الحزب الشيوعي  والنظام والمعارضة

تمر البلاد بمنعطف خطير للغاية حيث وصلت الأزمة المستحكمة إلى ابعاد خطيرةٍ وتهدد بالخطر القادم والقابل للانفجار. قد برهنت السنوات الماضية أن النظام الحاكم لا يتورع في سبيل استمرار وجوده في الحكم. عن ارتكاب أبشع الجرائم ضد قوى المعارضة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد مرور أكثر من 28 عاماً. إلى أين وصل نضال شعبنا وما هو دور المعارضة؟ وهل فشل هذا النضال حتى نستدعي المجتمع الدولي ونستبدل معارضة النظام بنصحه الدائم؟

بالطبع هناك سلسلة من الهزائم أمام أعيننا وسلسلة من إرتدادات الثورة المضادة متمثلة في "إنجازات" الانقاذ أكبرها انفصال الجنوب وضرب وحدة عمل المعارضة المشترك.

ففي الثلاثة عقود الماضية حاولت قوى الثورة المضادة ممثلة في نظام الانقاذ من ضرب الانجازات التاريخية لنضال شعبنا. والتضحيات الجسام التي قدمها منذ معارك الاستقلال إلى يومنا هذا . وفي هذه السنوات العجاف من عمر شعبنا لم يتوقف نزيف الدم ولا المسيرة البطولية لشعبنا نحو اهدافه النبيلة في إسقاط النظام وبداية السير في طريق انهاء مهام الثورة الوطنية الديمقراطية.

ومنذ بداية هذا النظام ورغم بشاعة الإرهاب الذي مارسه، إلا أن كلمة المعارضة قد اتحدت داخل سجن كوبر وصدر البيان التأسيسي لتكوين التجمع الوطني الديمقراطي. وبداية المشوار الذي لم ينتهي حتى الآن.

لكن وكما أن الشمس لا يمكن أن نغطيها بغربال، فالحقيقة لا يمكن تغطيتها بالشعارات الفضفاضة أو الكلمات المعسولة والخطط التي تقود إلى اللاشئ. ورغم تضحياته وحلمه النبيل في معاركه ضد النظام والاستعداد للمزيد من التضحيات. الا أن تردد بعض أطراف المعارضة وتذبذب مواقفها ومحاولاتها الدائمة لاحتكار العمل المعارض وقيادته. والادعاء بأن المركز الواحد وموضع المسؤولية. رغم أنها المسؤولة تاريخياً عن الفشل في حماية والدفاع عن الديمقراطية. والاستفتاء عن دور جماهير القاعدة الشعبية حتى لا ينكشف زيف ادعاءاتها ، وتحول ذلك إلى لائحة اتهام لدورها في الهروب إلى الأمام.

والغريب أن هذا السلوك لازم بعض اطراف المعارضة فكلما تضيق الحلقات حول عنق النظام تخرج تلك الأطراف من صفوف المعارضة . خوفاً من الجماهير ـ كما تم في هبة سبتمبر ـ لتلعب دور المنقذ للنظام وضرب وحدة النشاط المعارض.

إن واجب الشعوب وقواها الحية والمقدامة محاسبة من يتصدى للزعامة ويفرض نفسه قائداً معتمداً على إرث تاريخي لشعبنا ـ وأن تكشف كل كلمة وحركة وتصريح وخطاب يستهدف العمل المعارض ، فشعبنا لا يمكن استغفاله.ولا يستطيع كائن من كان خداعه كما لا يمكن الاستخفاف به.

فإن الساسة "الكبار" تجب محاسبتهم في كل ما يقولونه حتى لا يلقون كلاماً في الهواء، بل الاهتمام أكثر بالانجاز على الأرض ودفع العملية الثورية وحركة الشعب إلى الأمام وإذا لم يشعر المواطن بتغيير في حياته ونضاله إلى الأمام "فسيدفع الحزب المعني والقائد الكاذب الثمن من مستقبلهم السياسي وليس المواطن أو الشعب".

فالمعادلة مقلوبة عند بعض أطراف المعارضة ، وكأننا شعب فقد ذاكرته وحركة معارضة تنسى التاريخ الثوري لشعبنا. والطعنات من الخلف التي سددتها بعض الاطراف التي تتحدث الآن باسم المعارضة. ونبدأ في كل منحنى تمر به حركة الجماهير في صعودها بتقديم رأي وخطة جديدة متناقضة مع ما تطرحه وتؤمن به الجماهير. هذا الجديد الذي تقدمه يلائم تطلعاتها ويحمي مصالحها.

وفي الثلاثة عقود الماضية اختلت وتغيرت تحالفات وتنسيقات المعارضة مرة ومرتين وثلاثة. وظهر التحالفات ذات الطابع الأميبي، تتوالد حسب أهواء الأطراف المترددة. وبالتنسيق مع المجتمع الدولي وبعيداً عن هموم ومطالب شعبنا.

وتخرج من تحالف أو موقف تنسيقي لتحاور النظام وتعلن المواثيق المشتركة ، وتكتشف هذه القوى المرة تلو المرة . ومن تجاربنا المستمرة مع النظام أن النظام لا يفي بوعوده. وأن ضمانات المجتمع الدولي " لا تساوي الحبر الذي كتبت به".

لكن هذه الأطراف من المعارضة تفضل وتختار بوعيها التراجع وكسر وحدة المعارضة والشعب . ومحاولة جر الجماهير وفرملتها وتخويفها من "اللبننة" و"الصوملة" إلى آخر القائمة. بقصد تغبيش وعيها. وجرها بعيداً عن النضال ومواجهة النظام وإزالته.

وبدل المساهمة في تعبئة الجماهير وحثها للمشاركة في النضال العام من أجل حقوقها وبدل رؤية واقع الجماهير المتغير، ونضوج رؤيتها وإنتظام حركتها العامة. وتفانيها في النضال كما أثبتت هبة سبتمبر والتفاف الجماهير حول شعار العصيان المدني، ومثابرتها في التصدي لسياسات الحكومة الاقتصادية، وكشفها لقصور حكومة الانقاذ في تقديم خدمات الصحة، الشيء الذي أدى إلى وفاة العشرات بسبب وباء الكوليرا وإصابة الآلاف. وبعد هذا كله وبدل التوجه نحو الشعب يزداد تذبذب معارضة البعض ويكتفي بنصح الحكومة وطلب اعطائها الفرصة . وفي نفس الوقت نجد البعض من مدعي الثورية والنضال من يكتب داعياً الذين خانوا تاريخهم وانخرطوا في حوار الوثبة ومن ثم في نتائجه وأختاروا بملء إرادتهم التخلي عن مواقفهم في صفوف المعارضة وإنضمامهم لحكومة الانقاذ، إلى حوار من جديد وإلى التزام موقفٍ حياديٍ بين المعارضة والشعب والحكومة.

ونحن في الحزب الشيوعي نطرح وبوضوح أن الحل الجذري لازمة البلاد لن يتحقق إلا عبر حركة شعبية واسعة وهادرة وشجاعة ومقدامة تقدر على منازلة النظام وانتزاع حريتها وقرارها وسيادتها على آراضيها ومواردها وثرواتها. وتطيح به إلى مزبلة التاريخ. ولن يقبل شعبنا ـ مهما كانت التضحيات ـ استمرار الأوضاع التي قادت إلى البؤس والفقر والجهل والمرض. وفقدان الكرامة الإنسانية وارتهان ثروات البلاد في يد الرأسمالية الطفيلية وقيادة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

والشعب لن ينتظر معارضي المعارضة لتغيير موقفهم، فتوازن القوى يتغير كل يوم لمصلحة قوى التقدم والتغيير. ووحدة قوى المعارضة هو الطريق لتمكين الشعب من بلوغ أهدافه وفي السير لبناء قيادة موحدة للمعارضة تساعد وتساهم بتضحياتها في إنارة الطريق نحو الهدف الأسمى والأنبل. إسقاط النظام وقيام البديل الديمقراطي.