نحن والنظام والمعارضة

يشير  التقرير السياسي للمؤتمر السادس إلى أن أبرز سمات الأزمة في السودان هو فشل الحكومات المتعاقبة، بما فيها حكومات الديمقراطية والتي كان لحزب الأمة نصيب الأسد، وكان السيد الصادق أبرز قادتها في التصدي للمسألة القومية، والتي كان حلها يشترط أولاً الإعتراف بالتعددية الإثنية والثقافية لشعوب السودان، وأن الحلف الطبقي الذي إستولى على الحكم بعد الاستقلال تكون من الارستقراطية القبلية والدينية والرأسمالية السودانية والبيروقراطية المدنية والعسكرية من أواسط السودان، وقد انتكس ذلك الحلف بما حققته الحركة الوطنية من وحدة الجماهير وإعلان مفهوم المواطنة فسادت الثقافة التقليدية وسيطرت البيوتات الكبيرة ـ الميرغني والمهدي ورؤوساء الإدارات الأهلية التي تعتمد على الإستعلاء العرقي والثقافي والديني كتبرير لاستمرار سياسية التنمية غير المتوازنة ولاستمرار التراكم الرأسمالي .

وهذا ما يفسر حركة الجماهير في أطراف السودان وتمردها على المركز العربي الإسلامي ولجؤها للسلاح لإنتزاع حقوقها في الثروة والسلطة،وهكذا حملت الأقليات القومية السلاح تحت قيادة نخبها من البرجوازية والبرجوازية الصغيرة المستنيرة، وتميزت العلاقات السياسية بين الأحزاب والقوى السياسية القومية منذ بدايتها وخلال الفترات الماضية، خاصة بعد انقلاب الإنقاذ بالتوتر الشديد وبالصراعات المستمرة، واعتماد السلاح في حسم تلك الصراعات، وشهدت مناطق الحرب والنزاع في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق العديد من الإنقسامات والإنشطارات، وتشكيل أحزاب ومجموعات لا تختلف أهدافها ومراميها بشكل عام من الحركات التي إنشقت عنها، ويمكن للمتابع عن كثب لأوضاع وأهداف هذه الحركات المسلحة وسياساتها ونشاطاتها، أن يؤكد بأن الصراعات التي تتم بينها والوجود المستقل لأطرافها المتعددة، لم يكن له أساس فكري أو طبقي محدد، كما أن تلك الإختلافات لم تتفجر بسبب برامج وأهداف سياسية وإجتماعية متباينة أو متقاطعة فيما بينها، فأغلب تلك الحركات المنقسمة والتي تكونت منذ بداية الصراع تعتمد بشكل خاص علي العائلة والقبيلة والشخصيات ذات الخلفية الإقطاعية من العوائل الكبيرة،ومؤخراً بدأت  تضم هذه  الحركات قطاعات أوسع من المثقفين والطلاب وأبناء المدن، لكن الأغلبية الأساسية من الجماهيرلازالت بعيدة عن هذه الحركات.. ويتحكم التأثير العشائري والممارسات الأبوية على أغلب الحركات.

وعلى هذا الأساس فإن أغلب تلك النزاعات والصراعات والتي يستفيد منها ويؤججها النظام الديكتاتوري تسببت فيها الرغبات الجامحة ذات الأساس القبلي وضيق الأفق  في المنهجية السياسية ولمد النفوذ الاقتصادي.

ولابد من الإشارة إلى اعتماد غالبية هذه الحركات على المجتمع الدولي في عمليات التمويل والتسليح، مماجعلها عرضة للضغوط والإبتزاز، وبالتالي رهن قرارها بيد الدول المانحة، مما يفسر تأرجح المواقف بينها والتدخل السافر للإدارة الأمريكية والإتحاد الأروبي وإسرائيل ودول الجوار في الشئون الداخلية لأغلب الحركات المسلحة .

والشيء الذي يثير الإنتباه أن هذه الحركات، رغم أنها كانت جريئة في نضالها ومقدامة في تصديها للنظام ، وقدمت في هذا الطريق أغلب التضحيات بغض النظر عن إتجاهاتها الفكرية والسياسية، لكنها برهنت أيضاً على ترددها لأنها لم تستطع إستيعاب طبيعة وإمكانيات وعلاقات المجتمع الدولي ومصالحه وقدراته علي المناورة السياسية، وتوقعت الخلاص من النظام اعتماداً على المجتمع الدولي ومساعداته، ناسيين في الوقت نفسه أن المجتمع الدولي نفسه قد يغير مواقفه حسب مصالحه وهذا ما تم.

الشيء الآخر فشل هذه  الحركات المسلحة بما فيها الحركة الشعبية شمالاً وجنوباً من التحول إلي حزب سياسي يرتبط بالجماهير وينظمها في مناطق النزاع والمواجهة مع النظام، وتحولت العلاقة بين هذه الحركات والجماهير في مناطق الحرب إلي علاقة حاكم ومحكوم بعيدة عن العلاقة النضالية التي تجعل من الجماهير درعاً لهذه الحركات، وترتبط مصالحها اليومية والبعيدة مع أهداف هذه الحركات، وبسبب ذلك فشلت في تطوير علاقتها بالجماهير والإهتمام بممارسات سياسات واقعية، أو أن تجد السبل والوسائل والأدوات المناسبة لتجديد بنيتها والخروج من حيِّز القبلية الضيق وتحديث أفكارها وإتجاهات عملها ومضمون علاقتها  بجماهير مناطقها وفهم أوضاعها وقدراتها النضالية، إضافة إلى استمرار العلاقات شبه الاستبداية بأعضائها ومؤازريها أو فيما بينها رغم إدعائها بأنها قوة سياسية جديدة تحمل شعارات وطنية تحررية ..

وتجب الإشارة إلى أن هذه الحركات لم تستطع حتى الأن أن تضع الخطوط العريضة التي تتجمع عندها التيارات الفكرية والسياسية المختلفة ، وبالتالي تحدد القواسم المشتركة التي يفترض أن تلتقي عندها القناعات الفكرية والسياسية لهذه الحركات، وذلك في عملية مقارعة النظام في العمليات العسكرية أو السياسية..

وهكذا يمكننا التأكيد مرة أخرى أن بعد فشلها في إيجاد هذه القواسم المشتركة بينها في ميادين الحرب أو مساحات السياسة قد سمحت للقوى السياسية الإقليمية والدولية والنظام أن تلعب دورها البارز والمؤثر في توجيه هذه الحركات المسلحة لاحترام مصالح هذه القوى دون أن تأخذ مصالحها ومصالح السودان الأساسية بعين الإعتبار اللازم .