تعليقات في السياسة الداخلية

قراءة في خطاب السيد الصادق المهدي(5/5)

*الحزب الشيوعي السوداني والعمق الطبقي لقضية الديمقراطية :

في هذا المقال نناقش طلب السيد/الصادق من القوى السياسية ذات المرجعية الماركسية "أن تراجع موقفها من الديمقراطية" وفي ذات الوقت نواصل تمليك الجماهيرـ وهذا هو الهدف الأساسي، حقائق موقف الحزب الشيوعي من الديمقراطية استناداً إلى وثائق الحزب.

جاء في برنامج الحزب المجاز في مؤتمره السادس، أن مصطلح الديمقراطية عادة ما يستخدم لوصف زخارف حكم الأغلبية في مزايا المجتمع الحر. ففي الوقت الذي اكتسب فيه مصطلح الديمقراطية انتشاراً ايجابياً خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى حد دفع بالأنظمة الشمولية والديكتاتوريات لللتشدق بالديمقراطية ودعمها وإجراء انتخابات معروفة النتائج سلفاً ودون أن يكون المجتمع ديمقراطياً . لذا فإن وجود حكومة ديمقراطية منتخبة شكلياً لا يعني بالضرورة وجود مجتمع ديمقراطي [البرنامج ص 16].

الحزب الشيوعي السوداني واسترشاد بالماركسية ينظر للديمقراطية في مضمونها الطبقي، ومن خلال الصراع الاجتماعي الدائر في المجتمع من أجل التقسيم العادل للسلطة والثروة الاقتصادية والتنمية المتوازنة لكل مناطق البلاد والمساواة السياسية في الحقوق والواجبات والخدمات العامة في تفاصيلها المختلفة ومن خلال الثقافة الوطنية الديمقراطية. ويرى أن المجتمع الوحيد القادر على تحقيق الحرية والديمقراطية هو المجتمع الذي تختفي فيه كل أنواع الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي. وتصبح الديمقراطية أيضاً شكلاً من أشكال الدولة تسعى من خلالها لتحقيق مجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية. ولهذا فإن الديمقراطية هي أداة الجماهير الكادحة للتغيير السياسي الاقتصادي الاجتماعي وحق مشروع للتطلع لمستقبل أفضل.

إن برنامج حزبنا يقدم الديمقراطية كوسيلة للتغيير الاجتماعي في إطار المحافظة على دعم وحماية الحريات والحقوق الأساسية لنظام الدولة. ويظل الصراع من أجل الديمقراطية جزءاً لا يتجزأ من الصراع الاجتماعي وجزء من صراع ونضال القوى الثورية من أجل بناء مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية التي تفتح الطريق لبناء الاشتراكية.

عبرَ التقرير السياسي للحزب الشيوعي أفضل وأميز تعبير علمياً عندما أوضحَ أن جوهر الأزمة العامة في السودان هو عدم التصدي لحل قضايا ما بعد الاستقلال والتي اصطلحنا على تسميتها بـ(قضايا الثورة الوطنية الديمقراطية وفشل الحكومات المتعاقبة لطبيعتها الطبقية) وعدم تمثيلها الديمقراطي الفعلي للطبيعة التعددية لشعب السودان ولأقاليمه المختلفة المتفاوتة في النمو والتطور المختلفة في التكوين العرقي والثقافي، في التصدي لقضايا الثورة الديمقراطية في السودان: إن الفشل في حل مسألة الدولة الديمقراطية هو الذي أدى لعدم الاستقرار وعدم استدامة الديمقراطية حتى في شكلها الذي مورست به في السودان، وتعدد الانقلابات العسكرية وفتح الطريق أمام الدكتاتوريات المدنية والعسكرية وآخرها دكتاتورية شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة والتي تعتبر أسوأ وأبشع نظام دكتاتوري في تاريخ السودان الحديث ، عمق وعقد من الأزمة الشاملة.

*(600)عاماً من الاعتقال والسجن دفاعاً عن الديمقراطية:

يتجلى موقف الحزب الشيوعي السوداني المبدئي من قضية الديمقراطية في عمقها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي في تصديه المعارض لكافة الأنظمة الشمولية والدكتاتورية، التي استولت على الحكم بقوة السلاح وأطاحت بكل المؤسسات الديمقراطية التي أنشأها الشعب بغالي التضحيات. ويكفي أن نشير هنا إلى أن الحزب الشيوعي كان المستهدف الأول ـ بسبب نضاله من أجل الديمقراطية واتساع نفوذه بين الجماهير ـ من قبل القوى المعادية له، المدنية والعسكرية. فقد أكدت التجارب المختلفة أن الهجوم على الديمقراطية يبدأ أولاً بالهجوم على الحزب الشيوعي . فتم تحريم نشاطه في عهد عبود، وفي عهد نميري علق قادته فوق أعواد المشانق ورمياً بالرصاص. واعتقل المئات من اعضائه والمناصرين له من الديمقراطيين والوطنيين، وتم حله في عهد حكومة السيد الصادق المهدي وطرد نوابه من البرلمان. ولم تستجب الحكومة لقرار المحكمة العليا ببطلان حكم حل الحزب الشيوعي، وما ترتب عليه لأنه يتعارض مع الدستور. واعتبره السيد الصادق قراراً تقديرياً!! ناسفاً بذلك أساس الديمقراطية الليبرالية ، ولهذا السبب أيضاً الرافض لحل الحزب وطرد نوابه من البرلمان قدم رئيس القضاء السيد/بابكر عوض الله استقالته من منصبه وقال فيها لرئيس واعضاء مجلس السيادة:( إنني عملت ما في وسعي لصيانة استقلال القضاء منذ أن كان لي شرف تضمين ذلك المبدأ في ميثاق أكتوبر ولا أريد لنفسي أن أبقى على رأس الجهاز القضائي لأشهد عملية تصفيته وتقطيع أوصاله وكتابة الفصل للحزب الأخير من تاريخه).

ويكفي أن نذكر أيضاً أن الشيوعيين والديمقراطيين قضوا شماتة عاماً(600عاماً) في السجون والمعتقلات في ظل حكومة عبود وحدها ثمناً لدفاعهم عن الديمقراطية .[راجع كتاب "ثورة الشعب" ص 86]

والآن وفي ظل حكومة شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة، يتواصل النضال ضدها وتتواصل التضحيات والاستعداد التام من الشيوعيين لمواصلة تقديمها من أجل استعادة الديمقراطية ، مهما بلغت جسامة هذه التضحيات.

*الديمقراطية ما زالت هي مفتاح الحل:  

جاء في التقرير السياسي للحزب الشيوعي الذي أجازه المؤتمر السادس أن نضال شعبنا يوضح خلال أكثر من ربع قرن من الزمان ضد دكتاتورية نظام 30 يونيو الطبقي الإسلامي، أن الديمقراطية ما زالت هي مفتاح الحل الذي يفتح الطريق أمام شعبنا للسلام والتنمية المستدامة .

إن تطوير الحزب الشيوعي السوداني لموقفه من الديمقراطية تم بصبر ومن خلال استخلاص تجربة شعبنا وشعوب حركة التحرر الوطني والتجارب الاشتراكية. وثورات الربيع العربي تؤكد صحة صحة ما توصلنا إليه ، وكذلك إلتفاف الجماهير والأحزاب السودانية حول البديل الديمقراطي يوضح سلامة خط حزبنا. فالديمقراطية إلى جانب إنها ضرورة وغاية في حد ذاتها لصيانة حقوق الإنسان السوداني وخياراته، فهي أيضاً تفتح الطريق للسلام وللمؤتمر القومي السوداني الذي يناقش مشاكل البلاد وبالتالي نفتح الطريق السلمي على مصراعيه لتطوير الثورة السودانية.

توصل الحزب الشيوعي إلى أن استعادة الديمقراطية لا يتم إلا بجبهة واسعة تمثل كل طبقات وفئات الشعب السوداني. وبالتالي تضم تلك الجبهة أوسع عدد ممكن من الأحزاب السياسية ومنظمات الشعب التي يكونها مهما اختلفت برامجها المستقبلية، ومن خلال العمل الجماهيري الذي يتصاعد إلى انتفاضة شعبية عارمة. أكدت اللجنة المركزية ذلك في دورتها يونيو 2010 عندما قالت :إننا نعمل على وحدة وتوسيع تحالف قوى المعارضة الساعية لاسقاط النظام وذلك عبر العمل الجماهيري المتعدد الأشكال وبعيداً عن الاتجاهات اليمينية الساعية للمصالحة مع النظام واستمرار التفاوض معه، والذي لا يفضي إلى المزيد من مد عمر النظام، وأيضاً بعيداً عن الاتجاهات اليسارية المعزولة، إننا بوضوح نسعى لأوسع تحالف للقوى الوطنية المعارضة والتي تسعى لاسقاطه".

إن الخروج من الأزمة العامة في بلادنا يمر عبر إسقاط وتصفية نظام شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة، وبناء حركة جماهيرية وتوحيدها في جبهة واسعة تجمع الطبقات وطلائع القوميات والأقاليم، التي تقتنع بأن لا طريق لبلادنا إلا بإسقاط هذا النظام وإحداث نهضة وطنية عامة تعترف بالتعدد العرقي والثقافي وتحدث تنمية متوازنة ونؤسس لنظام ديمقراطي يتخلل المجتمع السوداني من الريف إلى المدينة وحتى المركز.

إن الحزب الشيوعي السوداني يرى أن استعادة الديمقراطية وعقد المؤتمر الدستوري القومي والتوافق على دستور ديمقراطي يعترف بالتعددية الدينية والثقافية، ويؤسس لقيام دولة مدنية ديمقراطية تكفل حق أهل السودان في حكم أنفسهم من القرية إلى المركز، وفقاً لحكم محلي وإقليمي قائم على الوحدة الجغرافية والتاريخية لأقاليم السودان، ويؤطر لأسس عادلة لتقسيم الموارد والثروات بينها ويشكل خطوات مهمة في سبيل حل المسألة القومية ولا بد من انجازها والاتفاق عليها في ظل نظام انتقالي يقوم على انقاض دكتاتورية يونيو [راجع التقرير السياسي].

إننا من هذا المنطلق الحادب على الديمقراطية ومصلحة إنسان السودان في حكم وطني ديمقراطي تسوده المواطنة والعدالة الاجتماعية، نطلب من السيد/الصادق المهدي مراجعة موقفه من قضية الديمقراطية، لا في بعدها السياسي وحسب، بل في عمقها الاقتصادي والاجتماعي وفي مساواتها للتنمية المتوازنة بين أقاليم البلاد المختلفة ، ورؤيتها لحقوق المواطنة العادلة في قسمة السلطة والثروة. ونأمل في أن يتوصل المؤتمر القادم الحزب الأمة القومي إلى ما يفيد السودان وشعبه ويسهم في إنهاء دولة الحزب الواحد وإسقاط نظامها.