طُعوم بن ... (سوداتري) أو (أثيوداني)

مانشستر - آمـنة عــمـر

أظنني لن أجد مدخلًا لحديثي أكثر صدقاً من الدهشةِ التي كستْ وجه الرجل الستيني الذي باغتني اليوم بأمهرية صافية في( سنتر) مانشستر، الرجل الذي لم تنطل عليه خدعتي كما يظن، لم يبتسم إلاّ عندما أخبرته أن هذه اللغة (الأمهرية) تلاحقني أينما حللت وأني بدوري أجد متعة في هذا الفخ المنصوب بسخاء ، تسعدني مطاردات المدن ومغازلاتها، المدن التي تشبهني وأشبه أهلها وإن لم أرها ، لكن ابتسامته اتسعت أكثر عندما أخبرته أنني من السودان وأنه لم يفقد فراسته وحكمته بعد .

 

مضى الرجل لشأنه بعد أن شكرني على الحديث بأدب جم، مضى وتركني أسير بمحاذاة ذاكرتي المشرعة على بلاد متسعة و واسعة جعلت مني أنا (السودانية) أطارد بنات أديس أبابا وأسمرا أقاسمهن الملامح والشبه والقسمات بل وأنصب لهن الشراك أينما و وقتما التقينني حتى أن بعضهن يشحن عني غير مصدقات عندما أخبرهن أني لست من هناك لكنَا نتفق أخيراً على عبارة واحدة يقلن لي أننا ( واحد) وكثيراً ما أسبقهن قائلة ذات العبارة وندخل في أُنس حميم لا ينقطع .

 

هذه التُهمة الجميلة التي تلاحقني وتلقي بي في هضاب أديس أببا و أسمرا وإن بدا المدخل إليها شخصي في حالتي، فجوهرها حالة من التشبيك والتداخل بين هذه الشعوب تصل حد التماثل في كثير من الأحيان.

في كسلا، وانا (كسلاوية ) بامتياز، وكعادة المدن الحدودية المفتوحة على الجميع لا يمكنك أن تفلت من تأثير الثقافات القادمة من أرتريا وأثيوبيا، فالكسلاويات يشددن أجسادهن بالفوطة والزوريا بذات القدر والبهاء الذي يتحدثن به التقري والتقرينية والأمهرا، يحكين عن الهضاب والجبال في أسمرا فلا يفرقن في الحب بينها وبين جبال توتيل والتاكا، يقاسمن الفتيات القادمات من هناك الحب والطعام ولسعه القهوة المعدة بزنجبيل حارق، وكسلا المدينة التي تغسل وجهها بدخان المباخر تفوح منها رائحة البن وصوت (أستير) بذات الطقوس القادمة من أديس أببا ،لا ينسى الكسلاويون أن يقولوا (طُعومْ بُن)، فالمزاج واحد تستطيع أن تقول إنه (سوداتري) أو (أثيوداني) لا يهم الترتيب في مدينة تشرع ذراعيها دافئة وحميمة للجميع ولثقافات تسير جنباً إلى جنب الثقافة السودانية، هذا التشابك الذي أدى إلى التصاهر والتزاوج باستمرار بين جميع القبائل السودانية الموجودة هناك و بين جيرانها الأثيوبيين والأرتريين نتجت عنه أحياء عامرة بتماذج حقيقي وثقاقات متلاقحة ومكملة لبعضها، ولعل هذا يفسر أن أهل كسلا يفضلوا أن يطلقوا على أنفسهم (كسلاويين) تفضيلاً ينم عن حب واعتراف بالتعدد الثقافي والإثني الذي أكسب المدينة انفتاح باهر على ثقافات الآخرين، هذا التفضيل الذي انسحب على أشياء أخرى، مازلت أذكر أن بعض الأسر القادمة من الصومال في هجراتٍ قديمة وبعيدة كان يطلق عليهم لقب الصومالي كأنما هو اسم للعائلة لا بقصد نسبتهم الى بلد آخر لأن الناس لا يعرفون أن هذه الأسر لها أصول وجذور ممتدة إلى دولة أخرى فهم عندهم سودانيون فحسب .

 

غير بعيد عني تسكن شابة أثيوبية جميلة تجيد الحديث وصناعة الأنجيرا، كثيراً ما أقصدها لاخذ حصتي من (اللحوح) الحادق فهو البديل الوحيد والأقرب (للكسرة) السودانية، بلطف الأكسوميين المعهود أخبرتني أنها ستكون سعيدة لو قبلت دعوتها على طبق (الزقني) سألتها من أين تأتين بالبهار اللازم؟ ردّت: إنها تأخذها كاملة من متجر أثيوبي يفتح أبوابه على شارع شهير في مدينة مانشستر، سعدت بحديثها ذلك لأنني أعرف أن الأثيوبيين يحملون ثقافاتهم أينما ذهبوا، وحدث أن زرت المحل الممتلئ بكل ماهو أثيوبي مرات عديدة ، لكن جارتي الجميلة سعدت أكثر عندما أخبرتها أني سأمدها بالبهار الذي جئت به من كسلا وهو بهار قادم من (قلب) أسمرا رأسًا، صاحت بغبطة ودهشة ورمقتني بما يشي أننا أهل بلد واحد. .