الذكرى المئوية لثورة أكتوبر (الحلقة السادسة) الاتحاد السوفييتي في الحرب الوطنية الكبرى(1)

د. ماهر الشريف

الاتحاد السوفييتي في الحرب الوطنية الكبرى

كان من نتائج الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت سنة 1929 صعود التيارات المتطرفة، كالفاشية والنازية، في أوروبا، وتفاقم حدة التوترات الدولية التي انتهت باندلاع الحرب العالمية الثانية. ودفع الخوف من تنامي قوة النازية الألمانية بعض دول أوروبا الغربية  إلى الانفتاح على الاتحاد السوفييتي وتوقيع معاهدات عدم اعتداء وتبادل المساعدات معه، كالمعاهدة التي وقعتها فرنسا مع الاتحاد السوفييتي  سنة 1935.

مقدمات العدوان الألماني على الاتحاد السوفييتي

في 17 تموز 1936، اندلعت الحرب الأهلية في اسبانبا، وانتهجت كلُ من فرنسا وبريطانيا سياسة "عدم التدخل"، بينما ساند الاتحاد السوفييتي الجمهوريين الاسبان ودعمت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية أنصار الجنرال فرانكو. ورفضت الحكومة الفرنسية، بضغط من قيادة الجيش الفرنسي، تطبيق بنود  معاهدة سنة 1935 مع الاتحاد السوفييتي. ثم توصلت كلُ من فرنسا وبريطانيا إلى معاهدة مع ألمانيا وإيطاليا في مدينة  ميونيخ" في 30  أيلول 1938، سمحت لألمانيا النازية باحتلال إقليم "السوديت" في تشيكوسلوفاكيا، الذي تقطنه أغلبية  سكانية  من أصل ألماني، في مقابل وعد من هتلر بأن  يكون هذا الإقليم آخر منطقة يطالب بها في أوروبا.

وبعد توقيع "معاهدة ميونيخ" أدركت القيادة السوفيتية أنه ما من تحالف ممكن مع "الديمقراطيات الغربية" لمواجهة ألمانيا النازية، وأن الاتحاد السوفييتي سيواجه وحده العدوان الألماني الآتي لا محالة. وعليه، وبغية كسب الوقت والاستعداد للحرب، سعت القيادة السوفيتية إلى هدنة مؤقتة مع ألمانيا النازية، ونجحت في التوصل إلى معاهدة عدم اعتداء معها في 23 آب 1939، وقعها في الكرملين كلً من فاتيشلاف مولوتوف وزير خارجية الاتحاد السوفييتي وفون ريبنتروب وزير خاجية ألمانيا، وأثارت في حينه انتقادات شديدة حتى داخل صفوف بعض الأحزاب الشيوعية. وفي 1 أيلول 1939، قام الجيش الألماني بغزو بولونيا، فأعلنت كلٌ من فرنسا وبريطانيا، في 3 أيلول، الحرب على ألمانيا، من دون  أن تتدخلا لمساعدة بولونيا، التي  هزمت خلال أيام قليلة أمام الجيش الألماني. وفي 17 أيلول، تقدمت القوات السوفيتيتة نحو الحدود البولونية واحتلت مواقعها على الحدود الروسية-البولونية القديمة، وهي الأراضي التي تنازلت عنها روسيا  لبولونيا سنة 1921 وفقاً لـ "اتفاق ريغا" وكان يقطنها سكان أغلبيتهم   من الأوكرانيين ومن الروس.

وفي إطار تحضيراتها  العسكرية، عرضت القيادة السوفيتية على السلطات الفنلندية  تبادلاً للأراضي يمتد على مسافة  30 كيلومتراً  ويضمن إقامة منطقة/حاجز لحماية مدينة  لينينغراد من أي هجوم ألماني ، إلا أن اقتراحها هذا رُفض من جانب هذه السلطات، الأمر الذي أشعل، في 29 تشرين الثاني 1939، حرباً بين البلدين، استمرت حتى 12 آذار 1940، وانتهت بالتوقيع على "اتفاقية موسكو"، التي قضت  بتراجع القوات الفنلندية مسافة 25 كيلومتراً عن الحدود القديمة. بيد أن الخسائر الكبيرة التي مني بها الجيش الأحمر في هذه الحرب سلطت الضوء على نقاط  ضعفه ، الناجمة إلى حد ما عن حملات التطهير والتصفية  التي نظمها جوزيف  ستالين  وشملت عدداً  كبيراً  من ضباطه.

في 9 نيسان 1940، قامت القوات الألمانية بغزو  أراضي الدانمارك والنرويج، بعد معارك استمرت أسابيع قليلة، وساهم التدخل السوفييتي الدبلوماسي في منعها من غزو السويد. ثم  أدت هزيمة فرنسا  أمام القوات الألمانية إلى خلق شعور  بالقلق لدى الزعماء السوفييت؛ فالحرب على الجبهة الغربية في أوروبا  التي بدأت في 10 أيار 1940، انتهت قبل نهاية شهر حزيران، ونجحت القوات الألمانية خلالها   في احتلال بلجيكا، وهولندا، وثلثي الأراضي الفرنسية (وتركت الثلث المتبقي تحت سيطرة الماريشال الفرنسي بيتان المتعاون معها). وبينما  شاركت إيطاليا في الحرب إلى جانب ألمانيا، كانت اسبانيا قد باتت  تحت حكم الجنرال  الحليف فرانكو، أي أن هتلر سيطر عملياً  على كل أوروبا تقريباً.  وخلال ذلك الوقت، احتلت  القوات السوفيتية أراضي ليتوانيا، واستونيا، ولاتفيا،  وتنازلت رومانيا عن مساحات من أراضيها للاتحاد السوفييتي. وهكذا، نشأت جمهوريات ليتوانيا، واستونيا، ولاتفيا، ومولدافيا، الاشتراكية السوفيتية.

الغزو الألماني لأراضي الاتحاد السوفييتي

منذ تموز 1940، بدأ الجنرالات الألمان بإيعاز من هتلر يعدون مخططات غزو الاتحاد السوفييتي. وفي 26 آب  تمّ إرسال فرق عسكرية ألمانية  كاملة إلى جبهة الشرق. وكانت بريطانيا، على الرغم من الغارات الجوية الألمانية التي استهدفت أراضيها، قد  نجحت  في الصمود، وبقي الأسطوال البريطاني مسيطراً على البحار. وفي 12 تشرين الأول 1940، تخلى هتلر عن مخططاته  الرامية إلى غزو أراضي بريطانيا.

في 27 أيلول 1940، وقعت كلٌ من ألمانيا وإيطاليا واليابان اتفاقاً موجهاً  ضد بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما زاد من قلق الزعماء السوفييت. وبهدف خلط الأوراق، وبينما كانت مخططات غزو الاتحاد السوفييتي قد باتت جاهزة، اقترح هتلر على ستالين في 13 تشرين الأول 1940 الانضمام إلى التحالف الثلاثي، لكن هذا الأخير رفض الاقتراح. وفي  نيسان 1941، غزت ألمانيا الأراضي اليوغوسلافية، وساعدت إيطاليا على غزو اليونان، وهو ما أخرّ إلى حزيران من ذلك العام  بدء الغزو الألماني للأراضي السوفيتية. وبقيت  القيادة السوفيتية تتخوف من موقف اليابان ومن احتمال اشتراكه  في الحرب ضد بلادها، بيد أن الحكومة اليابانية، المنخرطة في تلك الفترة في نزاع عسكري مع الصين، رفضت الدعوة الألمانية للمشاركة في الحرب ضد الاتحاد السوفييتي، ووقع وزير خارجيتها في موسكو في 13 نيسان 1941 معاهدة تبقي بلاده على الحياد.

بدأ الغزو الألماني للأراضي السوفيتية  صبيحة يوم  22 حزيران 1941 في إطار خطة أطلق عليها اسم "خطة بارباروسا"، وذلك في انتهاك فاضح لمعاهدة عدم الاعتداء الموقعة بين الطرفين. وكانت تلك الخطة تفترض أن ينجح الجيش الألماني في كسب الحرب في غضون شهرين إلى ثلاثة أشهر، لا سيما بعد أن هزم الجيش الفرنسي خلال أسابيع قليلة. بيد أن هذه الخطة أحبطت، وتواصلت الحرب على مدى أعوام أربعة  وانتهت بدخول القوات السوفيتية مدينة برلين وباستسلام ألمانيا النازية.

كانت القوات الألمانية، عشية الغزو، تتفوق على القوات السوفيتية من النواحي التسليحية، كما كانت ألمانيا تتفوق  كثيراً على الاتحاد السوفييتي من النواحي الاقتصادية، وتتوفر في تصرفها الموارد الاقتصادية لجميع بلدان أوروبا الغربية التي قامت باحتلالها. وكانت الخطة الاقتصادية الخمسية الثالثة (1938-1942) التي اعتمدها مجلس مفوضي الشعب في الاتحاد السوفييتي، تواجه، في سنة تنفيذها الرابعة، صعوبات كبيرة، وذلك بعد أن فرضت الأوضاع الدولية  واحتمالات نشوب الحرب على  القيادة السوفيتية  تخصيص مبالغ كبيرة لمهمات الدفاع الوطني وتطوير صناعة الأسلحة الثقيلة. ففي سنة 1941، بلغت ميزانية الدفاع الوطني 4، 43 في المئة من مجمل ميزانية البلاد العامة (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 322).

وفي اليوم الأول للغزو، فقد الطيران السوفيتي حوالي 1200 طائرة تم تدمير القسم الأكبر منها في المطارات قبل أن تفلح في دخول المعركة. وعلى الرغم من بطولة القوات السوفيتية وتفانيها في القتال، فإنها لم تفلح في إيقاف تقدم القوات الألمانية الغازية، التي نجحت خلال   ثلاثة أسابيع  في احتلال أراضي لاتفيا وليتوانيا السوفيتيتين ومناطق واسعة من جمهوريات أوكرانيا وروسيا البيضاء (بيلاروسيا)  ومولدافيا السوفيتية. كما أفلحت القوات الألمانية، في صيف وخريف العام  1941،  في فرض الحصار على مدينة لينينغراد ، وفي بلوغ مشارف مدينة  موسكو والزحف نحو مدينة روستوف.  وعموماً، فقد الاتحاد السوفيتي، في الأشهر الأولى للغزو، المناطق الاقتصادية الهامة التي كان يقطن فيها قبل الحرب ما يربو على 40 بالمائة من سكانه.

في 24 حزيران 1941، أدان الرئيس الأميركي  فرانكلين روزفلت العدوان الألماني ووعد بتقديم مساعدات مادية للاتحاد السوفييتي.  وكان ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني، قد دعا، منذ 22 حزيران، إلى التحالف مع الاتحاد السوفييتي ضد هتلر. وفي 7 تموز كتب تشرشل رسالة  إلى ستالين، أوفد بعدها   بعثة عسكرية بريطانية إلى موسكو، وصدر في 12 تموز  بيان مشترك سوفييتي-بريطاني، وراح يتبلور، يوماً بعد يوم، التحالف الدولي المناهض لألمانيا النازية. وبغية تطوير العلاقات بين الدول الثلاث، عقد في موسكو، في 28 أيلول 1941، اجتماع ثلاثي سوفييتي-بريطاني-أميركي بحضور ستالين.  بيد أن الزعماء الغربيين ظلوا يشكون في تلك الفترة، في قدرة الاتحاد السوفييتي على الصمود في وجه آلة الحرب الألمانية.

شكلت القيادة السوفيتية هيئة أركان موسعة للقوات العسكرية برئاسة  ستالين، كما صدر قرار عن رئاسة مجلس السوفييت الأعلى في 30 حزيران  1941  يضع السلطات كافة في البلاد  في أيدي هيئة جديدة باسم "لجنة الدولة للدفاع" برئاسة ستالين وعضوية أربعة أعضاء في المكتب السياسي للحزب الشيوعي هم فاتيشلاف مولوتوف، ولافرينتي بيريا، وكليمنت فوروشيلوف، وجيورجي مالينكوف. ومنذ 30 حزيران، أطلقت منظمات الحزب الشيوعي والشبيبة الشيوعية نداءً إلى تعبئة المتطوعين، ونجحت خلال أيام قليلة في تجنيد الملايين  منهم، وتشكلت فرق عمالية في المدن الكبرى ومجموعات للدفاع المدني، وهبّ  المواطنون السوفييت للدفاع عن وطنهم.

وفي 3 تموز 1941، خاطب ستالين مواطنيه، لأول مرة منذ الغزو، فقال: "إن خطراً كبيراً يجثم على وطننا...فالعدو وحشي ويهدف إلى الاستيلاء على أراضينا التي سقيناها بعرقنا، والاستيلاء على قمحنا ونفطنا ثمرة عملنا. وهو يرمي إلى إعادة سلطة  كبار الملاكين العقاريين وبعث القيصرية والقضاء على ثقافة واستقلال الروس، والأوكرانيين، والبيلاروسيين، والليتوانيين، واللاتفيين، والأستونيين، والأوزبكيين، والتتار، والمولدافيين، والجيورجيين، والأذربيجانيين، وكل شعوب الاتحاد السوفييتي الحرة الأخرى". وتابع قائلاً: "إن الحرب ضد ألمانيا الفاشية هي الحرب الكبرى لشعب الاتحاد السوفييتي بأسره؛ ونحن لسنا وحدنا في هذه الحرب التحررية التي ستكون حرب جبهة الشعوب المتحدة". ودعا ستالين  الشعب إلى "الالتفاف حول حزب لينين وستالين وحول الحكومة السوفيتية"، وشكر في ختام كلمته فرانكلين روزفلت وونستون  تشرتشل على دعمهما (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 335-336).