاينشتين  التي وسعت وعمقت قوانين الحركة لنيوتن وخاصة تلك الأجسام التي تتحرك بسر عات عالية قريبة من سرعة الضوء ، وبالتالي تم نفي ديالكتيكي للفيزياء التقليدية ، أي تم الانطلاق من منجزاتها السابقة وتم رفعها إلي مستوى أعلي ، ومعلوم أن النظرية النسبية أعطت نتائج تتفق مع التجربة بصورة أدق وأفضل من أي نظرية سابقة ، واستطاع أينشتين بها أن يفسر ظاهرة الفراغ المقوس وعدم انتظام حركة الكوكب عطارد ، وهكذا أضافت نظرية اينشتين تطورات علي نظرية نيوتن عن النظام الشمسي .

كما كشفت نظرية اينشتين عن الترابط الديالكتيكي بين الزمان والمكان والمادة ، فقد كان الاعتقاد السائد في نظرية نيوتن بأن الزمان مطلق والمكان مطلق .

علي أن التطور الهائل في الفيزياء والذي لا تخطئه العين ، كان ثورة الكم التي ولدت نظريتها عام 1925 ، لقد أطلقت ثورة الكم موجة عارمة في الاكتشاف العلمي استمرت في الارتفاع دون توقف حتى الآن ، لقد زودتنا ثورة الكم الآن بوصف كامل نسبيا للمادة ، كما مكنتنا من فهم المادة التي نراها حولنا .

 

2 - ثورة الكمبيوتر ( الحاسوب ) :

     كما هو معلوم إن جوهر الثورة العلمية التقنية ارتبط بتطور علوم الكمبيوتر ، وظهرت الحاسبات الإلكترونية التي أجرت انقلابا في كثير من المجالات التجارية والعلمية والإدارية .

    كانت أجهزة الكمبيوتر في الماضي ضخمة الحجم تملأ غرفا كاملة بصفوف من آلاف الأنابيب المفرغة من الهواء ، لقد حدث التحول المهم عام 1948 عندما اكتشف علماء في مختبرات شركة ( ييل ) الترانزيستور الذي جعل الكمبيوتر الحديث ممكنا ، وبعد عقد من هذا اكتشف الليزر الضروري للإنترنت ولطريق المعلوماتية وكلاهما من أجهزة ميكانيكا الكم .

   والكمبيوتر يمتاز بالسرعة في إنجاز العمليات الحسابية ، وخزن واستعادة المعلومات ، وبالتالي أصبح الكمبيوتر مكملا ومتمما للعقل البشري ، وبالطبع ، فإن الذكاء الاصطناعي لايصل إلى مستوي الذكاء الإنساني ، وعملية التخطيط يقوم بها الإنسان ، وإن الآلة مجرد أداة تنفيذ التعليمات ، ولكنها آلة جبارة كما أوضحنا سابقا ، وهكذا أسهم الكمبيوتر في تطوير وتعميق معارفنا عن العالم من حولنا .

3 - البيولوجيا الحديثة ( الثورة البيوجزيئية )

            تأثر الكثير من البيولوجيين تاريخيا بنظرية (  الحيوية ) ، أي هناك قوة خفية أو جوهرا يكسب الحياة للأشياء الحية ، ولقد تحدى شرود نجر في كتابه عام 1944 ( ما هي الحياة  ؟ ) هذه النظرية ، وتجرأ علي الادعاء بأنه يمكن تفسير الحياة ( بشفرة وراثية ) مكتوبة علي جزيئات في الخلية ، لقد كانت فكرة تفسير الحياة باستخدام نظرية الكم جريئة حقا ، ولقد تمكن جيمس واطسون وفرانسيس كريك في النهاية وبوحي من كتاب شرود نجر أن يبرهنا علي صحة حدسه باستخدام التصوير بأشعة اكس المشتتة من جزئي ( D . N A) ، استطاعا أن يعيدا بناء البنية الذرية المفصلة لهذا الجزئي وأن يميزا الطبيعة الحلزونية المزدوجة له.

هكذا في البيولوجيا بعد داروين حدث تقدم في علم الوراثة ، وتم الكشف عن لغة الوراثة أو الشفرة الجينية التي تنقل بها الجينات الصفات الوراثية عبر الأجيال عن طريق الأحماض النووية . وستعطينا الثورة البيولوجية في النهاية قدرة خارقة علي التحكم في الحياة حسب إرادتنا ، مثال ذلك سيجعل في الإمكان تحسين وتخليق سلالات الحيوانات والنباتات بالتغييرات الموجهة بدلا عن طريق التجربة والخطأ العشوائية التي ظل الإنسان يستخدمها من القدم حتى اليوم ، كما سيجعل في الإمكان تخليق سلالات جديدة حسب الطلب .

 

4 - تطور معرفة الإنسان للكون

في البداية كان الاعتقاد السائد أن الأرض هي مركز الكون ، ولكن بتطور أساليب البحث العلمي وتقدم وسائل الملاحظة التكنولوجية ، كان من الواضح أن الأرض عضو متواضع التكوين ينتمي إلي مجموعة فلكيةأكبرهي المجموعة الشمسية ، وأن هذه المجموعة تنتمي إلي مجرة تحتوي علي الملايين من المجموعات الشمسية ، وأن الكون يحتوي ملايين المجرات والتي تحتوي علي ملايين المجموعات الشمسية .

ومع نمو المعرفة وتطور طرق البحث والتعليل ، كان من الواضح ، أن هذا الامتداد الكوني الهائل يحتوي علي ملايين بل بلايين من الكواكب والأجرام كل منها له مكوناته الكيميائية المميزة ، بالإضافة إلي أن بعضا منها له غلافه الجوي الخاص والذي بحتوي علي العديد من الغازات الكيميائية والتي توجد بتركيزات مختلفة . وحول نشأة الكون هناك نظرية الانفجار الأعظم Big- Bang) ) التي اكتشفها عام 1922 م العالم الروسي الكسندر فريد مان ) الذي قال إن كل ما في الكون من مجرات ونجوم وكواكب تتمدد بسرعة هائلة مبتعدة عن بعضها البعض ، وكأنها شظايا متناثرة لقنبلة عظيمة انفجرت في الفضاء ، وتقوم هذه النظرية علي أن الكون قد جاء من العدم ، ثم بدأ يتبخر وكأنه كرة نارية هائلة ، وأنه في اللحظة الأولي من وقوع ( الانفجار الأعظم ) ، كانت كل مادة الكون مجمعة في كتلة صغيرة أقل حجما بملايين المرات من نواة الذرة ، وأكثر حرارة بملايين من كوكب الشمس !! . ثم جاءت ( نظرية التضخم ) التي جاء بها العالمان ( ألان غوث ) و ( أندرية جيد ) ، والتي تقول : إن الكون قد بدأ في التمدد والاتساع مع الكتلة النارية ذات الطاقة الخالصة التي هي عبارة عن الانفجار الأعظم بسرعة هائلة للغاية خلال بلايين البلايين من أجزاء الثانية ، ثم ظهرت داخل الكون السحب الساخنة والغيوم التي تسبب التموجات ، وما زالت معارفنا تتطور في هذا المجال .

5 - الرياضيات الحديثة:

            في الماضي كانت فروع الرياضيات : الحساب ، الجبر ، الهندسة ، علي وجه الخصوص تدرس كمواد منفصلة غير مترابطة ، وكل فرع نما بطريقة تختلف عن الفروع الأخرى ، ثم جاءت الرياضيات الحديثة ( أو الطريقة أو المنهج الجديد ) للنظر في الرياضيات والتي كشفت عن مجموعة من المبادئ الأساسية المشتركة تنبني عليها فروع الرياضيات المختلفة ( أي التعامل كفروع مترابطة لامنفصلة ) ، وأساسيات هذه المفاهيم هي الفئات ( Sets ) ، العلاقات ( Relations ) ، الدوال ( Functions ) ، العمليات ( Operations ) ، والرياضيات الحديثة كشفت عن أنماط معينة أو طرق لتنظيم الفئات والعمليات في أبنية رياضية تنطبق علي كل من الجبر والهندسة وتصنيفاتها ، وأحد هذه الأبنية يسمي المجموعة ( Group ) ، وهناك كثير من الأبنية التي يمكن أن تستنبط منها ، كما تم الانتقال من الهندسة الاقليدية إلي الهندسة اللاإقليدية التي عمقت ووسعت مفهومنا حول الكون والمكان .

وأخيرا، أصبح المحرك الحقيقي للتجديد في علم الرياضيات هو الرغبة في الوصول لنموذج أكثر أمانة للطبيعة كما نشاهدها لاكما نتمناها.

 

الخلاصــــة:

من الأمثلة السابقة يتضح لنا أن تطور العلوم يؤكد علي ضرورة التعامل مع الواقع بذهن مفتوح ونبذ فكرة الحقيقة المطلقة والنهائية ، فما أن تحل نظريات جديدة معضلات حتى تظهر معضلات جديدة تحتاج إلى إجابات جديدة وتفسير ، وهكذا تتطور النظريات العلمية والمعرفة. 

كما تؤكد الأمثلة ضرورة إخضاع النظرية للواقع لا إخضاع الواقع للنظرية ، كما أن النظريات العلمية الجديدة تستند إلي منجزات النظريات السابقة وتكمل جوانب نقصها ، كما أن المعرفة العلمية ليست يقينا نهائيا وكاملا ، وعملية المعرفة والتقدم نحوها هي عملية الانتقال من عدم المعرفة إلى المعرفة ، ومن عدم المعرفة الجيدة إلى المعرفة الأفضل ، كما تؤكد ضرورة الشمول والترابط والنظر إلى الظواهر بذهن مفتوح وبدون مخطط مسبق ، وهذا هو جوهر المنهج الديالكتيكي الذي يتسق مع المنهج العلمي .

الديالكتيك : أمثلة علي القوانين والمقولات

                        كما هو معلوم ، الديالكتيك يهتم بالتطور والترابط الشامل بين الأشياء ، ويعتبر العالم المحيط بنا في حالة حركة وتطور دائمين ، وإن القوة الدافعة للتطور هي الكامنة في الأشياء ، كما يتعارض الديالكتيك مع الميتافيزياء التي تتناول الأشياء في سكونها وانعزالها ، علي أن قوانين الديالكتيك المادي ومقولاته تساعد في دراسة العالم بوصفه كلا واحدا مترابطا ، وفي دراسة الترابط والشمول بين الأشياء .

أولا : قوانين الديالكتيك كما أشرنا لها في الفصل الاول من المحاضرة هي :

  • وحدة وصراع الأضداد .
  • التراكمات الكمية تؤدي إلى تحولات كيفية .
  • نفي النفي .

أ – وحدة وصراع الأضداد:  أمثلة من الطبيعة والمجتمع:

في الكهرباء : وحدة السالب والموجب ، في الرياضيات : وحدة الأعداد السالبة والموجبة ، وحدة الأعداد الحقيقية والأعداد التخيلية .

في المجتمع الرأسمالي : العلاقة بين العاملين بأجر والرأسماليين أو أصحاب المصانع علاقة وحدة وصراع أضداد : أصحاب المصانع يحتاجون لقوة عمل العاملين ( اليدوية والذهنية) التي تلعب دورا حاسما في الإنتاج ، والعاملين بأجر يحتاجون إلي أصحاب المصانع لبيع قوة عملهم لتوفير احتياجاتهم الأساسية في المعيشة ( المسكن ، الملبس ، الغذاء ، التعليم ، العلاج ، ... ) ، أصحاب المصانع يعملون علي استحواذ أكبر قدر من فائض القيمة الناتج من عمل العاملين بأجر الذين يناضلون من أجل زيادة أجورهم وتحسين أوضاعهم المعيشية ، وهنا تكمن علاقة الوحدة والصراع .

ب – قانون التراكمات الكمية تؤدى إلي تحولات كيفية :  أمثلة من الطبيعة والمجتمع :

-           ذوبان الحديد عند درجة حرارة معينة تسمي الدرجة الحرجة والتي يتحول فيها الحديد من حالة الصلابة إلي حالة السيولة .

-           المثال الكلاسيكي والذي أورده هيغل : تحول الماء إلى بخار في درجة حرارة معينة ، بعد تغير كمي في درجة الحرارة يؤدي إلى تغيير كيفي ، أي التحول من حالة السيولة إلى بخار . وهذا التحول من حالة إلى حالة يتم في شكل قفزة أو طفرة بعد حالة السكون النسبي .

تجربة نضال الشعب السوداني:

1 - ضد الحكم التركي : تراكم الانتفاضات والمقاومة ضد الاحتلال التركي أدي إلي تحول كيفي في النظام باندلاع الثورة المهدية كانتفاضة شاملة ضد النظام توفرت لها الظروف الذاتية والموضوعية .

2 -  التراكم  الكمي لنضال ومقاومة الشعب السوداني ضد الاستعمار البريطاني أدي إلي تحول كيفي في جلاء الاستعمار وتحقيق الاستقلال عام 1956.

3 - التراكم  الكمي للنضال ضد ديكتاتورية عبود ( 1958 – 1964 ) ، أدي إلي تحول كيفي في ثورة أكتوبر 1964 .

4 - التراكم الكمي للنضال ضد ديكتاتورية النميري ( 1969 – 1985 ) أدي إلي تغيير كيفي أو نوعي في انتفاضة مارس – أبريل 1985 .

5 -  التراكم الكمي للنضال الداخلي وضغط المجتمع الدولي ضد نظام الإنقاذ الشمولي أدي إلى توقيع اتفاق السلام مع الحركة الشعبية ولاشك إن تراكم النضال سوف يستمر حتى يتم التحول الديمقراطي والذي يشكل تحولا كيفيا بإسقاط النظام الشمولي الفاسد المستبد.

ج – نفي النفي :

التحول الكيفي هو نفي للحالة القديمة ، ولكن النفي في الديالكتيك لايعني القضاء التام علي القديم، ولكنه يستند إلي أفضل ما في القديم . فالتطور يأخذ الشكل الحلزوني الذي تكون فيه كل درجة أرقي من السابقة .

الجديد ينشأ من القديم : مثال : في الطبيعة الحية يحدد كل نوع جديد السمات الإيجابية التي كدسها الأجداد في سياق التطور التدريجي البطيء .

مثال آخر في المناقشة العامة الجارية الآن في الحزب الشيوعي السوداني لتجديد الحزب ، أننا نجدد الحزب الشيوعي استنادا إلي أفضل ما في القديم ، أي تراث الحزب ونضاله السابق ، ونتجاوز ما عفي عليه الزمن .

المثل السوداني يقول ( الماعندو قديم ما عندو جديد ) .

في العلم النظريات الجديدة لا تلغي النظريات السابقة ، ولكنها تكمل جوانب نقصها ، وترفع معرفتنا إلي مستوى أعلي بحيث تستطيع تفسير ظواهر جديدة كانت النظريات السابقة قاصرة عن تفسيرها ... وهكذا . مثال :

-           نظرية النسبية لاينشتين طورت وعمقت قوانين الحركة لنيوتن .

-           لينين طور نظرية فائض القيمة لماركس ( العمل غير مدفوع الأجر مصدر الأرباح ) ، واضاف مصادر جديدة للأرباح مثل الربح الاحتكاري ونهب شعوب المستعمرات في مرحلة الإمبريالية ، كما أضاف بول باران مفهوم الفائض الاقتصادي الذي يعني بالإضافة لاستغلال العاملين ، الأرباح الطفيلية والاحتكارية ونهب شعوب المستعمرات ، وهكذا تم تطوير وتعميق نظرية فائض القيمة لماركس التي فسرت سر الاستغلال الرأسمالي في القرن التاسع عشر ، وهكذا تتطور النظريات .

أخطاء التجربة السياسية السودانية السابقة :

كل انقلاب عسكري يلغي المنجزات الإيجابية السابقة مثل انقلاب عبود ونميري والإنقاذ ، أما الإنقاذ فقد دمرت كل ما هو إيجابي في تجاربنا السابقة مثل التعليم والخدمة المدنية .. الخ .

الخلاصة في قوانين الديالكتيك :

            نحن أمام قانون واحد وليس ثلاثة قوانين منفصلة ، والتي تم توضيحها للتبسيط ، فصراع الأضداد يؤدي إلي تراكمات كمية ، والتراكمات الكمية تؤدي إلي تحول نوعي ، والتحول النوعي يؤدي إلي نفي الحالة القديمة ديالكتيكيا ، ونشؤ وضع جديد ، هذا الوضع في حالة التطور الباطني الطبيعي يستند إلي أفضل ما في القديم ويحمل سماته الإيجابية القابلة للاستمرار والحياة ، وهكذا تتم دورة الحياة والتطور .

ثانيا : مقولات الديالكتيك :

 المقولات مفاهيم تعكس الواقع المحيط بسماته وصلاته وخواصه العامة والمشتركة ، مثال :

أ – الخاص والعام :

                        هناك علاقة ديالكتيكية بين الخاص والعام ، في إطار العام نبحث عن كل ما هو خاص في كل حالة ، مثال نبحث عن خصوصية تطور وسمات كل بلد في التطور العام للمجتمع البشري.

 

ب – السبب والنتيجة :

                        هناك علاقة ديالكتيكية بين السبب والنتيجة ، السبب يكون نتيجة والنتيجة تكون سببا مثال : هطول الأمطار : السبب تبخر الماء الذي يتكثف في سحب تؤدي إلي الأمطار التي تكون الأنهار والبحار والتي يتبخر ماءها وتؤدي إلى هطول الأمطار وتتحول النتيجة إلي سبب .

ج – الضرورة الصدفة :

                        الصدفة هي شكل لتجلي الضرورة مثال: اكتشاف قانون الجاذبية، كان نيوتن نائما تحت شجرة تفاح، سقطت تفاحة صدفة ، جعلت نيوتن يفكر ويتساءل لماذا سقطت التفاحة إلي أسفل ؟ ، وقاد تفكيره هذا إلي اكتشاف قانون الجاذبية، إذن صدفة سقوط التفاحة كانت تجليا لضرورة اكتشاف قانون الجاذبية.

د – المضمون والشكل:

                        هناك علاقة ديالكتيكية ين الشكل والمضمون : مثال الثعبان يخلع جلده القديم عندما يضيق ولا يلائم حجمه الجديد . الشكل يؤثر في المضمون بصورة فعّالة ، الشكل الجديد يعجل التطور ، الشكل القديم يعرقل التطور .

 

اهم المصادر والمراجع في الديالكتيك المادي

1 - انجلز : لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسيكية . 

2 - انجلز : أنتي دوهرينغ .

3 - أنجلز : ديالكتيك الطبيعة .

4 - لينين : مصادر الماركسية الثلاثة .

5 - لينين : المادية والمذهب النقدي التجريبي .

6 - موريس كورنفورث : مدخل للمادية الديالكتيكية والتاريخية

7 - مواقع علي الانترنت:

www.rezgar.com

www.marxist.org

 ************************

 

محاضرة رقم(5)

المفهوم المادي للتاريخ

طبعة ثالثة منقحة ومزيدة

 

تقديم:

  يسرنا أن نقدم الطبعة الثالثة المنقحة والمزيدة من محاضرة:المفهوم المادي للتاريخ، والتي اخذنا  في اعدادها ملاحظات المحاضرين والفروع والمرشحين والمتخصصين التي وصلتنا، في الاعتبار، وتم التوسع في بعض المواضيع، وتم اضافة فصل ثاني ركز علي امثلة من التاريخ والواقع السوداني، وتم تصحيح الاخطاء المطبعية واللغوية التي وردت في الطبعة الاولي.

 والمحاضرة، حسب التصور لاعدادها هي عبارة عن مدخل، يحتاج بعدها المرشحون الي مواصلة الاطلاع والبحث عن طريق التثقيف الذاتي.

 كما اشرنا لمراجع نظرية في نهاية المحاضرة لمواصلة الاطلاع، ومراجع تناولت التاريخ والواقع السوداني من زاوية المفهوم المادي للتاريخ، كأمثلة.

                                                             مكتب التثقيف المركزي

                                                                 سبتمبر 2016م

 

 

الفصل الأول

مدخل نظري

المفهوم المادي للتاريخ

  كان اكتشاف ماركس وانجلز للمفهوم المادي للتاريخ نقطة تحول حرجة في منهج دراسة التاريخ، وفي تفسير التحولات الاجتماعية. كان علماء الاجتماع قبل ماركس يأخذون مفهوم الطبيعة الانسانية نقطة انطلاقهم في تفسير التحولات الاجتماعية . وعلي حد تعبير انجلز علي قبر ماركس ( لقد كانت الفكرة السابقة عن التاريخ تقوم علي أن الاسباب النهائية لكل التغيرات الاجتماعية ينبغي أن نبحث عنها في الافكار المتغيرة للكائنات الانسانية، لكن احدا لم يسأل من اين جاءت هذه الافكار الي اذهان الناس؟).

1 - ماهو المفهوم المادي للتاريخ؟

 المفهوم المادي للتاريخ ماهو الا محاولة لتطبيق المنهج العلمي علي دراسة المجتمع ، وصفه انجلز في خطابه علي قبر ماركس (تماما كما اكتشف دارون قانون تطور الطبيعة العضوية ، فقد اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ الانساني).

 ينطلق المفهوم المادي للتاريخ من التقدير ، بأن : (الانتاج وعلي اثره تبادل منتجاته يشكل أساس اى نظام اجتماعي، وان توزيع المنتجات وانقسام المجتمع الي طبقات أو فئات اجتماعية يحدده في كل مجتمع متواجد في التاريخ ما ينتج وكيف ينتج؟ وكيف يجرى تبادل هذه المنتجات؟ وهكذا فالاسباب النهائية لكل التحولات الاجتماعية والانقلابات السياسية ، يجب البحث عنها ليس في اذهان الناس وليس في فهمهم المتزايد للحقيقة الخالدة والعدالة، بل في تغيرات اسلوب الانتاج والتبادل ، ويجب البحث عن ذلك ليس في الفلسفة، بل في اقتصاد العصر المعني)(انجلز: انتي دوهرينغ، دار التقدم، موسكو 1984، ص312).

2 - ولكن هل العامل الاقتصادي هو الوحيد في التغيير الاجتماعي؟

  كثيرا ما يثير اعداء الماركسية، انها تقوم علي الجبرية الاقتصادية، او تنظر للعامل الاقتصادي باعتباره العامل الوحيد في التغيير وتهمل العوامل الاجتماعية الاخري التي تتكون من:دينية، وسياسية، وقومية، ..الخ. فهل هذا الزعم صحيح؟.

  وفي هذا الجانب نلاحظ أن انجلز استدرك في توضيحات لاحقة وأشار الي المفاهيم المبتذلة للمفهوم المادي للتاريخ: تلك التي ترجع كل تطورات المجتمع الي العامل الاقتصادي كعامل وحيد أو التي تعتبر الافكار والمؤسسات نتاجا آليا لتركيب اقتصادي وطبقي ، وليس نتاج نشاط الناس الواعي وصراعهم.

  وفي رسالة انجلز لشميدت في: 5/8/1890م يقول( ان مفهومنا عن التاريخ هو في المقام الاول مرشد للدراسة وليس رافع للبناء، فكل التاريخ ينبغي أن يدرس من جديد، وظروف وجود مختلف تكوينات المجتمع ينبغي ان تبحث بالتفصيل قبل أن نحاول أن نستخلص منها الافكار السياسية وافكار القانون المدني والافكار الجمالية والفلسفية الدينية..الخ التي تتوافق معها).

 واكد انجلز مرارا ضرورة الدراسة المحددة في كل حالة للطريقة التي تنشأ بها الافكار ومؤسسات بعينها وتتشكل علي أساس تطور اقتصادي معين، والتأثير الذي تمارسه بدورها علي المزيد من تطور المجتمع، وحذر انجلز صراحة من سوء الفهم الناشئ عن الطريقة التي عرض بها هو وماركس النظرية احيانا.

 وفي رسالة الي ج. بلوخ في : 21/9/1897م، يقول انجلز( انني وماركس نتحمل جزءا من اللوم علي حقيقة أن الشبان احيانا مايركزون علي الجانب الاقتصادي اكثر مما يستحق فقد كان علينا أن نؤكد هذا الجانب الرئيسي في معارضة خصومنا الذين كانوا ينكرونه، ولم يتح لنا دائما الوقت أو المكان أو الفرصة لكي نولي العناصر الاخري المشتركة في التفاعل ما تستحق).

 ويستطرد انجلز في الرسالة نفسها ويقول: (وفقا للمفهوم المادي للتاريخ، فان العنصر النهائي المحدد للتاريخ هو انتاج الحياة الواقعية وتجدد انتاجها ، ولم يؤكد ماركس ولا أنا اكثر من ذلك ابدا، ومن هنا فاذا استخدم احد هذا القول ليعني به أن العنصر الاقتصادي هو العنصر المحدد الوحيد ، فانه يحول هذه القضية الي عبارة حمقاء مجرد فارغة لامعني لها).

 ويلقي انجلز المزيد من الاضواء حول هذه النقطة في رسالة الي ستارليون في: 25/1/1894م قائلا( ان التطورات السياسية والقانونية والفلسفية والدينية والادبية والفنية..الخ تقوم علي اساس التطور الاقتصادي ، لكن هذه جميعا تؤثر علي الاقتصادي ، فليست المسألة هي أن الظرف الاقتصادي هو السبب ، وأنه هو النشط وحده، في حين ليس لأى شئ آخر سوى تأثير سلبي، بل أن هناك بالاحرى تفاعلا علي اساس الضرورة الاقتصادية التي تؤكد ذاتها دائما في النهاية).

 فبالاضافة للظروف الاقتصادية أشار انجلز الي عوامل اخري في حياة البلاد تشمل( طبيعة الشعب وتقاليده وشخصيات قادته ، وفي المقام الاول تاريخه الماضي).

 ويلاحظ القارئ مما ورد ذكره، ان القول بان المفهوم المادي للتاريخ يستند علي الحتمية أو الجبرية الاقتصادية ليس صحيحا، وهو حجة كثيرا ما يثيرها اعداء الماركسية في الهجوم علي الماركسية.

 كما تشير رسالة انجلز الي أن الماركسية كانت في حالة تجدد وتجاوز لتصوراتها السابقة، وكانت في حالة نقد دائم وتجاوز لاستناجاتها السابقة وفق معطيات العلم الذي لايعرف الكلمة النهائية مما يتطلب تعديل النتائج والتصورات والمفاهيم حسب مستجدات الحياة.

 فماركس وانجلز بعد خمس وعشرين سنة من صدور البيان الشيوعي(صدر عام 1848م) كتبا في مقدمة له بتاريخ:24/6/1872م :أشارا الي تبدل الظروف ، رغم أن البيان مازال محتفظا حتي اليوم بصحة ودقة مبادئه العامة، الا أن البيان شاخ في بعض نقاطه، وان هناك فصول يجب ادخال التعديل عليها، اضافة الي ان البيان نفسه يوضح ان تطبيق المبادئ يتعلق دائما وفي كل مكان بالظروف والاوضاع التاريخية  في وقت معين. وان هناك حاجة لتحليل المتغيرات الجديدة في الرأسمالية، واخذها في الاعتبار.

 وهذا كان ديدن المنهج الماركسي أو منهج الديالكتيك المادي الذي ينظر للظواهر في شمولها وتطورها وحركتها والذي يتعارض مع النظرة الآحادية، ومن نافل القول ، أن نشير الي أن القول بالعامل الاقتصادي كعامل وحيد محرك للتاريخ يتعارض مع المنهج الديالكتيكي الذي ماهو الا المنهج العلمي في اوسع معانيه.

3 - ماهو منهج ماركس في بناء نظريته عن المجتمع؟ 

السؤال المفتاح الذي طرحه ماركس لبناء نظريته عن المجتمع: ماهو الشرط لوجود حياة اجتماعية؟

 في الاجابة علي هذا السؤال: أشار ماركس الي حقيقة بسيطة: هي أن البشرية قبل أن تمارس السياسة والفن والدين والعلم..الخ، عليها أن توفر مقومات حياتها التي تتمثل في : المأكل، المشرب، الملبس، المأوي..الخ. ولكي يتم ذلك لابد من ان ينتجوا.

 ولكي تتم عملية الانتاج لابد من توفير أدوات الانتاج وموضوع العمل(وسائل الانتاج)، وحاصل وسائل الانتاج والعمل البشري اطلق عليه ماركس قوي الانتاج. وكذلك لابد أن تحدث علاقات انتاجية (ملكية أو توزيع) اثناء عملية الانتاج.

وحدة قوي الانتاج وعلاقات الانتاج تسمي البنية التحتية للمجتمع، وحول البنية التحتية تقوم بنية علوية تتمثل في السياسة والدين والفن والحقوق..الخ.

وحدة البنية التحتية والعلوية هي ما نطلق عليه التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية.

 أشار ماركس الي أن التناقض بين قوي الانتاج وعلاقات الانتاج يؤدي الي التحول الاجتماعي، كما أشار الي أن الصراع الطبقي هو القوي المحركة للمجتمع، اضافة للعوامل الاخري من: سياسية واثنية وثقافية، ودينية..الخ.

 ويلاحظ القارئ أن منهج ماركس في تناول القضايا هو المنهج المألوف عند كل مفكر علمي مستعد دائما لاعادة النظر في تقديراته السابقة علي ضوء الشواهد اللاحقة.، ولكن ذلك لايجعله يتخلي عن اساس نظريته العلمية.

 المنهج الذي الذي وصل عن طريقه ماركس الي نظريته في التطور الاجتماعي هو المنهج نفسه الذي استخدمه دارون في اقامة نظريته عن تطور الانواع بالانتخاب الطبيعي.

 وكما هو معلوم ، فان نظرية ماركس تفتقد تلك الدقة المميزة للعلوم التي تتناول ظواهر فيزيائية وكيميائية ، ذلك أن القوانين والتعميمات الموجودة في النظرية مصاغة في حدود كمية، ويقول البعض أن هذا يدخل في النظرية الماركسية نوعا من الغموض غير العلمي، ولكن اذا كان هذا الاعتراض يجعل من نظرية ماركس غير علمية، فهل يجعل ذلك من نظرية دارون في علم الاحياء أو نظريات فرويد في علم النفس مثلا غير علمية؟.

 ويبقي أنه ليس ثمة انسان عاقل يتوقع أن تتخذ كل التعميمات عن التطور الاجتماعي والبيولوجي شكل الصياغة الكمية التي يتخذها علم الفيزياء أو الميكانيكا مثلا، ولكن رغم الاختلافات، نلاحظ أن العملية نفسها لاقامة نظرية أساسية في تلك العلوم نفسها التي رأيناها في النظريات الاجتماعية والبيولوجية عند ماركس ودارون.

 علي سبيل المثال في اقامة النظرية الأساسية لعلم الميكانيكا: كانت الفكرة الأساسية التي قدمها العالم الانجليزي نيوتن والتي تم قبولها هي ( كل جسم يظل علي حالته من سكون أو حركة بسرعة متظمة، ما لم تؤثر عليه قوي خارجية). وباكتشاف هذه الفكرة الأساسية تم صياغة المفاهيم الأساسية لعلم الميكانيكا مثل: القوة، الكتلة،..الخ.

 وهذا يناظر المفاهيم الأساسية التي صاغها ماركس مثل: قوي الانتاج، علاقات الانتاج، البنية التحتية والفوقية، التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية..الخ، ولكنها في هذه الحالة الأخيرة ليست كمية.

 المثال الآخر هو النظرية النسبية الخاصة التي اكتشفها عالم الفيزياء اينشتين عام 1905م، والتي قامت علي مسلمتين :

الاولي: هي مبدأ النسبية القائل ( بان جميع اطر القصور الذاتي معادلة تماما لأداء التجارب الفيزيائية جميعا).

 ويقتضي هذا أنه اذا كان ثمة معمل يتحرك بسرعة متساوقة، فان حركة المعمل لاتؤثر اى تأثير علي نتيجة التجربة التي تجري داخله.

الثانية: ( ان الضوء ينتقل خلال فراغ بسرعة ثابتة في اطر القصور الذاتي جميعا).

 أو بعبارة اخري أن سرعة الضوء التي يقيسها راصد هي نفسها بغض النظر عن السرعة النسبية للراصد ومصدر الضوء.

 هذا الامتزاج بين مبدأ النسبية وثبات سرعة الضوء وقع في نظرية النسبية الخاصة، وبمجئه تم استبعاد فكرة الاثير بقضها وقضيضها، وما يرتبط بها من مفهوم المكان المطلق.

 وهكذا تم وبضربة واحدة اكتساح كل الاسس التي قامت عليها الفيزياء الكلاسيكية لمدة تزيد علي قرنين.

 اذا دققنا النظر اذن في الافكار الأساسية عند ماركس نلاحظ طابعها العلمي ، وأن ماركس وضع نظريته في المجتمع علي النحو نفسه الذي وضع به آخرون أسس العلوم الأخري.

  • كما أشرنا سابقا السؤال المفتاح الذي طرحه ماركس لصياغة نظريته العلمية ، ماهو شرط قيام حياة اجتماعية من نوع معين؟.

 كان الجواب هو: أن شرط قيام أى نوع من الحياة الاجتماعية هو ان يتشارك الناس معا في انتاج إحتياجاتهم المادية ، وكانت القضية القائلة بأن الناس كي يشاركوا في انتاج ضرورات وجودهم، هي القضية الاساسية التي اقام عليها ماركس علم المجتمع، ومن هذه القضية استطاع ماركس أن يصوغ المفاهيم الأساسية التي يمكن علي ضوئها تحديد النمط الاجتماعي للانتاج مثل: قوي الانتاج، علاقات الانتاج. فمن اجل أن ينتج الناس اجتماعيا ضرورات وجودهم ، كان عليهم أن يصنعوا ألادوات والوسائل ، وأن يكتسبوا المهارة والمعرفة لاستخدامها ، وتلك قوى انتاجهم، وهو في استخدامهم لقوي الانتاج ، لابد أن يدخلوا في علاقات انتاج اجتماعية للانتاج.

 كتب ماركس( فمن اجل أن ينتجوا ، لابد من أن يدخلوا في علاقات احدهم مع الاخر، وداخل هذه العلاقات فقط يمكن ان يتحقق الانتاج).

 ويقول ماركس في مؤلفه (رأس المال): ( بينما يؤثر الانسان علي الطبيعة الخارجية من اجل الحفاظ علي وجوده، فانه يغير طبيعته هو...).

 ويقول ايضا في مؤلفه( مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي): ( علي اساس حالة معينة للقوي المنتجة تتكون علاقات انتاج معينة).

 يواصل ماركس ويقول( ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم).

 يواصل ويقول( عندما تبلغ قوى المجتمع المنتجة درجة معينة من تطورها ، تدخل في تناقض مع علاقات الانتاج الموجودة في هذا المجتمع ، أو مع علاقات الملكية وليست هذه سوي التعبير الحقوقي لتلك التي كانت تتطور ضمنها ، وعندما تتحول علاقات الانتاج الي عائق امام تطور القوي المنتجة، عندئذ ينفتح عهد الانقلاب الاجتماعي).

 يواصل ماركس ويقول( تتشكل المؤسسات الحقوقية والسياسية علي أساس العلاقات الفعلية بين الناس في عملية الانتاج الاجتماعي ، فلفترة من الوقت تساعد هذه المؤسسات في تطور القوي المنتجة لشعب ما وازدهار حياته الاقتصادية ، وعلاقات الانتاج تشمل علاقات الملكية التي يدخل فيها الناس الذين يملكون وسائل الانتاج ويستولون علي الناتج ويوزعونه ، وهي اساس البناء الاقتصادي للمجتمع وانقسامه الي طبقات).

 وحين وصل ماركس الي استخلاص أن شرط الحياة الاجتماعية هو الاشتراك في نمط انتاج يتكون من دخولهم في علاقات انتاج محددة لاستغلال قوى الانتاج، وضع الفرض العام حول الطريقة التي تتطور بها الحياة الاجتماعية ، يمكن أن نسميها القانون العام لكل تطور اجتماعي ، وهو يقول بأن الناس دائما يجب ان يطوعوا علاقاتهم الانتاجية لقواهم الانتاجية، وأن يستنبطوا الافكار وينظموا انفسهم في المؤسسات التي تمكنهم من هذا.

 وبعد عدة سنوات من اكتشاف ماركس الفهم المادي للتاريخ ظهر كتاب عالم الاجتماع الامريكي مورغان( المجتمع القديم)، والذي اكد بطريقة مستقلة اكتشاف ماركس وعمق نظرية ماركس، وقد اعتمد انجلز علي كتاب مورغان في مؤلفه( اصل الدولة والعائلة والملكية الخاصة)، والذي اوضح أن الدولة هي نتاج تطور تاريخي، ظهرت مع انقسام المجتمع الي طبقات، كما اوضح أن ظهور الفوارق الطبقية بعد اكتشاف الزراعة والرعي وخروج المرأة من الانتاج، كان بمثابة الهزيمة التاريخية لجنس النساء، ومنذ تلك اللحظة بدأ تهميش النساء وتكريس دونية المرأة، حيث كانت المراة في المجتمع البدائي متساوية مع الرجل، وكان هناك تقدير لدور المرأة من خلال نظام الامومة.

 هذه باختصار اسس النظرية العلمية للفهم المادي للتاريخ التي استخدمها ماركس كخيط هادي لدراساته والتي اهمها مؤلف(رأس المال)، والذي اكتشف قانون فائض القيمة والذي اوضح سر الاستغلال الرأسمالي.

 بهذين الاكتشافين(اكتشاف المفهوم المادي للتاريخ ، ونظرية فائض القيمة) تحولت الاشتراكية الي علم، والعلم لايعرف الحقيقة النهائية.

 واكتشاف ماركس في علم الاجتماع ايضا، يمكن مقارنته باكتشاف كوبرنكس في علم الفلك ، كان علم الفلك قبل كوبرنكس يقول: بأن الارض هي مركز ثابت تدور حوله الشمس وغيرها من الاجرام السماوية، وهذه الفكرة أدت الي استحالة تفسير العديد من ظواهر الميكانيكا الفلكية. انطلق كوبرنكس من العكس تماما، فقد افترض أن الارض ليست هي التي تدور حول الشمس ، وهكذا اكتشف وجهة النظر الصحيحة، واتضح الكثير مما لم يكن واضحا قبل كوبرنكس.

 ومنذ اكتشاف دارون وماركس وكوبرنكس ونيوتن في علم الاحياء والاجتماع والفلك والميكانيك، علي التوالي، لم يتوقف الفكر الانساني ، ولم تتوقف هذه العلوم، بل حققت اكتشافات جديدة ووسعت تلك الاكتشافات والنظرية، علي سبيل المثال:

 لم يتوقف علم الاحياء عند اكتشاف دارون بتطور الكائنات العضوية بالانتخاب الطبيعي، بل تطور علم الوراثة تطورا مذهلا، حتي تم اكتشاف الجين الوراثي( D.N.A  ).

 كما تطور علم الفلك تطورا هائلا حتي تم اكتشاف نظرية الانفجار العظيم(Big- Bang  )، التي فسرت نشأة الكون، ومازال البحث العلمي مستمرا في البحث عن نظرية اكثر دقة.

 كما اكتشف اينشتين النظرية النسبية الخاصة(1905) والنظرية النسبية العامة (1915) ، والتي عمقت وطورت نظرية نيوتن وخاصة بالنسبة لحركة الاجسام التي تتحرك بسرعات قريبة من سرعة الضوء.

 وتطورت النظرية الماركسية، بمعالجة الظواهر الجديدة مثل تحول الرأسمالية من مرحلة المنافسة الحرة الي مرحلة الاحتكار والتي تناولها لينين في مؤلفه(الامبريالية اعلي مراحل الرأسمالية، 1916)، والتي فسرت تطور الرأسمالية وسلوكها في تلك المرحلة،وباعتبار أن طبيعة الرأسمالية لم تتغير، بل ظهرت اشكال جديدة للاستغلال مثل الارباح الاحتكارية ونهب الشعوب اضافة الي نهب فائض القيمة عن طريق استغلال العاملين. كما ساهم لينين في توسيع مفهوم المادة في مؤلفه( المادية والمذهب النقدي التحريبي 1907)، والذي تناول الظواهر الجديدة في علم الفيزياء مثل الدلالات الفلسفية لاكتشاف مكونات الذرة(الالكترون، البروتون، ..الخ)، والتي استخلص منها بعض الفلاسفة نتائج مثل اختفاء المادة، وقدم لينين تعريفه الجديد للمادة، بأنها( الواقع الموضوعي المستقل عنا).

 كما طور غرامشي الماركسية في ما يختص بدور البنية الفوقية للمجتمع في التغيير، وضرورة كسب الطبقة العاملة للقلاع في الجبهة الثقافية عن طريق خلق مثقفين عضويين يلعبون دوا هاما في هذه الجانب، باعتبار أن من يكسب المعركة في الجبهة الثقافية هو الذي يكسب السلطة السياسية في النهاية.

 هذا اضافة لدور الاحزاب الشيوعية ودراسة واقعها وخصوصيتها ودراستها للمتغيرات المحلية والعالمية وتقديم معالجات لها مثل المتغيرات التي حدثت في تركيب الطبقة العاملة، في ظل الثورة العلمية التقنية، وضرورة توسيع مفهوم الطبقة العاملة ليشمل العاملين بايديهم وادمغتهم والذين يتعرضون للاستغلال الرأسمالي، وتبني استراتيجية الوصول للسلطة بطريق ديمقراطي تعددي جماهيري.

 واخيرا يعتبر مؤلف ماركس وانجلز: الايديولوجية الالمانية من اوائل المؤلفات التي صاغ فيها ماركس وانجلز المفهوم المادي للتاريخ بوضوح. 

4 - ماهو ديالكتيك العلاقة بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي؟.

المقصود بالوجود الاجتماعي هو حياة الناس الاقتصادية وسبل كسب العيش التي يقوم بها المجتمع، والعلاقات التي تنشأ بين الناس اثناء عملية الانتاج.

 اما الوعي الاجتماعي فيعني: مجمل اراء الناس وتصوراتهم المتمثلة في الدين والفلسفة والفن والسياسة والحقوق والاخلاق..الخ.

 قبل ماركس كانت نقطة انطلاق علماء الاجتماع المثاليين لدراسة التحولات الاجتماعية هي افكار المجتمع ومؤسساته، وبعبارة أخري كانت: الوعي الاجتماعي يحدد الوجود الاجتماعي.

 انطلق ماركس من العكس بقوله: ( ان الوجود الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي)، يقول ماركس في مقدمة (نقد الاقتصاد السياسي): ( ليس وعي الناس هو الذي يحدد  وجودهم، بل العكس ان وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم)، ويتساءل ماركس وانجلز في البيان الشيوعي( هل نحتاج الي تأمل عميق كي ندرك أن افكار الانسان واراءه ومفهوماته ، وباختصار وعيه تتغير مع تغير وجوده المادي وفي علاقاته الاجتماعية وحياته الاجتماعية. (ولكن يجب أن لانأخذ هذه القضية من جانب واحد ، صحيح أن الوجود الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي ، لكن وفقا لقوانين الديالكتيك والانعكاس المتبادل ، فان الوعي الاجتماعي ايضا يؤثر علي الوجود الاجتماعي ويعمل علي تغييره في علاقة ديالكتيكية متشابكة ومتبادلة، وقد عبر ماركس عن ذلك بقوله( ان النظرية تصبح قوة مادية عندما تؤثر علي الجماهير).

 كما عبر عن ذلك اضا بقوله ( تتشكل المؤسسات الحقوقية والسياسية علي أساس العلاقات الفعلية بين الناس في عملية الانتاج الاجتماعي، ولفترة من الوقت تساعد هذه المؤسسات في تطور القوي المنتجة لشعب ما ولازدهار حياته الاقتصادية).

 ولقد اعتبر ماركس الطبيعة الانسانية نتيجة متغيرة (Variable )، ابدا من نتائج التقدم التاريخي الذي يكمن سببه خارج الانسان، فلكي يعيش يجب أن يغذي جسده مستعيرا المواد التي يحتاجها من الطبيعة الخارجية التي تحيط به ، وتفترض هذه الاستعارة مقدما تأثيرا معينا من قبل الانسان علي هذه الطبيعة ، لكن الانسان اذ يؤثر علي الطبيعة الخارجية، فانه يغير طبيعته هو)( ماركس: رأس المال، المجلد الأول).

 وهذه الكلمات القليلة تنطوي علي جوهر نظرية ماركس التاريخية التي تتعارض مع الفصل الميكانيكي بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي أو بين البنية التحتية والبنية الفوقية للمجتمع.

 

5 - ماهو ديالكتيك العلاقة بين البنية التحتية والفوقية للمجتمع ؟:

عرّفنا سابقا البنية التحتية بأنها مجموع قوى الانتاج وعلاقات الانتاج اى الاساس الاقتصادي للمجتمع، كما عرفنا البنية الفوقية بأنها: مجمل افكار المجتمع السياسية والحقوقية والدينية والفلسفية والفنية..الخ.

 علي أن العلاقة بين البنية التحتية والفوقية علاقة انعكاس معقدة لايجوز التبسيط فيها، كأن نقول مثلا أن اى تغير في الاساس الاقتصادي يؤدي بطريقة ميكانيكية وسريعة الي تغيير في البنية الفوقية، صحيح أن البنية التحتية تحدد البنية الفوقية، ولكن للبنية الفوقية استقلالها النسبي، وتلعب دورها ايضا في تغيير وتحويل البنية التحتية.

 وهذا التبسيط جاء في مؤلف ستالين: المادية الجدلية والتاريخية 1938م، والذي جاء فيه:

(مع تغير الأساس الاقتصادي للمجتمع يتحول البناء الفوقي الهائل كله بسرعة نوعا ما)، وهذا الفهم هو الذي كرّس الجمود، وادي الي تصورات خاطئة مثل أنه بمجرد التغيير في الاساس الاقتصادي والتحول الاشتراكي واعطاء المرأة كل حقوقها الاقتصادية والسياسية ومساواتها في القانون مع الرجل، يتم حل قضية المرأة تلقائيا، وهو ما لم يحدث في التجربة الاشتراكية السوفيتية، رغم مساواتها في القانون، لأن لقضية المرأة شقها ثقافي يتعلق بالبنية الفوقية التي كرّست دونية المرأة لمئات السنين والتي لاتزول بين يوم وليلة، ولكنها تحتاج لصراع ثقافي علي المدي البعيد للتخلص منها.وقد يتم تحول في البنية الاقتصادية، ولكن البنية الفوقية الناتجة من المجتمعات السابقة تستمر، رغم تقلصها تدريجيا.

 اذن العلاقة بين البنية الفوقية والبنية التحتية علاقة انعكاس معقدة لايجوز التبسيط فيها، فللبنية الفوقية استقلالها النسبي وتعمل علي التأثير سلبا أو ايجابا في البنية التحتية.

6 -  ما هي اللوحة الخماسية؟ وهل يصح تعميمها علي كل المجتمع البشري؟

بعد استقراء ماركس للتاريخ الاوربي وضع مخططا عاما أو ملامح عامة لتطوره في خمس تشكيلات اجتماعية هي: الشيوعية البدائية، الرق، الاقطاع، الرأسمالية، الاشتراكية.

 وفي فترة الجمود تم تعميم هذه اللوحة علي تاريخ الانسانية الغني والخصب والمتنوع التكوينات والاشكال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحويل كل هذا التاريخ الي تعاقب خمس مراحل كما جاء في مؤلف ستالين: المادية الجدلية والمادية التاريخية(1938)، أو كما كان يقدم في المحاضرات المدرسة السوفيتية في فترة الجمود.

          ومثال لذلك ما ورد في كتاب السوفيتي بوزيف غوردونوف : ما هي الماركسية ؟ ، دار التقدم موسكو 1987 ، ص 114 ما يلي : ( التاريخ يعرف خمس تشكيلات اجتماعية – اقتصادية : التشكيلة المشاعية البدائية ، التشكيلة العبودية ، التشكيلة الإقطاعية ، التشكيلة الرأسمالية ، التشكيلة الشيوعية التي هي الاشتراكية طورها الأول) كما ورد في الكتاب نفسه ص 104 ما يلي : ( الماركسية وحدها دون غيرها أعطت المفتاح لتفسير تطور المجتمع بوصفه عملية مشروعة محتمة ).

 مثال آخر ماورد في كورس المرشحين السابق(1985) (عن المادية التاريخية) والذي كان تلخيصا لكتاب مدرسي سوفيتي، جاء مايلي، ص 53:

( قوانين تطور الانتاج المادي العامة، تسري طوال التاريخ البشري، لكن هذا التاريخ تدرج عبر مراحل مختلفة كما أشرنا سابقا: المشاعة البدائية والعبودية والاقطاعية والرأسمالية، ودخلت بعض بلدان العالم مرحلة الاشتراكية والشيوعية).

 وبهذا التعميم فقدت الماركسية طابعها العلمي لتصبح من جديد فلسفة للتاريخ أو مخططا قبليا يمكن علي أساسه مطابقة العصور التاريخية.

 كان ماركس يقف ضد تعميم اللوحة الخماسية الخاصة بتطور الرأسمالية في اوربا أو تحويلها الي نظرية – فلسفية لمسيرة التاريخ البشري ، وكان يري أن دراسة التاريخ الاوربي ليست بديلا للدراسة الملموسة لكل مجتمع، لاكتشاف خصائص تطوره، دون نظرية تاريخية فلسفية مسبقة ، نحشر فيها كل تطور المجتمع البشري.

 وفي رد ماركس علي رسالة فيراز سوليتش حول التطور الرأسمالي في روسيا توضيح لهذه النقطة : جاء في رسالتها لماركس ( انت تدرك اذن عزيزي المواطن اى خدمة تقدمها لنا اذا عرضت لنا رأيك حول المصائر المحتملة لمشاعتنا الريفية وحول النظرية التي تفترض أن جميع شعوب العالم مكرهة بحكم الضرورة التاريخية علي المرور بجميع مراحل الانتاج الرأسمالي) ( فيراز سوليتش: الي كارل ماركس في 16/شباط1881م).

  وكان رد ماركس عليها ( ايتها المواطنة العزيزة: في معرض تحليل الانتاج الرأسمالي اقول ان النظام الرأسمالي يقوم في جوهره علي انفصال المنتج انفصالا جذريا عن وسائل الانتاج ، واساس هذا التطور انما مصادرة ملكية المزارعين ، وذلك الانفصال لم يتم بصورة جذرية الا في انجلترا ، ولكن جميع بلدان اوربا الغربية تجتاز المسيرة نفسها ، اذن(حتمية) هذه المسيرة التاريخية مقصورة بلا لبس علي بلدان اوربا الغربية)( كارل ماركس: رسالة الي فيراز سوليتش في 8/اذار/1881م).

 وكان ماركس نفسه قد رأي أن من اللازم عليه أن يكافح ابان حياته بالذات هذا الانحطاط لفكره ، وقد كتب الي مدير صحيفة( اونيفشتي زابيسكي) رادا علي مقال لميخائيلوفسكي – في حوليات الوطن- ( هذا غير كافي بالنسبة الي ناقدي، فهو يشعر بأنه ملزم بتحويل مخططي التاريخي القائل بتكوين الرأسمالية في اوربا الغربية الي نظرية تاريخية فلسفية للمسيرة العامة التي يفرضها القدر علي كل شعب مهما تكن الظروف التاريخية المتواجدة فيها ، بحيث يتمكن في خاتمة المطاف من التوصل الي شكل من الاقتصاد يكفل اكمل تطور للانسان مع اكبر ازدهار للقدرات الانتاجية ، ولكن استميحه عفوا فهو يسبغ علي من الشرف والخجل معا اكثر مما ينبغي)( ماركس: رسالة الي شوكوفيسكي ناشر الونيفستي زابيسكي في نهاية 1871 ردا علي ميخائيلوفسكي احد قادة حزب النارودنيين).

 اما انجلز فقد حذر مرارا وتكرارا في اواخر حياته من خطر تحويل المفهوم المادي للتاريخ الي وصفة تلصق بالاشياء قبل دراستها ، وسخر من اصدقاء المفهوم المادي لتاريخ الذين اتخذوا من هذا المفهوم ذريعة لعدم دراسة التاريخ( انجلز: رسالة الي شميدت في 5 أغسطس 1830م).

 وخلاصة الامر أن المفهوم المادي للتاريخ يعني ضرورة الدراسة المستقلة للواقع بذهن مفتوح دون التقيد بتصور مسبق واستخلاص نتائج من الواقع، وهو ليس بديل لدراسة واقع وتاريخ البلد المعين لمعرفة خصوصيات تشكيلاته الاجتماعية، والتي تتشابك مع تقاليد وسمات وظروف ذلك البلد، وان الماركسية رفضت تعميم اللوحة الخماسية لتطور التاريخ الاوربي بطريقة متعسفة علي كل بلدان العالم، كبديل للدراسة المستقلة لكل بلد.

7 - ما هونمط الانتاج الآسيوي؟:

لم تكتف الماركسية باللوحة الخماسية لتطور التاريخ الاوربي، ولكن ماركس أشار في مؤلفه(مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي) الي نمط سادس اطلق عليه نمط الانتاج الآسيوي، يقول ماركس: (ان انماط الانتاج الآسيوي والقديم والاقطاعي والبورجوازي الحديث يمكن وصفها في خطوطها الكبري بأنها عصور متقدمة في التكوين الاقتصادي والاجتماعي).

 ويعرّ ف نمط الانتاج الآسيوي بأنه: يعني في جوهره ظهور مجتمع علي أساس من مستوى القوي المنتجة ما يزال بالغ التدني، ولكنه يسمح باقتطاع فائض انتاج. اما السمات الاخري (الاشغال الكبري، الري ، الاستبداد) فهي ليست اساسية في ذلك التعريف وتخص لانمط الانتاج نفسه وانما بعض المجتمعات الآسيوية (مصر القديمة، الهند، الصين،..).

 وكمثل اللوحة الخماسية، ان نمط الاناج الآسيوي، شأنه شأن، سائر انماط الانتاج لايؤلف مرحلة الزامية في تطور المجتمعات غير الاوربية كافة.

 وبمقارنة بين نمط الانتاج الآسيوي والاقطاع الاوربي، نلاحظ الآتي:

أ- في ظل نمط الانتاج الآسيوي، تكون الدولة هي الممتلك الأول لفائض الانتاج الذي يخلقه مباشرة منتج الريع العقاري والذي يترجم في شكل ضريبة، وجميع الفئات المستغلة تتلقي هذه المداخيل غير المتأتية من العمل عن طريق الدولة باستثناء شخصيات المشاعة الريفية الهندية من غير العاملين في الانتاج المادي كالكهنة والمنجمين..الخ، بيد أن مداخيلهم لاتزيد عن مداخيل الفلاح او الصانع اليدوي.

ب- اما في ظل الاقطاع، فان ممتلك الأرض مستقل مباشر يستحوذ علي الريع المدفوع عملا أو انتاجا ، ولا يكون للدولة من دخل في ذلك.

كما أشرنا سابقا، ان التعميمات الأساسية لنظرية الماركسية حول اللوحة الخماسية للتاريخ الاوربي ونمط الانتاج الآسيوي لبعض بلدان الشرق، ليست بديلا لدراسة خصوصية تطور كل بلد ، وانتاج فرضيات نظرية جديدة حول طبيعة وتطور اشكال الانتاج والتبادل والدين والدولة، الأمر الذي يترتب عليه تطور المفاهيم الأساسية مثل نمط الانتاج(موريس غودولييه: الماركسية امام مشكلة المجتمعات ماقبل الرأسمالية، ضمن نمط الانتاج الآسيوي، دار الحقيقة، بيروت، 1972، ص126- 127).

 وهذا يعني الانفتاح علي العلوم المتخصصة مثل: علم الآثار، الانثروبولوجيا، التاريخ، الاقتصاد،  علم اللغة، وبناء قاعدة جديدة لعلم مقارن للتاريخ والبني الاجتماعية، وعلي أساس مبدأ تطور الطبيعة والحياة الاجتماعية( المرجع السابق، ص 127).

 وبديهي ان التعميمات النظرية ليس لها معني أو قيمة، الا اذا انبثقت من دراسة الواقع، دون أن نلوى عنقه، لارضاء تصوراتنا المسبقة، وهذا يستدعي ضرورة البحث الحر والدراسة الموضوعية دونما مخطط مسبق للمجتمعات القديمة غير الاوربية.

 والماركسية منهج يسمح بالاستفادة من جميع المعارف التقنية، ولكنها لاتعفينا البتة من جهود التنقيب والدراسة الشاقة للواقع بهدف معرفته كشرط للتاثير فيه وتغييره، وبالتالي من المهم الدراسة الملموسة للواقع الملموس ، دون التقيد بنموذج نظري مسبق(لوحة خماسية أو نمط انتاج آسيوي)، وان كل تعميم ، كما كان يقول ماركس: لابد أن يقوم علي معرفة عميقة بالواقع ودراسة تحليلية لهذا الواقع.

 توصل الحزب الشيوعي السوداني في مؤتمره الرابع الي ضرورة الدراسة الباطنية والملموسة للواقع، ومعرفة مواقع الطبقات وانماط الانتاج في اشكالها المتنوعة، تتم دراسة الواقع بذهن مفتوح دون النقل الاعمي من الكتب ومن تجارب الاخرين، وتلك قاعدة كانت من الانجازات الهامة للمؤتمر الرابع لأنها تتعلق بضرورة دراسة ومعرفة الواقع بهدف التأثير فيه وتغييره، وتلك القاعدة هي من صميم المنهج الماركسي، ومن صميم المفهوم المادي للتاريخ.

 

8 - ما هودور الفرد في التاريخ؟:

في دراسة التاريخ كثير ما يركز المؤرخون البورجوازيون علي دور الفرد باعتباره الحاسم في التاريخ، علي سبيل المثال عند دراسة تاريخ الحضارة المروية، يتم تصوير ذلك التاريخ بانه تاريخ الملوك العظام الذي بنوا الاهرامات او المدافن العريقة لتخليد ذكراهم، ولكنهم ينسون الجماهير الشعبية التي صنعت الثقافة المادية والروحية لتلك الحضارة من خلالها عملها في تلك الاهرامات وشقائها آناء الليل واطراف النهار لسنين عددا حتي قامت تلك الصروح المشيدة، وينسون دور الجماهير التي صهرت الحديد، حتي اطلق المؤرخون علي مروي برمنجهام افريقيا والفنانين الذي اقاموا اللوحات الجميلة علي جدران تلك الصروح العتيقة، اضافة للحرفيين الذين صنعوا ادوات الانتاج الزراعي والاسلحة، والذين طوعوا الساقية الفارسية التي دخلت السودان في العصر المروي، لتلائم ظروف السودان، اضافة الي دور الكتاب الذي ابتدعوا ابجدية اللغة المروية، اى يتجاهلون قوي الانتاج العضلي والذهني التي ابدعت ذلك التاريخ.

 أشارت الماركسية الي دور الجماهير الكادحة الحاسم في التاريخ، باعتبارها منتجة الثقافة المادية والروحية، فعن طريق عملها يحصل المجتمع علي وسائل العيش وصنع أدوات الانتاج.

 يقول انجلز( ان الطبيعة ام الثروة والعمل ابوها، فالجماهير الكادحة، هي التي تغرس العمل في مواد الطبيعة وتعالج الطبيعة، فترغم الخواص المادية للاشياء وقوى الطبيعة علي خدمة الانسان وتخلق خواص وقوى جديدة، لانصادفها بشكلها الجاهز في الطبيعة).

 وبالتالي تنظر الماركسية للتاريخ بأنه تاريخ الجماهير المنتجة للثقافة المادية والروحية والمفجرة للثورات باعتبارها أن الثورات قاطرة التاريخ كما كان يقول ماركس، اضافة الي أن الجماهير هي مبدعة اللغة والفنون الشعبية وغير ذلك من الفنون.

 ولكن الماركسية لاتقلل من دور الافراد العظام الذين خدموا البشرية بمنتجاتهم المادية والفكرية، والذين كانوا مثل زرقاء اليمامة في معرفة السير العام لحركة التاريخ، ولكن الماركسية في صراعها ضد علماء الاجتماع والمؤرخين البورجوازيين الذين كانوا لايرون في التاريخ سوى دور الملوك والاباطرة والقادة وكأنه سيرة مشاهير الرجال. لفتت الماركسية الانتباه لدور الجماهير باعتبارها صانعة التاريخ. 

 كما اهتمت الماركسية بحرية الفرد وتحريره من سيطرة الطبيعة والحاجة، باعتبار أن الحرية هي معرفة الضرورة، وتري الماركسية ان الفرد يتم نموه في المجتمع بتوفير احتياجاته الاساسية وتنمية شخصيته من كل النواحي،وتحريره من ظاهرة الاستلاب( أو انفصال المنتج عن المنتوج) وبالتالي أشار ماركس وانجلز في البيان الشيوعي ان المجتمع الشيوعي هو الذي يتم فيه تحقيق الفرد الحر باعتباره الشرط لتطور المجموع الحر. وبالتالي، فان القول بأن الماركسية تضحي بالفرد لحساب الجماعة عار من الصحة.

 

 

 

9 - ماهي الطبقة؟:

معلوم أن الفضل لايرجع لماركس وانجلز في اكتشاف وجود الطبقات، ولا حتي اكتشاف الصراع بينهما، فقد وصف المؤرخون التطور التاريخي للصراع الطبقي ووصف الاقتصاديون البورجوازيون التشريح الاقتصادي لهذه الطبقات.

 كل ما فعله ماركس أنه اثبت أن وجود الطبقات انما يرتبط بمراحل تاريخية بعينها لتطور الانتاج ، وهذا ما كدته مسيرة المجتمع البشري ومسيرة المجتمع السوداني.

 ولكن كان من مكتشفات ماركس الاساسية مفهوم الطبقة الاجتماعية والذي اشار فيه الي أن الطبقة الاجتماعية يتحدد دورها في الموقع من الانتاج، وفي الوعي الطبقي أو الامتداد الثقافي.

 كما عرّف لينين في مقالة له بعنوان(المبادرة الكبري)الطبقات بقوله:

(الطبقات هي جماعات كبيرة من الناس تتميز من حيث مكانتها في نظام معين تاريخيا للانتاج الاجتماعي ومن حيث علاقتها – المنصوص عنها ومصاغة في القوانين بالقسم الاعظم منها- ، بوسائل الانتاج، ومن حيث دورها في التنظيم الاجتماعي للعمل، وبالتالي من حيث أساليب حصولها علي الحصة الموضوعة تحت تصرفها من الثروة الاجتماعية ومقادير تلك الحصة).

 اى أن لينين حدد اربع سمات رئيسية في تكوين الطبقة والتفريق بين طبقة واخري:

أ-  مكانة الطبقة في نظام معين تاريخيا للانتاج الاجتماعي.

ب- علاقتها بوسائل الانتاج.

ج- دورها في التنظيم الاجتماعي للعمل.

د - أساليب حصولها علي حصتها من الثروة الاجتماعية ومقادير تلك الحصة.

تابع ماركس نشؤ وتطور الطبقات في التشكيلات الاجتماعية التي سار عليها التاريخ الاوربي، واوضح ان الطبقات هي نتاج تطور تاريخي، بدأت تظهر للوجود مع تفكك المجتمع المشاعي البدائي، بعد اكتشاف الزراعة وتربية الحيوانات، وبدأ يظهر التفاوت في ملكية الارض والقطعان، وبالتالي، بدأ يحدت التفاوت الاجتماعي والطبقي، وادي ذلك الي ظهور الدولة لحماية مصالح الطبقات الحاكمة ، اضافة لوظائفها الاخري: السياسية والدينية والثقافية.

 ويمكن القول ان الطبقات بدأت تظهر مع ظهور الحضارة والفائض الاقتصادي الذي نشأ من زيادة انتاجية العمل ، وظهور هذا الفائض الاقتصادي(أو الناتج الاجتماعي الفائض)، هو الذي خلق الامكانية لتقسيم العمل: اى ظهور المزارعين، الحرفيين، رجال الدين،الفنانين والعلماء..الخ.

 هذا ويشكل توزيع الناتج الفائض الاساس للانقسام الطبقي في مجتمعات الرق والاقطاع والمجتمع الرأسمالي المعاصر.

  • في مجتمع الرق:الذي يتكون من طبقتين رئيستين هما: طبقة الاسياد، وطبقة الرقيق، يستحوذ الملاك كل نتاج عمل الرقيق الفائض مقابل معيشتهم واولادهم، اي ، أن الرقيق هم الذين ينتجون الثروة الاساسية للمجتمع: سواء كان ذلك عن طريق عمل السخرة في المزارع او الرعي او في مناجم الذهب..الخ. علي سبيل المثال اذا كان هناك احد الارقاء يعمل في مزرعة لسيده، وكان يعمل 6 أيام في الاسبوع لصالح السيد، ويوم في الاسبوع لنفسه مقابل معيشته وأولاده، فان ال 6 ايام التي تذهب لصالح السيد تسمي الناتج الاجتماعي الفائض، اى الثروة التي تذهب للسيد، اما يوم العمل لصالح الرقيق فيسمي العمل الاجتماعي الضروري وهو الذي يعادل الاجر الذي يسد رمق هذا الفرد من الرقيق وأسرته.
  • اما في المجتمع الاقطاعي: فهو مرحلة متقدمة علي نظام الرق ويقوم علي طبقتين اساسيتين: هما الاقطاعيين والاقنان أو الفلاحين.وتقوم العلاقة الانتاجية علي سبيل المثال علي النحو التالي: اذا كان الاقطاعي هو الذي يملك قطعة الارض التي يعمل فيها الفلاح 3 ايام في الاسبوع لصالح الاقطاعي و3 ايام لصالحه، فان الناتج الفائض الذي يتمثل في عمل الفلاح ل3 أيام لمصلحة الاقطاعي تسمي الناتج الاجتماعي الفائض وهو الذي يشكل اساس ثروة الطبقات الاقطاعية، اما الثلاثة أيام التي يعملها الفلاح لصالحه فتسمي الناتج الضروري الاجتماعي الذي يفي بحاجات الفلاح المعيشية واسرته، اى تبقيه علي قيد الحياة لمواصلة الانتاج لمصلحة الاقطاعي.
  • اما المجتمع الرأسمالي والذي شكل خطوة ارقي في سلم التطور الاجتماعي ولكن تغيرت اشكال الاستغلال والتي درسها ماركس في مؤلفه(رأس المال)، أشار ماركس الي حرية العامل في بيع قوة عمله(العضلية والذهنية) باعتبارها سلعة ، وقسم ماركس يوم العمل الي قسمين( ساعات لانتاج العمل الضروري، وساعات للعمل الفائض)، علي سبيل المثال اذا كان هناك عامل يعمل 12 ساعة في مصنع في اليوم، وكان اجره يعادل عمل 6 ساعات، فان العمل الفائض الذي يتكون من ال 6 ساعات الاخري هي التي يستحوذ عليها الرأسمالي، وتشكل اساس الاستغلال الرأسمالي.

  اى أن الاستحواذ علي فائض القيمة هو جوهر الانتاج والاستغلال الرأسمالي، وهذا من المكتشفات الاساسية لماركس.

 اذن وضع الطبقات في كل المجتمعات الاستغلالية السابقة ، كان يتحدد علي مقدار استحواذ الطبقات المالكة علي الناتج الاجتماعي الفائض.

 

 

10 -  ماهي الدولة؟

أشرنا سابقا الي ان الدولة هي نتاج تطور تاريخي،والتي تجسدت في المجتمع العبودي والاقطاعي والراسمالي لتحمي مصالح الطبقات الحاكمة، اى لم تكن موجودة منذ الازل، وانما نشأت مع انقسام المجتمع الي طبقات وسيطرة طبقة علي فائض عمل طبقة أخري، كما أوضحنا في العرض السابق، ولم تكن الدولة معروفة في المجتمعات البدائية أو المشاعية.

 وسمات الدولة هي:

أ- وجود سلطة سياسية عامة تعبر عن مصالح طبقة أو تحالف طبقات، والتي تحكم سواء كانت بوسائل ديكتاتورية( مدنية أو عسكرية) أو بوسائل ديمقراطية برلمانية.

ب-وجود ادوات وهيئات السلطة السياسية مثل: الجيش والبوليس والمحاكم والسجون والامن والمخابرات، وتقوم الحكومة مقام الهيئة التنفيذية التي تشرف وتتصرف في بقية الادوات والهيئات، بما في ذلك جمع الضرائب للصرف علي جهاز الدولة وادواته.

ج - تقسيم البلد الي وحدات ادارية بدلا من التقسيم علي اساس قبلي.

ومع ان حقائق التاريخ اوضحت الطابع الطبقي للدولة، الا أنه من المهم الدراسة العميقة والمستقلة لنشأة وتطور الدولة السودانية، لمعرفة سماتها وخصائصها والوظائف السياسية والقمعية والاشكال التي تعيد انتاج نفسها بها، فالدولة لاتبقي بالقهر فقط ولكنها تستمر ايضا بوسائل ثقافية ايديولوجية تتعلق بتقاليد وظروف كل بلد.

 لأن تلك المعرفة تساعدنا في كيفية تحويل جهاز الدولة الي اداة في خدمة الجماهير بدلا من اداة لقهرها وقمعها، واستنزافها بالضرائب التي تكرس امتيازات الطبقات الحاكمة لاتحويلها لتلبية احتياجات الجماهير الاساسية.

 ونستدرك ايضا، عندما نقول ان الدولة تعبر عن مصالح طبقة معينة، فان ذلك لايعني انه في لحظات معينة من الصراع الطبقي الا يحدث توازن طبقي، فتكف الدولة عن وظيفتها كاداة للقهر ولكن تلك حالة خاصة من الحالة العامة.

 

أهم المراجع:

1 -       انجلز: انتي دوهرينغ، دار التقدم موسكو 1984.

2 -       ماركس: مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي.

3 -       ماركس رأس المال، المجلد الاول.

4 -       ماركس وانجلز: الايديولوجية الالمانية

5 -       موريس كورنفورث: مدخل الي المادية الجدلية والتاريخية، دار الفارابي، بيروت 1985م.

6 -       الماركسية وقضايا الثورة السودانية، اكتوبر 1967م.

 

 

الفصل الثاني

المفهوم المادي للتاريخ ودراسة المجتمع السوداني

(امثلة من الواقع)

  دراسة المفهوم المادي للتاريخ أو مناهج دراسة التاريخ الأخري ليست بديلا لدراسة التاريخ والواقع السوداني.ولكنه مرشد لدراسة تاريخ وخصائص كل بلد بذهن مفتوح.

 ففي رسالة انجلز الي شميدت بتاريخ:5/8/1890م، يقول: ( ان للفهم المادي للتاريخ اليوم مجموعة من الاصدقاء الذين يرون فيه حجة لئلا يدرسوا التاريخ ، وهكذا يتكرر الوضع نفسه الذي قال فيه ماركس عن الماركسيين الفرنسيين اواخر السبعينيات (من القرن التاسع عشر) اعرف شيئا واحدا هو اني لست ماركسيا)( ماركس وانجلز: المؤلفات، المجلد 37، ص 370).

 والمفهوم المادي للتاريخ في جوهره مستمد من فهم الظروف الواقعية والحياة الانسانية متنوعة وخصبة ومتجددة من الصعب حشرها في نموذج، بل تتعدد النماذج وفقا لتنوع وخصوبة الواقع والحياة الانسانية، ستظل دائما الهوة موجودة بين النظرية والواقع، سيظل السؤال: ماعلاقة الاطار النظري بالواقع وما علاقتة بالمجتمع السوداني؟وسيظل دائما الواقع اغني واعمق من كل نظرية، وجوهر الديالكتيك هو التحليل الملموس للواقع الملموس.

 العلم لايعرف الكلمة النهائية، ويبدأ العلم بالمشكلات، ويعمل علي بناء النظرية التي تحل المشكلة ، وكل نظرية جديدة ذات شأن تثير مشاكل جديدة تحتاج لنظرية علمية جديدة لحلها.

 أولا: المجتمع السوداني شأنه شأن المجتمعات الانسانية الأخري مرّ بمراحل تطور مختلفة بدءا من العصور الحجرية واكتشاف الزراعة وتربية الحيوانات / ومرّ بحضارات عرفت الزراعة والرعي وتربية الحيوانات والصناعة الحرفية والتجارة وقيام المدن واللغة المكتوبة وبناء الاهرامات التي تظهر من الآثار الخالدة لحضارات نبتة ومروي وعرفت التفاوت الاجتماعي والدولة التي تنوعت وتطورت وتوسعت في اشكال متنوعة. كما عرفت الديانات الوثنية والديانات التوحيدية( المسيحية والاسلام)، وتفاعل مع العالم اخذا وعطاءا.

 دراسة تطور المجتمع السوداني تتطلب الذهن المفتوح لمعرفة خصوصيات تطوره وتمايزه عن المجتمعات الانسانية الأخري.

فمثلا: عند دراسة الدولة السودانية ناخذ في الاعتبار تاريخية الدولة وخصوصية تطورها بفعل اختلاف الثقافات والجماعات الاثنية والعوامل التاريخية المختلفة( انظر علي سبيل المثال: تاج السر عثمان: الدولة السودانية: النشأة والخصائص، الدار العالمية 2007م).

 وعند دراسة نظام الرق نأخذ في الاعتبار السمات والخصائص التي ميزت دور الرق في النسيج الاقتصادي والاجتماعي لتشكيلات ماقبل الرأسمالية في السودان، دون الانطلاق من استنساخ النموذج الاوربي أو البلدان الشرقية الاخري.(انظر علي سبيل المثال وثائق الرق التي نشرها الاستاذ محمد ابراهيم نقد في كتابه: علاقات الرق في المجتمع السوداني1995).

    ما هي الطبقات ؟

معلوم أن الفضل لايرجع لماركس في اكتشاف وجود الطبقات، ولا حتي اكتشاف الصراع فيما بينها. فقد وصف المؤرخون التطور التاريخي لهذا الصراع بين الطبقات، ووصف الاقتصاديون البورجوازيون التشريح الاقتصادي لهذه الطبقات، كل مافعله ماركس، انه اثبت أن وجود الطبقات، انما يرتبط بمراحل تاريخية بعينها لتطور الانتاج، وهذا ما تؤكده مسيرة تطور المجتمع السوداني الذي عرف اول انقسام طبقي- كما أشار علماء الآثار- منذ: 3000 ق.م في حضارة كرمة حيث ظهرت طبقة الحكام(ملوك، كهنه، اداريين، موظفين، وطبقة الشعب التي تتكون من المزارعين، الحرفيين. وبعد ذلك تطور التركيب الطبقي في الحضارات السودانية اللاحقة المختلفة، سواء كان ذلك في تكوينات ما قبل الرأسمالية في السودان أو في السودان الحديث.

 والدراسة في هذا الجانب خصبة ومتنوعة، فيما يتعلق بالتركيب الطبقي في السودان، وتتطلب الدراسة الميدانية واستخلاص نتائج من الواقع وبذهن مفتوح، دون اقحام مصطلحات الطبقات الاجتماعية، والتي نشأت وتبلورت مع تبلور الرأسمالية في اوربا. المهم دراستها في اطار خصوصية وتطور المجتمع السوداني ونشاطه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وهذا ميدان خصب ورحب وبلا ضفاف للدراسة.

الأرض:

والارض في السودان التي تشكل ركيزة العمل الأساسية في مجتمع زراعي رعوي، وكيف تجلت وتطورت وتنوعت اشكال ملكيتها في السودان؟.

 كيف كانت خصوصية نظام الاقطاع في السودان، وما هي الاشكال التي تجلت فيها تشكيلات ما قبل الرأسمالية في السودان؟. وتشكل وثائق الأرض التي نشرها د. محمد ابراهيم ابوسليم:    (الفور والأرض)، (الفونج والارض)، ( الارض في المهدية)، اضافة للوثائق الموجودة في مصلحة الاراضي والمحاكم، مادة خصبة للدراسة.

الرأسمالية السودانية:

ضرورة دراسة نشأة وتطور الرأسمالية في السودان، لمعرفة خصائصها ومصادر التراكم الرأسمالي، ومعلوم أن السودان شهد ظهور بذور نمط الانتاج الرأسمالي في فترة الحكم، عندما ارتبط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي عن طريق تصدير سلعتي: الصمغ والعاج، وكذلك سياسات النظام الوحشية في جباية الضرائب والتي ادت الي اقتلاع الالاف من المزارعين من اراضيهم وسواقيهم، ليجدوا انفسهم عاملين باجر في المصانع التي أنشأها الاتراك مثل: مصانع الصابون والذخيرة..الخ، اضافة لاتساع ظاهرة التعامل بالنقد  بعد ادخال المحاصيل النقدية( القطن، النيلة..الخ)، ثم بعد ذلك تطورت الرأسمالية في الفترات التاريخية المختلفة، حتي ظهور الرأسمالية الطفيلية أو التداولية في مايو، والطفيلية الاسلاموية التي توسعت في فترة الانقاذ.وهناك الدراسة التي تم انجازها في المؤتمر الرابع وصدرت ضمن وثيقة: الماركسية وقضايا الثورة السودانية حول الرأسمالية السودانية ومصادر التراكم، كما انجزت د. فاطمة بابكر دراسة ميدانية حول الرأسمالية السودانية، ونشرتها في كتاب بعنوان: الرأسمالية السودانية: اطليعة للتنمية وهو جهد مقدر وممتاز، كما انجز: تاج السر عثمان دراسة عن: الرأسمالية السودانية: النشأة والخصائص، ونشرت في حلقات في صحيفة الرأي الاخر، كما انجز د. صدقي كبلو دراسة عن الرأسمالية الطفيلية ونشرت في كتيب صدر عن دار عزة للنشر 2007م.

المجتمع المدني:

من المهم دراسة التطور الباطني للمجتمع المدني في السودان(أو المدنية السودانية)، دون النقل الاعمي للمصطلحات الوافدة من اوربا والتي نبعت من ظروف مختلفة، ومن خلال ديالكتيك التفاعل بين الخصوصية والعالمية. 

-           دراسة الاستمرارية في الثقافة السودانية وأثرها وتفاعلاتها وتشابكها مع التطور الاقتصادي والاجتماعي.

-           دراسة تجربة الدولة الدينية في السودان الحديث: دولة المهدية، دولة نميري بعد قوانين سبتمبر 1983م، وتجربة الدولة الدينية في نظام الانقاذ الحالي.

-           دراسة سمات وخصائص التنظيم السياسي والنقابي في السودان( احزاب، نقابات، اتحادات، ...الخ).

-           دراسة سمات وخصائص الطبقة العاملة السودانية.

-           الثورة السودانية: ميدان خصب للدراسة من خلال تراكم المقاومة البطيئة عبر السنين الي الانتفاضة الشاملة، كما حدث في الثورة المهدية، وثورة اكتوبر1964م ، وانتفاضة مارس- ابريل 1985م، لمعرفة سمات وقوانين تطور الثورة السودانية، باعتبار تلك التجارب تعتبر رصيدا وارثا هاما في مقاومة الانظمة الديكتاتورية والاستبدادية.

-           المؤسسة الدينية في السودان: صوفية، طائفية، وثنية، ودورها في مسيرة تطور المجتمع السوداني، ودراسة وظائفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ثانيا: يتساءل المرشحون: أن ماركس درس المخطط العام للتاريخ الاوربي، ولكن ماذا عن واقعنا و تاريخنا السوداني؟:

السؤال طبيعي ومشروع، فالمجتمع السوداني رغم خصوصيته، الا انه مرّ بالمراحل نفسها، التي مرّت بها المجتمعات البشرية:

1 -  عصور ما قبل التاريخ:

أوضحت الاكتشافات التي قام بها علماء الآثار أن السودان مرّ بعصور ما قبل التاريخ(العصور الحجرية، القديم، الوسيط، الحديث)، كما أوضحت آثار الخرطوم، الشهيناب..الخ، اوضحت تلك الآثار أن انسان تلك العصور استخدم أدوات انتاج مصنوعة من الحجر ومن العظام، وان الانسان البدائي عاش علي التقاط الثمار والصيد، وعرف التقسيم الاجتماعي للعمل بين الرجال والنساء، كما لم تعرف تلك المجتمعات البدائية التفاوت الطبقي والدولة، والجيش..الخ، وقد ظل التفاوت بين التكوينات الاجتماعية مستمرا حتي يومنا هذا، بينما نجد مجتمعات ومدن حديثة عرفت نمط الانتاج الرأسمالي، لازالت هناك مجتمعات بدائية تعيش علي الصيد والتقاط الثمار( في الجنوب، الانقسنا..الخ).

 وفي العصر الحجري الأخير(النيولويتي)، تم اكتشاف الزراعة والرعي، وحدث تحول نوعي من مجتمعات كانت تعيش علي الصيد والتقاط الثمار، الي مجتمعات زراعية رعوية، كما نلحظ ذلك من آثار حضارتي المجموعتين(أ)، (ج)، وبدأ يشهد السودان القديم بدايات الحضارة والتفاوت الاجتماعي.

 استمر التراكم الحضاري الي أن ظهرت أول الممالك السودانية: كرمة، وبعدها ظهرت ممالك: نبتة ومروى، والنوبة المسيحية(نوباتيا، المقرة، علوه). وهذا يعكس:

-           ظهور التفاوت الاجتماعي والطبقي والدولة والجيش، وطبقات: الحكام(ملوك، كهنه، اداريين..الخ)، وطبقة الشعب( مزارعين، رقيق، حرفيين..الخ)

-           ظهور المدن وتطور الفن المعماري كما يظهر من آثار كرمة ونبتة ومروي والنوبة المسيحية، وبدايات اللغة المكتوبة مثل: اللغة المروية، النوبية، كما تطورت الصناعات الحرفية والتجارة الداخلية والخارجية، وظهور بدايات التعامل بالنقد في ممالك النوبة المسيحية.

-           كما تطورت الديانات: من عبادة الاله آمون الي ظهور الهه جديدة في مروي مثل: ابا دماك..الخ، الي ظهور الديانه المسيحية في بداية العصور الوسطي.

-           في مجال الانتاج المادي: حدث تطور في نظام الرى والحفائر وخاصة في مملكة مروى.

-           كما لعبت المرأة دورا كبيرا في الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية(الكنداكات)، وخاصة في مملكة مروي، كما عرفت الحضارات السودانية القديمة نظام الامومة.

-           كما عرفت ممالك النوبة المسيحية نظام القنانة أو الاقطاع القديم الذي كان يمتلك فيه الملك الارض والعاملين عليها، ويعمل الفلاحون مقابل خراج معين يدفع للملك.

2 -  فترة الممالك الاسلامية: (الفونج، الفور، ..الخ)

حدث تطور اوسع في هذه الفترة حيث:

-           تم انتقال من الديانة المسيحية الي الديانه الاسلامية، وتم انتقال من اللغة النوبية الي اللغة العربية.

-           تم الانتقال من نظام الامومة الي نظام الابوة، وتغيرت الملكية من جهة الام الي جهة الاب.

-           حدث تطور في النظام الاقطاعي: من نظام القنانة القديم(المزارعين عبيد للملك)، الي نظام اقطاعي مختلف في سلطنتي الفونج والفور: تنوعت فيه اشكال ملكية الارض(ارض السلطان التي يعمل فيها المزارعون عن طريق نظام السخرة، وارض الاقطاعي والتي يقتسم فيها المزارع العائد مع الاقطاعي- اضافة للضرائب الاخري القائمة علي الشريعة والاعراف المحلية، اضافة الي ملكية القبيلة للارض..الخ).

-           كما عرفت تلك الفترة نظام الرق بسمات معينة تختلف عن نظام الرق في اوربا: حيث نجد أن وظائف الرقيق تتلخص في: التصدير للخارج، يقوم بوظائف العملة، العمل في مناجم الذهب، اضافة للعمل في مزارع الاسياد، وفي جيش السلطنة، وفي الاعمال المنزلية، ...الخ.

-           ظهور الطرق الصوفيه كشكل اوسع للتنظيم: حيث نجد الطريقة الصوفية تضم افراد من قبائل ومناطق مختلفة.

-           تطورت التجارة والصناعة الحرفية، والزراعة، وانتشرت الثقافة الاسلامية، كما تم تهميش اللغات والثقافات في الاطراف بعد سيادة مركزية الثقافة العربية الاسلامية.

-           تطور اقتصاد السلعة- النقد، والمدن والحياة الاجتماعية.

-           استمر التفاوت الاجتماعي والطبقي. 

3 - السودان الحديث(فترة الحكم التركي – المهدية- الحكم الثنائي – السودان المستقل).    

ظهر السودان بشكله الحالي تقريبا في فترة الحكم التركي حيث تم ضم المديريات الجنوبية، ودارفور، اقليم التاكا(كسلا)، وشهد السودان في تلك الفترة بروز نمط الانتاج الرأسمالي ويتجلي ذلك في: الارتباط بالتجارة العالمية، والتوسع في اقتصاد السلعة- النقد، اقتلاع الالاف من المزارعين من اراضيهم وسواقيهم فرارا من الضرائب الباهظة والاساليب البشعة في جبايتها، وتحولهم الي عاملين بأجر في مصانع ومؤسسات ومزارع الحكم التركي الذي ادخل بعض المحاصيل النقدية مثل: الصمغ، القطن، النيلة،..الخ، وخاصة بعد التحديثات التي ادخلها ذلك العهد في الزراعة، وادخال بعض الصناعات مثل: صناعة الصابون، الذخيرة، حلج القطن..الخ.

-           شهد السودان في تلك الفترة بداية الدولة المدنية، والتعليم المدني والقضاء المدني.

-           كان الاقتصاد في تلك الفترة متوجها الي الخارج، بمعني كان يخدم مصلحة دولة محمد علي باشا في مصر، من حيث تصدير القوي البشرية(الرقيق) اليها، والفائض الاقتصادي الناتج من الضرائب واستثمارات النظام في السودان، مما ادي الي تدمير البنية الاقتصادية للبلاد وافقارها وارهاق كاهل السودانيين بالضرائب، وكان ذلك من اسباب اندلاع الثورة المهدية، ومن اسباب التخلف الاقتصادي والاجتماعي للسودان.

-           شهدت تلك الفترة تراكمات كمية من المقاومة للاحتلال التركي بدأت من مقاومة الشايقية، وحريق المك نمر لاسماعيل باشا، وانتفاضات الجهادية السود في كسلا..، حتي تم تتويج تلك الانتفاضات، بالثورة المهدية، والتي كانت تحولا كيفيا في تغيير النظام.

فترة المهدية:

 تم فرض دولة دينية باسم ايديولوجية المهدية التي احتكرت الاسلام، باعتبار أن المهدية هي الاسلام الصحيح الوحيد، وتم حل الطرق الصوفية، وحرق الكتب(عدا القرآن، وكتب الاحاديث والسنة..)، وتم حجر المرأة وفرض عقوبات الجلد عليها(بسبب السفور أو الخروج للشارع..)، وتم منع الغناء والرقص والالعاب(مثل الطاب،..)، كما تم الغاء التعليم المدني وتقرر الرجوع لنظام الخلاوي.

 كما شهدت تلك الفترة في ايامها الاخيرة التفاوت الطبقي الصارخ والفساد والنهب باسم المهدية، كما تطورت التجارة الداخلية والخارجية والصناعات الحرفية والاسواق، كما شهدت مقاومة واسعة من القبائل السودانية نتيجة لعسف الدولة المهدية، كما ضرب الخليفة عبد الله تلك القبائل التي قاومته بوحشية مثل: مقتلة المتمة،..الخ، وكان ذلك من اسباب ضعف الدولة المهدية، مما جعلعا لقمة سائغة في يد قوات كتشنر عام 1898م.

فترة الحكم الثنائي:

ثم يعد ذلك جاءت فترة الحكم الثنائي(الانجليزي – المصري، 1898- 1956)، والتي ارتبط فيها السودان بشكل اوسع بالنظام الرأسمالي العالمي، عن طريق التبادل غير المتكافي: استيراد سلع رأسمالية مقابل تصدير مواد اولية( القطن الذي كان يشكل اكثر من 60% من الصادر)

 كما تم الغاء نظام الرق وادخال العمل الماجور في مؤسسات النظام الاستعماري الخدمية والزراعية والصناعية...الخ. كما تم نهب الفائض الاقتصادي وتصديره للخارج عن طريق البنوك والشركات الاجنبية، علي سبيل المثال: كانت ارباح مشروع الجزيرة في الفترة:1947- 1952م، 9 مليون جنية استرليني تم تصديرها للخارج (تيم نبلوك: صراع السلطة والثروة في السودان).

 في هذه الفترة تطورت الفئات والطبقات الحديثة مثل: الطبقة العاملة، والخريجين، وطبقة التجار..الخ، كما ظهرت منظمات المجتمع المدني مثل: اندية الخريجين واندية العمال، وجمعية الاتحاد السوداني واللواء الابيض، ومؤتمر الخريجين، وحركة تحرير وتعليم المرأة، كما ظهر فن الغناء والموسيقي الحديث والحركة الادبية والمسرحية، وتطورت المدن السودانية، ومؤسسات التعليم المدني الحديث، والجمعيات الخيرية مثل معهد القرش، الي أن ظهرت الاحزاب السياسية والنقابات والاتحادات بعد الحرب العالمية الثانية.

السودان المستقل:

ثم بعد ذلك جاءت فترة مابعد الاستقلال، والتي تناولتها وثائق الحزب الشيوعي السوداني بالدراسة والتحليل مثل: وثيقة المؤتمر الرابع: الماركسية وقضايا الثورة السودانية، والتي اشارت الي سير البلاد في طريق التطور الرأسمالي، والذي كرّس التبعية للعالم الرأسمالي، وارهاق كاهل البلاد، في ظل الانظمة العسكرية والمدنية التي حكمت البلاد، وحتي نظام الانقاذ الحالي، حيث بلغت ديون السودان الخارجية 47 مليار دولار عام 2016م، اضافة لتعميق الفقر والذي وصلت نسبته 95% (يعيشون تحت خط الفقر)، اضافة للتمية غير المتوازنة والتي ادت الي انفجار الحركات في المناطق المهمشة، وغير ذلك مما أشارت اليه وثائق ودراسات الحزب الشيوعي السوداني.

 

مراجع للمزيد من الدراسة والبحث في الواقع السوداني:

 ما عرضناه اعلاه خطوط عامة، مهم استكمالها بمراجع هامة تناولت تاريخ وواقع السودان مثل:

1 -       مؤلفات تناولت تكوينات ما قبل الرأسمالية في السودان علي سبيل المثال علي الحصر:

أ- أسامة عبد الرحمن النور: دراسات في تاريخ السودان القديم، مركز عبد الكريم ميرغني 2006م.

ب – محمد سعيد القدال:

-  السياسة الاقتصادية للدولة المهدية، دار جامعة الخرطوم 1986م.

-  تاريخ السودان الحديث، 1993م.

ج- محمد ابراهيم نقد:

-  علاقات الرق في المجتمع السوداني، دار الثقافة الجديدة 1995م

-  علاقات الأرض في السودان، دار الثقافة الجديدة 1993م.

د- تاج السر عثمان:

-  تاريخ النوبة الاقتصادي- الاجتماعي، دار عزة 2003م

- لمحات من تاريخ سلطنة الفونج الاجتماعي، مركز محمد عمر بشير 2004م.

-  تاريخ سلطنة دارفور الاجتماعي، مكتبة الشريف الاكاديمية 2005م.

-  التاريخ الاجتماعي لفترة الحكم التركي، مركز محمد عمر بشير 2006م.

-  الدولة السودانية: النشأة والخصائص، الدار العالمية 2007م

2 - المناطق المهمشة:

أ- جعفر كرار أحمد: الحزب الشيوعي السوداني والمسألة الجنوبية، دار جامعة الخرطوم 2005م.

ب- عطا البطحاني: جبال النوبا: الاثنية السياسية والحركة الفلاحية(1924- 1969م)، مركز الدراسات السودانية 2000م.

ج- محمد سليمان محمد:السودان: حروب الموارد والهوّية، لندن 2000م.

د- تاج السر عثمان: الجذور التاريخية للتهميش في السودان، مكتبة الشريف الأكاديمية 2005م.

3 - المرأة السودانية:

أ- فاطمة باباكر : الاتجاهات الفكرية في الحركة النسائية، دار عزة 2008م.

                  : المرأة الافريقية بين الارث والحداثة، داركمبردج 2002م.

ب- تاج السر عثمان: تطور المرأة السودانية وخصويتها، دارعزة 2006م.

4 - فاطمة بابكر محمود: الرأسمالية السودانية: أطليعة للتنمية؟( ترجمة سعاد العطا)، داركمبردج 2006م.

5 - تاج السر عثمان: خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية(1900- 1956م)، الشركة العالمية للطباعة والنشر 2006م.

********************** 

 محاضرة رقم (6)

نقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية

طبعة ثالثة منقحة ومزيدة

 

نقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية

من عصر "رأس المال إلى عصر "العولمة "

 

فجر الرأسمالية:

كان فجر الرأسمالية الذي انبثق مع بداية الثورة الصناعية (1750 – 1850) مليئاً بالبؤس والشقاء من جراء الاستغلال البشع الذي كان يعاني منه العمال والنساء والأطفال، كانت مستويات المعيشة متدهورة، والإجور منخفضة وشبح البطالة يهدد العاملين، والأزمات الدورية للرأسمالية (أزمات فيض الإنتاج - إغلاق المصانع – تشريد العاملين) تحدث هزات قوية في المجتمع، ومن الجانب الآخر كانت الزراعة الرأسمالية تقتلع الفلاحين من آراضيهم وتحولهم إلى أجراء (بروليتاريين) لا يملكون غير قوة عملهم، ويندفعون صوب المدن بحثاً عن عمل يسد الرمق.

 وعند هذه النقطة الحرجة بدأ النقد للرأسمالية يبرز ذلك النقد الذي ابتدره الاشتراكيون الخياليون (الطوباويون) الذين صوروا مآسي المجتمع الرأسمالي، وكما اوضح ذلك التصوير الناقد للمجتمع الرأسمالي في روايات ذلك العصر مثل روايات شارلس ديكنز( مثل: ديفيد كوبر فيلد)، وفيكتور هوجو (البؤساء) وغير ذلك من الروايات التي صورت واقع المجتمعات في تلك الفترة المليئة بالبؤس والشقاء من فجر الرأسمالية.

انطلق ماركس من نقد الاشتراكيين الطوباويين للمجتمع الرأسمالي الذي يتسم بعدم العدالة، وتركز الثروة في يد القلة وسيادة القانون الأساسي للرأسمالية: تحقيق أكبر قدر من الأرباح على حساب العاملين.

ورغم تبدل الأحوال والمتغيرات التي حدثت في التشكيلة الرأسمالية، إلا ان الاستغلال الرأسمالي ظل مستمراً وأصبح متعدياً من استغلال العاملين إلى استغلال ونهب شعوب بأكملها وطالما ظل المجتمع الرأسمالي بكل تناقضاته ومآسيه فان مشروعية النقد تظل قائمة وهذا النقد حاول ماركس ان يؤسس له بطريقة منهجية وعلمية في مؤلفه (رأس المال).

 مساهمة ماركس:

كتب ماركس في مقدمة الطبعة الأولى لمؤلفه (رأس المال): :أنني انظر إلى تطور التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية كعملية تاريخية طبيعية وهدف مؤلفي النهائي هو اكتشاف القانون الاقتصادي لحركة المجتمع المعاصر".

 

يواصل ماركس ويقول: "المجتمع المعاصر ليس بلورة صلبة بل كيان عضوي قادر على التحول وهو يتحول بصورة دائمة". وهـذا ما أكـدته الأحــداث

فيما بعد في التحولات المختلفة التي مرت بها التشكيلة الرأسمالية.

كان صدور المجلد الأول من كتاب رأس المال المؤلف من أربعة مجلدات حدثاً مدوياً في نقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية. في ذلك المجلد درس ماركس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إنجلترا التي كانت أكثر البلدان الرأسمالية تطوراً في عصره كما استند على الاستنتاجات العلمية التي خرج بها الكلاسيكيون في الاقتصاد السياسي البرجوازي مثل: آدم سميث، ريكاردو، وليم بيتي وغيرهم وأعاد النظر فيها بشكل انتقادي.

علي سبيل المثال: درس آدم سميث ودفيد ريكاردو النظام الاقتصادي، فسجلا بداية نظرية القيمة – العمل، وواصل ماركس عملهما، فاعطي هذه النظرية أساسا علميا خالصا وطورها بصورة منسجمة الي النهاية، وبين ان قيمة كل بضاعة مشروطة بوقت العمل الضروري اجتماعيا لانتاج هذه البضاعة، وحيث كان الاقتصاديون البورجوازيون يرون العلاقات بين الاشياء(مبادلة بضاعة ببضاعة أخري)، اكتشف ماركس العلاقات بين الناس، ان تبادل البضائع يعبر عن الصلة القائمة بواسطة السوق، بين المنتجين المنفردين، والمال(النقد) يعني أن هذه الصلة تزداد وثوقا، جامعة في كل واحد لايتجزأ كل الحياة الاقتصادية للمنتجين المنفردين وراس المال يعني تطور هذه الصلة، فان قوة عمل الانسان تغدو بضاعة. فالاجير يبيع قوة عمله لمالك الأرض أو لصاحب المصنع وادوات الانتاج، والعامل يستخدم قسما من يوم العمل لتغطية نفقات اعالته واعالة اسرته(الأجرة)، ويستخدم القسم الآخر للعمل مجانا، خالقا للرأسمالي فائض القيمة(القيمة الزائدة)، التي هي مصدر الثراء للطبقة الرأسمالية.      ولذا جاء عمل ماركس الرئيسي يحمل عنواناً فرعياً هو [نقد الاقتصاد السياسي] وكانت فكرة ماركس الأساسية هي انه لا يمكن التوصل إلى استنتاجات علمية إلا عن طريق تحليل الواقع الاجتماعي والممارسة العملية.

وكانت ثمرة دراسة ماركس العينية للمجتمع الرأسمالي في إنجلترا، كما أشرنا سابقا، هو اكتشاف نظرية فائض القيمة التي شكلت حجر الزاوية لنظرية ماركس الاقتصادية. ولقد فسرت نظرية فائض القيمة الاستغلال الرأسمالي في المجتمع يومئذ والتي تقوم على استحواذ الرأسماليين على العمل غير مدفوع الأجر حيث قسم ماركس يوم العمل إلى قسمين:

  1. ساعات مدفوعة الأجر.
  2. ساعات غير مدفوعة الأجر.

وتكون ما يؤول للرأسماليين من أرباح أساساً من الساعات غير مدفوعة الأجر. علي سبيل المثال اذا كان هناك عامل يعمل في اليوم 12 ساعة وكان اجره يعادل عمل ست ساعات، فان الاجر الناتج من الست ساعات الباقية يشكل فائض القيمة والذي يعود للرأسمالي.

 ان نظرية فائض القيمة(القيمة الزائدة)  تشكل حجر الزاوية في نظرية ماركس الاقتصادية، ان رأس المال الذي يخلقه عمل العامل يلقي بثقله علي العامل، ويخرب صغار ارباب العمل، ويزيد من جيش العاطلين عن العمل، وان تغلب رأس المال علي الانتاج الصغير يؤدي الي زيادة انتاجية العمل والي خلق وضع احتكاري في صالح مجموعة من الرأسماليين الكبار، وتزداد صفة الانتاج الاجتماعية برزوا يوما بعد يوم: مئات الالاف والملايين من العمال يجمعون في مؤسسة اقتصادية متناسقة، بين حفنة من الرأسماليين تمتلك نتاج العمل المشترك وتشتد فوضي الانتاج والآزمات(كما هو الحال في الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة)، والركود المجنون وراء الأسواق، وعدم ضمان العيش للغالبية العظمي من السكان. وان النظام الرأسمالي يزيد من تبعية العمال لرأس المال ويخلق في الوقت نفسه قدرة العمل الموحد الكبيرة.ولقد تتبع ماركس في مؤلفه (رأس المال) تطور الرأسمالية منذ عناصر الاقتصاد البضاعي الأولية، التبادل البسيط حتي أشكالها العليا، الانتاج الكبير.  

وبطبيعة الحال كان مؤلف ماركس محكوماً بتطور العلوم الطبيعية والاجتماعية والبيولوجية في القرن التاسع عشر.

وكانت نقطة الانطلاق لدراسة المجتمع الرأسمالي كما حددها ماركس في المجلد الأول هي السلعة باعتبارها الخلية الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي، نلاحظ هنا انه استفاد من مفهوم الخلية الذي تم اكتشافه في علم الأحياء باعتبارها أساس الكائنات الحية.

كما أشار ماركس إلى قانون القيمة الذي هو قانون الحركة الخاص بالإنتاج السلعي الرأسمالي وان بذور كافة تناقضات الرأسمالية تكمن في القيمة، كما نلاحظ ان ماركس استفاد من اكتشاف دارون لقانون تطور الكائنات العضوية في بلورة اكتشافه لقانون تطور المجتمع البشري، باعتباره كيان عضوي قادر على التحول، وهو يتحول بصورة دائمة.

كما نلاحظ استفادته من علم التفاضل والتكامل ويتضح ذلك من استخدامه لمصطلحات ذلك العلم مثل (الثابت والمتغير)، (معدلات التغير).

 

علي ان فكرة رأس المال تطورت كعملية ولم تتم دفعة واحدة ويمكن تلخيص تطورها على النحو التالي:

          توصل ماركس وانجلز (في البيان الشيوعي – 1848) إلى ان الاشتراكية نتيجة حتمية لتطور أسلوب الإنتاج الرأسمالي، ما البرهان العلمي؟

          في مؤلف ماركس (مقدمة لنقد الاقتصاد السياسي) إشارة إلى ضرورة دراسة العلاقات الاقتصادية للمجتمع المعاصر، فالعلاقة الحقوقية وكذلك أشكال الدولة كما يقول ماركس لا يمكن ان يتم فهمها من خلال نفسها ولا من خلال ما يسمى التطور العام للفكر الإنساني بل هي تكمن في العلاقات الاجتماعية المادية وبنية المجتمع المدني.

          في مؤلف (الأيدلوجيا الألمانية) صاغ ماركس وانجلز المفهوم المادي للتاريخ والذي يعتبر الأساس المنهجي للاقتصاد السياسي الماركسي.

          وفي كتاب (بؤس الفلسفة) لماركس صاغ فيه مفاهيم حول العمل المأجور والرأسمال كما صاغ نظرية القيمة أو قانون القيمة ووضع بعض عناصر نظرية فائض القيمة. وبعد ذلك قام ماركس بدراسة الاقتصاد السياسي البرجوازي دراسة ناقدة وقدر إيجابياً منجزاته العلمية وفي الوقت نفسه نقد محدوديته الطبقية والأساس المعرفي والفلسفي، كما نقد منهجية البحث الميتافيزيقية التي كانت تحكمهم، كما استخدم في طريقته للبحث المنهج المادي الديالكتيكي في دراسة الاقتصاد السياسي والتوصل إلى نظرية فائض القيمة في مؤلفه (الرأسمال).

 

مرحلة الإمبريالية ومساهمة لينين:

 

كانت صورة المجتمع في نهاية القرن التاسع عشر تحددها المنافسة الحرة وفي عام 1902م ظهر كتاب (هوبسن) (الامبريالية) الذي تناول حدود مرحلة التبادل وبداية مرحلة الحماية الامبريالية. كما أشار الاقتصادي هيلفردينك في مؤلفه(رأس المال المالي) الي الجوانب الاتية:

-           اندماج الرأسمال المصرفي والرأسمال الصناعي في الرأسمال المالي، الذي شكل العامل المساعد لتكون الكارتلات والتروستات.

-           استراتيجية تطور الكارتلات والتروستات(المؤسسات متعددة الجنسية) فيما يخص معدل الربح والخسارة للانخفاض والسيطرة علي الأسعار.

-           آثار الكارتلات والتروستات علي تحول بنية نمط الانتاج الراسمالي في المرحلة الاحتكارية.

 

استند لينين إلى الأبحاث السابقة لنظرية الإمبريالية وأشار إلى سمات الإمبريالية الخمس في مؤلفه ( الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية – 1916) وهي:

  1. دخول الرأسمالية مرحلة الإمبريالية التي أصبحت صورة المجتمع منذ ذلك الحين لا تحددها المنافسة الحرة، كما كان الحال في عهد ما قبل الاحتكارات.
  2. أشار لينين إلى انه رغم المتغيرات الاقتصادية الاجتماعية المهمة في ظل الرأسمالية، فان هذه المتغيرات لم تؤد إلى نشوء مجتمع جديد، إذ انها تمت في داخل الرأسمالية وسيطرة الاحتكارات والكارتلات والسنديكات والكونشرتات والتروستات، وهي عبارة عن أشكال جديدة لتجلى علاقات الإنتاج الرأسمالية، ومازالت تعمل كالسابق قوانين حركة أسلوب الإنتاج الرأسمالي الأساسي، قانون فائض القيمة.
  3. ان اتساع سلطة الاحتكارات في الاقتصاد والسياسة استتبع تغيرات مهمة في الأشكال الملموسة لفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية في الرأسمالية، والاحتكارات الإمبريالية خلافا ًلمؤسسات ما قبل المرحلة الاحتكارية لا تحقق الربح المتوسط، بل تستأثر بفعل وضعها المهيمن بالربح الاحتكاري وهذا يعتبر من حيث الجوهر قيمة زائدة شأن الربح المتوسط. ولكن الشكل الذي يتجلى فيه يختلف.
  4. تستأثر الاحتكارات بالربح نتيجة استغلال العاملين في مؤسساتها ولكن أيضاً هناك جزء من القيمة تعتصره عن طريق الأسعار الاحتكارية من العمال غير العاملين في هذه المؤسسات ومن سائر الفئات والطبقات وخاصة المستعمرات.

وهكذا أوضح لينين ان تطور الإمبريالية الاقتصادي يتحدد أيضاً في نهاية المطاف بفعل قوانين الرأسمالية التي اكتشفها ماركس.

  1. كان لينين يرى ان تكوين المؤسسات متعددة الجنسيات هي النتيجة الطبيعية لتصدير رأس المال، إلا ان لهذه النتيجة آثار جديدة على الصعيد العالمي يقول لينين في مؤلفه (الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية): "يبين لنا عصر الرأسمالية الحديثة نشوء علاقات معينة من المجاميع الرأسمالية تستند إلى التقسيم الاقتصادي للعالم، كما يقوم بشكل مواز وكنتيجة طبيعية لذلك بين المجاميع السياسية بين الدول علاقات تستند إلى اقتسام مناطق العالم وذلك ضمن صراعها حول المستعمرات والصراع حول المناطق الاقتصادية".

وكان نقاش المفكرين الماركسيين لظاهرة الامبريالية خصبا  ومتنوعا فهاهي روزا لوكسمبورغ في مؤلفها (تراكم رأس المال) تحدد طبيعة وآليات الإمبريالية على النحو التالي:

-           طبيعة الإمبريالية تتلخص في التناقض بين خلق وتحقيق الناتج الاجتماعي بشكل عام وفائض القيمة بشكل خاص.

-           الآليات تتناول تصدير رأس المال الذي يضم عملية التخصص والتبادل غير المتكافئ على الصعيد العالمي.

أما بوخارين في مؤلفه (الاقتصاد العالمي والإمبريالية – 1915) فيتناول ثلاث نقاط تتعلق بآليات وآثار الإمبريالية وليس بطبيعتها.

  1. معنى التقسيم الدولي للعمل.
  2. قانون التطور غير المتكافئ بين الدول الفقيرة والدول الغنية.
  3. تصدير رأس المال لكونه خلق لشبكة استغلالية.

كما شدد بوخارين على الآتي:

  1. التقسيم الدولي للعمل هو ليس نتيجة للحيازة الطبيعية لعوامل الإنتاج وإنما هو نتاج عدم تكافؤ تطور قوى الإنتاج بسبب قانون التطور غير المتكافئ منظوراً إليه من زاوية اختلاف تطور الزراعة والصناعة.
  2. يصبح قانون التطور غير المتكافئ بين الصناعة على الصعيد الوطني هو قانون التطور على الصعيد العالمي.
  3. يقبل بوخارين بان تصدير رأس المال هو دعامة لإيجاد شبكة عالمية للتبادل وهو بذلك لا يقف بوجه تصدير البضائع بل بالعكس يقوم بخدمتها.

وهكذا كانت المناقشات النظرية حول الإمبريالية غنية وثرة، وكان النتاج النظري متسعاً في الفكر الماركسي ولا سيما في الفترة (1890 – 1917) حول موضوع الإمبريالية، ولكن منذ عام 1930 سادت فترة الجمود والركود في الفكر الماركسي فلم يتم سوى تكرار النظرية اللينينية فقط حول الإمبريالية  في الاحزاب الشيوعية التي كانت حاكمة وخارج الحكم.

 ولكن كانت هناك مساهمات جديدة تناولت الظواهر الجديدة بذهن مفتوح مثل اعمال بول باران وسويزي وسمير امين وكريستيان باولو وأرجيري عمانويل وغيرهم(انظر علي سبيل المثال سمير امين:(  التراكم علي الصعيد العالمي ،دار ابن خلدون 1978م) ، بول باران وسويزي: (الرأسمالية الاحتكارية، 1968م)، ارجيري عمانويل: (التبادل المتكافئ 1969م)

 

متغيرات في التشكيلة الرأسمالية:

منذ مؤلف لينين (الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية) حدثت متغيرات في التشكيلة الرأسمالية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

-           تتسم الرأسمالية المعاصرة بتطور القوى الإنتاجية (الثورة العلمية التقنية) وبعلاقات إنتاج جديدة للتبادل والتوزيع وتدويل عملية الإنتاج تحت تأثير تصدير رأس المال.

-           اتجاه بعض بلدان العالم الثالث للتخصص في الإنتاج التقليدي (بما في ذلك أدوات الإنتاج) أما المركز فيحتفظ لنفسه بالنشاطات الأكثر عصرية (الإنتاج الآلي، الإلكترون، غزو الفضاء، الذرة …الخ) كما ان الثورة العلمية التقنية تؤدي إلى إلغاء الأشكال التقليدية للتراكم. وبما ان الأشكال التقليدية للتراكم تتطلب تركيباً عضوياً منخفضاً لرأس المال، فان البلدان المتخلفة ستتخصص في الإنتاج التقليدي الذي يتطلب عملاً بسيطاً بما في ذلك الإنتاج الصناعي التقليدي ( معامل جديدة، ومعامل كيميائية).

-           نشوء الإمبراطوريات المالية الدولية (الرأسمال المالي الدولي) التي تضمن اتحاد الرأسمال الصناعي الدولي المنتج (المؤسسات الصناعية المتعددة الجنسيات مع قوة الرأسمال المصرفي الدولي ، المؤسسة المصرفية المتعددة الجنسيات (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي).

-           اندماج مجالات الإنتاج والتداول في مركز موحد للقرارات، أي تحت سيطرة رأس المال.

-           تطور مستوى الخلق والتداول وتحليل المعلومات المتعلقة بالمكونات العديدة للمؤسسة التي تتم  بالارتباط مع ظهور القوى الإنتاجية الجديدة (الإلكترون، تنقية الإعلام، الطيران، الاتصالات البعيدة، الراديو، والموبايل، الإنترنت، .. الخ)

وكذلك تحول شكل العمليات الإنتاجية نفسها (الأتمتة) والاستخدام المتطور للكيمياء…

-           انحسار دور الطبقات الرأسمالية في عملية اتخاذ القرارات والتقديرات للمستقبل، ويتم الانحسار مع نشوء وتفوق قوى العمل المثقفة (ذوي الياقات البيضاء والذهنية) المنتجة للمعارف التي يتم الاستحواذ عليها من قبل رأس المال، وهذه القوى تتعرض للاستغلال الرأسمالي وتدخل ضمن نسيج قوى الثقافة والعمل التي تنتج فائض قيمة بشكل مباشر أو غير مباشر.

إبراز التحولات في الهيكل الإنتاجي عن الصناعات التقليدية التي شكلت أساس الثورة الصناعية في الماضي مثل: صناعة الغزل والنسيج والملابس والاطارات والحديد الخام والالمونيوم والاسمنت وتكرير البترول والأسمدة وتسييل الغاز الي غزيرة التكنولوجيا كثيفة رأس المال مثل صناعة  الالكترونيات

 

والحاسبات الآلية والطاقة الذرية والآلات الدقيقة المدارة ببرامج الحاسب الآلي،والصواريخ ومنتجات الكيمياء العضوية أو الهندسة الوراثية والمعدات الحربية بفروعها المختلفة ومعدات الفضاء ومنتجات الهندسة الكهربائية والطاقة.

-           برزت الصناعة التحويلية لتأخذ مركز الصدارة ولكن ليس بمفهومها القديم  الذي يهتم بالمعادن الثقيلة الحديدية وغير الحديدية، بل انتقلت إلى مجال المعادن الخفيفة اللازمة لفروع الصناعة والأقل تكلفة والأكثر جودة، وصناعة السبائك الجديدة المكتشفة حديثاً بأساليب علمية.

-           كما تعمقت أزمة الرأسمالية المعاصرة مثل: البطالة، الأشكال الجديدة لنهب بلدان العالم وأزمة الدين العالمي، والتهميش وتعمق التناقض بين قوى الإنتاج الضخمة التي أطلقتها الثورة العلمية وعلاقات تزايد التفاوت في توزيع الثروة، إضافة لسيادة الاتجاه الريعي للدخول وسيادة النشاط الطفيلي.

 

العولمة:

دخلت الرأسمالية فترة جديدة من فترات تطورها، هي إمبريالية العولمة التي ليس هدفها فقط الاستيلاء على أراضي وأقامة مستعمرات، بل السيطرة على اقتصاد العالم ككل في كل مكان وطيلة الوقت.

وعلى سبيل المثال أصبحت الولايات المتحدة قوة كونية مسيطرة على العالم (روما الحديثة) على حد تعبير الاقتصادي بول سويزي، وهي تخوض صراعاً للحفاظ على مكانتها وحتى توسيعها، كالقوة الأولى عسكرياً واقتصاديا وسياسياً في العالم، وتنفق ثلث مجموع ما ينفق العالم على التسليح، وهي أهم بائع سلاح في العالم.

تحمل العولمة في جوفها كل سمات وتناقضات الرأسمالية وأزمتها، وبشكل أوسع وأعمق مما كانت عليه في السابق علي سبيل المثال: يزداد تركز الثروة وتتسع الفروق بين البشر والدول اتساعاً لا مثيل له، وتشير الإحصاءات إلى ان 358 ملياردير في العالم يملكون ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان المعمورة، وان هناك 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي الإجمالي وعلى 84% من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها 85% من مجموع المدخرات العالمية (أنظر مؤلف فخ العولمة: للكاتبين- هانس بيترمارين، هارالد شومان – الكويت1998 ص 11).

كما تشير الإحصاءات إلي أن 95% من ثروات وموارد العالم الاقتصادية مركزة في يد أقل من15% من سكان العالم.

وهذا التفاوت القائم بين الدول يواز يه تفاوت داخل كل دولة حيث تستأثر قلة

من السكان بالشطر الأعظم من الدخل الوطني والثروة القومية، في حين تعيش أغلبية السكان على الهامش – مثال في أمريكا 1% من السكان يملكون 40% من الثروة وفي بلد متخلف كالسودان 95% من السكان يعيشون تحت خط الفقر ، 10%  من السكان يستحوذ على 60% من ثروة البلاد.

-           ترسم العولمة لنا صورة المستقبل بالعودة للماضي السحيق للرأسمالية واقتلاع كل مكتسبات الطبقة العاملة والفئات الوسطى، وزيادة البطالة وانخفاض الإجور، وتدهور مستويات الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، وإطلاق آليات السوق، وابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط والاقتصاد وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين.

-           ويشير مؤلفا "فخ العولمة": (إلى انه في القرن الحادي والعشرين سيكون هناك فقط  20% من السكان الذين يمكنهم العمل والحصول على الدخل والعيش في رغد وسلام، أما النسبة الباقية 80% فتمثل السكان الفائضين عن الحاجة، الذين لم يمكنهم العيش إلا من خلال الإحسان والتبرعات وأعمال الخير).

-           إذا أخذنا التقسيمات التي تقوم عليها العولمة نلاحظ إنها كالآتي: تزيد قيمة التجارة الدولية على 11.5 مليار جنيه استرليني يومياً، تشترك البلدان الأشد فقراً في جزء صغير منها لا يزيد عن  04,% ويسيطر رأس المال الأمريكي والتابع لبقية الثماني الكبار على 70% في أسواق العالم.

-       تخسر البلدان الفقيرة 1.3 مليار جنيه استرليني يومياً في التجارة بسبب القوانين التي تطالب برفع حواجز التعريفات وانهاء الدعم في البلدان الفقيرة بينما يجري تجاهل الحمائية في الغرب.

-      منظمة التجارة العالمية تحولت إلى حكومة عالمية يديرها الأغنياء - واشنطن بالدرجة الأولى – وعلى الرغم من ان عدد اعضاءها يبلغ 142 بلداً، إلا ان سياستها ترسم من قبل 21 بلداً فقط. النواة المكونة من أمريكا، كندا، اليابان.

-     عولمة الفقر هي الاسم الحقيقي لتحرير التجارة.

(انظر القصة الحقيقية وراء حرب أمريكا- الأيام 16/6/2003م).

مثال آخر: بعد 11 سبنمبر 2001 كانت حرب افغانستان دافعها البترول، فالولايات المتحدة تبحث عن مصادر بترولية رئيسية أخرى بسبب عدم الاستقرار في منطقة الخليج الفارسي.

 

*قيمة البترول المتوفر في منطقة بحر قزوين يقدر بنحو أربعة تريليون دولار. ولكن بترول منطقة قزوين المحصور براً بين روسيا وإيران وجمهوريات سوفيتية سابقة يشكل تحديات هائلة بالنسبة لعمليةالنقل، وتحتل أفغانستان موقعاً استراتيجياً بالقرب من بحر قزوين، وكذلك حرب العراق في مارس، أبريل 2003 هدفها النفط إذ يبلغ حجم احتياطي النفط العراقي المكتشف نحو 112 مليار برميل، ويمتلك العراق أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد الممللكة العربية السعودية.

العولمة بمعني سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي على نطاق العالم أو سيادة قيم وثقافة الرأسمالية على نطاق العالم، ليست ظاهرة جديدة، فقد بدأ منذ انتصار الثورة الصناعية الأولى التي غزت منتجاتها شعوب المستعمرات، ولكن الجديد تصاعد وتائرها بعد ثورة المعلومات والاتصالات حتى أصبح العالم قرية، وسعي الرأسمالية عن طريق الشركات متعددة الجنسية لسيادة قيمها وثقافتها في مختلف بلدان العالم، وظهرت نظريات جديدة مثل: نظرية فوكوياما عن ( نهاية التاريخ) بعد انهيار التجربة الاشتراكية وسيادة الرأسمالية على نطاق عالمي.

 

القوة الدافعة للعولمة:

أصبحت الشركات متعددة الجنسية محور العولمة والقوة الدافعة لها وعلى سبيل المثال:

-           الدول الرأسمالية الخمس الكبرى في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، ألمانيا، فرنسا) تهيمن على 90% من المؤسسات الكبرى في كوكبنا.

-           أصبحت للشركات متعددة الجنسيات سمات سيادية: أجهزة أمن خــاصة  بها ..الخ

-           يتزايد تصدير رأس المال متصاعداً مرات عديدة مع تطور العولمة الاقتصادية (وأصبح اليوم لا شيء قادر على التنقل بالسرعة التي يتنقل بها رأس المال، فمن ناحية توجه الاستثمارات الدولية تدفق التجارة ومن ناحية أخرى تحدد المليارات المتنقلة بسرعة الضوء، أسعار الصرف الأجنبي ، وكذلك القوة الشرائية للبلد المعني ولعملتها إزاء باقي العالم) – [فخ العولمة- ص 205].

-           بناء على إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) وهناك ما يقرب من أربعين ألف شركة تمتلك مصانع فيما يزيد على ثلاث دول، ووصلت قيمة مبيعات المائة الكبرى منها ما يقرب من (1.4) بليون دولار في العام الواحد، وتهيمن الشركات العابرة للقارات على ثلثي التجارة العالمية، وينجز ما يقرب من هذه التجارة في داخل شبكة المصانع التي تعود ملكيتها إلى الشركة الأم. (فخ العولمة – ص 206).

 

فترة جديدة للإمبريالية:

مع العولمة دخل العالم مرحلة جديدة للإمبريالية وصفها العالم الماركسي استفان ميساروس في بحثه الأخير عن أبعاد التطورات الجارية في القرن الحادي والعشرون قرن الاشتراكية أم البربرية؟

(إننا دخلنا المرحلة الأخطر للإمبريالية في التاريخ كله، فالمطلوب الآن ليس السيطرة على جزء من العالم مهما كبر حجمه من الكرة الأرضية، إنما القضية هي السيطرة على الكرة الأرضية بأسرها من قبل الدولة الأعظم اقتصادياً وعسكرياً بكافة الوسائل التي في متناول يدها، حتى تلك الوسائل الغاية في التسلط، بما في ذلك الأساليب العتيقة ان اقتضى الأمر).(مقدمة في الشأن الإمبراطوري الأيام 19/5/2003).

أما روجيه غار ودي فقد وصف العولمة:

(بأنها مشروع إمبريالي لتشويه وإزالة الثقافة والإيمان لدى مختلف الشعوب حتى يفرض عليهم علاوة على أسلحة ودولارات الولايات المتحدة الأمريكية اللا ثقافة واللا معنى التي يتحلى بها دين لا بجرؤ على التصريح باسمه إلا وهو دين وحدانية السوق).

روجيه غارودي: (كيف نصنع المستقبل؟ ، دار الشروق القاهرة  مارس 2002)

**********

                        الأزمة الاقتصادية الراهنة ونقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية

   كما أشرنا سابقا ان الازمات الدورية كامنة في النظام الرأسمالي منذ نشأته، وقد مر هذا النظام بأزمات كثيرة سابقة أهمها: ازمة عامي 1907م، وازمة 1929م، والتي تعتبر من اكبر الأزمات التي مرت بها الرأسمالية، فأزمة 1907م، كانت اول ازمة كبيرة بعد تحول الرأسمالية من مرحلة المنافسة الحرة الي مرحلة الاحتكارات والتي ازداد فيها التنافس بين الدول الرأسمالية الكبري من اجل السيطرة علي موارد المستعمرات والبحث عن اسواق جديدة، وكان من نتائج هذه الأزمة وغيرها الحرب العالمية الأولي التي نشبت عام 1914م ووضعت اوزارها عام 1918م، وكان من نتائج هذه الحرب تغييرات سياسية كبيرة في العالم، مثل اندلاع الثورة الروسية عام 1917م ونهوض ثورات حركات التحرر الوطني في بلدان المستعمرات وخلق وعي تحرري عارم وسط الشعوب، امتد اثره الي السودان حيث اندلعت ثورة 1924. أما ازمة 1929م فقد كان من نتائجها صعود النظم الفاشية والنازية في ايطاليا والمانيا ونشوب الحرب العالمية الثانية والتي وضعت اوزارها عام 1945م، ونتجت عنها متغيرات كبيرة مثل ظهور المعسكر الاشتراكي في بلدان شرق اوربا، ونهوض حركات التحرر الوطني في بلدان آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية حيث نالت اغلب المستعمرات استقلالها بعد كفاح مسلح وسلمي حسب ظروف كل بلد، كما ظهرت حركة عدم الانحياز بعد ظهور الحرب الباردة.

 هذا ومن المتوقع ان تحدث الأزمة الاقتصادية الراهنة تغييرات كبيرة في الاوضاع الاقتصادية والسياسية في العالم، وهذه التحولات سوف تنتج من حدة الاستقطاب الطبقي، والتنافس بين اقطاب الدول الرأسمالية.

 والواقع أن الازمة الحالية كانت نتاج لتراكم كمي من الأزمات الصغيرة كان يلاحظها الاقتصاديون في الاقتصاد الامريكي باعتباره من اكبر الاقتصادات في العالم، فقبل الأزمة كانت حوالي 700 شركة قد اعلنت افلاسها ، كما كان الاقتصاديون يلاحظون ان ازمة الديون العائلية قد ارتفعت من 680 مليار دولار عام 1974م الي 14 تريليون دولار. وفي عام 1990م كانت الديون الوطنية في امريكا تصل 3 ترليون دولار، حاليا وصلت الي 19  تريليون دولار في يناير 2016م. كما اتسع حجم القطاع المالي حيث كانت 30% من ارباح الشركات المدرجة علي مؤشر ستاندرد آندبورز 500 العام الماضي حققتها مؤسسات مالية. كما كان الاقتصاديون يلاحظون ان جملة المال في اسواق التداول العالمية تصل الي ثلاثة تريليون دولار، اي اكثر بكثير من حصيلة التجارة العالمية في عام بكامله، واكثر بكثير من مخزون المصارف العام بأسره، وان ذلك مضاربة خارج المراقبة سوف تؤدي الي عواقب وخيمة، وبالفعل وقعت المصيبة بانفجار الأزمة المالية الراهنة.

كما تضخم الاستهلاك في امريكا: علي سبيل المثال: المستهلكون الامريكيون ينفقون 800 مليار دولار اكثر مما ينتجون كل عام.كما امتدت آثار الأزمة لبقية البلدان بحكم ترابط وتشابك الاقتصاد في عصر العولمة.

هذ ويقف العالم الآن علي شفا جرف هار من جراء: التهديد النووي، الجوع والامراض في بلدان العالم الثالث، التهديد البيئي (دفن النفايات النووية واتساع ثقب الاوزون..الخ)، مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية، اضافة لأزمة البطالة(بلغت في الدول الرأسمالية المتطورة اكثر من اربعين مليون عاطل عن العمل، وفي الدول الاشتراكية السابقة دفعت عودة الرأسمالية اكثر من 37 مليون الي البطالة اضافة الي انهيار ذريع في اجور العاملين الفعلية ومستوي معيشتهم اضافة لمصادرة الحريات).

 اما في العالم الثالث فتشير الاحصائيات الي أن اكثر من 800 مليون انسان يعانون من الجوع والبؤس، و16 مليون طفل يموتون كل عام من الجوع أو من أمراض غير قابلة للشفاء.هذا اضافة للنمو السرطاني للفساد المرتبط بالافراط في تداول المال واقتصاد السوق.

 ومن خلال نقد الاقتصاد السياسي للرأسمالية والتقويم الناقد للتجارب الاشتراكية الماضية تستعيد الحركات الجماهيرية الثقة في البديل الاشتراكي القائم علي الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأن الاشتراكية تتخلق في احشاء الرأسمالية، وسوف تخرج بعد مخاض طويل باعتبارها ضرورة تاريخية لحل تناقضات ومآسي الرأسمالية، وبالتالي فان الاشتراكية اصبحت ضرورة من اجل بقاء وازدهار البشرية. 

 *******************************

 

محاضرة(7)

اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير

اعمال اللجنة المركزية

دورة سبتمبر 1963م

الطبعة الرابعة- سبتمبر 2016م

 

المحتويات:

 مقدمة الطبعة الرابعة                                                       

مقدمة الطبعة الثالثة                                                       

مقدمة الطبعة الثانية                                                         

مقدمة الطبعة الأولي                                                       

اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير                                       

 

مقدمة الطبعة الرابعة

  اولا: من أهم المتغيرات التي حدثت بعد الطبعة الثالثة لوثيقة " إصلاح الخطأ..."  في الفترة ابريل 2009 – سبتمبر 2016م ، عقد المؤتمر السادس بنجاح  الذي أكدت وثائقه علي تحسين عملنا وسط الجماهير بمختلف الأشكال ، والعمل بمثابرة علي الدفاع عن قضايا الجماهير ، وقيام أوسع تحالف من أجل إسقاط النظام الحالي ، وإقامة البديل الديمقراطي  الذي يفتح الطريق للحل الشامل والعادل لقضايا البلاد. وخرج الحزب موحدا حول إسمه ومنهجه الماركسي وطبيعته الطبقية المنحازة للطبقة العاملة والكادحين، وكل ذلك يفرض علي حزبنا الارتباط اكثر بالجماهير وتحسين وتطوير أشكال عملنا وسطها ، واخذ المتغيرات الجديدة في الإعتبار والتي أهمها:

1-        الاستفادة من مواقع التواصل الإجتماعي  في نشر بيانات الحزب وصحفه الجماهيرية فيها.ومواصلة توصيل بيانات الحزب ومنشوراته وصحيفة الميدان الورقية للجماهير ومناقشتها وقراءتها معهم  وأخذ آرائهم حولها وجمع التبرعات للحزب. فمواقع التواصل الإجتماعي ليست بديلا للصلة المباشرة والعضوية مع الجماهير.

2-        التصدي الفكري والسياسي والتنظيمي للمنظمات غير الحكومية ذات " الأجندة" والتمويل الخارجي، بحيث لاتصبح بديلا للمنظمات الديمقراطية التي ساهم الحزب في بنائها منذ اربعينيات القرن الماضي ، والاتصبح بديلا للأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية. وبالتالي من المهم أن يهتم مركز الحزب ولجان المناطق والمكاتب والفروع ببناء وتقوية التنظيمات الديمقراطية " الشباب والنساء الجبهة الديمقراطية وسط الطلاب الروابط والجباه الديمقراطية وسط المهنيين، الجبهة النقابية وسط العمال والتنظيم الديمقراطي وسط المزارعين والتحالفات الديمقراطية في الأحياء..الخ. وأن نهتم ايضا بتطوير عملنا وسط النقابات علي أساس المبدئية والمرونة  ومواصلة المطالبة بديمقراطية وإستقلالية العمل النقابي ، والعمل حتي في نقابة المنشأ ،ومواصلة المطالبة بقانون ديمقراطي للنقابات ، وابتداع الأشكال المختلفة لتحسين وتطوير عملنا النقابي. فضلا عن تحسين وتطوير مناهج عمل الحزب وسط الجماهير ، كما أشارت وثيقة " إصلاح الخطأ. 

3-        في عملنا الجماهيري المعارض، مهم أن أن نبني التحالفات القاعدية إضافة لتحالف قوي الإجماع، وقيام اوسع تحالف معارض في الأحياء ووسط الطلاب والشباب والنساء ،والمهنيين والعمال والمزارعين  ومتضرري السدود ، ووسط النازحين ومتضرري الحروب.

ثانيا: من السلبيات في عملنا الجماهيري التي ظهرت بعد المؤتمر الخامس، التراجع عن المستوي المتقدم للمناقشة العامة في قنوات الحزب الداخلية، وتلخيص المناقشة حتي عقد المؤتمر الخامس وخرج الحزب موحدا حول إسمه وطبيعته الطبقية ومنهجه الماركسي ، وظهرت كتابات في الصحف الورقية والالكترونية ومواقع التواصل الإجتماعي، رفضت مقررات المؤتمر وقللت من أهميته، وإزدادت وتائرها مع إقتراب المؤتمر السادس ، وصلت إلي درجة التخريب وتسريب أسرار الحزب للصحف ، وشارك في الحملة ضد الحزب أعداء الحزب التقليديون والجدد،ولكن عضوية الحزب كانت واعية، وتمت هزيمة هذا الإتجاه، وخرج الحزب من المؤتمر السادس للمرة الثانية موحدا حول إسمه ومنهجه الماركسي وطبيعته الطبقية.

من المهم إصلاح هذا الخطأ في عملنا الجماهيري ، والتمسك بمناقشة قضايا الحزب الداخلية في القنوات  الداخلية للحزب " الصحف الداخلية والإجتماعات الحزبية".

ثالثا: من الأخطاء في عملنا الجماهيري التي برزت في هذه الفترة أنه خلال مظاهرات يناير 2012، وسبتمير 2013م، برزت دعوات لتنظيم مظاهرات ومواكب من مواقع التواصل الإجتماعي دون التحضير الجيد لها علي الأرض ، مما كان لها الأثر السلبي في عملنا الجماهيري ضد النظام، من المهم إصلاح هذا الخطأ في عملنا الجماهيري.

رابعا :واجب فروع الحزب تقييم المعارك الجماهيرية ضد النظام ومعارك الإنتخابات النقابية والعامة بهدف تطوير إيجابياتها وتجاوز سلبياتها، والاستفادة منها في ضم الطلائع التي شاركت بنشاط في تلك المعارك لصفوف الحزب ، وتحسين عملنا وسط المرشحين، والتقيد بفترة الترشيح" 3 شهور" ، ومواصلة قيام مدارس المرشحين في الدور ، وقيام المدرسة المركزية لتدريب المعلمين الحزبيين والكادر والأعضاء.

رابعا: من السلبيات في هذه الفترة ايضا إستمرار ظاهرة كثرة الإجتماعات في بعض المواقع وطولها وقلة عائدها ، دون الإستفادة منها في مناقشة وثائق الحزب ورفع عائدها لمركز الحزب ، والتثقيف الماركسي والتدريب العملي ورفع القدرات الفكرية والسياسية والتنظيمية، مما يتطلب التحضير الجيد للإجتماعات حتي تكون مفيدة ، وتنجز اكبر عدد من المهام في أقل زمن ممكن، ولاسيما في الظروف المعيشية الضاغطة التي يعاني فيها أعضاء الحزب في الحضور للإجتماعات. 

وأخيرا، تلك هي ابرز المتغيرات التي حدثت في الفترة السابقة ، والتي تحتاج لتصحيحها في عملنا الجماهيري، ويمكن أن تضيف إليها الفروع وتعالجها ، من خلال المنهج الذي طرحته " وثيقة " إصلاح الخطأ.." والذي لازال سليما، وعليه نقدم هذه الوثيقة للمناقشة مع المرشحين ، والاضافة لها من تجاربهم. 

مكتب التثقيف المركزي

سبتمبر 2016م

 

مقدمة الطبعة الثالثة

    جاء في مقدمة الطبعة الثانية لوثيقة (اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير) عرضا جيدا ووافيا أغنانا عن عرض وشرح لها ولو موجز ، وكانت الطبعة الثانية قد صدرت ضمن مقرر المرشحين(العضوية الجديدة) في يناير 1984م، ونلاحظ انه مضي حوالي 25 عاما منذ صدور الطبعة الثانية، وطبيعي انه جرت مياه كثيرة تحت الجسر وحدثت متغيرات نأخذ منها علي سبيل المثال لا الحصر:

  • اندلاع انتفاضة مارس – ابريل 1985م، وخروج الحزب من ظروف السرية الي حياة العلنية، وخاض الحزب معارك جماهيرية واسعة كانت وثيقة (اصلاح الخطأ) خير عون ومرشد للكادر والعضوية الجديدة التي دخلت الحزب بعد ردة يوليو 1971م مثل: معركة الانتخابات العامة عام 1986م، وانتخابات العمال والموظفين والمهنيين، ومعركة الاغاثة في السيول والفيضانات عام 1988م، ومعركة اسقاط قانون الترابي، والاضراب العام عام 1988م ضد زيادة سعر السكر، والعمل الجماهيري الواسع في التحضير للعيد الأربعين للحزب الشيوعي. وظل مطروحا امام فروع الحزب ضرورة كسر حاجز العزلة و(عقابيل) السرية من خلال التواجد في منظمات الجماهير الاصلاحية( الاندية الثقافية والرياضية،والروبط والتعاونيات، الجمعيات الخيرية، ربات البيوت....) بهدف الارتباط بالجماهير من اجل التعلم منها وتعليمها. كما دخل الحزب في تحالفات واسعة مثل التجمع الوطني لانقاذ الوطن الذي قاد انتفاضة ابريل، وطرح الحزب اوسع تحالف لقوي الانتفاضة، وساهم في توقيع ميثاق الدفاع عن الديمقراطية، اضافة للتحالفات الثابتة للحزب مع القوي الديمقراطية في الاتحادات  والجباه الديمقراطية والروابط الديمقراطية والاشتراكية وسط الطلاب والشباب والنساء والمهنيين والموظفين والعمال، والتي انتعشت وعقدت بعضها مؤتمراتها، اضافة للتحالف الديمقراطي في الاحياء، وغير ذلك من الاشكال التي ارتبط بها الحزب بالجماهير. كما تم انجاز المقرر الموحد للمرشحين وحدث تحسن في تدريب المرشحين واستيعابهم بشكل جيد كما أشارت وثيقة(اصلاح الخطأ)، ومدارس المعلمين الحزببين في المركز والمناطق، وتدريب الكادر في الداخل والخارج، وبذلك امسك الحزب بالمنهج السليم في التعليم الحزبي الذي أشارت له وثيقة(اصلاح الخطأ)، وهو: في التعليم الحزبي نقدم للمرشح البرنامج والدستور والمبادئ العامة للماركسية وتجربة الحزب كما هي ملخصة في وثائقة، اضافة للتدريب العملي في فرع الحزب ومواصلة التثقيف الذاتي بعد نيل المرشح للعضوية.
  • وبعد انقلاب يونيو 1989م حدثت متغيرات محلية وعالمية اهمها الهزيمة المؤقتة للتجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا، وفتح الحزب مناقشة عامة بهدف تجديد الحزب: تجديد برنامجه ودستوره ومنطلقاته الفكرية لتواكب تلك المتغيرات، وفي اتجاه الالتصاق والارتباط بشكل اوسع واعمق بواقعنا وجماهير شعبنا، حتي تم عقد المؤتمر الخامس وما صدر عنه من وثائق تؤكد ضرورة ارتباط الحزب بالنشاط الجماهيري، استنادا علي تقاليد حزبنا الايجابية ومنها تلك التي لخصتها وثيقة ( اصلاح الخطأ) التي نقدمها للاعضاء والمرشحين بهدف دراستها، وقد عبر الكثير من الأعضاء والفروع والمحاضرين عن ضرورة اعادة وثيقة (اصلاح الخطأ) ضمن المقرر الدراسي للفروع والمرشحين. ونحن اذ نقدم الوثيقة، ناخذ في الاعتبار المتغيرات التي حدثت في أشكال الاتصال بالجماهير حتي يمكن الاستفادة منها مثل: اتساع دائرة القنوات الفضائية، والموبايل وظهور وتطور شبكة المعلومات الدولية(الانترنت)، وما نتج عنها من صحافة الكترونية اضافة للورقية التي أشارت لها الوثيقة، كل ذلك يتطلب اتقان هذه الوسائط والاشكال لضمان وصول خطنا للجماهير. وكذلك بالاضافة للتنظيمات التي أشارت لها (وثيقة اصلاح الخطأ): ظهرت تنظيمات المجتمع المدني(التنظيمات غير الحكومية)، والتي أشارت لها وثائق الحزب مثل التقرير السياسي المجاز من المؤتمر الخامس: أشار التقرير السياسي الي ضرورة العمل فيها بشفافية وعلي أسس ديمقراطية، والعمل علي تحقيق اهدافها وضمان وصول المساعدات للذين يحتاجونها، والنأي بها عن شبهات الفساد و(الاجندة) الخارجية.

      كما ساهم الحزب في اوسع تحالف للقوي السياسية المعارضة والحركات المسلحة في الجنوب والشرق ودارفور، وهو التجمع الوطني الديمقراطي وغير ذلك من اشكال التحالفات التي اشترك فيها الحزب بعد توقيع اتفاقية نيفاشا دفاعا عن الديمقراطية والحل الشامل والعادل لقضية دارفور وارجاع المشردين وتحسين احوال الناس المعيشية التي تدهورت بعد توقيع اتفاقية نيفاشا، وضد خصخصة مشروع الجزيرة وبقية المشاريع والمؤسسات الأخري ومن اجل ديمقراطية التعليم وحرية النشاط الطلابي والنقابي في الجامعات، كل ذلك يوضح ان الحزب راكم تجارب واسعة في أشكال الاتصال بالجماهير والقوي السياسية والاجتماعية الأخري، وهي تجارب واسعة وتحتاج الي تقويم ودراسة كما أشارت وثائق الحزب.          

   وأخيرا تم عقد المؤتمر الخامس، وصدرت وثائق المؤتمر    والتي اكدت ضرورة الارتباط بشكل اعمق بالجماهير، كما أكدت ضرورة التدريب والتأهيل من اجل اتقان العمل وسط الجماهير، وفي هذا الصدد تلعب وثيقة (اصلاح الخطأ) التي نقدمها للمرة الثالثة للقراء دورا مهما وكبيرا في ذلك أبريل 2009م.

                                         

مقدمة الطبعة الثانية

بعد عشرين عاما من الطبعة الأولي، تصدر الطبعة الثانية( اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير)، كتبها عبد الخالق محجوب في صيف عام 1963م وقدمها لدورة اللجنة المركزية خلال ذلك العام، وقد صدرت وثائق ذات أثر هام وعميق في تطور الحزب بصورة عامة، وفي تأهيل الحزب خلال ظروف العمل السري وارهاب ديكتاتورية عبود العسكرية، ليلعب دوره في الحركة الجماهيرية والتحضير للاضراب السياسي العام، وبالصراع داخل صفوفه ضد الاتجاهات والافكار اليسارية الطفولية وأساليب العزلة والحلقية، فصدرت عن دورة يناير 1963م الوثيقة التي نشرت في مجلة الشيوعي العدد 116 ، وصدرت عن دورة سبتمبر هذه الوثيقة، ووثيقة عن صحافة الحزب، وعن خطة الستة اشهر لبناء الحزب، وفي العام نفسه ناقشت اللجنة المركزية وثيقة الخلافات في الحركة الشيوعية العالمية التي كشفت الانحراف اليساري في افكار ومواقف قيادة الحزب الشيوعي الصيني.

 احتلت (وثيقة اصلاح الخطأ) كما نسميها اختصارا، مكانة هامة في ذهن أعضاء الحزب في تلك الفترة، لأنها أولا لخصت تجربة الحزب منذ نشاته بسلبياتها في العمل بين الجماهير، ليس باسلوب رصد السلبيات والايجابيات، لكن بالبحث والمناقشة في جذور المشكلة فكريا وسياسيا، بلا افتعال أو تعسف، الأمر الذي جعل كل مناضل شيوعي يجد حصيلة تجربته الشخصية وتجربة الهيئات الحزبية والجماهيرية التي عمل فيها ملخصة بهذا الشكل أو ذاك في الوثيقة.

 اكتسبت الوثيقة أهمية اضافية من توقيت صدورها في فترة اشتد فيها الصراع الفكري داخل الحزب ضد أفكار وممارسات العزلة اليسارية الطفولية حيث جنحت قيادات بعض المناطق – خاصة في مديرية النيل الأزرق والمديرية الشمالية – نحو الاثارة، والشعارات وتواتر اصدار وتوزيع المنشورات والكتابة علي الجدران دون التفات لبناء الحزب، واستقرار قواعد حياته الداخلية، والتعليم الحزبي فسادت حالة الشللية المغلقة علي نفسها بين الشيوعيين، وملئ الفراغ بالثرثرة عن شئون الحزب، والتحليلات الفطيرة الساذجة عن ضعف النظام العسكري، والتعالي علي العمل البسيط اليومي بين الجماهير، حيث توجد الجماهير وتمارس حياتها سواء في نقابة أو نادي وجمعية خيرية، وأصبحت صلة الحزب  بالجماهير وحيدة الجانب ومحصورة في المنشورات أو البيانات أو صحيفة اللواء الأحمر، فاذا لم تصدر منشورات أو بيانات، أحس عضو الحزب بالوحشة والفراغ، فلم تكن لفروع الحزب برامج عملها للصلة المتنوعة والدائمة بالجماهير في مجالاتها ، ولم تكن تراقب نشاط الأعضاء بين الجماهير في المجال ، مثل نشاط اعضاء فرع الحي في الجمعيات والأندية والشباب والنساء، ونشاط اعضاء فرع مجال العمل الثقافي وتعاونية المجال وغيرها من مؤسسات الجماهير بما في ذلك العلاقات الاجتماعية التي يمارسها الناس فيما بينهم من الافراح الي الاتراح الي تفقد احوال بعضهم بعضا.

 ومن هذه الحالة السلبية عالجت الوثيقة مفهوم الخط الجماهيري بشقيه: فالعضو أو الفرع، الذي تتقلص علاقته بجماهير مجاله في توزيع المنشور أو البيان أو الصحيفة فقط، يعاني من قصور تصوره للخط الجماهيري، واعتبار أن دوره أو دور فرعه أو دور الحزب هو تعليم الجماهير، فاذا لم ينزل بيان أو منشور يعتقد الفرع أو العضو انه ليس هناك وسيلة تربطه بالجماهير ، وليس لديه مايقدمه للجماهير أو ربما لاوجود للحزب نفسه، وفي هذا التصور القاصر الوحيد الجانب، البورجزازي الصغير، تكمن عقلية العزلة المتعالية وممارستها، التي تهمل الشق الآخر من الخط الجماهيري – أي كاننا كأفراد وكحزب نتعلم من الجماهير، ولكيما نعلم الجماهير ونتعلم منها، لابد أن نتواجد ونعيش بينها ونسهم في كافة نواحي حياتها الايجابية النشطة، وأن يتسم تواجدنا ونشاطنا واسهامنا  بين الجماهير بالتواضع ونكران الذات، وتلخيصا لمجمل تجاربنا، أشارت الوثيقة لمسألتين: الأولي أن الشيوعيين يعملون في كل منظمة جماهيرية في حدود أهدافها وأغراضها، سواء كانت النقابة كتنظيم للصراع الطبقي من اجل مطالب ومصالح العاملين وأساليب النشاط والصراع الذي تمارسه النقابات كالاضراب والمواكب الخ، او كانت جمعية خيرية يتواصل بها الناس مشايلة لمصاعب الحياة، او ناديا للترفيه أو الرياضة أو الثقافة، فالشيوعيون لايعملون في أي تنظيم جماهيري(للسيطرة عليه واستغلاله لأغراض حزبية) كما يدعي البورجوازيون. الشيوعيون يكسبون ثقة جماهير أي منظمة يعملون فيها بتفانيهم ونكران ذاتهم في خدمة الجماهير . وبهذا تقترب طلائع الجماهير في كل مجال من الحزب الشيوعي والفكر الشيوعي. فنحن لاندعي أننا احسن وأقدر الناس علي حل أي مشكلة وتولي كل مسئولية، نعترف لغيرنا أيضا بقدرات القيادة وحل المشاكل وتولي المسئولية ونتعاون معهم في اطار أهداف واغراض المؤسسة الجماهيرية المعينة ونتعلم منهم، وفي الوقت نفسه، نحن حزب له برنامجه وأفكاره ومواقفه، وله حقه وواجبه الدائم في كسب مؤيدين وأعضاء له، وقد صيغت هذه المسألة بوضوح في لائحة الحزب في بند علاقة الحزب بالنظمات الجماهيرية.

 أما المسألة الثانية: مسلك الشيوعي الفرد بين الجماهير، حيث تقول الوثيقة: ( شعبنا لايفصل بين الفكرة والشخص الذي يبشر بها، وفي الحقيقة هل من الممكن أن يعتنق شخص فكرة سامية وهو مبتذل أو سفيه؟ ان جماهير شعبنا تسمع عن الفكرة الشيوعية، ولكنها تحكم عليها بمن تعرف من الشيوعيين السودانيين، لا الشيوعيين السوفيت أو الاندونسيين مثلا. وفي مجتمع مثل مجتمعنا به الرابطة القبلية والقروية، ويطلب من الفرد صفات كريمة كثيرة من نجدة واستقامة وأمانة..الخ، يلعب مسلك الأفراد من الشيوعيين دورا كبيرا في تقريب النظرة الشيوعية الي جماهير الشعب).

 عليه يتضح أن الخط الجماهيري الذي يستند الي القاعدة الماركسية العامة(حيث الجماهير من الجماهير واليها، نعلم الجماهير ونتعلم منها) يعالج علاقة وصلة الحزب بالجماهير، وعلاقة وصلة فرع الحزب بالجماهير، وعلاقة وصلة عضو الحزب بالجماهير – ورأي وموقف الجماهير من الحزب والفرع والعضو وبهذا يتضح ان الخط الجماهيري، ليس العمل الجماهيري، فقد يمارس الحزب والفرع والعضو مختلف أشكال العمل بين الجماهير من توزيع منشور وصحيفة، الي نشاط في النقابات والاتحادات والمظاهرات الخ، لكن يبقي الخط الجماهيري مستقلا ومحتاجا لجهد اضافي ليصل الحزب والفرع والعضو الي علاقة وصلة صحيحة سليمة بالجماهير، أي أن يكون رأي وموقف الجماهير ايجابيا ومتجاوبا طوعا واختيارا بوعي من الحزب والفرع والعضو، وان تقترب طلائع الجماهير من الحزب تبعا لذلك. 

 ولكيما تشرح الوثيقة قضايا الخط الجماهيري اكثر من حصيلة التجربة، طرحت العديد من المواضيع مثل:

أ- فترة الترشيح بوصفها تجسيد لعائد نشاط الحزب بين الجماهير، وبوصفها ترجمة عملية لموقف الحزب وصلته وعلاقته بطلائع الجماهير التي تقترب منه، وبوصف المرشح نفسه شق طريقه نحو عضوية الحزب  من مواقع العمل والنشاط الجماهيري ، اي كان نوع النشاط، وليس من مواقع العلاقات الشخصية والشللية. فالمرشح، كواحد من طلائع جماهير المجال المعين، يلعب دورا هاما عندما ينال عضوية الحزب في توسيع صلة ونفوذ الحزب بين جماهير المجال المعين، يلعب دورا هاما عندما ينال عضوية الحزب في توسيع صلة ونفوذ الحزب بين جماهير المجال المعين. لهذا يجب علي فرع الحزب أن يؤدي واجبه تجاه المرشح من فترة الترشيح، كواجب يعبر عن ادراكه لمسئوليته امام جماهير وطلائع المجال، وبحيث يعود المرشح بعد أن نال العضوية أكثر فائدة وفعالية لجماهير المجال . فاذا كانت عضويته في الحزب ستعزله عن جماهير المجال، فلا فائدة منها للحزب أو الجماهير . والمرشح ايضا يدخل الحزب ومعه تجربة جديدة ومعرفة جديدة يجب ان يستفيد منها الحزب ، ولهذا تقترح الوثيقة أن يكتب كل مرشح تجربته ورأيه، بأي اسلوب فصيح أو دارجي ويقدمها لمن معه في حلقة المرشحين وتوجز الوثيقة الموضوع بقولها:-

( فالماركسية ليست نبتا شيطانيا أو نظرية كهنوتية لاعلاقة لها بمعارف الشعب والجماهير، بل هي امتداد ثوري لمعرفة الشعب مبنية علي معارفه الثورية وكل ماهو خير ومنير من هذه المعرفة، فعندما يحس الثوريون وهو يلجون أبواب الحزب أن تجاربهم الثورية جزء من الماركسية المطبقة علي ظروف بلادنا ، لاينعزلون في مسلكهم العملي عن الجماهير، بل يعملون دائما لتعلم من الجماهير وتعليمها ما اكتسبوا من معرفة ماركسية، وهذا هو طريقنا لاغناء النظرية الماركسية بتجارب شعبنا الثورية وبمعارفه السليمة التي اكتنزها عبر التاريخ).

ب- الصراع ضد اسلوب البورجوازية الصغيرة في المعرفة، اذ تقول الوثيقة:- (النظرية الماركسية نظرية صادقة، ولهذا فهي يمكن أن تجذب كل مفكر أمين ومتحرر، وفي بلد كالسودان يتفشي فيه الجهل حتي بين اوساط متعلمة تعطي النظرية الماركسية قوة اقناع وصدق شديدة لمن يلم بها ، ولكن النظرية الشيوعية يجب أن تكون في خدمة جماهير شعبنا، ولهذا لابد لمن يكتسبها من التواضع والا يجعل لنفسه فضلا علي الاخرين. وتقول الوثيقة أيضا( يسلك بعض الرفاق ازاء الجماهير مسلكا نابعا من الأصل البورجوازي الصغير فما ان يلموا ببعض أطراف الماركسية حتي ينطووا علي انفسهم وكأنهم يحملون سرا لاتقوي عليه الجماهير، وحتي يبدأوا في مصادمة كل آراء الناس وتنقية طرق حياتهم، انهم لايتكلمون الا في السياسة الخالصة كانهم وعاظ وماعدا ذلك فيعتبرونه من لغو الحديث، وتشير الوثيقة الي امثلة محددة لهذا السلوك مثل حالة بعض المزارعين في الجزيرة وكيف اصبحوا يتعالون علي أهل القرية ويتحدثون مثل الأفندية ، ومثل عناصر البورجوازية الصغيرة المنشقة عن الحزب في عام 1952م وميلها للاستشهاد بالنصوص الماركسية واعتبار كثرة النصوص دليلا علي الثورية ، ونماذج التباهي بالمعرفة كأنما للمعرفة حدود ، واصدار الأحكام الشخصية والذاتية دون تروي وموضوعية، الميل للقراءة السهلة والتفكير السطحي وعدم الصبر علي مشاق التفكير العميق).

ج – تستخلص الوثيقة مما تقدم ضرورة أن يقوم تعليمنا الحزبي علي (1) تقديم عموميات الماركسية(2) برنامج الحزب ولائحته(3) وملخص أو موجز لتجربة حزبنا العامة (4) أن يكتب كل مرشح تجربته ويعرضها علي من معه في حلقة المرشحين ، وان لاتصبح اجتماعاتنا للتعليم الحزبي كالمدارس البورجوازية يقدم فيها الأساتذة المحاضرة ويحفظ الطلاب ما القي عليهم من دروس.

د – مخاطبة الجماهير أو الدعاية الحزبية، بالكلمة المكتوبة او شفاهة ، تلعب دورا حاسما في تطوير خط الحزب الجماهيري، سواء ما يصدر من الحزب في بيانه أو صحيفة، أو مايقوله ويشرحه هذا الحزب شفاهة للجماهير.

 فالحزب يواجه دائما البحث في كيفية كسب جماهير شعبنا العاملة للماركسية، كيف يوصل لها المفاهيم العامة للنظرية بطريقة مفهومة لها في ظروف مجتمعنا بخواصه وتقاليده الفريدة ومؤسساته الاجتماعية الموروثة ؟ كيف تجعل المفاهيم والالفاظ الجديدة التي تحمل الأفكار الجديدة قريبة الي فهم الجماهير العاملة ، وان تتحاشي الالفاظ والتعابير الغريبة مثل : التفاعلات الطبقية، وذيلية بورجوازية متعفنة والاستقطاب الجماهيري، ونضيف اليوم بعد عشرين عاما قاموس الكلمات الغريبة والتعابير الممجوجة التي يستخدمها حكام مايو حتي فقدت الكلمات معناها وشحنتها علي الاثارة والتأثير تقول الوثيقة:-

( اسلوب الوعظ في مخاطبة الناس مسلك سخيف منفر ، ولايؤدي الي افهام الناس شيئا، فبعض الشيوعيين وقد الموا بطرف الماركسية يفرضون انفسهم وعاظا علي اخوانهم، لهم في كل مشكلة رأي ، وفي كل قضية فتوي ، ان جماهير شعبنا تكره المدعين الذين يقودون صدر المجالس وكانهم يحيطون بكل شئ علما، فالعضو المقتصد في حديثه، والذي لايتكلم الا فيما يعلم، يكسب احترام الناس ، ولايعيبه ان يعلن انه لايعرف شيئا في موضوع بعينه).

ه – الكتابة وتلخيص التجربة هي من المصاعب والمشاكل التي تواجه الكادر الشيوعي، والوثيقة تتناول هذه المسألة من زاوية ان الفرع الذي يمارس نشاطه ويلخص تجربته بكتابة التقرير، انما يسهم عمليا وبقدر معين في تطوير معرفة وتجربة الحزب وبالتالي تطوير الماركسية. واذا كانت الوثيقة قد عالجت في اكثر من موقع أهمية الأسلوب البسيط الواضح المفهوم في مخاطبة الجماهير كتابة وشفاهة. وبهذا تسعي الوثيقة الي هدم الحاجز الذي تقيمه البورجوازية الصغيرة بين النظرية والنشاط العملي، بين التجربة وتلخيص التجربة . فالكتابة في حد ذاتها ليست صعبة ، انما الصعوبة في حصر مقومات وعناصر التجربة ووضوح الفكرة ثم تدوين كل ذلك كتابة بأي أسلوب فصيح أو دارج، ويحدث التطور في اللغة من خلال الممارسة.

 ومن الصعوبات التي ترهق بها نفسها في الكتابة العربية، محاولة التقيد بأسلوب الكتابة أو آداب الكتابة العربية، كالمقدمات الطويلة، والتضخيم في التعبير كعنوان لعمق الفهم والأفكار، ادعاء الشمول والاحاطة، او محاكاة اسلوب الكتب الماركسية الكلاسيكية واستخدام الاسلوب الخطابي والتعبير الامر الزاجر القاطع الجامع، او مايسمي أسلوب التقعر النظري ، اضافة الي كثرة الاستدراك وفتح القوس وقفل القوس ، والحواشي .الخ، وكلها صعوبات يمكن تفاديها اذا تعاملنا  مع تجربتنا تعاملا ماركسيا، بمعني أنها تطبيق وممارسة للفكر الماركسي، وحصرها وتلخيصها وكتابتها بأسلوب مباشر وبلا ميل لاعطاء صورة زاهية، وهذا هو طريقنا لتطوير واثراء الماركسية في السودان بلا زيادة ولا نقصان. وليس صدفة ان وجد كتابا مثل(كيف تصبح شيوعيا جيدا) رواجا حميما بين الشيوعيين السودانيين في الخمسينيات ولا لسبب سوي انه هدم حاجز الوهم البورجوازي الصغير بين التجربة والممارسة العملية وبين كتابتها ببساطة ومباشرة دون تزويق لغوي ومحسنات نظرية ونصوص. ومن امثلة حياتنا اليوم نشير الي تجربة المرشح التي كتبها عن نشاطه بين سكان حيه المنشورة في مجلة (المنظم) العدد السابع كم من مئات وآلاف التجارب الجيدة المماثلة تبقي حبيسة صدور آلاف الشيوعيين وعشرات ومئات الفروع؟.

و- تناولت الوثيقة مشكلة هامة في ريفنا وتحسين دور الشيوعيين وأساليب نشاطهم في الريف بين المزارعين في الريف فتعرضت لتجنيد المزارعين لعضوية الحزب ، ودراسة قضايا الاصلاح الزراعي والمسألة الزراعية ..الخ، وتناولت الوثيقة ظاهرة ومؤسسة ذات أثر خطير من الريف جديرة باهتمامنا ودراستنا اليوم ايضا وفي المستقبل ، وهي مؤسسة (الفقراء) المتاجرين بالدين، والبادي أن دورها في السطح قد تراجع امام دور الأخوان المسلمين والقوي اليمينية في المدينة، خاصة بعد ثورة اكتوبر 1964م، وقد حددت الوثيقة بوضوح احترام الحزب للمتعقدات الدينية، والاضرار التي تلحق الحزب من أي عضو يسئ الي مشاعر الناس الدينية.

 لكن مؤسسة الفقراء أو بيوتات الفرق الصوفية، التي يكن لها المزارعون ولاءا عميقا للاولياء الصالحين، وبعض هؤلاء الأولياء، كانوا لايستغلون مكانتهم في شئون السياسة ، لكن البعض الاخر ظل يتاجر بالدين والشعوذة وجمع المال من كدح المزارعين، ويسهم في تخريب حركة المزارعين الديمقراطية، ويساند المستعمر وحكومات البورجوازية وشبه الاقطاع بعد الاستقلال، وديكتاتورية عبود العسكرية ، وتسلط حكم الفرد في مايو . واستغلت مايو نفوذ هؤلاء في الريف وحبهم للمال والثراء فاشترت (بركاتهم) ومساندتهم لها بالمال وجزيل العطاء والنشاط الرأسمالي التجاري والزراعي وفي الخدمات. وقد اوضحت الوثيقة أن النضال ضد هؤلاء ليس بسبب أنهم رجال دين، بل لأنهم تاجروا بالدين، وهذه قضية هامة حتي يومنا هذا في نشاط الحزب في الريف.

ز – تناولت الوثيقة موضوع دراسة الواقع كواجب عام للحزب وواجب محدد لكل فرع في مجاله، وساقت مثالا لمجال العمل ، واهمية ان يعرف الفرع وكذلك المرشح لعضوية الفرع كل الحقائق عن المجال: رأس المال المستثمر فيه، الادارة، عدد العمال، مشاكل الاجور واالانتاج، اشكال استغلال العمال..الخ، وهذا واجب حزبي، بل لأنه من صميم الفكر الماركسي الذي نستخدمه كنظرية عامة ومرشدة لتجديد وتغيير واقعنا لمصلحة شعبنا، ومن ثم لابد من معرفة هذا الواقع الذي ننشد تغييره. وقد تطور هذا الموضوع واتخذ مفهوم الخط التنظيمي في ادب الحزب.

ح- وتعرضت الوثيقة لمشكلة الاجتماع الناجح لفرع الحزب ولخصت الجانب السلبي في تجربتنا في عقد الاجتماعات سواء في تواترها أو طولها، وكيف أدت الي نتائج سلبية، فأشارت الوثيقة الي أن الاجتماع هو مكان لتبادل الخبرة وتلخيصها وتحديد الواجبات والرقابة عليها ودراسة الماركسية، وهو ايضا مكان للتعبئة حول خط الحزب واتخاذ القرار، وتنتقد الوثيقة الفرع الذي يعقد الاجتماعات الطويلة لملء الفراغ، وان مثل هذا الفرع يعاني من خطل، وكيف هرب عدد من المرشحين والاعضاء من الاجتماعات الكثيرة الطويلة غير المفيدة، وأخيرا تشرح الوثيقة أهمية التحضير الجيّد لعقد اجتماع ناجح لفرع الحزب.

ط- تناولت الوثيقة قضية اشكال تنظيم الجماهير، وضرورة تبادل الرأي والتشاور بين الحزب والجماهير حول أي شكل للتنظيم، بدلا من فرض شكل معين يراه الحزب مناسبا وقد لاتقبله الجماهير، ومن الأمثلة التي ساقتها الوثيقة أشكال تنظيم حركة النساء الديمقراطية وقصور مفاهيم وممارسة المتعلمات والمثقفات من البورجوازية الصغيرة في اوساط النساء، وكيفية تحسين أساليب العمل لتحقيق الهدف الأول وهو تنظيم نساء العمال والمزارعين والعاملات والمزارعات اللائي يشكلن الأغلبية من نسائنا، فهذه هي الكتلة التي علي المتعلمات التقدميات استنهاضها وتنظيمها ، ولكن وسط هذه الكتلة تخيم التقاليد العقيمة وينتشر الخوف من التحرر، ومن هنا نبدأ ، وبالاعتبار الكافي لهذه الحقيقة نشرع في الدعاية والتنظيم، ولهذا يجب ان يكون التنظيم متناسبا مع تلك الظروف وان نختار الاشكال التنظيمية الملائمة، وان نكافح ضد الأمثلة الرديئة(التي تضر بها بعض النساء المتعلمات البورجوازية وأفكارهن السخيفة عن التحرر وتقدم المرأة).

 هذه بعض المواضيع والقضايا التي عالجتها الوثيقة. ومنذ كتابة الوثيقة، تغيرت الظروف من حيث الواقع السياسي الاجتماعي الملموس ، واجه الحزب تجارب كبيرة وغنية منذ تلك الفترة، فقد اندلعت ثورة اكتوبر 1964م، وتفتحت خلايا المجتمع السوداني علي قضايا التغيير الاجتماعي ، وتفتح حزبنا ايضا علي متغيرات الحياة ، واكتسب علنية فتعرف علي مجتمعنا وشعبنا وازداد معرفة وصحح الكثير من الأخطاء التي أشارت اليها الوثيقة، كما تعرف شعبنا ايضا علي حزبنا، وتغيرت أشكال النضال بعد ثورة اكتوبر ، وفرضت القوي الرجعية وقوي الردة في حكم الفرد طريق العنف علي تطور الثورة السودانية وما كانت تتمتع به من امكانات التطور الجماهيري الديمقراطي ، واضطر حزبنا للنزول للسرية مرة  اخري منذ ردة يوليو 1971م، ولكن ماعالجته الوثيقة من قضايا ومواضيع يدخل في ذخيرة ورصيد تجارب حزبنا، التي نغير منها ونتعلم منها من منطلق واقعنا ومهام نضالنا اليوم. وقد دخلت لصفوف حزبنا طلائع جديدة في السبعينيات، أضافت لحزبنا تجربة ومعرفة جديدة، تواصل وتطور ما طرحته الوثيقة، وستدخل لحزبنا طلائع جديدة في الثمانينيات بما لها من حيوية ومعرفة وتجربة، فالي هذه الطلائع من المرشحين والأعضاء الجدد نقدم هذه الوثيقة.

                                                                  يناير 1984م

 

مقدمة الطبعة الأولي

   نقدم للاعضاء وثائق اللجنة المركزية في دورتها المنعقدة في سبتمبر 1963م، ننشر هذه الوثيقة في جزئين: الجزء الأول ويشمل تقريرا عن اصلاح الأخطاء في العمل بين الجماهير، ويشمل الجزء الثاني تقريرا عن صحافتنا، وتعليق السكرتارية المركزية علي خطة ال 6 شهور ، ثم ملخص وقرارات اللجنة المركزية.

 ولاحاجة بالطبع لتنبيه منظمات الحزب واعضائه الي أهمية هذه الوثائق بالنسبة لبناء الحزب وتطوره في الظروف الراهنة. ان اجتماعات اللجنة المركزية في ظروفنا الراهنة يجب أن تتحول الي معالم بارزة في عملية بناء الحزب.

 اننا ندعو كافة منظمات الحزب وفروعه الي مناقشة وثائق ومقررات دورة اللجنة المركزية علي أوسع نطاق، وان تسجل المنظمات والفروع تجاربها حول القضايا التي تثيرها هذه الوثيقة، لاصلاح الأخطاء في العمل بين الجماهير.

 

اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير

  جاء في تقرير اللجنة المركزية في اجتماعها المنعقد في يناير 1963م مايلي: (يجب أن نهتم بالتكوين اللينيني للأعضاء ونساعد تكوينهم الايديولوجي وخاصة في المسلك ازاء الجماهير: من الجماهير واليها، نعلم الجماهير ونتعلم منها)(الشيوعي العدد 116). وفي الحقيقة ظلت القيادة المركزية لحزبنا منذ فترة بعيدة ، وهي تعالج مشاكل تنمية الحزب وتحسين وسائل عمله، تتحدث عن وجوب تحسين عملنا بين الجماهير وعن اهمية تسجيل (خطنا الجماهيري)، والخط الجماهيري لحزبنا يستند علي القاعدة العامة (حيث الجماهير، من الجماهير واليها، نعلم الجماهير ونتعلم منها)، وهي قاعدة ماركسية عامة لايمكن لحزب شيوعي ان ينجح دون تطبيقها. بالطبع لايعقل ان تصدر هيئاتنا القيادية مرشدا لتحقيق تلك القاعدة، ونعني دليلا به قرارات و(أوامر) يعينها ، ولكن الشئ الممكن والمفيد هو ان نجمع تجاربنا في العمل الجماهيري وتلخصها ، نفصل الحسن منها والمتمشي مع تلك القاعدة الماركسية والردئ منها ومصادره الطبقية. ان تحسين عملنا بين الجماهير يتم من خلال صراع ايديولوجي طويل المدي ضد الأعمال والمفاهيم الخاطئة ، انه صراع بين الايديولوجية البروليتارية وايديولوجية الطبقات من غيرها. من هذه الزاوية نبدأ الحملة لتحسين عملنا بين الجماهير، وذلك بكشف المفاهيم الخاطئة والمسالك الضارة والغريبة علي ايديولوجيا الطبقة العاملة. وهذا الذي تصدره اللجنة المركزية لايهدف الاحاطة بالموضوع كله، بل يهدف الي تنبيه الأذهان وطرح هذه القضية في مستوي جدي بين كل تنظيمات الحزب والاستماع الي رأي الأعضاء والمناضلين من غيرهم وتسجيل كل انتقاداتهم حتي تكتمل التجربة ويشمل النفع.

  نبدأ في مهمتنا هذه بالمفاهيم العامة الماركسية التي لاغني عنها اذ نحن كفصيل من حركة الطبقة العاملة العالمية نستند الي تلك المفاهيم ونتسلح بها، فكل حركة ماركسية جادة وفي كل بلاد العالم واجهت هذا السؤال: كيف نستطيع كسب جماهيرنا العاملة الي صف الماركسية اللينينية ؟ كيف يمكن أن نترجم المفاهيم العامة لتلك النظرية بحيث يفهمها شعبنا، خواصه وتقاليده الفريدة ومؤسساته الاجتماعية التي توارثها، وكيف نقرب تلك النظرية اليه؟.

 كتب ف. ا. لينين في خطابه الي منظمات شيوعي شعوب الشرق في روسيا: ( انكم مواجهون بمهمة لم تواجه حتي اليوم الشيوعيين في أي ركن من المعمورة: عليكم اعتمادا علي النظرية الشيوعية العامة ومنجزاتها العملية أن تكيفوا انفسكم وفق ظروف خاصة لاوجود لها في البلدان الاوربية وأن تستطيعوا تطبيق تلك النظرية وسط ظروف يشكل فيها الفلاحون الأغلبية وحيث المهمة هي شن النضال لاضد الرأسمالية، بل ضد مخلفات القرون الوسطي. تلك مهمة صعبة وفريدة، ولكنها عملية لأن تلك الجماهير تنجذب الآن نحو النضال وهي التي لم يكن يعنيها من أمره شيئا من قبل، ولأن تنظيم الفصائل الشيوعية في الشرق يتيح لكم الفرصة أيضا لاقامة علائق وشيجة مع الدولية الثالثة.....( ان مهمتكم هي أن تراقبوا باستمرار ان الدعاية الشيوعية  تطبق في كل بلد باللغة التي يفهمها الشعب)...( المهمة هي استنهاض الجماهير الكادحة للنشاط الثوري: للعمل المستقل وللتنظيم بغض النظر عن مستواهما، هي أن تترجموا المبدأ الشيوعي الحق والذي كان موجها للشيوعيين في البلدان الأكثر تقدما الي اللغة التي تفهمها الشعوب الأخري، هي أن تنفذوا تلك المهام العملية التي تتطلب سرعة التنفيذ وأن تتمازجوا مع البروليتاريا في البلدان الأخري في صراع مشترك. هذه هي المشاكل التي لن تجدوا لها حلا في أي كتاب شيوعي، بل ستجدونه في النضال المشترك الذي بادرت به روسيا. عليكم ان تعالجوا هذه المشاكل، وان تصلوا الي حل لها استنادا علي خبرتكم المستقلة(التخطيط من المترجم).

 بهذا الارشاد القيم المبني علي روح الماركسية، لانصوصها، استطاعت الحركات الشيوعية الجادة في بلدان آسيا ذات الوضع الفريد وخاصة في الصين ان تصل الي قلب جماهيرها العاملة وشعوبها وأن تكسبها الي صف الماركسية وصف الاشتراكية.

 واستنادا اليه ايضا، وبالتفكير العميق فيه وبتطبيقه بحزم، يمكن للحزب الشيوعي في بلادنا أن يحقق شعار مؤتمره الثالث( اجعلوا من الحزب الشيوعي السوداني قوة اجتماعية كبري).

 ماذا يعلمنا حديث ف.أ. لينين؟... يعلمنا حديث لينين:

-           انه لابد لكل حركة ماركسية جادة تستهدف كسب شعبها الي دعوتها وترمي الي تقريب الماركسية اليه وتحببها له ان تدرس في استقلال تام ظروف بلدها وان تبني نشاطها علي نتائج تلك الدراسة المستقلة. ان نقل تجارب بلد بعينه الي بلد آخر في ميادين التطبيق والاشكال التنظيمية والدعاية امر مضر جدا بالحركة الماركسية وهو منهج غير شيوعي. لهذا فلابد بعد ان يدرس الشيوعيون ظروف بلادهم أن يبتدعوا الطرق المناسبة لتقريب الماركسية الي شعبهم، وان يخلقوا الأشكال التنظيمية الملائمة لذلك البلد حتي تنهض الجماهير الشعبية في نضال ثوري ظافر.

-           ان الدراسة للكتب الشيوعية المختلفة، وهي تجارب الحركة الثورية عبر التاريخ، لن تصل بالانسان الي علاج كل المشاكل التي تواجه بلاده، ولكنها تفيد في حيز توسيع مدارك الشيوعيين وفي تعليمهم المنهج الذي يستطيعون بتطبيقه علاج قضاياهم، اعتمادا علي تلك التجارب وذلك المنهج يجد الشيوعيون خلال نشاطهم العملي الحلول لمشاكلهم ويستطيعون كسب شعبهم.

-           ان الكتب الشيوعية فصيلتان، ولابد لنا أن نتخذ منها الموقف السليم لكي نصل بحركتنا الي النصر، فهناك الفصيلة التي تشمل المبادئ الأساسية للشيوعية والتي وصفها لينين في خطابه سالف الذكر(بالمبدأ الشيوعي الحق)، وهذه الفصيلة تضم الفلسفة الماركسية المشتملة علي النهج الجدلي والمادية التاريخية، وتحدد معالم الاشتراكية بوصفها حكم الطبقة العاملة القائم علي الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والاممية البروليتارية..الخ، النظرية الماركسية في الاقتصاد السياسي، هذه الفصيلة تجمع بين كل الشيوعيين قاطبة وهي التي تضع الحد الفاصل بين الشيوعي وغيره من العاملين في المجتمع( ولن يكون المرء شيوعيا علي هديها في نشاطه العملي) والفصيلة الثانية تحتوي علي رصيد التطبيق العملي لتلك المبادئ في البلدان المختلفة سواء التي تسلمت فيها الطبقة العاملة السلطة أو التي تناضل فيها الطبقة العاملة للوصول الي السلطة، وهذه الفصيلة مهمة ايضا، ويجب دراستها واطالة النظر فيها واستيعابها لأنها تفيد في توسيع المدارك، وفي اغناء الخبرة الثورية، ولكن هي التي نهي ف.أ. لينين عن نقلها بالحرف وتطبيق حرفها علي البلاد الأخري. انها تفيدنا في معرفة الطرق والمنهاج الذي تنجح به حركة الطبقة العاملة في نضال بعينه، وهذا أمر ذو اهمية قصوي في تسليحنا ازاء المشاكل التي نواجهها في وطننا. وطالما كان نقلها بالحرف مضرا ومخالفا للمنهج الماركسي فعلينا النظر اليها بعين ناقدة ومقابلتها مع ظروفنا الخاصة، وهي بهذا، بالحرف غير ملزمة ولاتشكل فاصلا بين الشيوعي وغير الشيوعي. (لاتحاكوا تاكتيكاتنا، بل حللوا أسباب المعالم الفريدة لتلك التاكتيكات ونتائجها، لاتطبقوا الحرف طبقوا الروح، طبقوا المضمون، طبقوا دروس تجربة 1917- 1921م) ( من رسالة ف. أ. لينين الي الشيوعيين في ازربيجان وجورجيا).

  كان وما زال هناك خطران ينجمان عن موقف خاطئ من الماركسية. الخطر الأول ينجم عن موقف خاطئ من الفصيلة الأولي يرمي الي التحلل من المبادئ الأساسية كعلم وهو مايعرف بالاتجاه التحريفي. والخطر الثاني ينجم عن موقف خاطئ ازاء الفصيلة الثانية اذ يعتبر حرفها دون روحها  وهو مايسمي بالجمود العقائدي. وفي النضال ضد الخطرين تضع كل حركة ماركسية جادة اقدامها في بداية الطريق وتضع الشروط الأولي لارتباطها بشعبها ولكسبها له في صف الاشتراكية والماركسية. فبدون ان نعرف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلادنا، لايمكن لنا ان نخطوا الخطوة الثانية، وهي كسب الجماهير الي صفنا. وفي الحقيقة لابد للحزب الشيوعي أن يعرف أولا ماذا يريد لشعبه ثم يطلب منه التأييد ثانيا؟.   

 نستطيع القول أننا استطعنا أن نحرز الحد الأدني في دراسة ظروف بلادنا مهتدين بالمبادئ العامة للنظرية الماركسية ومستفيدين من خبرة الأحزاب الشيوعية الأخري، وقد استعنا بعد نضال دام سنوات، أي منذ قيام اللحظات الأولي لحزبنا في عام 1946م، أن نجمع هذه الدراسة في برنامجنا (سبيل السودان) الذي أقره المؤتمر الثالث لحزبنا مطلع عام 1956م، بالطبع لايمكن ان يكون ذلك البرنامج خالدا وخلاصة ثابتة لمعرفتنا بوطننا ، فالعمل اليومي والتجارب التي نواجهها تزيد معرفتنا ببلادنا وتغني خبرتنا وينعكس كل ذلك في مانكتب ثم في تعديلات او تغييرات في البرنامج ذاته. وبالفعل نجد اليوم كثيرا من المعارف التي توصلنا اليها منذ عام 1956م حتي الآن لامكان لها في ذلك البرنامج، كما نجد نقاطا أخري ظهرت فيه واتضحت عدم صحتها. ولكن رغم هذا يمكننا القول أن برنامجنا يحوي الحد الدني والمعقول من معرفة ظروف بلادنا.

 ماهي النقاط الأساسية لتلك المعرفة؟.

السودان قطر مترامي الأطراف تسكنه قوميات مختلفة وتربطه اكثر من رابطة بمن حوله من الشعوب الافريقية والعربية وانه لابد لكل حركة جادة من اعتبار تعدد قومياته وروابطه تلك.

 يوصف السودان اقتصاديا بانه قطر متخلف تعمل اغلبيته في الزراعة البدائية وفي حقل الرعي وتعمل اقلية في المصانع والمكاتب ويعاني بهذا في الداخل من العلاقات القديمة القبلية وشبه الاقطاع، وفي الخارج لايختلف وضعه عن أغلبية البلدان حديثة الاستقلال حيث تحتل الدول الاستعمارية مركزا ممتازا في تجارته الخارجية، بل تكاد تسيطر عليها أنه اقتصاد شبه مستعمر يعاني من التاخر.

  بالسودان طبقات اجتماعية حديثة، هناك الجماهير العاملة في المصانع والمكاتب، هناك البورجوازية، هناك اشباه الاقطاعيين من اصحاب المشاريع الزراعية الكبيرة وشيوخ القبائل وهناك المزارعون بأقسامهم المختلفة.

 استطاعت الثورة السودانية وخاصة خلال تطورها الجماهيري بعد الحرب العالمية الثانية، أن تنجز انتصارا أوليا باحراز الاستقلال مطلع عام 1956م، ولكن مازالت تلك الثورة الوطنية قائمة ولم تنجح في تحقيق أهدافها بعد: من دعم للاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي ، من اشراك للجماهير في توجيه شئون البلاد، من رفع مستوي المعيشة للكادحين ومن احداث ثورة ثقافية – اي التخلص من مخلفات الاستعمار. ولهذا تعتبر الجمهورية السودانية في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية بما تمليه ظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي في هذا تختلف عن الكثير من البلدان الأخري وخاصة الأوربية، المهمة الرئيسية للشيوعيين السودانيين هي دفع المرحلة الثورية واكمالها وبذلك تهئ الظروف الموضوعية والذاتية لتطور الاشتراكي في الجمهورية.

 لانجاز هذا التقدم، لابد من الوحدة الشعبية، وهذه الوحدة تقوم علي التحالف بين الجماهير العاملة والمزارعين في الأساس بوصف اولئك الطليعة الثورية وهؤلاء الأغلبية الساحقة من سكان البلاد وبين كل الطبقات الثورية الأخري من بورجوازية وطنية وبورجوازية صغيرة في المدن. هذه الوحدة تعمل لانجاز التقدم الوطني الديمقراطي في البلاد وتسمي بالاتحاد الوطني الديمقراطي.

 يري الشيوعيون السودانيون بدراسة الوضع العالمي وظروف بلادهم انه من الممكن احراز هذا التقدم بالنضال الجماهيري وبالطرق السلمية حتي لاتتعرض بلادنا لهزات، وهم يتحاشون كافة الاستفزازات، ولكنهم في الوقت نفسه يدافعون عن حقوق الشعب الديمقراطية بكل الوسائل ولن يقبلوا أن تقف العناصر الرجعية في وجه التقدم اعتمادا علي تسليحها وارهابها للشعب. ان توفر الحريات الديمقراطية هو الطريق للتقدم وللنمو السلمي للثورة الوطنية في بلادنا.

 هذا بشكل عام معارفنا الرئيسية بظروف وطننا كما جاءت في وثيقة(سبيل السودان) عام 1956م، وهي مازالت سليمة الجوهر.

اننا لم نتوصل لهذه المعارف عن طريق قراءة الكتب، لم تجد الحلول للقضايا تلك بين سطورها، ولكن اعتمادا علي المبادئ العامة لماركسية شرعنا في النضال العملي منذ عام 1946م، وجمعنا خبرتنا وناضلنا ضد الاتجاهات الغريبة من تحريف وجمود.

  اعتمادا علي نصوص وردت في بعض الكتب الماركسية حول وجوب اشتراك الشيوعيين في حزب ديمقراطي وعدم تكوينهم لحزب شيوعي في بعض البلدان المتخلفة، اصرت كتلة المثقفين التي كانت تسيطر علي الحلقات الأولي لحزبنا عام 1947م علي اعتقال الشيوعية داخل نطاق الأحزاب البورجوازية. لقد كان الشيوعيون الحق يرون العمال في بلادهم، ويرون بداية حركتهم الطبقية في عطبرة، ولهذا لم يكن من الممكن رفض الواقع والتعامي عن الحقائق خوفا من بعض النصوص. ان الصراع الداخلي عام 1947م كان صراعا ضد الجمود في النظرية واليمينية في العمل، وهو بداية للاتجاه السليم في معرفة ظروف بلادنا وفي العمل وفقا لما تمليه تلك الظروف. النتيجة لصراع عام 1947م هي: ان بلادنا بها طبقات ثورية وأن بها كتلة من الشيوعيين يمكن لهم، بل واجبهم أن يكونوا حزبا شيوعيا مستقلا.

 وبالرغم من ذلك ظل الصراع حول نشاط حزبنا مستمرا وظل الخط الثوري يظهر في صراعه ضد الاتجاهات الخاطئة والانتهازية المختلفة. ففي عام 1951 – 1952م عاني حزبنا موجة من أفكار التحريف يقودها الانقسامي عوض عبد الرازق تدعو تلك الأفكار الي نبذ العمل بين الجماهير العاملة والي تصفية الحزب الشيوعي كتنظيم مستقل والي اندماجه في احزاب البورجوازية والبورجوازية الصغيرة. ولأن تلك الأفكار تحريفية تتجاهل الواقع وتجافي علم تطور المجتمع فشلت جميع محاولاتها في هدم الحزب الشيوعي رغم الوسائل المتعددة التي سلكتها، فلجات أخيرا الي مستنقع التعاون مع الدوائر الأجنبية والحكومية.

 وكذلك واجه حزبنا، وهو يعمل للوصول للحد الأدني لمعرفة ظروف وطننا، أفكارا جامدة متحجرة. لاشك أن حملة تلك الأفكار قرأوا نصا كثيرا مايرد في النظرة الشيوعية عن الطبيعة الطبقية للحزب الشيوعي بوصفه حزب الطبقة العاملة، فتوصلوا الي انه في بلادنا يقنع الحزب بالعمل بين الطبقة العاملة الصناعية وحدها لن العمل بين المزارعين تشتيت للجهود، لقد عمي هؤلاء عن حقيقة الوضع في بلادنا: وهي ان علاقات الانتاج تفرض المزارعين كالأغلبية الثورية في البلاد ، وان حزب الطبقة العاملة السودانية لن يكون جادا في كفاحه الثوري اذا لم يعمل بين الأغلبية الثورية : يضم طلائعها الي الشيوعية ويبني بين جماهيرها الواسعة الحلف الوثيق مع الطبقة العاملة. ايضا واجه الحزب أفكارا يمينية ويسارية خاطئة ازاء المسلك من البورجوازية الوطنية وخاصة عندما جاءت الي الحكم عام 1954م وعندما اشترك القسم اليميني منها في الحكم عام 1956م، كان اليسار يري الكفاح ضد البورجوازية كما تكافح الأحزاب الشيوعية في البلدان الرأسمالية الكبري ولايرون الوضع الخاص بالبوجوازية في بلد مثل السودان حيث علاقات الانتاج تختلف عنها في اوربا. وكان اليمين يري السير من وراءها وعدم النضال بحزم ضد اتجاهاتها الرجعية خوفا من سقوط حكومتها. لانريد أن نطيل ولكنا من كل ذلك نصل الي التالي:-

1-        أنه لكي نقترب من الجماهير ونكسبها لصفنا لابد من معرفة ظروف بلادنا ودراستها.

2-        الدراسة تعتمد علي النظرية الشيوعية العامة التي ترشدنا في دراسة ظروف بلادنا دراسة مستقلة وفي الوصول الي النتائج الواقعية التي يجب أن نتمسك بها ولانخشي النصوص.

3-        الحد الأدني من معارفنا بوطننا موجودة في برنامجنا(سبيل السودان) الذي يجب أن يغتني بكل تجربة نخوضها وأن نعدله ونغيره كلما تجددت معرفتنا ونمت.

4-        لتنمية معارفنا القائمة علي الماركسية اللينينية لابد دائما من الكفاح ضد اتجاهين خطرين في دراسة ظروف الثورة السودانية: الاتجاه التحريفي واتجاه الجمود العقيدي.   

 اذا كان لنا الحد الأدني من المعرفة بظروف بلادنا مسترشدين بالنظرية الماركسية، واذا كنا علي استعداد لتنمية تلك المعارف، فقد وضعنا أقدامنا علي الطريق الذي يوصلنا الي الجماهير والي الارتباط بها، لأننا بذلك الحد الأدني عرفنا ما يمكن أن ينجز في بلادنا ومالايمكن ان ينجز، عرفنا الطبقات الاجتماعية التي نعمل وسطها، والطريق لتحقيق الهدف الذي وضعناه نتيجة دراستنا . أول خطوة هي ان نقرب معارفنا( مجموعة تجاربنا الملخصة وبرنامجنا) الي طلائع الجماهير الشعبية وكسبها لصف الشيوعية لتصبح الصلة الاولي بين حلقة الكادر الثوري وبين الجماهير.

 نحن نقدم لطلائع شعبنا برنامجنا (سبيل السودان)ولائحتنا، كما أننا نقرب لهم الماركسية اللينينية في خلاصة تجاربنا وفي مبادئها العامة. هذه هي الأفكار الشيوعية التي نقنع بها تلك الطلائع لكي تنضم الي حزب العاملين. وهذا هو أول تلامس بين حلقة الكادر الحزبي والأقسام المتقدمة من الجماهير الثورية، ومن هنا كان المسلك في هذا الحيز جزءا من المسلك ازاء الجماهير الثورية، وتحسينه جزءا من الحملة لتحسين صلاتنا بالجماهير ودعمها.

  ان تعليم الطلائع العاملة النظرية الشيوعية، وهي كما أشرنا المبادئ العامة للشيوعية وبرنامجنا ولائحتنا وخلاصة تجاربنا، هو في الواقع عملية صراع ضد عقليات مختلفة وغريبة. ولايمكن للمرء أن يكون شيوعيا الا اذا اكتشف وتثبت من أنها خاطئة ثم عمل ثانيا للتخلص منها. في الصراع لكي يقنع الانسان بتلك النظرية، ولكي نغير من مسلكه الاجتماعي ونحوله من شخص غير شيوعي الي عضو في الحزب الشيوعي، لابد ان نشن حربا ضد العقلية البورجوازية الصغيرة في المعرفة، ضد عقلية التخلف القبلي، ضد الآثار الضارة لثقافة الغربية، وضد أفكار الجمود الفكري.

 فالبورجوازية الصغيرة وخاصة في المدن تسلك سبيل الدراسة المعزولة ونجنح الي الفصل بين النظرية والعمل وموجعها النصوص دائما لا الحياة ومتطلباتها. وتحاول بهذا أن تخضع الحياة للنصوص. لقد عانينا من هذا الاتجاه كثيرا واتخذ شكلا حادا وخاصة في المحاولات لقسم الحزب الشيوعي عام 1951- 1952م. خلال تلك الفوضي التي اجتاحت تنظيم الحزب في مدينة ام درمان نفض الغبار عن المجلدات الشيوعية وأصبح الاحتجاج بالنص هو دليل الثورية والقدرة علي الاقناع. وفي تدريس أعضائنا الماركسية ظللنا سنوات طويلة نعاني من هذا الاتجاه ومازلنا أيضا نعاني منه. يظهر هذا في حصر التثقيف في حدود محاضرات ملخصة من الكتب الماركسية ومنقولة عنها دائما تماما. صحيح انه في المراحل الأولي لتقديم الماركسية في بلادنا أسهمت هذه النظرية في تبسيط المبادي العامة للماركسية وفي تقريبها وخاصة لطلائع العمال والمزارعين. ولكن عندما يفهم التثقيف الماركسي بأنه هذه المحاضرات، وعندما يفهم ان برنامج الحزب ولائحته ليسا وثائق للتعليم الماركسي، وعندما يفهم منجزات الماركسية اللينينية المطبقة علي واقع البلاد خاصة في مجلتي (الشيوعي) و( الوعي) بأنهما ليسا مواد للتثقيف..فان ذلك هو نفس اتجاه البورجوازية الصغيرة في المعرفة، في الثقافة، في القراءة والتعليم والطلائع الثورية للجماهير وهي تنضم للحزب الشيوعي، تلحق بها أضرارا كبري اذا تلقت التعليم بتلك الطريقة، ستنعزل عن الحياة وعن الجماهير التي حولها ولاتحاول أن تتعلم منها بقدر ماتحاول اخضاع تفكيرها للنصوص محفوظة لاحياة فيها. ان بعض كادرنا من العمال وخاصة بين المزارعين عاني اضرار ذلك الاتجاه ففقدوا شعبيتهم التي رشحتهم لعضوية الحزب الشيوعي واصبحوا ثرثارين اكثر منهم عاملين، اصبحوا وعاظا وفلاسفة اكثر منهم مناضلين يستجيبون للحياة ويلحظون كل جديد فيها.

 تجنح البورجوازية الصغيرة الي التباهي بالمعرفة وكأن للمعرفة حدودا أو كان هناك مفكرين خلقوا لذلك الغرض ومنفذين لاقدرة لهم علي التفكير. وهذا المسلك ضار في دراستنا النظرية الشيوعية. ان طلائع الجماهير الثورية تنضم الينا وهي متأثرة بهذا التفكير. وعندما تبدأ في معرفة مبادئ الماركسية، وتقارن بين ماأحرزت من معرفة وجهل وخاصة بين المزارعين، تجنح الي استعراض معارفها والتعالي علي البيئة التي تعيش بينها. ان الماركسية اللينينية نظرية صادقة ولهذا فهي يمكن ان تجذب كل مفكر ومتحرر. وفي بلد كالسودان يتفشي فيه الجهل حتي بين اوساط متعلميه تعطي النظرية الماركسية قوة اقناع وصدق شديدة لمن يلم بها. ولكن النظرية الشيوعية يجب ان تكون في خدمة جماهير شعبنا ولهذا لابد لمن يكتسبها من التواضع ولايجعل لنفسه فضلا علي الآخرين. لقد ظهر هذا الاتجاه الخاطئ وسط الرفاق من المزارعين في الجزيرة فأصبح بعضهم يتحدث بازدراء الي اهله واصبح يحاكي (الأفندية) في استعراض معارفه وحتي في اسلوب مخاطبته. والفصل بين النظرية والعمل، وهو كما أشرنا اتجاه بورجوازي صغير موجود في حزبنا، بل هو من اخطر الاتجاهات الموجودة وأعمقها جذورا. فالاتجاه الذي ساد في تقديم الماركسية للطلائع الثورية – وأعني تدريس محاضرات مجردة – ثبت في أذهان من درسوا علي تلك الطريقة ان هناك حلقة أو جماعة في الحزب مالكة للنظرية ولها القدرة علي(فلسفة) كل الظواهر وأنهم وغيرهم من الأعضاء منفذون لتلك النظريات. لقد ظلت مثلا تتواتر الخطابات من مديريات مختلفة ومنها مديريتي كسلا والنيل الأزرق بوجوب دراسة الوضع الزراعي في البلاد. ظللنا نسمع هذا الطلب الغريب سنوات، ولكن ماهي الدراسة؟ اليست التجارب اليومية التجارب اليومية التي تمر بها هاتان المديريتان – هما تضمان أغلبية من المزارعين – هي الدراسة الحقة للوضع الزراعي في بلادنا؟ أليس تلخيص خبرة النضال بين المزارعين اعتمادا علي النظرية الماركسية هو الأساس لبرنامج الحزب في الاصلاح الزراعي. صحيح أن هذا الاتجاه بدأ في التلاشي الي حدود بوجود كادر ذي تفكير مستقل في بعض المديريات، ولكن مازال الفصل بين النظرية والعمل هو السائد طالما ان تجارب الحزب في الفرع وفي الدائرة وفي المديرية وفي المنظمة الشيوعية لاتلخص ولا تكتب. لن هذه التجارب الملخصة هي النظرية الشيوعية، كل رفيق يخوض معركة صغيرة او كبيرة: يوزع مشورا بطريقة ناجحة او يكسب قراء لصحافة الحزب، وينجح في تكوين فرع الحزب في قرية أو مؤسسة عمل أو حي، يقود معركة جماهيرية من أجل مطالب سياسية أو اقتصادية الخ.. كل رفيق يفعل هذا ويعبر عنه ويلخصه ويضعه للنفع العام هو نظري واكثر معرفة بالنظرية من الذي يقبع في مكتب يحفظ النصوص عن ظهر قلب.

 واذا كان لابد لنا ان نحارب هذا الاتجاه والمسلك في الدراسة والتعليم، فلابد لنا أن نحسن من مسلكنا في التدريس من الخطوة الأولي لتعليم الماركسية: يجب أن ندرس البرنامج واللائحة والتلخيصات العامة لتجاربنا بجانب المبادئ العامة للماركسية ويجب أن نلخص تجارب من يدرسون وأن نكافح بحزم ضد تلك المسالك والاتجاهات الضارة. في خلال التدريس يطلب من كل عضو مرشح تلخيص تجربته وعرضها علي بقية رفاقه في اي تعبير شاء أو امكن له.

  من مظاهر الاتجاه البورجوازي الصغير في تعليم الماركسية توخي كل ماهو سهل وتحاشي وعورة التفكير ومقابلة النظرية بالواقع ومن ثم الهجوم علي التعميم. ان بعض من هم بمراكز القيادة يعانون من هذا الاتجاه، فهم يقرأون بامعان مايكتب أعضاء الحزب ولايديمون النظر في تقاريرهم ودراساتهم، بل ان بعضهم يجهل حتي وجود تلك التقارير والدراسات ويكتفي بالقراءة الخفيفة، ورغم هذا يخرج هؤلاء الرفاق بنظريات عامة وخطيرة، مثلا كان حزبنا ومايزال يري انه من غير الممكن تنمية حركة المزارعين (المستأجرين) في مناطق زراعة القطن بدون العمل علي كسب العمال الزراعيين واستنهاضهم، اجري بعض الرفاق محاولات في هذا الاتجاه وخاصة في مديرية النيل الأزرق قبل عام 1958م ووجدوا صعوبات. فبدأت تخرج نظرية شاذة الي حيز الوجود: العمال الزراعيون متأخرون ولايفهمون الشيوعية. نحن لانريد أن نقول ان هذه النظرية انسياق وراء المصالح الطبقية للمستأجرين – فهذا شئ واضح- ولكنا نريد القول أنه من الخطأ اصدار تعميم مثل هذا نتيجة لتجربة قصيرة الأمد. لايخفي علي أحد ان تلك النظريات ظلت سدا يحول بين حزبنا وبين العمال الزراعيين في هذه المديرية. ان الهجوم علي التعميم واطراح الدراسة الواقعية الملموسة يكون اكثر خطرا عندما يقوم به رفاق ذوو اوضاع قيادية. لهذا يجب أن يكون منهجنا في تقديم الشيوعية وتدريسها الاعتماد دائما علي القضايا الملموسة ودراستها حتي نستطيع تخليص اعضائنا من الطلائع الشعبية من اتجاهات التعميم واطلاق(الحكم) المجردة.

 نواجه ايضا الاتجاهات الناجمة عن التخلف القبلي وخاصة في القري وأهم مظاهرها التعصب للقديم دون نقد والاعراض عن المعرفة الجديدة وعدم الثقة فيها. ان اقساما من الذين ينضمون لحزبنا يظلون ممسكين بتلك النظريات العتيقة ويساعدهم في ذلك بعض الرفاق وخاصة من المثقفين الذين ربما راوا أن الارتباط بالشعب معناه قبول مثل تلك الأفكار وتشجيعها . هذا الاتجاه يدعوا للكسل الذهني والي الاكتفاء بالقليل من المعرفة. ويري أن القراءة ضياع وقت وان من المهم هو(العمل) بالطبع عندما يتحدث الانسان عن (العمل) وحده ويرفض المعرفة الشيوعية فهو في الواقع يعيش تحت تأثير معارف أخري وهي في القرية التخلف القبلي، وهذا الاتجاه يضر بقضية الشيوعية وخاصة في القري. لقد نشأت مثلا حركة مزارعي الجزيرة وكان بعض قادتها من قبيلة الحلاوين وأبلوا فعلا في النضال. فبدأ بعض الرفاق من تلك القبيلة يطلقون تعميمات عن ثورية قبائلهم وعن تخاذل القبائل الأخري من ( المقاطيع) و(الململمين). وقد حاولت العناصر المعادية لحركة المزارعين احداث انقسام فيها علي أسس قبلية وهي تجد السند من ذلك الاتجاه الخاطئ. ولاتقتصر عقليات التخلف القبلي علي القرية، بل نراها في المدن ايضا. ان الكثير من الرفاق يتخذون موقف اللامبالاة من هذه النظريات ولايرون خطورتها وفي نفس الوقت لا يكافحون بحزم ضد روح الاعراض عن المعرفة الجديدة وخاصة في القرية.

 لاشك ان للثقافة الغربية أثرها وخاصة في المدارس والمعاهد والجامعات. ولكي نحول الذين يتلقون دراساتهم في هذه المؤسسات أو الذين يدرسون بها الي شيوعيين لابد ان نعي هذه الحقيقة، ولابد أن نضاعف المجهود في النضال ضد المسالك الفكرية الضارة. فالثقافة الغربية في عنفوانها، عندما كانت تعبر عن الرأسمالية الناهضة، كانت ذات طابع حي، تنظر للواقع وتلهم للعمل، ولكنها اليوم تعبر عن أزمة طبقتها عن الحيرة والقلق. ومن هنا يعبر كتابها عن التحلل وعدم التقيد والالتزام بموقف المجتمع. ان مجتمعنا المتطور لايعاني هذه الأزمة ولكن انتقال الثقافة له اثره، وخاصة وان كل فكر تقدمي يكاد يكون مصادرا الان ويطل الطلاب في المدارس والمعاهد والجامعات علي العالم من خلال نافذة الغرب اكثر من أي نافذة أخري. كذلك لاننسي انه يوجد بين المثقفين الذين يجب أن نعمل بينهم من هم متأثرون بالنظرية العربية القديمة في العلم: النصوص والاستشهاد والحواشي والهوامش..الخ. بالطبع يتعرض لهذا الاتجاه الدارسون للغة العربية والعلوم الاسلامية اكثر من غيرهم، بل ويمتد أثر هذا الاتجاه الي القري بين الذين يصيبون حظا من تعليم الخلاوي وهم عناصر مستنيرة لابد من ضمها لحركة المزارعين. ان الاتجاه الدراسي لهؤلاء خطا وجامد وقد عانينا منه فترة خاصة خلال: 1951 – 1952م تحت تأثير بعض العناصر في تنظيم الحزب بام درمان.

 في النضال ضد هذه العقليات في دراستنا للنظرية الشيوعية وفي تدريسنا نخلق كادرا من طليعة العاملين والشعب يستطيع ان يتخذ مسلكا سليما امام الجماهير ويجب دعوة حزبنا بينهم.

 هناك ايضا عيوب في توصيل النظرية الماركسية(نعني تدريسها) في حيز هذا المستوي، مستوي الطلائع التي ترغب في الانضمام للحزب أو تنضم اليه. من أهم هذه القضايا التي تحتاج الي اصلاح قضية المرشحين والتدرج بهم الي العضوية الكاملة. بالطبع ينجذب المرشحون لحزبنا لأسباب عدة ومختلفة. فالعناصر العاملة والمزارعون يرون نضال أفراد حزبنا ويعجبون باخلاصهم للقضايا الحيوية التي تمس تلك الجماهير الثورية فيرغبون في الانضمام الي صفوفهم، وعناصر البورجوازية الصغيرة من المثقفين ربما اعجبوا بالنضال السياسي لحزبنا واقتنعوا بجدواه أو ربما تأثروا بالفكر الماركسي في الميادين الثقافية التي تهمهم. ثم هناك منجزات المعسكر الاشتراكي التي لم تعد تقوي الحواجز المصطنعة علي حجبها ..الخ. وعلي قدرتنا في اتقان العمل بين هذه العناصر في فترة الترشيح، وعلي قدرتنا في جعلها فترة الهام غنية بالمعرفة غنية بالمعرفة الثورية يعتمد استمرار المرشحين وارتقاؤهم الي مستويات أعلي من الثورية. اننا نلاحظ أن عشرات بل مئات من المرشحين يفتر حماسهم في تلك الفترة ويبتعدون عن الحزب لا لتقاعس منهم بل لعجزنا عن اتقان العمل في هذه الفترة وعن سوء تقديرنا لأهميتها. وفي الحقيقة اذا كنا نهمل هذه الفترة ولانعمل لتحسينها فما هو املنا في توسيع علاقاتنا بالجماهير وفي تحويل الحزب الشيوعي الي قوة اجتماعية كبري؟ علينا: -

 أولا: أن نقدر تقديرا سليما مرحلة الترشيح باعتبارها مسئولية لا امام الحزب وحده بل امام الجماهير وانها مرحلة حاسمة في ارتباطنا بالجماهير وتقريب الماركسية اليهم.

ثانيا: ان نترجم النظرية الشيوعية، واعني مرة اخري المبادئ العامة للماركسية، وبرنامج حزبنا ولائحته وتلخيص تجاربه بلغة مفهومة لديهم وقريبة الي مستوي وعيهم.

ثالثا: أن نحترم ثورية تلك العناصر الطليعية وان نتناول معهم بالدراسة والبحث كل المواضيع الحيوية والجوهرية والا نعتبر أن هناك مواضيع في النظرية الشيوعية لا يستطيعون فهمها. المشكلة ليست الموضوع اذ أن النظرية الشيوعية هي نظرية الجماهير المناضلةفي بلادنا فهي اصلا قريبة الي فهمهم، ولكن المشكلة هي في تبسيطها وتقريبها اليهم.

 رابعا: أن نلحظ الاصول الطبقية للمرشحين وان نهتم في تدريسنا لهم بما يقابلون من مشاكل. صحيح أن هناك دراسات عامة تجمع بينهم، ولكن من المهم ان نتوسع في مواضيع بعينها بين أقسام منهم مثلا عناصر المثقفين يجب ان نهتم معهم بالجوانب الفلسفية والاقتصادية...الخ.

 بعد تلقي أسس النظرية الشيوعية في مرحلة الترشيح يبدأ الانسان في وضع أقدامه في الطريق ليصبح شيوعيا. أننا نعاني خطأ في هذا الموضوع. فالكثير من الرفاق القياديين ينسون ان العناصر التي تنضم للحزب وتمر بفترة الترشيح مازالت تحتفظ بالكثير من نظراتها الخاطئة المنبعثة من اصولها الطبقية ومن حياتها اليومية ومن مصادر ثقافتها. فالدراسة الشيوعية في تلك الفترة الوجيزة لايمكن أن تخلق من المناضل شيوعيا ناضجا. ان التكوين الشيوعي يتم داخل الحزب وخلال صراع طويل ضد كافة الايديولوجيات الغريبة، ومن خلال النضال العملي وفي تجارب العمل اليومي من الأخطاء وتقويمها. ولهذا فلا مكان في حزبنا اذا أراد بالفعل أن يرتبط بالجماهير لاتجاه البورجوازية الصغيرة اليساري الذي يضيق ذرعا بالصراع الصبور من أجل تخليص الأعضاء من تأثيرات الأفكار غير العمالية، بل هناك مكان وكل مكان للموقف الثوري القائم علي الصبر وعلي تعليم الأعضاء بالتدرج وبالصراع الفكري وخلال العمل وبالتعلم من الأخطاء. هناك عشرات التجارب في حزبنا في هذا المضمار. وفي انتخابات المجالس الأخيرة اتخذت اللجنة المركزية قرارا ثوريا مبنيا علي الماركسية اللينينية وعلي الدراسة الجادة لظروف بلادنا وقررت الدخول في المعركة الانتخابية وأصبح الواجب الأول هو تعبئة الأعضاء لفهم ذلك القرار لتنفيذه. ماذا نعني بتعبئة الأعضاء؟ نعني في الواقع النضال ضد الأفكار المنافية للخط الثوري ، المنافية للماركسية اللينينية. وبالفعل استطاعت اللجنة المركزية تخليص أغلبية الأعضاء من أفكار البورجوازيين حول المقاطعة، ولكن تبين في نفس الوقت ان هناك أعضاء وخاصة في رابطة الطلبة الشيوعيين وغيرهم، ظلوا متأثرين بتفكير غير ثوري. ولكن التجربة والمعركة التي خاضها الحزب تبرهن لكل ثوري صحة موقف اللجنة المركزية، ومن هذا يتعلم هؤلاء الرفاق من تجربتهم. ان عدم الصبر واللجوء الي القرارات التنظيمية العاجلة كما يفعل اليساريون من البورجوازية الصغيرة كان من الممكن أن ينزل اضرارا بهذا القسم من الأعضاء. المهم هو ان يلخص القادة المخلصون لتلك المنظمات هذه التجربة وان يهزموا الأفكار غير الثورية النابعة من احلام البورجوازيين وتقاعسهم عن مواجهة الواقع بجرأة وثبات. ان الحزب ذو ارادة واحدة تخضع أقليته لأغلبيته رغم عدم موافقتها لقرارات الغلبية. هذا مبدأ جوهري من مبادئ تنظيمنا لايمكن التفريط فيه او التغاضي عنه. ولكن يجب ايضا ان نعتبر ان الصراع من اجل جلب الأقلية الي مواقع الغلبية عملية طويلة، وان الخط الثوري ينبع في النضال ضد الخط غير الثوري، وان هذا الصراع مستمر يستهدف التكوين اللينيني.

 عدم اعتبار هذه الحقائق جيدا يؤدي الي دخول العشرات الي الحزب ثم التخلي عنه (لعيوبهم)، وكان من الممكن ان تخلق فترة الترشيح شيوعيا ناضجا، او كانما الحركة الجماهيرية يمكن ان تنقل الوعي الشيوعي للمناضلين تلقائيا. واذا كان الناس وهم يلجون أبواب الحزب، تتطهر اذيالهم فجاة وتكتمل ثوريتهم فما القيمة لوجود حزبنا ومادوره في الحياة؟.

  في تدريسنا في فترة الترشيح يجب ان نسلك المبدأ الماركسي للعمل بين الجماهير (من الجماهير). فالمرشحون وهم طلائع الجماهير الثورية يمكن ان يعلموا حزبنا الكثير في هذه الفترة – وهم خارجون من المعارك ويحملون كل ماهو ايجابي بين الجماهير. يجب أن نحارب المسلك الذي يعتبر فصول المرشحين كالمدارس البورجوازية يلقي فيها الأساتذة المحاضرات ويستذكر الطلبة مايلقي عليهم، بل هي مدارس لتبادل الخبرة. نحن نعطيهم النظرية الشيوعية ونسجل تجاربهم وأفكارهم، مثل هذا النوع من الدراسة التي يغتني منها الحزب الشيوعي لن يتوفر الا اذا كان التدريس يشتمل علي قضايا ملموسة. فمثلا بالاضافة الي ماأشرنا اليه من قبل لنا مرشحون من عمال النقل الميكانيكي، يجب ان تشتمل دراستنا أول ما تشتمل علي البحث في هذه المؤسسة: تكوينها، التقسيمات بين العمال،االأجور، العمل الاضافي، تاريخ الانتهازية وسطها..الخ. بهذه الدراسة يجد المرشحون انفسهم متفاعلين مع مدرسهم ولهم القدرة علي تعليمه، وبالتالي لوضع خبرتهم في صالح فرع الحزب في تلك المؤسسة وفي صالح الحزب الشيوعي بأسره.

 وعندما تتفتح أذهان المرشحين لمثل هذا النوع من الدراسة الماركسية في قضايا ملموسة يقتربون من الماركسية. ويتخذون المنهج السليم في دراساتهم الذاتية وفي تدريسهم لغيرهم في المستقبل. انهم يدركون بهذا أن الدراسة الماركسية مسئولة امام الجماهير التي تطالب بالمعرفة حول قضايا ملموسة لامجرد الحديث العام. وفي الحقيقة أي نوع من المناضل الشيوعي ذلك الذي يجهل المؤسسة التي يعمل فيها: رأس مالها، أشكال الاستغلال، شروط العمل...الخ؟، وأي فائدة تجني الجماهير من الاتصال به اذا لم يكن يمتلك هذه المعارف ويسخرها بأطراف اصابعه؟.

 و(من الجماهير) في فترة الترشيح وتقريب الماركسية الي طلائع الثورة موقف سليم من المعرفة. فالماركسية ليست نبتا شيطانيا او نظرية كهنوتية لاعلاقة لها بمعارف الشعب والجماهير، بل هي امتداد ثوري لمعرفة الشعب مبنية علي معارفه الثورية وكل ماهو خير ومنير من هذه المعارف. فعندما يحس الثوريون وهم يلجون أبواب الحزب ان تجاربهم الثورية جزء من الماركسية المطبقة علي ظروف بلادنا لاينعزلون في مسلكهم العملي من الجماهيربل يعملون دائما (للتعلم) من الجماهير وتعليمها ما اكتسبوا من معرفة ماركسية. وهذا هو طريقنا لاغناء الماركسية بتجارب شعبنا الثورية وبمعارفه السليمة التي اكتنزها عبر التاريخ. ان عدم تطبيق( من الجماهير) و(التعلم من الجماهير) في الفترة التي تلامس فيها المعرفة الماركسية طلائع الشعب يؤدي الي تكوين هذه الطلائع تكوينا خاطئا ويعلمهم العزلة واحتقار تجارب الشعب ويجعلهم وكانهم يبشرون لدعوة لاجذور لها بين شعبنا ولا مكان لها بين تجاربه ومعارفه. نورد مثلا ان عناصر ديمقراطية من العمال النقابيين أسهمت في الاقتراح علي حزبنا بعد قيام الانقلاب الرجعي الراهن طريقة التعاون في تلك الظروف لانتزاع حق التنظيم النقابي مرة أخري، وقد اثمرت تلك الطريقة. ان المعرفة الماركسية هي تطور لكل معرفة ثورية وتقليد أصيل في بلادنا: ثبات علي المبدأ وشجاعة ومساعدة الآخرين والتعاون فيما بين الناس الخ.

 نخطو الخطوة الثانية في الاتصال بالجماهير وقد اقتربت الماركسية من طلائعهم واتخذوا مسلكا سليما منها في فترة الترشيح ووضعوا بذلك اقدامهم علي بداية السبيل الذي يؤدي الي العلاقة الوثيقة بالجماهير. كيف نترجم الشيوعية كما يقول ف.أ. لينين الي لغة يفهمها شعبنا؟

 ان شعبنا لايفصل بين الفكرة وبين الشخص الذي يبشر لها وفي الحقيقة هل من الممكن ان يعتنق شخص فكرة سامية هو مبتذل أوسفيه؟ ان جماهير شعبنا تسمع عن الفكرة الشيوعية ولكنها تحكم عليها بمن تعرف من الشيوعيين السودانيين لاالشيوعيين السوفيت أو الاندونسيين مثلا، وفي مجتمع مثل مجتمعنا به الروابط القبلية والقروية ويطلب من الفرد صفات كريمة كثيرة ونجدة واستقامة وأمانة الخ. يلعب مسلك الأفراد من الشيوعيين دورا كبيرا في تقريب النظرية الشيوعية الي جماهير الشعب. علي هذا المسلك تتوقف الخطوة الأولي في الاتصال بالجماهير: ان تقبل الجماهير الاستماع في احترام الراي الشخصي ولما يدعو اليه بغض النظر عن تقبلهم لدعوته او كرههم لها. واذا كان الناس كارهين شيوعي لمسلكه الردئ فكيف يمكنهم الاستماع اليه؟. وفي تاريخ حزبنا شواهد تؤكد أن الكثير من المناضلين من أبناء الشعب وضعوا بين انفسهم والحزب حاجزا لرداءة المسلك الفردي لبعض الشيوعيين الذين يعملون بينهم، منهم من كان يكّره الناس بالثرثرة وبعضهم باحتقار تقاليد الناس وتحدي مشاعرهم الدينية، وآخرون بالسكر والعربدة. لهذا علينا أن نهتم أكثر بالمسلك الفردي لعضو الحزب وان نساعده في التخلص من كل مسلك ينفر الناس.

 الخطر الأول في هذا الموضوع ناجم عن العزلة. ففي المرحلة الأولي لبناء الحزب، ومع قلة الكادر التي كنا نعانيها، ومازلنا بالطبع نعاني منها بدرجة اقل مما مضي، تحمل أعضاء الحزب أعمالا جساما وخاصة في العمل الداخلي وقد ادي هذا الي انعزال الكثير منهم عن الدائرة الاجتماعية التي يعيش بينها. وهذا بالطبع يخلق شعورا من النفور لدي الجماهير. وبالتالي فان العضو الذي تبعده بعض العوامل من بيئته يصبح عرضة للافكار المعزولة والسلوك الخاطئ فتزداد منه الجماهير نفورا. لقد دخل حزبنا في تلك المراحل الكثير من العناصر الطليعية في مجالها: مثقفون مبرزون، ورياضيون ومصلحون في احيائهم...الخ. ولكن ضغط الظروف باعد بينهم وبين مجالاتهم، وقد خسر الحزب كثيرا من ذلك لأن الأسباب التي رشحتهم للدخول للحزب قد تقطعت بفضل تلك العزلة ولفقدانهم بالتدريج المسلك السليم الذي كانوا يسلكونه قبل انضمامهم للحزب بين الجماهير التي كانوا يعيشون بينها. صحيح أن هذه الظاهرة بدأت تنحسر ولكنها مازالت موجودة ويجب علينا ان نكافح بحزم ضدها. ان المثقف الطليعي، العامل البارز، والمصلح في حيه، والرياضي المحترم في ناديه يجب ان يبقوا هناك وأن يسخروا النظرية الماركسية في خدمة من حولهم وفي تقوية مراكزهم القيادية المحترمة، وهذا المسلك المهم والماركسي هو مانسميه (حيث الجماهير) ، اي ان نبقي في كل مؤسسة جماهيرية مهما صغر شأنها وان نجعل من الذين ينضمون في تلك المؤسسات منارات تزيدها الماركسية سطوعا وصدقا وتفانيا في خدمة جماهيرهم، نذكر علي سبيل المثال أن اماما بارزا في قرية وماحولها من قري، تركن اليه الجماهير وتستشيره في شئونها، انضم الي حزبنا فبدأ ينفر من عمله وبدأ يبعد من الناس فلم ينفع الحزب ولم ينفع الجماهير التي كانت تحبه، ولو كان مسلك ذلك العضو سليما لاستطاع ان ينمي الاحترام الذي يتمتع به ببقائه في مركزه، وبابتداع طريقة ملائمة لتقريب الجماهير من الوعي الثوري وبالتدريج وبربطهم بالحزب الشيوعي ونضاله خطو خطوة.

  يسلك بعض الرفاق ازاء الجماهير مسلكا نابعا من الأصل البورجوازي الصغير، فما ان يلموا ببعض اطراف الماركسية حتي ينظروا علي انفسهم وكأنهم يحملون سرا لاتقوي عليه الجماهير، وحتي يبداوا في مصادمة كل آراء الناس وتنقية طرق حياتهم. انهم لايتكلمون الا في السياسة الخالصة وكانهم وعاظ ماعدا ذلك فيعتبرونه من لغو الحديث. لقد اشرنا آنفا الي ان الماركسية في بلادنا هي تطور ثوري لكل ماهو خيّر ومتقدم بين جماهير شعبنا من معارف وتقاليد ومؤسسات اجتماعية، صحيح اننا لسنا قوميين متعصبين نقدس كل ما يصدر في بلادنا اذ ان فيه الصالح والطالح – المهم ان نضع حدا بينهما وان نناضل في صبر واناة ضد المعارف الخاطئة والتقاليد الرديئة والمؤسسات الضارة، كما علينا أيضا ان ننمي المعارف الصحيحة الثورية والتقاليد الحسنة والمؤسسات النافعة للشعب في حياته اليومية. فمثلا اذا قارنا بين بلادنا وبين أوربا الرأسمالية نجد انه في الأخيرة قد حسمت العلاقات القبلية ونمت الفردية الي حدود ربما لايعرف الرجل جاره الذي يسكن في نفس العمارة وهذا شئ سلبي، ولكن مازالت في بلادنا تقوم الروابط بيم سكان الحي في المدينة وهي اقوي بين سكان القرية، مازالت الجماهير العاملة في المصانع والمكاتب لها روابط خارج مؤسسات العمل، ومازالت الروابط القبلية بين اقسام المزارعين شديدة وبعيدة الجذور رغم تفكك النظام القبلي. ان هذه الروابط بها جانب ايجابي: بها روح الجماعة والتكاتف ان دعوتنا الشيوعية ترمي الي تكسير الحواجز بين الناس والي تضامنهم الطبقي والوطني ولهذا فنحن مع روح الجماعة والتكاتف ونعمل علي ترقيتها وتنميتها علي أسس حديثة: اسس التنظيم الطبقي في مؤسساته الاقتصادية والتعاونية والسياسية، والتنظيم الوطني في نطاق الوحدة الوطنية الديمقراطية.

 لهذا لابد ان نشترك في العمل في كل ماهو ايجابي في هذا الاتجاه ونرقيه. فالناس يجتمعون في الأفراح والأتراح وينشئون الصناديق الخيرية ويجتمعون في المنازل ونحن يمكننا أن ننمي هذه العناصر الايجابية بقيام اندية ثقافية في الحي تسهم في الأفراح والأتراح، بتحويل الصناديق الخيرية التي تبقي فيها النقود دون تنمية الي جمعيات تعاونية استهلاكية تعود بالنفع العام، بتنظيم عمل التيم (النفير) في القري وضمه الي حركة المزارعين..الخ. ولن يتم لنا ترقية هذه العناصر الايجابية والصعود بها الي مستوي التنظيمات الحديثة بدون الاشتراك فيها وعدم النفور منها اولا وقبل كل شئ.

 من السلوك الذي اضر بنا وخاصة في القري وفي الأحياء ذات الروابط الوثيقة مايقوم به بعض الرفاق  من أفعال ازاء الطاعنين في السن وينجم ذلك من ان هذا القسم من الجماهير أقل وعيا من غيره واكثر تعصبا ضد أفكار التحرر والاشتراكية اذا ماقورنوا بالشباب الذي نال حظا من المعرفة. ان تقاليد مجتمعنا توقر الكبير وهي سنة حميدة لأن في توقير الكبير احترما للحياة وتمجيدا للعمل. ماكل كبير خير، هذا صحيح، ولكن علينا في سلوكنا دائما ان نضع عامل السن وأن نسلك مع شيوخنا سلوكا سلوكا لينا طابعه الصبر، فمنهم من يمكن ان يقنع بدعوتنا بالنقاش الهادئ مع توقيره ومنهم من لايقنعه النقاش بل يقنعه مسلك الشيوعيين وتصرفاتهم الفردية، ان بعض هؤلاء يصلون الي درجة تناقض فيها أفكارهم المتعصبة ضد الشيوعية مع مايشهدون من مسلك حميد، ومن تفان في خدمة الشعب من جانب من يحتكون بهم من شيوعيين ويعبرون عن ذلك بقولهم: (فلان رجل طيب ومخلص لولا انه شيوعي). وهذا القول، خطوة في سبيل المعرفة ونرحب به ويمكن ان ينتقل الي مرحلة اعلي.

 اضر بوضع أفراد حزبنا – بدرجات متفاوتة وفي مراحل مختلفة – سلوكهم ازاء معتقدات الجماهير الدينية، أننا شيوعيون نؤمن بالعلم، ونؤمن بالمنهج الجدلي وبالمادية التاريخية، لاجدال في هذا. ولكن لكي يصل الناس الي موقع العلم في اوربا حيث تخلصت جماهير واسعة من الفلسفة المثالية غيره في بلاد مثل بلادنا. ان الاستعماريين الرجعيين والعناصر الحاقدة علينا حاولت مرارا ومازالت تحاول صرف الجماهير عنا اعتمادا علي اثارة العواطف الدينية. ولهذا لابد ان نضع هذه الحقيقة امامنا دائما وبطريقة جدية وان نكافح بحزم وصرامة ضد التصرفات الفوضوية من جانب بعض الشيوعيين والذين يساعدون الدوائر المعادية لنا بتلك التصرفات.

 اننا ندعو الجماهير الثورية، بغض النظر عن معتقداتها وبدون تدخلنا في تلك المعتقدات للنضال من اجل تحرير نفسها وسعادتها: من اجل الاشتراكية، وخير الاشتراكية لن يعود علي الذين ينهجون المنهج العلمي، بل سيعود علي كل مواطن مهما كانت معتقداته.

 ان الاستجابة لاستفزاز بعض العناصر ومناقشة معتقدات الناس لن يؤدي الي نشر المنهج العلمي، بل يؤدي علي العكس الي عزل الطلائع الثورية عن الشعب، ان المنهج العلمي ينشر بمكافحة الأمية والجهل وباقتناع الجماهير بمنطق الحياة.

  في القري نواجه مشكلة أخري وهي استغلال الجهل لدي المزارعين بواسطة حفنة من (الفقراء) الدجالين حتي يغتنوا وتكتنز بطونهم من اموال الكادحين. لقد شجع الاستعماريون هذا النوع من الدجالين ليعينوهم علي حكم البلاد وقد استغلوهم ضد الحركة الوطنية في عام 1924م وبعد الحرب العالمية الثانية، وقد أصبح هؤلاء الدجالين نخاسين عندما انحسرت السلطة الاستعمارية وقام نظام برلماني فحشدوا المزارعين لتأييد بعض الأحزاب الرجعية وحاولا تخريب حركة المزارعين، وهم يقفون في الغالب اليوم مع النظام العسكري ويؤيدون المشايخ والنظار الذين يسومون المزارعين الخسف، ان علينا أن نكافح ضد هذه العناصر التي تقف حائلا دون التقدم والتي تشكل جزءا من العلاقات المتخلفة والطبقات المستغلة في القرية.                                                                                                                     

       اننا نحاربهم لأنهم يدعون حماية الدين لأنهم يسخرون المزارعين ويسرقون أقواتهم يعينون المتسلطين عليهم. ان نضالنا لفتح مدرسة في القرية، أو شفخانة أو ناد رياضي أو ثقافي، وقيامنا بالعمل لمحو الأمية ، هذه ضربات قاصمة لتلك الفئة المتاجرة باسم الدين، ان هذه الحملة ضد المتاجرين باسم الدين والاتيان بالاعمال المفيدة لا اللجاج والثرثرة أمر مفيد لتنمية حركة المزارعين في بلادنا. أضر ومازال ينزل الضرر بنا سلوك بعض الرفاق من المؤسسات التي يعملون فيها أو يشتركون فيها واهمالهم للواجبات التي يلقيها عليهم وجودهم في تلك المؤسسات التي يعملون فيها او يشتركون فيها واهمالهم للواجبات التي يلقيها عليهم وجودهم في تلك المؤسسات بحجة انشغالهم بأعمال أخري: بحجة انشغالهم بالنضال الثوري. وقد جد نتيجة لهذا المسلك وجود تفكير بين أقسام من الجماهير يري أن الشيوعيين لايخلصون لتلك المؤسسات وانهم يعملون فقط لاستغلال تلك المؤسسات ذات الصفة الاجتماعية لأغراضهم الحزبية. علينا في هذا الحيز ان نعتبر حقيقتين: الحقيقة الأولي هي اننا يجب ان نكون مخلصين لهداف المؤسسة الاجتماعية التي نشترك فيها، فاذا كنا منضمين لناد رياضي أو لجمعية خيرية او تعاونية او لناد ثقافي فعلينا ان نركز الجهود في اطار اهداف تلك المؤسسات، علي ترقيتها وعلي قيامها بواجبها بأسلم الطرق وأجداها. هذه المؤسسات ليست منظمات سياسية مباشرة، بل هي مؤسسات ذات اغراض اخري تحتاج اليها الجماهير الكادحة في تحسين أحوالها، وفي تخفيف أعباء الحياة عن كواهلها. ولهذا فهي مفيدة ومساعدة للنضال السياسي بطريق غير مباشر. ان عملنا السياسي هنا غير مباشر وذلك:

1-        بان نخلق كادرا محترما مبرزا في أعمال تلك المؤسسات وقادرا علي خدمة اغراضها، والمشتركون في هذه المؤسسات سيرون فيه بعمله مثلا يجتذب ويعجبون بخدمته وبقدرته علي ذلك.

2-        ان الناس المشتركون في هذه المؤسسة لابد ان يتساءلوا وبتجاربهم عن السر الذي يجعل هذه الفرق من الناس تخدم بقدرة وكفاية أهداف تلك المؤسسات دون سواها.

وبهذا يفتح الباب أمام الوعي الثوري لدي تلك الجماهير ويقتربون من مواقع الحزب الشيوعي والماركسية اللينينية.

 الحقيقة الثالثة تشتمل علي موقفنا من العمل – من مؤسسات العمل التي توجد فيها:- المصنع، المزرعة، المدرسة، المكتب، المستشفي..الخ. ان المسلك من هذه القضية يدخل في حيز المسلك الفردي الذي يؤثر علي الجماهير اما اقترابا من الشيوعيين او نفورا منهم. لاشك أن العامل الشيوعي المبرز في مهنته، والمزارع الشيوعي المتفوق في زراعته اهتماما وانتاجا، والطالب النابه ذو القدرة الأكاديمية العالية، والطبيب الخادم للشعب الحاذق لعمله، والزوجة الصالحة..الخ، هؤلاء يمتلكون قوة مغنطيسية جاذبة نحو الحزب الشيوعي. ان الكثير من القادة الشيوعيين العمال الذي أسسوا الحركة العمالية في عطبرة كانوا يجدون الاحترام بين زملاءهم لقدرتهم في العمل، وفي خلال الصراع الطبقي تصبح هذه القدرة سلاحا في يد المناضل امام المخدمين. لانريد ان نفصل في هذا الموضوع، بل نكتفي بايراد بعض الأمثلة. لقد عانت رابطة الطلبة الشيوعيين من سوء التقدير لهذه القضية في كثير من الأحيان ووقع بعض أعضائها في اتجاهات من العزلة لاتخدم قضية الماركسية بين الطلبة. في كثير من الأحيان يرسب قادة الطلبة في امتحاناتهم لالقصور مداركهم ولا لعجز في قدرتهم علي استيعاب العلم، بل لأنهم يتخذون من الدراسة في معاهدهم مسلكا خاطئا. أنهم وقد الموا ببعض الماركسية يحتقرون الدراسة وخاصة في الكليات النظرية، انهم يحتجون بانهماكهم في العمل الثوري؟!، النتيجة هي هبوط في نفوذ رابطة الطلبة الشيوعيين وربما فقدان لهؤلاء الأعضاء. ان الطالب الشيوعي الحق هو من يستطيع تقدم زملائه في المعهد والمدرسة والعمل الثوري في نفس الوقت. وليس ذلك مستحيل، بل كانت ومازالت لدينا أمثلة يضربها رفاق ثوريون حقا.

 ان مصدر هذا النوع من المسلك المنفر هو الأفكار الفوضوية للبورجوازية الصغيرة التي لاتري الثورية في العمل السياسي (الخالص)، (المطلق)، (المجرد)، من كل شئ آخر.

 هل نحن ننتقد هذا المسلك الخاطئ من العمل لأننا نريد أن نجمع مؤيدين لحزبنا بوجود عناصر شيوعية مبرزة في عملها؟... بالطبع نحن في هذه المرحلة يجب ان نلبي احتياجات الثورة السودانية وعلي رأسها تنمية الحزب الشيوعي بين الجماهير الأمر الذي لن يتم الا بوجود أعضاء له في كل مؤسسة لهم المسلك الحميد والفضائل مايحببهم الي نفوس الناس. هذا حق وليس استغلالا ولاتضليلا للجماهير. وفي الوقت نفسه فنحن نلبي ايضا احتياجات شعبنا العاجلة، فشعبنا الذي نال استقلاله حديثا يتعرض لهجمات الاستعمار الحديث في حاجة الي كادر حاذق من العمال والمزارعين والمثقفين لتشييد بناء جمهوريتنا. اننا نعلم أن الكادر الماركسي اللينيني لن يجد الحرية لذلك البناء الا في ظل النظام الاشتراكي، لكن النظام الاشتراكي الذي سيشرق حتما في بلادنا سيضع قواعد كادرنا الراهن الذي نبنيه حاذقا ومتفوقا في ميادين تخصصه. والي أن تدخل بلادنا في مرحلة الاشتراكية، فان الكادر الشيوعي في المهن المختلفة يناضل بحزم ضد الفساد والاستهتار بالعمل والاحتقار للمسئولية ازاء مصالح الشعب، ولهذا فالكادر الشيوعي المبرز في ميدان عمله، يمكن ان يلعب دورا الآن في بلادنا، وفي جذب الجماهير نحو الحزب الشيوعي، وبالتالي في تقريب التطور الاشتراكي، وسيكون الرصيد للبناء الاشتراكي في المستقبل.

 هناك الوانا اخري من السلوك تضر أيضا بقضية علاقتنا بالجماهير، يقوم هذا السلوك علي تفكير يقول عمليا: (من ليس معنا فهو ضدنا، ومن اختلف معنا مرة فهو ليس منا). وهذا تفكير مثالي خاطئ، اذ انه في بلد مثل بلدنا رغم الجهل والأمية يعد الذين لهم مصلحة حقيقية ضد الاشتراكية علي الاصابع وهم قلة من اصدقاء المستعمرين والرجعيين.

 صحيح أن الكثير يحمل افكارا سخيفة ويعادي الحزب الشيوعي السوداني دون سبب. هناك كثير من المثقفين يتأثرون بالأفكار الغريبة المنحدرة المعادية للشيوعية دون تفكير وروح ناقدن هناك الكثير من الجهل يقف حاجزا بين دعوتنا والجماهير خاصة في القري الخ، ولكن صحيح أيضا اننا بالشرح والصبر ومن تجارب الناس نستطيع اقناعهمن نتج عن هذا المسلك الخاطئ المتميز بالعجلة ان أصبح بعض الرفاق يطلقون الصفات علي الناس دون مبرر، فهذا انتهازي وذلك جاسوس. بالطبع هناك الانتهازي وهناك الجاسوس ولكن الانتهازية مسلك مستمر وموقف طبقي والجاسوسية أمر لابد من الحذر والدقة والاقتصاد في الحكم عليها. لقد اخطأ كثير من المناضلين من الجماهير في مواقف مختلفة، بل هاجم بعضهم الحزب الشيوعي، ولكونهم مناضلين بدأ تتكشف لهم الحقائق فنظروا في أفكارهم وانضموا الي صفوف الحزب الشيوعي عن اقتناع ومنهم اليوم مناضلون ثوريون. وهذه الأحكام العاجلة المبتسرة تصبح اخطر أثرا عندما تصدر من قادة حزبنا، وهناك بعض الرفاق في فصائل القيادة يسلكون هذا المسلك غير المسئول ازاء الجماهير بل في بعض الأحيان ازاء الأعضاء (فيستثقلون) دم شخص دون ذنب جناه، ويذمون آخر ويجرحونه دون مراعاة لمراكزهم ومسئولياتهم.. مثل هؤلاء الرفاق يخربون علاقات حزبنا بالجماهير ويهدمون مابني غيرهم في وجه صعوبات جمة، ويستجيبون لفردية البورجوازي الصغير الذي يعيش أسيرا لتعصبه ويبني احكامه علي النزوة الطائشة والعواطف الفجة.

 اذا سلكنا سبلا سليمة واتخذنا مواقف ماركسية حقة، فاننا نستطيع ان نجعل من المرشحين أعضاء في الحزب وبهذا نكسب حلقة ثابتة في الاتصال بالجماهير. ولكن ماكل من يجتاز فترة الترشيح يبقي في الحزب، بل نحن نلاحظ في الكثير من تنظيمات حزبنا عدم استقرار في العضوية. لاشك ان هناك عوامل كثيرة لهذه الظاهرة، منها الاختيار الردئ للمرشحين، وصعوبة النضال الشيوعي في بلادنا، والتغيير الذي يطرأ علي بعض العناصر نتيجة تغير معيشتها..الخ. ولكن ايضا هناك أنواع من السلوك المنافي للماركسية اللينينية من قبل التنظيمات الحزبية تساعد علي تفاقم تلك الظاهرة. فالحياة الداخلية في بعض منظمات الحزب لاتسير علي اسس سليمة وخاصة في موضوع المركزية الديمقراطية اذ أن بعض الرفاق يدوسون علي هذا المبدأ الذي لن يستقيم الحزب الشيوعي بدون تطبيقه. انهم يضعون السلطة التنظيمية محل الصراع الفكري والاقناع، انهم لايحترمون رأي الأقلية، انهم لايناقشون سياسة الحزب بقدرما يصدرون الأوامر العسكرية. ساعد علي نمو هذا الاتجاه انعدام الديمقراطية في بلادنا وظروف الضغط والاضطهاد التي يعيش فيها الحزب الشيوعي. لكن هذا الاتجاه خطير جدا وهو صادر عن عقلية فوضوية، عقلية مغامرة لاعلاقة لها بالعقل الماركسي. والاضرار الجمة تلحق بالحزب نتيجة لهذا الجو الخانق كما حدث بالفعل في مديرية الخرطوم نتيجة مسلك سكرتيرها التنظيمي الزميل جبارة. لقد انعزل الحزب في دوائر هامة بهذه المديرية وتساقطت عضويته وانفض الروح الثوري عند بعض الذين بقوا في صفوفه. ان أساليب الزميل جبارة في القيادة وازاء الأعضاء خير مثال للأساليب الضارة: فالرقابة علي القرارات تعني التحقيقات المستمرة، وتعبئة الأعضاء حول خط بعينه تعني التبليغات العسكرية، والاختلاف في الرأي يعني العداوة والاحقاد والطرد من العضوية. فاذا كان هذا هو المسلك من الأعضاء فما املنا في خلق صلات بالجماهير؟.

 لقد حاولنا ومازال علينا ان نحارب باستمرار الروح العائلي في عملنا الذي تغذيه دائما الروابط القبلية والاجتماعية في بلادنا، لن ذلك الروح يمنع النقد ولايكشف الأخطاء وبهذا يحول دون تطور الحزب ونمو علاقاته بالجماهير. ولكن بعض الرفاق يفسرون عداءنا للروح العائلي تفسيرا يذهب به الي حد العزلة بل الجفوة بين الأعضاء عدم قيام علاقة بينهم الا في الاجتماعات الحزبية.

 هذا خطأ وقد برهنت العلاقات الكفاحية خارج الاجتماعات والاتصالات لتبادل التجارب خلال العمل اليومي والمعايشة في فرع الحزب، كما يفعل بعض الرفاق في حي الثورة بأم درمان، علي جدواها وفائدتها في الرقابة اليومية علي العمل واصلاح الخطأ قبل استفحاله. ان وحدة العضوية في افكارهم امر مهم لارتفاع مستوي ثوريتها ولبقائها في صفوف الحزب مناضلة متقدمة، هذه الوحدة لاتتم في الاجتماعات وحدها، بل تتم في العمل المشترك بين أعضاء الفرع( الوحدة التنظيمية) ومساندتهم لبعضهم وتلخيصهم لتجاربهم وهم يقومون بتنفيذ مهمة بعينها بين جماهير مجالهم.

 من السلوك المنفر لللاعضاء تواتر الاجتماعات الحزبية وطولها واوقاتها غير المناسبة، فتواتر الاجتماعات لايدل علي ثورية الفرع او التنظيم لأن الاجتماعات هي مكان لتبادل الخبرة وتلخيصها وتحديد الواجبات والرقابة عليها وللدراسة الماركسية. والاجتماع مسخر لخدمة العمل بين الجماهير، ولهذا فلا فائدة لاجتماعات تعكس نشاطا بعينه بين الجماهير. فاذا كان الأعضاء بعد الانتهاء من ساعات عملهم المعيشي يقضون معظم أيامهم في الاجتماعات الداخلية فماذا يفيدون الحزب في توثيق علاقاته بالجماهير في تنفيذ خطوطه؟.. ان تواتر الاجتماعات ظاهرة تدل علي العزلة عن الجماهير ومحاولة لسد الفراغ بأي ثمن وبأي شكل هذا أمر يؤدي الي الهبوط بثورية الأعضاء ولانعزلهم عن مجالاتهم.

 وطول الاجتماعات دون مبرر هو تعذيب لللأعضاء، صحيح اننا ننجز ماهو مطروح من اعمال في اجتماعاتنا، ولكن فرع الحزب الذي يجتمع بالساعات الطوال  لابد ان يكون مرتكبا لخطأ ما. فلو ان الاجتماع حضر له بعناية واهتمام ومسئولية، حضر جدول اعماله وورزع علي الأعضاء قبل وقت مناسب، وسجل من يريد الكلام اسمه عند سكرتير الفرع، ووزعت التقارير قبل الاجتماع، فان ذلك الاجتماع سيكون مريحا ومثمرا. ان الكثير من العناصر المناضلة وخاصة من العمال يحومون حول الحزب خوفا من تواتر الاجتماعات وطولها الذي يسل الروح من الجسد، كما ان الكثير من العناصر الثورية التي انضمت الينا فرت بجلدها بعد ان جربت تلك الاجتماعات، ان الاهتمام بالاجتماع الحزبي والتحضير الدقيق له مسئولية امام الأعضاء، ومسئولية امام الحزب للاحتفاظ باعضائه ولرفع ثوريتهم وهو بذلك مسئولية فيما يختص بصلة الحزب الشيوعي بالجماهير.

 بالطبع تخضع مواقيت الاجتماعات الحزبية في ظروفنا الراهنة لظروف الأمان وغيرها من الظروف الصعبة التي نواجهها، لكن اذا أردنا ان نعقد اجتماعا مناسبا، فلابد من اختيار الميقات المناسب الذي تكون فيه القرائح مشحوذة العقول ولايداعب النوم الأجفان.

 نود ان نشير هنا الي نقطة لها صلة بموضوعنا الذي نحن بصدده وهي خاصة بمسلكنا ازاء التكوين الشيوعي للاعضاء. لقد راعت ذلك لائحتنا – وهي صادقة في ذلك – في مرحلة الترشيح اذ فرقت بين الجماهير الثورية فجعلت للعمال والمزارعين بوصفهم اكثر الطبقات ثورية فترة ترشيح اقصر من المثقفين رغم ان الأخيرين يتمتعون بمستوي للمعرفة اكبر من اولئك، وبالتالي فهم في وضع يمكنهم من تفهم النظرية الماركسية. ان اللائحة راعت الأصل الطبقي والثورية وثبات العمال والمزارعين في نضالهم مع تعرض الفئات الخري لضغط الأفكار غير الثورية. ان الحزب الشيوعي السوداني تحكمه لائحة واحدة وقواعد تنظيمية واحدة تطبق علي كل اعضائه بغض النظر عن أصولهم الطبقية، ولكننا في التكوين الشيوعي يجب ان نتخذ اسلوبا يقرب ولاينفر وان نعرف الأفكار التي يعاني منها بعض الأعضاء وتقف حائلا دون تنمية ثوريتهم وتحول بينهم وبين التكوين الشيوعي. وفي هذا المضمار نريد ان نشير الي قضية المثقفين. ان المثقفين في مثل بلدنا لهم دورهم ثوري كبير وهم يلجون صفوف حزبنا بالنضال الصبور ضد العوامل السلبية التي يعيشون تحت وطاتها. والمسلك في حياة الحزب الداخلية ازاءهم ركن اساسي من هذا العمل.

  لقد كانت أوساط المثقفين الولي التي وصلت اليها النظرية الماركسية في بلادنا وظل الحزب الشيوعي يعمل بينهم منذ تكوينه فأين وصلنا بينهم؟.. لقد توصلنا الي شئ ايجابي مهم وهو اننا تمكنا من ايجاد كادر من صفوفهم ثابتا بين حلقة الكادر القيادية قدموا خدمات مشكورة لقضية الشعب والجماهير العاملة السودانية. ولكن هذه الحلقة بالمقارنة مع المئات الذين تمتعوا في وقت او آخر بعضوية الحزب الشيوعي قليلة جدا، ولا مكان لها عند المقارنة. لاشك اننا نعاني ازمة في هذا الميدان ونعني الاحتفاظ بعضوية المثقفين وتنمية قدراتهم الثورية. لقد تطرقنا الي هذه الأزمة مرارا وخاصة بعد عام 1954م(فترة الحكم الذاتي) ووجدنا ظروفا موضوعية تساعد علي تفاقم تلك الأزمة وعلي رأسها انحسار السلطة الاستعمارية من بلادنا وتفتح فرص جديدة للمثقفين في اجهزة الدولة مما ادي الي تحول كبيرفي وضعهم الاجتماعي والي انحسار اقسام منهم باكملها من صفوف الثوريين وأصبحوا يشكلون جزء من بيروقراطية الدولة ومن البورجوازية الوطنية. هذه الحقيقة وحقيقة ايضا اننا مانظرنا في جانب من جوانب النشاط في بلادنا، الا وجدنا شيوعيين سابقين او اعضاء في الجبهة الديمقراطية قليل منهم اختلف مع الحزب وتبدلت وجهة نظره للحياة وكثير منهم لاخلاف بينه وبين الحزب. واذا كنا نهتم بصلتنا بالجماهير، فعلينا ان نعالج كل مسلك يؤدي الي هذه النتيجة خاصة في حياة الحزب الداخلية.

 يجب أن تعالج هذه القضية في المدارس والمعاهد والجامعات: في رابطة الطلبة الشيوعيين، لقد كان تنظيم الطلبة في رابطتهم عام 1949م خطوة ايجابية لها نتائجها التي لامكان لسردها الآن، ولكن هناك جانبا سلبيا للرابطة وهي أنها لاتعطي الفرصة للعناصر الصلبة المتقدمة من الطلبة لكي يكونوا تكوينا شيوعيا بين الجماهير العاملة والكادحة. فهم رغم نضالهم الثوري المجيد، رغم قدرتهم علي تفهم الماركسية يحتفظون بكثير من عادات البورجوازية الصغيرة ولايتحولون الي خادمين للعمال والكادحين، وهذه العادات السلبية يتفاقم خطرها عندما يخلفون  عهد الدراسة وتبدأ علاقاتهم بالانتاج. اننا يجب أن نعالج هذه القضية وذلك بابتداع الوسائل الكفيلة بتربية كادر الطلبة والمبشرين منهم بين صفوف العاملين – في فروع الحزب وهيئاته ذات التكوين الشعبي. وهذا أمر صعب ولكنه ممكن التحقيق، بل هو ضرورة ملحة. كذلك علي الحزب أن يساعد الرابطة في ميدان الصراع الفكري اذ أن الطلبة في معاهدهم يواجهون كافة النظريات الرجعية والتي لاعلاقة لها بالتقدم ولهذا فالعمل الفكري يتخذ طابعا جديا هنا وفي مستوي أعلي: في مستوي الفلسفة والمناهج الفكرية، في الكتابة والأدب بفروعه المختلفة..الخ.

 اذا استطعنا علاج هذه القضية بهذا المستوي وفي تلك المرحلة(مرحلة تلقي العلم) فاننا سنخرج بفصيلتين من المثقفين: اولاهما فصيلة ذات مستوي معقول من الشعبية وتخلصت من الكثير من عادات البورجوازية الصغيرة، وهذه الطليعة التي تلعب دورا كبيرا في صفوف الحزب والحركة الجماهيرية، ثانيهما: فصيلة غالبة ذات مفاهيم ماركسية، ولكنهم محافظون بدرجة أكبر علي أصلهم الطبقي ويتعرضون للتحول نتيجة للتغير في معيشتهم، ومسلكنا نحو هذه الفصيلة يجب ان يكون واقعيا وثوريا، وان نحارب كل مسلك فوضوي يرمي الي اصدار أحكام بالجملة عليهم:  (فلان اصبحت له عربة)..الخ.

 اننا نقف في أرض صلبة في نضالنا لاستمرار هذه الفصيلة كجزء من حزبنا لأن الطبقة العاملة في بلادنا أقوي فكريا وتنظيميا حتي في ظل النظام الرجعي الراهن، المنجزات الاشتراكية الثقافية والعلمية ترتقي كل يوم في مدارج التقدم ولهذا فقطاعاتنا قوية وقدرتنا علي المحافظة علي تلك الفصيلة من المثقفين الشيوعيين أقوي من الطبقات الأخري. أننا نبدأ من الممكن، هؤلاء الرفاق يعملون في المؤسسات المختلفة ومعظمهم يعمل باستقامة ونزاهة ونحن يهمنا أن يكونوا كذلك لبناء وطننا وهنا نلتقي في أكثر من نقطة، اننا نحتاج معهم الي التنظيم المرن الذي يلائمهم، نحتاج الي رفع قدرة الحزب الفكرية ليساعدهم ويستفيدوا من العلاقة به في تنمية مداركهم، ان المسلك اليساري وعدم المبالاة هو أخطر شئ، مثل لهذا ان احد الرفاق الذين تخرجوا في الجامعة اصبح لايدعي للاجتماعات، وكان سكرتير الدائرة يقول: هذا اصبح موظفا كبيرا فماله ومالنا؟. واليوم حينما نلتفت نجد الرفيق الذي اختير موظفا كبيرا يخدم شعبه والجماهير العاملة بينما تراجع سكرتير الدائرة وأصبح يجري وراء حل مشاكله الشخصية. ان المبدأ الذي نرتكز عليه مع هؤلاء المثقفين هو: من كان مستعدا لخدمة الشعب والجماهير العاملة فنحن نساعده ليخدم أكثر، ومن قعد دون ذلك فيكن محايدا او مستقيما.

 وهكذا اذا استطعنا أن نحارب العقليات الغريبة في دراسة الماركسية وتدريسها أن نتخلص منها، واذا استطعنا ان نربط كادر حزبنا باولي حلقات الجماهير ونعني طلائعهم من المرشحين وتمكنا من الهجوم علي كل مسلك ينفر هؤلاء المرشحين من حولنا، وعانقنا كل مسلك يحبههم فيه ويرفع من ثوريتهم ويحافظ علي بقائهم معنا، واذا استطعنا أن نحرر أنفسنا من السلوك الذي ينفر الجماهير عنا ويجعل بيننا وبينها ستارا سميكا، فاننا نكون قد حقفنا أول خطوة ناجحة في وصل حركتنا بالجماهير الشعبية الثورية: امكننا أن نجعل الناس يقبلون علي الاستماع الي دعوتنا بغض النظر عن قبولهم لها أو رفضهم اياها.                                                           

  نخطو بعد هذه الخطوة الثانية وهي افهام الناس مانريد وما ندعو له بالوسيلتين المعروفتين: اللسان والرمز(الكتابة علي رأسه) وذلك مايعرف بالدعاية. علينا اذن النظر في هاتين الوسيلتين وان نكشف عيوبنا فيها ونكافح للتخلص من تلك العيوب حتي يستطيع الناس ان ان يفهموا افكارنا ودعوتنا الشيوعية وان يقتنعوا بها.

 لاشك أن اللسان أهم وسيلة لنا في الدعاية وذلك لأن الأغلبية الساحقة في بلادنا أمية وبهذا فان كل مايصدر من مكتوب في حزبنا ويصل الي فرع الحزب حيث تلامس الجماهير لابد من ترجمته مرة اخري باللسان الي الجماهير وخاصة في القرية، ومن هنا تنبع اهمية الكلام ، يجب ان نحسن مخاطبتنا للناس وان نختار اللغة التي يتكلمون بها، وطالما كان قصدنا الافهام والاقناع فعلينا ان نستعمل لغة بسيطة يسيرة واصحة المعاني: اللغة التي تتحدث بها الجماهير وتقضي بها حوائجها اليومية، صحيح اننا نحمل رسالة جديدة للجماهير بها أفكار جديدة ولا أفكار جديدة الا اذا كانت تحملها الفاظ ولكن علينا ماوسعنا الأمر أن ننقل أفكارنا الجديدة بوساطة مايلائمها من لفظ متداول وان نقرب الالفاظ الجديدة الي الناس، علينا ان نتحاشي غريب اللغة وخاصة المنقول منها من تراجم لبعض الكتب الماركسية – ذلك الأسلوب الذي كان يصوره خير تصوير. الزميل ثابت والذي يصل الي مستوي الغراب والغموض: التفاعلات الطبقية، و(الاستقطاب الجماهيري)، و(ذيلية بورجوازية متعفنة) الي ىخر تلك الالفاظ التي لاشبيه لها الا عند جماعات حزب البعث.ان مصدر هذا الاسلوب في مخاطبة الجماهير يرجع الي غرور البورجوازي الصغير الذي يريد ان يتظاهر بالمعرفة وهو لايلم الا بقشورها، الذي يهدف الي ادهاش الناس وانتزاع الاعجاب منهم لاافهامهم واقناعهم، ان الجماهير نفسها انتقدت كثيرا هذا الاسلوب في المخاطبة بل ان كثيرا منهم، وهم غير اعداء حقيقيين لنا، جعلوا ذلك الاسلوب سخرية وهزأ مما يساعدنا اليوم علي تقريب بعض الألفاظ العلمية الي الجماهير أنها طرحت بوساطة اجهزة الدعاية في مصر وهي تتحدث عن الاشتراكية فاقتربت بعض الألفاظ الي اذهان جماهير شعبنا: بالاشتراكية والرأسمالية والاستغلال والرجعية الفاظ واسعة الانتشار الان، ولكن مهما كان الأمرن علينا ان نقتصد كثيرا في استعمال اللفظ الغريب علي الجماهير، الا اذا لم يكن هناك مفر من ذلك، وفي هذه الحالة نشرحه جيدا.

 ان اسلوب الوعظ في مخاطبة الناس مسلك سخيف ومنفر، لايؤدي الي افهام الجماهير شيئا، فبعض الشيوعيين وقد الموا باطراف الماركسية يفرضون انفسهم وعاظا علي اخوانهم، لهم في كل مشكلة رأي وفي كل قضية فتوي، ان جماهير شعبنا تكره المدعين والذين يتولون صدور المجالس وكانهم يحيطون بكل شئ علما، ونذكر ان رفيقا روي تجربته مع عضو جاء ليضمه للحزب فرأي بين يديه ديوانا لشاعر عربي معروف فما كان منه الا ان بدأ يهاجم يهاجم ذلك الشاعر ويصفه(بانه بورجوازي تافه) لاجدوي من قراءته وهو الذي ربما سمع به لأول مرة في تلك المقابلة. ماذا يعود علينا هذا السلوك بغير الضرر؟ فالعضو المقتصد في حديثه، الذي لايتكلم الا فيما يعلم، يكسب احترام الناس ولايعيبه ان يعلن انه لايعرف شيئا عن موضوع بعينه.

 علينا في مخاطبة الناس ان نتمسك بالديمقراطية ونرعاها دائما. يجب الاستماع الي أراء الناس مهما اختلفنا معهم ومهما كانت خاطئة وان يتسع صدرنا لذلك، ان فكارنا ودعوتنا ونظريتنا لاترضي بالكبت ولا بالثرثرة واللجاجة واسكات صوت الاخرين، بل بالمناقشة الهادئة وبالاستماع الي أراء الاخرين وبمحاولة اكتشاف النقاط التي تتفق معهم فيها وكشف ما نختلف في امره، كل ذلك عن هدوء ودون اثارة. ان التغاضي عن الديمقراطية خلال مخاطبة الناس تفكير خاطئ يفرض الصواب في رأينا الخطأ كل الخطأ في رأي غيرنا، انه لايحتمل وجود الخلاف في الراي.

 وكما تقول العرب (لكل مقام مقال) في بعض الأزمان يتجمع الناس في مناسبات وامكنة لايودون فيها الحديث في السياسة، يجب علينا الانفرض مواضيع الحديث فرضا علي الناس فنظريتنا ودعوتنا وأفكارنا تتناول بالبحث مناحي شتي من الحياة : الثقافية والعلم والفن..الخ. والحديث كما يقال ذو شجون فربما بدانا بالفن وخلق جو مناسب للحديث في قضية سياسية أخري. وهكذا يجب الا نتعجل في فرض المواضيع وان نراعي المقام، مثلا في بيوت الأفراح يود الناس دائما الاستمتاع بذلك النوع من المناسبات وتختلف حلقاتهم، فمنهم من يود الحديث في موضوع دون الآخر. ولكن بعض الرفاق، ومنهم قادة في الحزب، يفرضون مواضيع لأحاديث تدعو للشقاق في تلك المناسبات وتثير الخواطر وتفسد المناسبة علي الداعين، مثل هذا المسلك وماشابهه منفر ولايدعو للاحترام. انه يتخذ مظهر الثورية ولكنها في الواقع ثورية الفوضي والبورجوازية الصغيرة. فالحديث في هذا الموضوع دون ذاك يمكن ان يتاجل اذا لم يتهيأ المقام، فالحياة لاتتوقف ويحل يوم جديد وأيام لاحصر لها وسيجد الشيوعي وغير الشيوعي الفرصة للحديث في المقام المناسب.

 الوسيلة الثانية لافهام الناس نظريتنا ودعوتنا هي الرموز ونكتفي هنا بالحديث عن الكلمة المكتوبة كفرع من فروع الرمز. الكلمة المكتوبة في حزبنا تنحصر الان في الصحافة بشقيها الداخلية منها أو الجماهيرية، وفي المنشورات والكتيبات، والشعارات علي الحيطان.

 نلاحظ بشكل عام وفي الصحافة علي وجه التخصيص أن هناك فصلا بين مانكتب للاعضاء ومانكتب للجماهير بدليل وجود نوعين من الصحافة عندنا في المركز والمديريات. ماهي الجذور التاريخية لهذا الفصل؟.. لقد بدأ حزبنا بحلقة قليلة العدد تحاول أن تكسب لها مؤيدين: ان تكسب أعضاء يؤمنون بالنظرية الشيوعية وشرعت في محاولة لشرح الأسس العامة للماركسية وكان ذلك امرا جديدا، واجهنا الفاظا جديدة عربناها وأفكارا جديدة لم يكن في قدرتنا في تلك الفترة ان نبسطها أو نطبقها او نقربها بالمثل والعمل الي الأعضاء الحديثين. لهذا وجد ذلك النوع من الكتابة الموجه للاعضاء والذين استطاعوا معرفة التعابير الجديدة وألموا بالمعاني والأفكار الجديدة ايضا. ثم ان تقييد الديمقراطية في بلادنا في مراحل الحكم الاستعماري ومابعده اوجد بطريقة غير مباشرة تفكيرا بيننا بأن هناك أشياء محرم ان نخوض فيها امام الجماهير (حتي لانكشف تنظيمنا) أمام الأعداء. صحيح ان كل حزب سري يجب ان يحافظ علي امانة: عضويته وعددها ونوعها..الخ. حتي يحافظ علي بقائه أمام الهجمات المتواترة من اعدائه، ولكن من الخطأ اعتبار وجود قضايا سياسية وفكرية من معرفتنا والاحاطة بها. وصحيح كذلك ان هنالك – بعض القضايا التي تهم الأعضاء كثيرا من مشاكل فنية وتربية للكادر لاتستهوي الجماهير بقدرما تستهويها القضايا السياسة والفكرية والثقافية. ولهذا لابد من اعتبار كل هذه العوامل والا ننظر لهذه القضية من زاوية واحدة.            

 لقد أدي وجود صحافة داخلية الي نتائج ايجابية أولاها تكوين كادر شيوعي يلم بخبرات العمل الحزبي بوساطة تلك الصحافة، بل ان هذه الصحافة كانت ومازالت في أقسام مهمة من حزبنا الرابطة التنظيمية والفكرية الأولي بين اعضاء الحزب. وهذا جانب ايجابي نقدره حق قدره، ولكن هذا الوضع ادي ايضا الي عزلة في أساليب دعايتنا المكتوبة(الصحافة) بين الجماهير وذلك بنقل الأسلوب واللغة التي نكتب بها في الصحافة الداخلية الي حيز الصحافة الجماهيرية، ولكي تستطيع صحافتنا افهام الجماهير دعوتنا، لابد لنا من علاج هذا التناقض.

 اولا: ننظر بعين الاعتبار الكافي الي ان هناك حاجة للصحافة الداخلية، ولكن لابد من تحديد لدورها وان تحصر نفسها في تلخيص تجارب بناء الحزب وفي التكوين اللينيني لللاعضاء بالصراع ضد كل مسلك خاطئ في حياة الحزب الداخلية وبين الجماهير، أي النضال ضد الايديولوجيات غير العمالية. وفي هذا الحيز علينا ان نرعي بساطتها وأسلوبها السهل المشوق حتي يفهمها فرع الحزب دون عناء وان نتحاشي التعقيد وغريب اللغة، وهذه خطوة في توحيد صحافتنا. واذا كان هذا دور الصحافة الداخلية، وذلك هو الحيز التي تعمل فيه، فان ذلك يستوجب اصدارها في اوقات مناسبة تستطيع فيها اداء رسالتها علي وجه كامل والا يكون الدافع الي اصدارها مجرد الصدور حتي ولو كانت لاتحمل شيئا ذا بال. لهذا نقترح ان تصدر الشيوعي شهرية لأنها تستطيع أن تؤدي رسالة كل شهر بما يتجمع من تجارب المنظمات المختلفة في حزبنا، وان تصدر المجلات الداخلية للمنظمات الحزبية الأخري في فترات متباعدة موسمية – أربع مرات في العام. هذا سيفيد منظمات الحزب كثيرا لأنها تستطيع في تلك الفترات جمع تجاربها وتلخيصها وبهذا يرتفع مستوي الصحافة الداخلية موضوعا وشكلا وتوزيعا، وفي نفس الوقت يدعم هذا مركز الشيوعي بين منظمات الحزب الداخلية، وهذا امر هام لتوحيد حزبنا وترابطه.

 ربما تجنح بعض المنظمات وخاصة ذات العلاقات الضعيفة بالجماهير بان ذلك سيؤدي الي حدوث فراغ في الحياة الداخلية فيها وهذا غير صحيح، وخاصة اذا نفذ بحزم قرار اصدار مجلة الشيوعي شهرية وارتفعت المقدرة التنظيمية علي توزيعها حال صدورها، وهذا غير صحيح ايضا اذا عالجنا عيوب الشق الاخر من صحافتنا ونعني الصحافة الجماهيرية.

 ثانيا: ان صحافتنا الجماهيرية تعاني عيوبا كثيرة تجعل اقبال الجماهير عليها ضعيفا، بل اقبال أعضاء الحزب ايضا. تتناول هذه الصحافة بشكل عام قضايا النشاط العملي بطريقة اثارية ولاتعالج المواضيع الكبري بطريقة وافية ومستقصاة. لهذا فأعضاء الحزب وهم حلقة لللاتصال بالجماهير الثورية لاينتظرون من ورائها حلا للقضايا التي يفكرون فيها من قضايا فكرية وجماهيرية وتنظيمية ودعائية ...الخ. بل ينتظرون ذلك من مجلتي(الشيوعي) و( الوعي) ومن مجلاتهم الداخلية، ومن البيانات المنفصلة التي تصدرها الهيئات المركزية والمحلية. ان الكثير من الأعضاء لذلك لايقرأون صحافتنا الجماهيرية ويعتبرون انفسهم مجرد موزعين لها، وعندما يوزعونها لايرون فيها مايستحق الشرح والمناقشة مع الجماهير. اذا أردنا ان تكون صحافتنا الجماهيرية وسيلة مجدية لنقل للجماهير فعلينا اولا الارتقاء بمستوي المواضيع التي تتناولها. يجب ان تتناول تلك الصحافة كل القضايا السياسية والفكرية والثقافية. مثلا عالجت اللجنة المركزية في اجتماعها في يناير مشاكل الاشتراكية العلمية وزيف الأفكار الاشتراكية الأخري: هذا موضوع يهم الجماهير التي تقرأ تلك الأفكار الغريبة علي الاشتراكية وتتأثر باجهزة الاعلام الخري... وهذا موضوع يجب ان نعالجه في صحافتنا بطريقة سهلة ومحببة. ان ارتقاءنا بمستوي الموضوع في صحافتنا قائم علي احترام الجماهير وانها يمكن ان تفهم كل قضايا الحياة العلمية والسياسية والاجتماعية، وبهذا لن تكون صحافتنا مجرد مثيرة سياسية بل داعية ومعلمة للشيوعية ومدرسة لتثقيف اعضاء حزبنا ولتربية كادر من بين الجماهير يعمل في الحركة الثورية وفي صفوف حزبنا. نقترح في هذا المضمار اصدار مجلة(الوعي) – وهي المجلة النظرية للجنة المركزية لحزبنا شهرية وان توزع علي الجماهير. وكذلك نقترح ان تصدر اراء حزبنا في مركزه وفي قياداته المحلية في الصحافة الجماهيرية قدر الامكان وان كان هناك مايدعو للعجلة فتصدر كملاحق لتلك الصحافة، وبهذا ستجد العناية من الأعضاء ولايعودون ينتظرون راي الحزب في القضايا المختلفة غير صحافته الجماهيرية.  

 كذلك علي صحافتنا الجماهيرية أن تحترم مبدأ( من الجماهير) في ما تتناول من مواضيع وذلك بان تكون لها عين ثاقبة واذن صاغية لما يدور بين الجماهير من قضايا وماتواجه من مشاكل. فمواضيع الدعاية بين الناس لاتفرض من جانبنا والا ستكون مجرد مقالات اكاديمية يقرأها الانسان ثم يطرحها جانبا بل تفرضها الحياة – ودورنا هنا ان نعرف تلك المشاكل ونحيط بتلك القضايا فنشرحها ونرتفع بمستواها حتي يتعلم الناس من تجاربهم ويقارنوا قولنا بالواقع ويقتربوا بهذا من مواقعنا. نذكر علي سبيل المثال ان العاصمة ظلت اياما وهي تعاني من قلة في اللحم فكاد ان يصل الي العدم بسبب اضراب العمال في مذابح ام درمان ولكن رغم هذا لم تشر اللواء الحمر أو صحافة مديرية الخرطوم الي ذلك الا بعد انفراج الأزمة. نعم كانت هناك ازمة في الطباعة ولكن أي نوع من الصحافة التي تسعي لتحتل مركزا بين الجماهير لاتكون لديها الوسائل لمعرفة هذا اللون من المشاكل ومعالجته في حينه ان لم يكن في عدد من الجريدة ففي ملحق لها سريع؟.

 واخيرا ونحن بصدد المواضيع في صحافتنا الجماهيرية لابد ان نشير الي موضوع الأشخاص. علينا ان لانتناول مواضيع الأشخاص الا بمقدار ماتؤدي اعمالهم الي عرقلة تطور بلادنا ولانلجأ الي المهاترة، او الألفاظ النابية او الي معالجة قضاياهم في ابتذال واسفاف اننا نناضل في سبيل دعوة سامية ونعرف دور الأفراد في التاريخ ولهذا فيجب الا نعطيهم جانبا اكبر مما يستحقون في صحافتنا وأن نتعفف عن الخوض في المسائل الفاضحة مستمدين هذا من سمو مثلنا الشيوعية ومن اخلاق شعبنا. اننا لسنا كالصحافة البورجوازية التي انحطت في بلادنا ولم يعد لها من حديث غير اخبار الجريمة والاغتصاب والسرقات..الخ. بل نحن نسعي الي تنمية الخلاق الثورية لشعبنا وتقاليده الحميدة رغم المحن التي يواجهها تحت ظل النظام الراهن الي نشر الانحلال في اذاعته ووسائل اعلامه ومسرحه وصحافته. ان شعبنا يعرف الكثير من المخازي التي يرتكبها المسئولون ولكن القضية تحل بالنضال من اجل الديمقراطية لا بالثرثرة والاستمتاع بنقل الفضائح.

 هذا من ناحية ما تتناول صحافتنا من موضوع ونوعه.

  نتعرض الان لمشكلة اللغة والاسلوب. القاعدة الجوهرية هي ان تقترب اللغة التي نكتب بها من اللغة التي تتكلم بها الجماهير. ان هناك العديد من المشاكل التي تواجهنا في ميدان اللغة أولاها أن ببلادنا لغات متعددة(لهجات) من نوبة وبجة ولهجات عديدة بين الجنوبيين وذلك لأن بلادنا متعددة القوميات. وثانيهما ونحن نكتب بالعربية في معظم صحافتنا مشكلة الانفصال بين لغة الكتابة ولغة التخاطب الشعبي.

 ان المشكلة الأولي ليست يسيرة الحل فنحن نري أن من المهم لتنمية الثقافة في بلادنا وتعدد مصادرها واغتنائها أن نكتب لغات القوميات وان يجري التعليم بوساطتها، ونحن نكافح من اجل هذا وستجد هذه القوميات والقبائل كل احترام للغاتهم في ظل الحكم الوطني الديمقراطي والاشتراكية. نحن الان لانملك الامكانيات لهذا العمل ولكن من الممكن بل من الواجب ان نصدر صحافتنا في هذه المناطق بلغة اهلها وان ندرس هذا الموضوع، فقد جرت محاولات من قبل للكتابة بلهجات الجنوبيين والبجا مثل مجلة(سكناب).

 والي ان يتم هذا فعلينا ان نعتمد وخاصة في شمال السودان علي طلائع هذه القوميات وهم يعرفون العربية ويمكنهم ترجمة صحافتنا شفاهة الي جماهيرهم. اما في السودان والي أن ندرس قضية اللغات واللهجات المحلية كما أشرنا اليها سالفا، والي ان ندرس ايضا نتائج تعليم العربية الذي يجري في مدارس الجنوب فنستمر في اصدار (الجنوبي) باللغة الانجليزية.

 اما في ناحية الفصل الواقع بين مكتوب العربية ولغة التخاطب الشعبية فعلينا أن نقترب من لغة التخاطب الشعبية ونحسنها لكي تكون مستقيمة ومعبرة وخاصة الصحافة التي توزع بين جماهير المزارعين. ان اللغة العربية مرنة ويمكن ان تحقق ذلك وهي محافظة علي نقائها. كل ذلك يجب ان يكتب باسلوب سهل وواضح في التعبير ويعتمد علي الاتجاه الرشيد لا الاثارة والتهيج. فاسلوب الدعاية يتطلب المنطق واختيار الألفاظ الدقيقة والهدوء والتعقل.       

 أما المنشور فهو وسيلتنا لمخاطبة الناس حول قضية عاجلة وبهدف اثارتهم للعمل ومن هنا يجب ان يكون المنشور قصيرا، مقتصدا في عباراته، فالشرح والاسهاب لايقعان في ميدان الاثارة التي يحملها المنشور بل في ميدان الدعاية التي تحملها صحافتنا وملاحقها. ان الجماهير تقبل علي منشوراتنا وتحترمها وقد تزايد هذا الاحترام في العهد العسكري الراهن لأنها كانت المنابر الحرة الوحيدة للكشف والاثارة، ولما يبديه رفاقنا من شجاعة فائقة في توزيعها. ولكن مما ينزل بقيمة منشوراتنا في اعين الجماهير ان بعض منظمات الحزب وهذا امر ضار للغاية ويلحق الضرر بشكل من أشكال الدعاية بنينا له الثقة بين الجماهير عبر سنوات طويلة وبتضحيات جمة، فكم من رفيق سجن وشرد وهو يقوم بتوزيع المنشورات.

 وبالرغم من ان دور المنشور هو الاثارة، فيجب الا يجنح الاسلوب الذي نكتبه به الي المبالغة والتهيج، كما يجب الا نعيد المواضيع ونكررها مما يحدث الملل ويدخل السام الي النفوس. فمثلا نلاحظ ان منشوراتنا ابان مظاهرات اهالي حلفا جنحت للمبالغة في الاسلوب فتتحدث عن (المعركة الحاسمة) ، (واقتراب سقوط الديكتاتورية) في وقت لم تتهيأ فيه الأزمة الثورية لذلك مثل هذه المبالغة تدخل اليأس في نفوس الجماهير كما انها تقلل من اهتمامهم بمنشوراتنا كالاكثار من( عاش كذا وسقط كذا). نعم نحن نريد ان نمجد في المنشور عملا ما ونريد ان نحقر آخر ولكن في اقتصاد ودون حشد او تكرار. واخيرا فان المنشور الناجح هو الذي يحدد واجبا واضحا للجماهير ويدعوهم للنضال من اجله لامجرد الذي يثير خواطرهم من غير دعوة واضحة للكفاح.

 الكتيبات وسيلة أخري للاتصال بالجماهير بدأنا فيها مؤخرا بوضوح ويهمنا من امرها أن تصبح ثابتة في المركز وفي الهيئات المحلية كي يصير نفعها أعم ونقترح ان تشكل لجنة لدار نشر تشرف علي تأليف وطبع كتيب مرة علي الأقل في الشهر يشرف عليها مسئول الدعاية في الحزب. بالطبع كل ما ينسحب علي تحسين الأسلوب واللغة في صحافتنا ومنشوراتنا يشمل ايضا ما ننشره في هذه الكتيبات.

 وأخيرا نتطرق في حيز الكلمة المكتوبة الي الشعارات التي تكتب علي الحيطان. لاشك ان هذه وسيلة من وسائل الاثارة وخاصة في المدن وعليها تنسحب كل المحسنات في العمل الاثاري التي ذكرناها سابقا. ولكن علينا الانكثر من استعمال هذه الطريقة لأنها بكثرتها لاتعود لافتة للانظار ولن بعض المواطنين يتبرمون بها ولهذا فعلينا دائما اختيار المكنة المناسبة للكتابة وفي المناسبات الهامة والاحداث الكبيرة.

 لانريد ان نتعرض لطريق توصيل مانكتب الي الجماهير فهذا يدخل في دائرة اختصاص العمل التنظيمي. المهم هو ان نبتدع من الوسائل ما يوصل كافة مطبوعاتنا لجماهير الشعب والايكون مقياسنا لنمو عملنا الدعائي هو مقدار مانوزع من صحف او منشورات بقدر ما هو العدد الذي يقرأها والذي نقرأ له هذه الوثائق خاصة في بلدنا الذي تركبه الأمية.

 المقياس اذن حلقات القراء للصحافة، والذين يقرأون في الحي أو مكان العمل المنشور ..الخ. يهمنا في هذا المضمار – مضمار تحسين وسائل اتصالنا بالجماهير – ان نتابع ونتقصي أثر مانكتب علي الجماهير وآرائهم في مانكتب لن هذا هو معني (التعلم من الجماهير). ان الناس لهم رأي فيما نكتب وبعضهم قادر علي التعبير عن رأيه فيجب أن نستمع اليهم باهتمام وان نسجل آراءهم، وبعضهم يستطيع ان يكتب لنا رأيه وهؤلاء يجب أن نشجعهم علي ذلك ونوضح لهم فيما بعد اثر آرائهم في كتاباتنا – والأغلبية محرومة من وسائل الكتابة وتحجم عن التعبير ولكن يجب علينا أن نقنعهم ونصر علي ان يعبروا عن رأيهم بغض النظر ان كان في صالحنا او غير ذلك. ان فرع الحزب الذي يوزع منشورا أو يوزع اعضاءه صحافة الحزب يجب أن يخصص جزءا من اجتماعاته لعرض آراء الناس الذين تسلموا المنشور او الصحيفة أو الكتيب في ما قرأوا او استمعوا الي شرحه من اعضائنا. وهذا يجب ان يكون تقليدا ثابتا لن وسائل الدعاية بين الجماهير ليست ملكا لنا بل هي ملك للجماهير ولهم الحق في توجيهها وفي اقتراح المواضيع لنا فعلينا ان نطالب العضاء بايراد أفكار الجماهير في اجتماعاتنا – ناخذ منها مايصلح ونرد علي الأفكار غير الصالحة حتي( تتعلم) الجماهير ايضا من حزبنا.    

 وأخيرا فان احترام الجماهير يستوجب في هذا الميدان تحسين وسائل دعايتنا المكتوبة من ناحية الشكل – يجب ان يكون الورق صالحا، الكتابة واضحة ونظيفة. صحيح ان ظروف الكبت التي نعيش فيها وضعف ماليتنا عوامل تحول دون تحقيق كل مانريد ولكن من الممكن والواجب ان ندخل دائما التحسينات في وسائل طباعتنا وفي تبويب صحافتنا لتصبح مقروءة وجذابة ولتدخل بعض البهجة في النفوس. وهذا امر يجعل الجماهير تثق في قدراتنا ويدعم من صلاتنا بها.

 ها وقد اعددنا اعضاءنا، وهاهم يسلكون سبيلا يجعل الجماهير تقبل الاستماع الي دعوتنا وأفكارنا ونظريتنا الشيوعية، وهاهي وسائلنا للتخاطب من كلمة مكتوبة وحديث شفاهة  تصل الي الجماهير- وكل هذا يجب في النهاية ان يوصلنا الي النقطة التي ننظم فيها الجماهير للنضال الثوري السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ان مهمتنا ليست تفسير الأحداث وحسب بل تغييرها ولن يتم ذلك الا بتنظيم الجماهير ومن ثم فالسلوك السليم في تنظيم الجماهير بمكافحة كل مسلك ضار وغريب علي الماركسية مهمة ثورية من الدرجة الأولي يتوقف عليها نمو الثورة السودانية وتطورها.

 لقد عملنا بين الجماهير وجربنا تنظيمها منذ خروج حزبنا من سيطرة العناصر اليمينية عام 1947م، وبهذا كونا رصيدا لابأس به من الخبرة الثورية – من المواقف والمسالك التي تساعد علي تنظيم الجماهير وعن بعض أشكال ذلك التنظيم، وبدأنا في تطبيق هذه المفاهيم، فأخطأنا كثيرا وأصبنا احيانا وحاولنا جهدنا التعلم من اخطائنا. لقد توصلنا من تلك التجارب الي اشكال من التنظيم ممكنة بين الجماهير الشعبية في بلادنا ومناسبة لهم والي السلوك السليم لاقناعهم بتلك الأشكال من التنظيم.

 تعلمنا انه من المستحيل فرض أشكال تنظيمية علي جماهير بلادنا الثورية منقولة من الكتب، واذا فرضت مثل هذه التنظيمات فسرعان ما تركبها العزلة ويذهب شانها، والذي يبقي من تنظيم هو ماترتضيه الجماهير، ماينفعها في نضالها السياسي وفي حياتها اليومية، مايتناسب مع الظروف الموضوعية ويتلاءم مع الاستعداد الذاتي بين الجماهير.

 ان الحياة تسخر من كل تنظيم معزول، ففي العام 1949م قرأ الزميل السابق خميس شيئا عن السوفيتات فشرع في تنظيمها في بورتسودان، فما بقيت أياما وأضرت بعلاقة حزبنا بالجماهير العاملة في تلك المدينة لفترة طويلة. هذا هو النقل الأعمي لاشكال التنظيم وهذا هو التفكير المبني علي الرغبات الذاتية ومسلك البورجوازي الصغير من المعرفة والدراسة. ولو كان خميس يتخذ مسلكا ثوريا لدرس بدقة ذلك الشكل التنظيمي ونعرف انه خرج من بين صفوف العمال الروس عام 1905م وان البلاشفة درسوه جيدا لقدرتهم علي التقاط المعارف الثورية من بين الجماهير ولوصل الي نتيجة مهمة:الثورية في التنظيم هي القدرة علي معرفة مايناسب الجماهير منها، هي القدرة علي الارتباط بالجماهير، هي المعرفة العميقة بأن الحياة غنية وان الجماهير يمكن ان تقترح أشكالا والوانا من التنظيمات تتلاءم معها. وهذا هو تطبيق الحكمة الماركسية في تنظيم الجماهير(من الجماهير). علينا اذن ان نكافح ضد العجلة في اصدار القرارات حول أشكال تنظيم بعينها، وعدم التردد في تطبيقها. يجب أن ندرس بعناية الظروف الموضوعية والذاتية للجماهير. ان العجلة في هذا الموضوع تجعلنا نقدم كل يوم شكلا تنظيميا ثم نسحبه مما يصيب الجماهير بالحيرة ويشل قدراتها النضالية.

 اننا نعمل لتنظيم الطبقات الثورية وهي في بلادنا الجماهير العاملة(عمال الصناعة والعمال الزراعيون والمثقفون وغيرهم) والبورجوازية الوطنية ذات الطابع المعادي للاستعمار.

 لكل طبقة وفئات داخل تلك الطبقة ظروفها الذاتية والموضوعية ومن ثم لها مستوي من القدرة علي الانتظام. وهذه حقيقة يجب ان توضع في اعتبارنا والا سنطبق اشكالا من التنظيم لاتصلح لها، صحيح ان هذه الطبقات الثورية تعيش مع بعضها وتختلط، وهذه ايضا حقيقة تخلقها ظروف موضوعية تفرض شكلا خاصا من أشكال التنظيم يجمع بين هذه الطبقات الثورية الان. فالجماهير العاملة وخاصة عمال الصناعة هم أشد الطبقات قدرة علي التنظيم واكثر الطبقات تجربة حوله في بلادنا. فالجماهير العاملة جربت أشكالا متنوعة من التنظيم: جربت النقابات، جربت لجان العمال الوطنية، جربت تنظيم حركة انصار السلم..الخ. ، وجربت القانوني من ذلك التنظيم وغير القانوني وأستطاعت ان تناضل بهذه التنظيمات في كل الظروف: ظروف الحكم الاستعماري المطبقن ظروف انحساره ثم الاستقلال في عهد النظام البرلماني وتحت ظل الديكتاتورية العسكرية الراهنة، صحيح أن التنظيم النقابي والدعوة لتنظيم التعاونيات ومنظمات الضمان الاجتماعي – هذه أشكال من التنظيم جربتها الحركة العمالية. ولكن الطبقة العاملة السودانية من تجاربها قدمت اشكالا فريدة افادتها كثيرا وكان لها اثر علي تطور حركتها: مثلا الأندية العمالية كشكل من التنظيم سبق قيام الحركة النقابية، وجود تيار يميل لليسار ويتعاون معه في الحركة السياسية والنقابية عرف باسم(الديمقراطيين) واستطاع حزبنا أن يرفعه من حيز التجربة العملية الي حيز النظرية فأصبح من الممكن تحويل ذلك التيار الي تنظيم لحلقات المصانع الثورية. وهذه التجارب ترد علي العناصر الجامدة التي حاولت من مكتب النقابات التابع للجنة المركزية، وعلي رأسها الزميل صديق أن تعوق نمو قدرة حزبنا علي الاستماع للجماهير في مايختص بتنظيمها تحت شعار أنه لاتنظيم الان غير النقابات وفرع الحزب الشيوعي. ان تجربة التنظيم الجماهيري – وأغناها كما أشرنا تجارب الجماهير العاملة – هي ان الجماهير لها راي مبدع في تنظيم نفسها فعلينا الاستماع اليه وتبني الصالح منه، ان أشكال التنظيم متعددة وغنية وانه ليست هناك أشكال محرمة لن الكتب الشيوعية لم تذكرهان ان الشكل التنظيمي الناجح هو ماكان متمشيا مع الظروف الموضوعية ومع القدرات الذاتية للطبقات الثورية.

 الوقوف بثبات الي جانب مبدأ الديمقراطية الواسعة في تنظيم الجماهير حتي ولو كانت المنظمات غير قانونية ( مع اعتبار لذلك الوضع الشاذ) ان هذا يعني قدرة الشيوعيين علي التعاون مع العناصر التي لاتنتمي للحزب الشيوعي وربما لاتقبله وترفض ايديولوجيته. لقد احرزنا قدرا لابأس به في هذا الحيز وخاصة في العمل النقابي ولكن مازالت هناك مسالك يسارية قائمة علي فرض ارائنا في بعض الأحوال لاستغلال المناصب التنظيمية في بعض المؤسسات لسيادة آرائنا ولغير أغراض تلك المؤسسات. وهذا مايجب ان نكافح ضده. ان بعض الرفاق الذين يتصلون بالجماهير ويعملون علي تنظيمها وترفعهم هذه الجماهير الي مناصب مسئولة يصابون بداء الزعامة البورجوازية قيتعالون علي من رفعوا من شانهم. هؤلاء الرفاق لايستطيعون المجاهرة بتلك الآراء المظلمة ولكن سلوكهم العملي يكشف الداء الذي يعانون منه. انهم يهملون الاتصال باعضاء تلك المنظمات، ولا يعيشون بينهم بل يختارون لأنفسهم حلقة يعيشون بينها ويهملون الاخرين الا في وقت الانتخابات بالطبع.. يحدث هذا في كثير من الأحيان تحت ستار ضغط العمل وبحجة( انني أؤدي عملي في ذلك التنظيم فماذا يطلب مني اكثر من ذلك؟) وكان الرجل يعيش في مجتمع غربي. ان شعبنا يقدر من يهتم بهم، من يسأل عن احوالهم، من يتفقدهم في السراء والضراء وهذا التقدير ينتقل الي داخل التنظيمات الجماهيرية. وهو امر ايجابي لأنه يفرض التعاون والروح الجماعي.. وهناك دائما الوقت الكافي لقادة المنظمات الجماهيرية لكي يعيشوا بين رفاقهم واعوانهم.         

  وهناك سلوك يميني في العمل بين تنظيمات الجماهير عانينا منه وجمعنا منه تجارب لابأس بها. فجماهير المؤسسة تنتخب الرجل وهي تعرف انه شيوعي وتضعه في مركز مسئول فيبدأ في التعالي علي الحزب وينسي دوره كرجل ثوري وعليه التأثير في من حوله، عليه الدفاع بثبات عن رأي الحزب الشيوعي ويتحول الي مجرد موظف في تلك المؤسسة. وهكذا ظللنا نعاني من مثل هذا الاتجاه اليميني بين النقابات بزعامة علي محمد بشير حينما كان عضوا في الحزب الشيوعي، ونناضل ضده حتي برز كاتجاه يميني واضح هدفه عزل الحزب الشيوعي عن الحركة النقابية العمالية، هدفه منع نمو الأفكار الماركسية بين جماهير العمال وتحويل حركة النقابات العمالية الي سند للطبقات البورجوازية. مثل هذا الاتجاه اليميني يجب أن يكشف في مهده ويفضح وان نحاول جهدنا اصلاح من يعانون منه من رفاقنا وتطهير صفوفنا من الذين لاامل في علاجهم. لقد دلت التجارب ان هذا النوع من الاتجاه يظهر في مواقف صغيرة ومتفرقة وان اهمال النظر فيه ومعالجته امر يؤدي الي تفاقمه ونموه كاتجاه. مثلا: بعض الرفاق يعملون في لجنة مؤسسة جماهيرية ويشكلون أقلية فيها فاذا طرأ موضوع معين احجموا عن اظهار وجهة نظر الحزب الشيوعي خوف(العزلة) كما يدعون وتكرر هذا الحادثة فيصبح هناك اتجاه يميني في العمل، اتجاه يعزل الحزب الشيوعي عن الجماهير. فمثلا بين الطلبة كانت هناك تجربة عبد الماجد الأحمدي الذي خشي قيادة الموقف الثوري في الجامعة ابان ازمة الحدود في حلايب وسار وراء مظاهرة قومية متعصبة كادت ان تفتح الباب امام التدخل الاستعماري – كل هذا خوف العزلة. ولكن الشيوعيين الذين يسلكون مسلكا ثوريا اعلنوا رأي الحزب في المنظمات الجماهيرية ووقفوا ضد الهياج القومي ومؤامرات المستعمرين وقد اثبت التاريخ صحة موقفهم القائم علي محاربة الاستعمار واذنابه.   

 علينا عندما نريد اقتراح شكل بعينه لتنظيم الجماهير أن نطبق بثبات وحزم مبدأ (من الجماهير) نفترح التنظيم وندرسه جيدا ونستمع الي أراء هيئاتنا فيه ثم نطرحه كاقتراح بين الجماهير ونستمع لرأيها فاذا وجد قبولا نتعاون مع كل العناصر المناضلة من اجل تنفيذه ونعطيهم فرصة كافية ومحترمة للمشاركة معنا في هذا العمل. واذا لم يجد اقتراحنا قبولا رغم صدقه وصحته فعلينا ان نتذرع بالصبر وندعو له في اناة ونستفيد من كل تجربة تمر بها الجماهير لاقناعها بجدواه حتي يكلل عملنا بالنصر متباعدين دائما من مسلك الفرد والاملاء علي الجماهير. امامنا الآن مثلا اقتراح تنظيم الجبهة الديمقراطية وقد وضعنا مشروعا لبرنامجها فعلينا ان ندعو لهذا البرنامج ونستمع لرأي الناس في المصنع وفي القرية وفي الحي..الخ. فيه وفي ماذهب اليه وان ندخل التعديلات الصحيحة عليه، علينا ان نتشاور معهم في وجوب قيام اتحاد ديمقراطي بينهم ونستعرض معهم التجارب ولانقدم علي التنظيم الا عندما تقتنع اقسام منهم بجدواه ويكون له جذور جماهيرية، أما مجرد قيام لجان باسم الجبهة الديمقراطية فمسلك سئ يضر بقضية تنظيمها في المستقبل، وهذا يجب ان نتحاشاه دائما – وحتي بعد ان تقبل الجماهير شكلا بعينه من التنظيم علينا متابعة مبدأ (من الجماهير) لابتكار الوسائل لاستفتاء الجماهير عن هذا التنظيم والاستماع باهتمام الي تعديلاتهم وآرائهم وان يصبح ذلك سنة ثابتة لنا بين المنظمات الجماهيرية.

 هناك اتجاه خاطئ يقع فيع بعض اعضاء حزبنا ومن بينهم رفاق قياديون هو اتخاذ موقف عدم الاكتراث بتنظيم من حولهم: في الحزب، او من ناحية الاهتمام بالمنظمات الجماهيرية التي ينتمون اليها بحكم عملهم أو سكنهم. مصدر هذا الاتجاه هو روح التحلل(الليبرالي) الذي يشع من طبقة البورجوازية الصغيرة التي تحقر من شأن التنظيم ولاتقبله مثل هؤلاء يظلون سنين لايضمون عضوا للحزب ولايشاركون مشاركة فعّالة في التنظيمات الجماهيرية. انهم يقيمون علاقاتهم وكانهم لاينتمون للحزب الشيوعي ويتوهمون في بعض الأحيان ان مايكنه البعض لهم من احترام ناتج من صفات خاصة بهم لا لكونهم شيوعيين. وهذا هو التعالي علي الحزب ووضع مصالح الفرد فوق مصالح الجماعة. ان هذا الخطأ يجب الكفاح ضده وذلك بارتباط هؤلاء الرفاق بعمل ملموس وبرقابة نشاطهم في المنظمات الجماهيرية. وقد اضر هذا الاتجاه كثيرا بحزبنا اذ ظلت عناصر ثورية لها علاقات ببعض الأعضاء محجوبة عن الحزب ولاتلاقي مساعدة من قبل هؤلاء الرفاق للارتقاء بثوريتهم ولاشتراكهم في التنظيم الثوري بدرجات مختلفة. يبدوا ان هذا النوع من الرفاق يقبل الامتيازات الشعبية التي يوفرها له كفاح الحزب الشيوعي ولكنه لايرد الجميل. ان عدم الاهتمام بتحويل العلاقات الشعبية الي علاقات جادة، واهمال المؤسسات الجماهيرية هو موقف من تطور النضال الثوري يضعه ولايساعده، يقعد به ولاينميه.   

 علينا كما ذكرنا من قبل رعاية الأساليب والاشكال التنظيمية بين كل طبقة ثورية والأخري. فنحن مثلا نحاول تقديم تنظيمات حديثة مثل الاتحادات والتعاونيات واللجان الثورية والأندية..الخ بين جماهير المزارعين في بلادنا، وهم الذين يعانون من الامية والتأخر والاهمال عبر أجيال طويلة، انهم مازالوا متأثرين بالروابط القبلية رغم تفكك القبيلة كؤسسة اجتماعية وعلي الرغم من وجود ادارة مركزية موحدة في بلادنا. علينا أن تعتبر بجد هذا التناقض. اننا لانشجع المؤسسات والتقاليد الرجعية ولكننا ونحن ننظم جماهير المزارعين يجب أن ننطلق من العلاقات والمؤسسات الايجابية بينهم ثم نرقيها الي شكل حديث من أشكال التنظيم. فمثلا النفير بين القبائل تقليد مفيد يمكن ان يعطي طابعا حديثا يفيد الحركة التعاونية بينهم، الروح الجماعي القبلي يمكن ان يتحول الي روح جماعي لدعم التنظيم الحديث. محاولاتهم التعلم بالطرق القديمة يمكن ان يكون أساسا لنشر الأندية الثقافية وهكذا. وفي ناحية التنظيم أيضا ورغم اننا لانشجع الروابط القبلية والتعصب لها علينا ان نراعي الناحية القبلية وان يكون هناك تمثيل قبلي في التنظيمات حتي يثقوا بها وحتي يقتنعوا بالتدريج ومن خلال نضالهم بالوحدة الطبقية بينهم، وقد حدث هذا بالفعل في المناطق الزراعية المتقدمة.

 ان المزارعين تحت تأثير التاخر كثيروا الشكوك في اهل المدن وهذا بالطبع ناتج عن التناقض الفعلي بين القرية والمدينة وأن القرية مازالت هي المنتجة الأولي في بلادنا وعماد اقتصادنا بينما يعيش أهل المدينة في حالة أحسن من سكان القرية. هذه حقيقة يجب ان نواجهها وان يسلك كادرنا الذي عمل بين المزارعين، والكثير منهم من المدن نهجا يحارب تلك الشكوك ويجعل الثقة تحل محلها. لهذا علي كادر المدينة العامل في الريف أن يعيش كما يعيش المزارعون البسطاء وان يتعلم الحديث بلغتهم ويمتزج معهم، ويمكننا القول أننا عندنا مثل هذا الكادر في مديرية النيل الأزرق. ان هذا عمل صعب وهو يتطلب صراعا ضد عادات المدينة وطرق المعيشة فيها. كذلك علينا لمحاربة هذه الشكوك ان نهدف دائما الي خلق قادة للحزب وللجماهير من بين المزارعين انفسهم يحافظون علي كل تقليد تقدمي وثوري مناسب لتقاليد المزارعين وهذا هو الضمان الأول لاستمرار نمو حركة المزارعين وتنظيماتها. ان كادر المدينة العامل في الريف هو الذي يقوم بهذه المهمة فعليه ان يصبر كثيرا وان ياخذ كادر المزارعين كما هو – بكل ما هو ايجابي فيه وبكل سلبي فيه – وان يعمل بالتدريج لمكافحة نقائصه ولتحويله الي مزارع شيوعي قائد. ان الطريق الأسهل هو أن يجعل من هذا الكادر مسخا لا الي المدينة انتمي ولا في القرية بقي. ياخذ من المدينة قشور العادات ويصبح فيلسوفا يحب (الأفندية) وقد حدث هذا بالفعل قبل عام 1958م في مشروع الجزيرة حيث انعزل بعض الشيوعيين المزارعين واصبحوا يحاكون كادر المدينة ويحبون( الأفندية). اذا سلك كادرنا الخارج من المدينة الي القرية طريق التحرر من عادات المدينة وطرق العيش فيها، واذا وحه همه نحو تكوين كادر شيوعي اصوله ضاربة في اعماق القرية فننا سنقفز بتنظيم المزارعين كثيرا.           

 مثل أخير حول المسلك الذي يضر بقضية تنظيم الجماهير ولايراعي الفوارق بين الطبقات والفئة الاجتماعية. بين الحركة لتنظيم النساء تحتل النساء المتعلمات(البورجوازيات) مركزا كبيرا هن ينظرن للمرأة الغربية كمثل اعلي ويتأثرون مباشرة بالمسخ الذي يسمي بالحركة النسائية في مصر وبعض البلدان العربية القريبة. هذا يحدث بحكم اوضاعهن ومصادر ثقافتهن. بهذا المسلك يصطدم هذا الفريق من النساء مباشرة بتقاليد بلادنا ويحاولن خلق أشكال من التنظيم وأساليبه لاتتلاءم مع ظروف نسائنا. اننا نعلم طبيعة تلك التقاليد ونعلم مزولتها واصولها الاجتماعية ولكن من الخطأ ان نسلك مسلك البورجوازية الصغيرة – منها بمصادمتها مباشرة وككل وبدون مراعاة لجماهير النساء من الوعي. ان المقياس لتقدم المراة في بلادنا ليس هو استعمال الأصبغة ولا الذهاب الي الحلاق ولكن اشراك المراة في الانتاج وفي العمل الاجتماعي وفي النضال في سبيل التقدم وبتربية أبنائها تربية شريفة صالحة. ان الهدف الأول لتنظيم الحركة النسائية ونساء العمال والمزارعين اللائي يشكلن الأغلبية من نسائنا، وهذه هي الكتلة التي علي المتعلمات التقدميات استنهاضها وتنظيمها. ولكن وسط هذه الكتلة تخيم التقاليد العقيمة وينشر التخوف من التحرر اجنحته. ومن هنا نبدأ، وبالاعتبار الكافي لهذه الحقيقة نشرع في الدعاية والتنظيم، ولهذا يجب أن يكون التنظيم متناسبا مع تلك الظروف وان نختار الأشكال التنظيمية الملائمة، وان نكافح ضد الأمثلة الرديئة التي تضربها بعض المتعلمات البورجوازيات وأفكارهن السخيفة عن التحرر والمراة.

 أشارت اللجنة المركزية في دورة يناير(ان خطنا الان بين الجماهير هو ان نراكم ونجمع القوي الثورية اي ان نجمع قوي الحزب الشيوعي وذلك بتحقيق شعار الكسب النهائي لطلائع الطبقة العاملة، ونبني الحلف بين جماهير العاملين والأقسام المتقدمة من المزارعين ونقنع الطبقات الثورية من تجربتها بانه لابد من تغيير النظام الراهن – وبهذا تقترب الأزمة الثورية وتشرع الطبقات الثورية في الهجوم المباشر في كل الجبهات والدخول في الاضراب السياسي) (الشيوعي 116 صفحة 97).

  هذا الخط مفهوم ولكن من المهم ان نعرف جيدا ان تقدير الأزمة الثورية التي تشير اليها اللجنة المركزية والتي تشكل الشرط الول لنجاح الاضراب السياسي يتم بدراسة دقيقة وعلي النطاق الوطني للظروف المحلية وغيرها، لظروف الطبقات واتجاهاتها، للحالة الاقتصادية، لظروف التضامن الدولي..الخ، من الخطأ تقييم الأزمة الثورية من زاوية واحدة وبظروف تخص منطقة واحدة او مديرية واحدة في بلادنا. هذا خطأ يمكن ان تقع فيه منظمات الحزب ويجعل خطواتها للنضال مغامرة وقد وقع هذا التقييم الخاطئ للاضراب السياسي بين مديرية النيل الأزرق.

 يتطلب مراكمة القوي الثورية الا نسلك مسلكا يساريا من الجماهير المؤمنة بالتنظيمات الحزبية القديمة التي قعدت عن النضال، وهذا المسلك اليساري يتمثل في الاستفزاز وفي اصدار أحكام تسئ الي قادة هذه الجماهير. ان هذه الجماهير في صفنا وهي مؤمنة بالديمقراطية وبوجوب النضال من اجل الحصول عليها ولكن قادتها متقاعسون وفي نفس الوقت مازالت هذه الجماهير مؤمنة بهم. يجب ان نقترب من هذه الجماهير ونعرض عليها برنامجنا الديمقراطي ونطلب التعاون معها علي هديه. اما اتخاذ موقف من الجماهير لأن قادتها تراجعوا او رجعوا عن النضال من اجل الديمقراطية فتفكير يساري خاطئ، وكل مسلك او عبارات نتفوه بها تؤدي الي اقامة حاجز بيننا وبين الجماهير، أمر خاطئ.

 ان شعار تجميع القوي الثورية لايتم تلقائيا بل بالعمل اليومي وبرصد نتائج هذا العمل في كل مستويات الحزب من فرعه الي لجنته المركزية، فالقوي الثورية لن تتجمع آليا بل حزبنا الذي سيجمعها ومن هنا لابد من محاربة الغموض في هذا الشعار الذي ربما اتخذه البعض تكئة للسلبية ولعدم وضع البرامج المحددة في العمل من اجل تجميع القوي الثورية. هذا المسلك اليميني من تنفيذ خط الحزب الجماهيري: ترك الحبل علي الغارب وانتظار لحظة الأزمة الثورية. كذلك علينا محاربة الاتجاه البساري القائم علي العزل والتعجل والتبرم من وجود النظام العسكري. اننا دون غيرنا من الحركات السياسية في بلادنا تعرف سر بقاء هذا النظام حتي الان ولنا طريقتنا للتخلص منه ولتطور بلادنا في سلم الديمقراطية: لنا الخط الجماهيري الذي يحدد واجبنا الان في تجميع القوي الثورية وفي تحديد زمن الهجوم: الزمة الثورية وفي الوسيلة لتحقيق الديمقراطية في بلادنا: الاضراب السياسي . ولهذا فنحن لسنا قلقين ولكنا نعمل في ثبات وحكمة وجراة حتي النصر – حتي قيام نظام ديمقراطي يفتح طريق التطور الاشتراكي والسعادة لشعبنا. ولهذا قالت اللجنة المركزية في دورة يناير: ( بناء علي هذا ينبغي علينا أن نعلم أننا نناضل وسنناضل من اجل الديمقراطية تحت هذا النظام العسكري حتي تتهيأ الأزمة الثورية التي تؤدي الي تغييره)(نفس المصدر – 97). وهذا يعني الكفاح ضد المغامرات والعزلة والتبرم.

 هذه بعض الملاحظات العامة حول عملنا بين الجماهير نرجو ان تجد مناقشة تستحقها. انها ليست مرشدا جامدا كما اشرنا ولامنشورا جامعا، بل هي بداية لاهتمامنا بهذه القضية التي يتوقف عليها مصير التطور في بلادنا، مصير شعار المؤتمر الثالث( اجعلوا من الحزب الشيوعي السوداني قوة اجتماعية كبري)، مصير خطنا الجماهيري المباشر: تجميع القوي الثورية.