في عامه التسعين 

بقلم : عمر الحسن

تسعون عاماً يا كتاب النضال ـ ولم نطو صفحاتك الأولى،  ـ  صبحا  جديدا تحمله رياح خريفية  تهتف باسم فقيد شعبه،

غيوم ترسل مدامعها فتساقط قطرة قطرة على ساحات المدينة العريقة لتحدث دوياً يحاكي نبض قلب ظل يرسل الآمال والأحلام والمعرفية لنهضة شعبه، هي سيرة أعظم قادة العالم الثالث وأصدقهم قولاً وأوسعهم علماً وإدراكاً ـ هو حبيب حزبه الذى بكت عند مصرعه عيدان المشانق ـ وقهقه سفاح مخمور ، { قتلوا جوليان ليلاً وزهر البرتقال لم يزل ينشر عطرا} مثل (لوركا) قتلوا شهيد الفكر والثورة السودانية ثلاثون عاماً من النبوغ والنضال والثبات ـ سيرة سنودعها مجلدات تستطيع حملها في عامه التسعين ننادي بها _هيا لنجمع سيرة أنبل وأشجع  علماء الثورة الاجتماعية في عصرنا الحاضر (عبد الخالق محجوب عثمان ـ سكرتير الحزب الشيوعي السوداني).

اليوم الأول من برج الميزان تكمل عقدك التاسع ـ كان التغيير هو حلمك ـ كان بناء الاشتراكية للسودان قصدك ـ كان عزاء الكادحين هو فرحتك وكنت ماركسياً مزجت النظرية بواقع بلادنا فاستعصى على الكثيرين إدراك المعنى.

ها هي الصفحة التى طويناها تحكي سيرة وتبرز صورة أخرى لزعيم اتخذ علم الثورة الاجتماعي طريقاً للتغيير ـ كان شيوعياً ماركسياً خبر المادية الجدلية، لكننا تلمسنا عاطفة يختزنها في صدره لم يشأ ان تؤثر على نضالاته ـ (لن تتوقف الاعدامات إلا باعتقالي) هكذا قلتها.... كتبت مواسياً آمنة...ذلك النشيد الذى يفيض عاطفة وحباً وتبرز فيه طوالع الآمال "رغم الخصوصية لم تفصل قضية الأسرة عن قضية الوطن: ... كتبت لنا حول البرنامج ذلك السرد الهادئ الذي يرتقي بالحزب خطوة إثر خطوة ـ ذلك السهر والجهد المضني لتأمين حركة 19 يوليو ـ التي ألقتها النوازل على كتفيك فخضت غمارها بشهامة الرجال قرأتها وبحصافتك علمت مصيرها ـ حزمت امرك وطلبت مأوى آمناً تم إعداده لك وبحثوا عنك ! لكن قلبك كان على الحزب فلم تشغل الرفاق بأمرك!! كان همك نعمات والطفلين ـ وفى قلب العاصفة وبين عواء الذئاب وصلتهم بالمنزل الذى سيدخله سفلة أمن السفاح ـ أعدمت كل ما يهدد الحزب والأصدقاء من مستندات ـ كنت وحدك ـ وتركت الحزب يدبر أمره ولا ينشغل بك ـ حملت رفيقة الدرب إلى مأمنها ـ عانقتها أوصيتها وقبلت عمرو ومعز لعلهم قد أحسوا طعم تلك القبلات الآن ـ لكنهم حينها لم يدركوا المعنى ـ خرجت تاركاً قلبك الكبير هناك في العرضة ـ نزلت طالباً ان يتحرك من أوصلك إلى هناك بسيارته مباشرة ـ كنت تخشى على الجميع إلا نفسك ـ غافلت صاحب الدار الأولى لتوفر عنه قسوة الحرج فخرجت متحسساً طريقك في جنح الظلام إلى حيث اللامكان... كأنى بك تنشد بيت طرفة:ـ

فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي  *****   فدعني أبادرها بما ملكت يدي

يد تمتلك العزائم ـ يوم لوحت بها عند دعوة الهوس بحل الحزب صائحاً (لو كان ينبت الشعر فى باطن الكف يمكن أن يحل الحزب الشيوعي) ـ وما نبت شعر إلا على كفوف الذين مارسوا السياسة كعادة سيئة وأصبحت الأكف لا تحس نشوة ولا تخلو من النجس....أولئك الذين انقضوا على حقبة النقاهة فى جسد ديارك التي كانت فؤادك . أراك تمشي على أزقة مدينة الثورة تتحاشى بيوت معارفك ودلفت على مراقد الموتى وتحت ظلام أشجار معهد المعلمين لاحت لك الكبجاب ثم معالم أبوروف حيث دخلت على طه ـ عاطفة ثورية جعلتك تطلب منه تدبير مأوى غير داره......تنقلت بين المخابئ غير آبه إلا بسلامة الآخرين.

هو قدرك وهو طريقك الذى صدر فى صحيفتك الأولى .... لكن آه لو كان هناك من تعلموا كيف يخوضون النيل برموش الأعين.....

وفي تغريبتك المجيدة الحزينة هذه، كأني بك تنشد :

الهمس ..وِالضياء

(إلى روح الرفيق عبد الخالق محجوب)

ـــــــــــــــــــ

وانا في زهد إلهامى

أساءل أين منارة المرفأ

فقد طال السفر

أجدبت روحاً سقياها دمائي

والقلب انفجر ...

يا صاحبي حملتما صحو أيامي

و نور أحلامي

وخضراء الذكر

أعطارها أبدية الميلاد

تغرد هاهنا

ومن جزع تفوح ....

وزوالق الروح التي شمخت

وإكباراً تبوح

صمتت لها الصلوات

وأقمارٌ تنوح

ياملهمات غدي

أخفيت رفاة أمسي

بين أهداب النواصي والسفوح

ماغاب أثري ذابلاً

بين هاتيك الصروح

الزيف معلاق.....

وقد غاب الرفاق....

من ذا يزيل عوالق الترب

ويجليها الزقاق ....؟؟

الصمت صخاب

وهمس السالكين هدير..

يتهالك المجداف

تعصره براثن الصبر المرير

وصدى يردد أين منارة المرفا ..؟

وكان القارب الروحي

عفوا يستدير

كل الخطوب تثاقلت

ومسارب الاهات

شجوا تستجير

هو ذا الزمان الحر

فلتنصتوا...

يامن تقاسمنا الفراق

وجمعنا المصير

ماضر لو انا سلكنا الدرب

ورتلنا أغاريد المسير

ولتحمل الأرض رفاة موعدنا

وهتافنا يحيا وتصيح أعيننا

وشوارد الصمت صفير

ياصاحبي قضيت عمري

أعلم المجداف ؟؟

أقرأه السفر

غنيت وأنشدت راحلتي

ونسل خيوطها

على دأياتها رخو الوتر

الوشم بالمزمار عراف الضياء

كرنين الثاكلات

وأهازيج الغجر

صلواتي الترتيل وأنغام حداء

وبصدري صخرة (سيزيف)

كلما زحزحتها ترتد

 مثل موجة قهرية هوجاء

لتردني عن قدري المأمول

وتذبل عند هامات الضياء

الصمت ينجو

القول يصحو

صارخاً و يعجزه النداء

نم هادئاً في عامك التسعين..... فالحزب باق.