عندما ينتصر اللسان على العقل!

 مرتضى عبد الحميد

في عالم السياسة ثمة من يفكر أولا ثم يتكلم، فيأتي كلامه موزونا، ومقبولا إلى حدّ ما، بصرف النظر عن توجهاته السياسية ومرجعياته الإيديولوجية، وهؤلاء تحترمهم وتقدر صراحتهم، وإن اختلفت معهم، وهناك نوع ثانٍ يتكلم ثم يفكر بعد ذلك، فتعذرهم وتجد المبررات لهم، تقديراً منك بوجود امكانية مهما كانت صغيرة لمراجعة أنفسهم، وتعديل مسارهم، كما يوجد صنف ثالث يتكلم ويصرح ما شاء له لسانه، دون أن يفكر لا قبل الكلام ولا بعده، وهؤلاء هم الطامة الكبرى، وأحد أسباب البلاء.

في العراق الصنف الثالث هو السائد مع الأسف الشديد، لان الكثير من الساسة أو الذين لا يرون في السياسة، إلا مشروعاً استثماريا مربحاً، يجنون من خلاله الأموال الطائلة بدون وجه حق، ويوفر لهم السلطة والجاه والنفوذ، كانت الصدفة المحضة، أو الولاءات الشخصية والحزبية والطائفية، هي التي حملتهم بجناحيها المتسخين، إلى مواقع المسؤولية وصناعة القرار، دون أن يكون لديهم الحد الأدنى من الكفاءة والنزاهة واحترام الذات.

إلا إن البعض منهم يطلق تصريحات وينطق بعبارات، هي في الحقيقة بالونات اختبار لتمرير مشاريع معينة، أو فكرة من الأفكار الجهنمية التي تزدحم بها عقولهم ليتأكدوا من ردود الفعل التي ستثيرها. فإذا مرت مرور الكرام، ولم يعترض عليها أحد، سارعوا إلى تنفيذها، وتحويلها إلى واقع يحقق الفائدة لهم، وللجهة التي ينتمون إليها. أما إذا كان رد الفعل سلبياً، فيكذبونها، أو يدعون بأن وسائل الإعلام، قد حرفتها وأخرجتها من السياق، منتظرين فرصة أخرى لمعاودة الكّرة من جديد.

أخبار الأسبوع الماضي أو الذي  قبله، تناقلت بعض التصريحات والنداءات، التي يمكن إدخالها بسهولة في خانة الخرافة السياسية، من بينها المطالبة بطرد الكرد الفيلية من بغداد وبقية محافظات العراق، إذا أجرى الاستفتاء في كردستان! وتصريح أخر لا يقل غرابة ولا إنسانية، مفاده أن مجيء "داعش" كان نعمة إلهية" لأنه أدى في المطاف الأخير إلى تكوين جيش قوي قادر على حماية البلد!

ما هذا البؤس والخواء؟ وهل نحن أمام أحد المشاهد في مسرح اللامعقول؟

إن عشرات الآلاف من الضحايا البريئة، والتدمير الهائل للمدن والمحافظات ولبناها التحتية، والتداعيات السلبية جداً، لهذا الفكر المغرق في التطرف والوحشية، يجري تناسيها بهذه البساطة، ويسدل الستار الأسود على البصر والبصيرة، لغاية في نفس يعقوب، أو عبعوب لا فرق بينهما.

القاصي والداني يعرف حق المعرفة، أن الجيش القوي والقادر على حماية البلد، لا يأتي ولا يتكون إلا بالتخلي عن المحاصصة والطائفية السياسية، وتحويله إلى مؤسسة وطنية تدين بالولاء للشعب والوطن، وتحمي الحدود والمؤسسات الدستورية.

كفى استخفافا بعقول الناس، وبالدماء الغالية التي سفحت للخلاص من هذا الورم السرطاني، وكفى استخفافا ببطولات قواتنا المسلحة الباسلة، والقوى الساندة لها، والتي يفتخر بها العراقيون جميعاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة "طريق الشعب" ص2

الثلاثاء 18/ 7/ 2017