السودانوية: المفهوم والأساس العلمي   (5\6)

  • يفضي إسهام المدرسة الآثارية بتأكيد الإستمرارية الإثنوثقافية لسكان المنطقة إلى نتيجة جوهرية وهي إحالة مقولة الهجرات العربية
  • رأينا من خلال هذه المرجعيات الآثارية والتاريخية كيف تتكشف الأبعاد العرقية والثقافية في نظرية الهجرة العربية وكيف يتبدى الأصل الطبقي والآيديولوجي

بقلم :د. محمد عبدالرحمن أبوسبيب

هذه محاولة لمدارسة الجهاز المفاهيمي لمصطلح السودانوية، والذي إتسع إستخدامه وتنوع في سياقات فكرية وسياسية وإستطيقية (جمالية). تهدف المحاولة إلى توطين مفهوم محدد لهذا المصطلح ضمن نظرية الإستمرارية الإثنوثقافية في تاريخ الحضارة السودانية كما طورها علم الآثار ودعمتها دراسات في التاريخ والآنثروبولوجي واللغويات، كما وهي، بالضرورة، تمرين في جدلية الآيديولوجي والعلمي وما يستتبع ذلك من إستقدام ما هو متاح من معطيات هذه العلوم كإسناد علمي لهذا المفهوم. وفي مقالات لاحقة سنرى كيف يتجلى هذا المفهوم في واقع الإبداع الفني، وتحديداً في الأدب والموسيقى والتشكيل.

  • المدرسة التاريخية :

يفضي إسهام المدرسة الآثارية بتأكيد الإستمرارية الإثنوثقافية لسكان المنطقة إلى نتيجة جوهرية وهي إحالة مقولة الهجرات العربية وناتجها عملية "التعريب" من باب الفرضية التاريخية والتحقق العلمي إلى خانة الخطاب الآيديولوجي. كذلك برزت في مجال البحث التاريخي مدارس جديدة طورت فكراً ومنهجاً مماثلاً أدى إلى تدعيم هذا الإسهام. ففي بحثه الهام (العصر البطولي في سنار 1985) وضمن سلسلة من الدراسات المنشورة يؤسس ج. سبولدنق لنظرية الإستمرارية الإثنوثقافية لسكان المنطقة. في بحثه هذا يرى مملكة الفونج ضمن السياق التاريخي المتصل للحضارة السودانية، فقد أعادت توحيد الدولة السودانية مرة أخرى وإنعكست الخواص التاريخية والثقافية المتوارثه في نشأة وتطور مؤسسات المملكة. ويبدو التوجه الفكري والمنهجي أكثر وضوحاً في النقد الذي وجهه للمدرسة التاريخية القديمة مطابقاً بين منهجها وما أسماه بالنموذج الإستشراقي في تفسير التاريخ. يصف هذا النموذج وسلبياته كالآتي:

"النموذج الذي يطرحه الإستشراق للتاريخ، كما طبق على السودان في الفترة المتأخرة لإستعماره، نموذج مثالي، بمعنى أنه يختزل الواقع المعقول لكيانين متعارضين ومجسدين يطلق عليهما (العرب) أو (المسلمين) من ناحية و(غير العرب) أو (غير المسلمين) من ناحية أخرى. وهو نموذج شبه داروينى، بمعنى أنه يفترض التفوق الضمني للكيان الأول ... وفي النموذج الحالي والشائه للإستشراق نجد أن التفاعلات التاريخية بين نفس الكيانين المتعارضين والمثاليين تخضع بدورها لعملية تجسيد تحيل هذين الكيانين لكيانين تتحد وجهتهما في عملية توصف بـ (الإستعراب) و(الأسلمة). وبينما أن هذين التعبيرين بحد ذاتهما ربما يكونان مجرد وصفين من باب المجاز ولا غبار عليهما عندما يستخدمهما مؤرخون على إستعداد لتفكيكهما لعناصر ذات مغزى موضوعي، نجد أن الإستشراق التقليدي يوظفهما ليلعبا دوراً شاملاً. إن حيوية النموذج الإستشراقي لم تعتمد في أي وقت من الأوقات على قدرته على إيصال الحقيقة التاريخية؛ إن هذا النموذج قد بقي وإزدهر لأنه خدم مصالح معينة ذات جذور راسخة داخل السودان وخارجه. إنه نموذج يضرّ السودانيين ويؤذيهم لأنه يطرح مشكلات البلد بشكل لا يجعل حلها ممكناً." (سبولدنق 1991)

وهناك دراسة شيقة لسبولدنق بعنوان "لغة الشايقية  القديمة من منظور  تاريخي، 1990" أشرنا لها في مناسبات سابقة، نورد خلاصتها هنا لدلالتها المباشرة على مقولة الإستمرارية.   

   في هذه الدراسة يشير سبولدنق إلى رأي وليام آدمز القائل بأن "الشايقية وكل السكان القاطنين بين الدبة والخرطوم يتحدثون أيضاً اللغات النوبية إلى ما قبل مائتين أو ثلاثمائة سنة، لكنهم الآن ،لسوء الحظ، فقدوا لغة أجدادهم هذه تماماً." لكن سبولدنق يرى أن هذا الفقد للغة الأجداد لم يكن كاملاً لدى الشايقية. للبرهنة على ذلك إعتمد على أدلة لغوية إستخرجها من حوالي مائة وثيقة خاصة بأسرة النضيفاب من جزيرة أبورنات في منطقة الشايقية والتي مازالت محفوظة في دار الوثائق المركزية في الخرطوم وتعود إلى الفترة من 1836 إلى 1902 وهي ذات طبيعة قانونية تخص ممتلكاتهم من الأرض وما جرى حولها من معاملات. من هذه الوثائق إستخرج سبولندق ثمانين كلمة ذات أصول نوبية رغم كتابتها بالعربية، بعضها أسماء قرى مثل مقاشي وتنقاسي وبعضها أسماء آلات ومواقع زراعية مثل كوديقا وكوريقا وسلوكا وكسكسيقا (قبعة عريضة من السعف تلبسها النساء). كذلك لاحظ سبولدنق تراجع الأسماء النوبية للأشخاص في هذه الوثائق بعد العام 1850. نظر سبولدنق في الكيفية التي يمكن بها، من منظور تاريخي، إيجاد الصلة بين هذا الأثر النوبي المتبقي في وثائق أسرة النضيفاب، وهو ما أسماه بلغة الشايقية القديمة، وبين اللغات النوبية المعاصرة. هذه اللغات، كما هو معروف تتكون من لغتين متقاربتين هما الكنزية أو الدنقلاوية واللغة المحسية. الأولي تتحدث بها مجموعتا الدناقلة والكنوز ويشكلان غالبية الجماعات المتحدثة بالنوبية، وتتميز بالمقطع الأخير (قي أو كي). أما المحسية فتتحدث  بها مجموعة أقل عدداً مقارنةً بالأولى وتتميز بالمقطع (قا أو كا). في هذا السياق أيضاً أشار إلى ما بدا أمراً غير منطقي في الدراسات التاريخية وهو أن المتحدثين اليوم بالمحسية أقل من المتحدثين بالدنقلاوية رغم أن المحسية هي التي تفرعت عن لغة الممالك المسيحية المكتوبة والتي سادت في القرون الوسطى، فما الذي جعل المحسية، أي لغة الأقلية الحالية، سائدة في العصور الوسطى، وهل هناك من أسباب معينة أدت إلى أن تفرض هذه الأقلية لغتها على الأغلبية الساحقة من السكان وقتها، يتساءل سبولدنق. هنا يتفق سبولدنق مع الآثاري علي عثمان محمد صالح في إجابته على هذا السؤال، وهو الإستمرار الخاطئ من جانب دارسي ومؤرخي الحضارة السودانية في تصورهم للعصور الوسطى النوبية ضمن الحدود الجغرافية الراهنة للمتحدثين الحاليين باللغات النوبية. بناءً على هذا المنطق يبين سبولدنق شكل العلاقة بين ما أسماه بلغة الشايقية القديمة واللغات النوبية المعاصرة على النحو التالي:

"إختيار اللغة الأصل - التي تفرعت منها محسية اليوم - باعتبارها اللغة المكتوبة في فترة العصور الوسطى يمكن أن يكون منطقياً فقط إذا إفترضنا وجود متحدثين بها في ذلك الوقت أكثر بكثير من المتحدثين بها اليوم، وأن الثقل السكاني السابق المقابل للأكثرية الحالية المتحدثة بالدنقلاوية يتوجب البحث عنه خارج المجتمع النيلي الراهن المتحدث بالنوبية، أي البحث عنه في المجموعات "العربية" المجاورة مثل الشايقية والذين تصفهم حتى الدراسات التقليدية بأنهم "نوبيون مستعربون". وكما قال آدمز،"كل هذه المجموعات تحدثت لغة واحدة أو عدة لغات، أما مدى صلة القرابة بينها وبين اللغة الدنقلاوية أو المحسية فأمر مازال قيد التخمين"... الحجة الأكثر إقناعاً حول الخاصية النوبية للغة التي تبقت منها هذه الكلمات غير العربية تكمن تحديداً في إحتفاظهم بالمقطع الأخير في الأسماء، وهو في اللغة الكلاسيكية أو المحسية الشكل قا أو كا. أما المقطع قي أو كي الذي يميز اللغة الدنقلاوية فلم يتم إثباته. ويمكن للمرء أن يفترض بأنه قبل إنتشار العربية بين الشايقية كان هؤلاء يتحدثون لغة أفريقية نسميها هنا "لغة الشايقية القديمة" وأنها كانت لغة نوبية وكانت شكل من اللغة النوبية أقرب كثيراً إلى الكلاسيكية النوبية أو المحسية المعاصرة منها إلى الدنقلاوية المعاصرة."

(هناك في الواقع الكثير من الكلمات الواردة في الوثائق المذكورة نجدها منتشرة في عربي المجموعات الأخرى في الوسط النيلي من رباطاب وجعليين، إلخ)

من ناحية أخرى تنتهج هذه المدرسة منهجاً سياقياً أشمل وتضع مقولة التعريب في إطارها الآيديولوجي بقاعدته المركبة إقتصادياً وسياسياً، وتميّز القوى الإجتماعية الفاعلة ضمن إمتداد تاريخي متصل تتجلى فيه مقولة الإستمرارية بين ماضي قريب وحاضر معاش. يتبين ذلك في وصف وتحليل تاريخي للمؤرخين أوفاهي وسبولدنق ربطا فيه بين الواقع السياسي والثقافي المعاصر وجذوره التاريخية في التطورات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية في دولة الفونج في نهايات القرن الثامن عشر. أبرز هذه التطورات كان إضمحلال المؤسسات والتقاليد السياسية لمملكة الفونج وصعود شريحة تجارية – أسلاف الجلابة - وتوسع نشاطها في الداخل والخارج ونشوء "تحالف" بينها وبين الزعامات الصوفية وما يعرف بالعلماء من ذوي التعليم الديني، وهو تحالف صار نواةً لطبقة وسطى، كما أسماها المؤرخان، وأصبح لها تأثيرها السياسي والإجتماعي والآيديولوجي. وفيما يلي يصف هذان المؤرخان بعض ملامح هذه الطبقة الإجتماعية الصاعدة وأثرها التاريخي الممتد:

"كانت قيم التجار البرجوازية بطابعها المتقشف والمعتدل على نقيض من السلوك غير المقيد للفلاح وكذلك حياة البذخ في القصر. إستمدت الطبقة الوسطى تبريرها الآيديولوجي لنمط حياتها الجديد من الإسلام. بنيت المساجد في المدن وأقيمت صلاة الجماعة في العلن، أنشئت المدارس في المدن وانتشرت العربية بين أفراد هذه الطبقة  كما أن أفراداً على معرفة بالشريعة الإسلامية موجودون في كل مدينة ... كذلك عززت هذه الطبقة هالة الإحترام الإسلامية من حولها بتبنيها لهوية جديدة إذ أعلنوا بأنهم عرب. لتدعيم هذا الإدعاء ظهرت أشجار النسب، بدايةً كحالات قليلة متفرقة ثم سرعان ما انتشرت تسجل بعناية أصول الأسر و تنسبها إلى أسماء بارزة في أيام الإسلام الأولى." (أوفاهي وسبولدنق 1974)

في ضوء هذا الوصف يمكن النظر، مثلاً، في سيرة الشيخ حسن ودحسونة كما أوردها صاحب الطبقات، فهذا الشيخ جمع بين الصوفي صاحب النفوذ الروحي والتاجر الثري وصاحب الحظوة أيضاً في البلاط السناري. (حسن 1974) كذلك، ما زال الإرتباط قائماً إلى الآن بين الوزن السياسي أو الديني وبين السعي لتدعيم هذا الوزن بالإنتماء لأصل عربي إسلامي رفيع. نرى ذلك لدى ما يعرف عندنا بالأشراف والعديد من شيوخ الطرق الصوفية وإنتماءاتهم القرشية، ونراه في محاولة محمد أحمد عبدالله، بعد أن أصبح "محمد أحمد المهدي"، للإنتماء إلى عترة الرسول (ص) وذلك عندما كتب في إحدى منشوراته ما نصه، "...فأبي حسني من جهة أبيه وأمي كذلك من جهة أمها وأبوها عباسي والعلم لله أن لي نسبة إلى الحسين."

هذه المعطيات التاريخية توضح بجلاء البعد الطبقي في عملية الإستعراب، أي إدعاء الأصل العربي، وتبين المقاصد الإقتصادية والسياسية والإجتماعية التي دفعت هذه الطبقة إلى تبني هوية جديدة تخدم مصالحها ومطامحها، خاصةً وهذه المصالح مرتبطة بالقوى الإقليمية المحيطة. بمعنى آخر، تجيب هذه المعطيات التاريخية على ثلاث أسئلة مرتبطة بأشجار النسب التي تدعيها كثير من القبائل والأسر الحالية، وهي متى كّتبت هذه الأنساب وما هي الفئات الإجتماعية التي إبتدرتها وما هي الدوافع من ورائها. كذلك تبين هذه المعطيات أن آيديولوجية ذات طابع إثني وديني قد زُرعت لأول مرة في تربة الفكر السياسي والصراع الإجتماعي في السودان في اللحظة التي بدأ فيها الإنتساب لأصول عربية والذي جاء مقترناً بأهداف إقتصادية ونفوذ سياسي وإجتماعي لطبقة جديدة صاعدة.

   لكن، ينبغي هنا البحث في الكيفية التي ترتبط بها المصلحة الإقتصادية بإختيار الهوية العربية، إذ لا يكفي القول بأن إدعاء النسب قد "عزز من هالة الإسلام حول هذه الطبقة" كما ذكر المؤرخان، رغم صحة ذلك. عموماً يمكن القول بأن العلاقات التجارية المتنامية بين هذه الطبقة والمحيط الإقليمي العربي والإسلامي إلى الشمال في مصر وإلى الشرق عبر إنسياب الحركة التجارية بين موانئ البحر الأحمر تدفع بالعامل الثقافي إلى دور مشارك في إختيار هذه الهوية. ذلك أن الهوية، أي هوية، مؤسسة على قيم وخصائص معينة، كما أن المشاركة في هذه القيم والخصائص، سواءً بالأصالة أو بالتقليد والممارسة – (كما فعلت الطبقة الوسطى آنذاك بحسب وصف المؤرخان) – تقارب بين الأطراف وتدفع بعنصر الثقة في المعاملات، خاصةً إذا كانت تجارية. لا تملك هذه الدراسة الآن من المراجع ما يبين تفاصيل الحياة الإقتصادية والمعاملات التجارية بين الأطراف المعنية بشكل مفصل، لكن تتكشف آلية هذه المعاملات وكيفية إرتباطها بالعامل الثقافي في وقتنا الراهن في كثير من البحوث الآنثروبولوجية، مثل بحوث وندي جيمس في جنوب الفونج ودراسة دورنبوس في دارفور والتي سنأتي على ذكرها بالتفصيل في سياق هذه المقالات. (وندي جيمس 1985، دورنبوس 1988، كنسون 1985، ماكريس 1995). تُلقي هذه الدراسات كثيراً من الضوء على ما يعرف بالهوية المتنقلة، وفيها يبدو جلياً الإرتباط بين العاملين الإقتصادي والثقافي وكيف يؤدي هذا الإرتباط إلى إختيار الهوية. وتبين هذه الدراسات أن الإنتماء إلى الأصل العربي لدى بعض المجموعات لم يعد بالضرورة الإنتساب إلى إحدى الشخصيات الإسلامية أو القبائل العربية المعروفة، إذ يكفي الإنتساب إلى إحدى المجموعات الكبرى المستعربة في وادي النيل الأوسط لأنها بالطبع منتسبة إلى إحدى هذه الشخصيات أو القبائل. وفي نهاية الأمر يظل العامل الإقتصادي هو الدافع الأقوى والمباشر، كما أن الأفراد والجماعات التي تسعى لمثل هذا الإنتساب تنتمي في الغالب إلى الفئات الطموحة العاملة في مجال التجارة. هذا ما أكده يضاً علي مزروعي في دراسة حول ظاهرة الإنتساب إلى الأسماء الإسلامية الكبرى في غالبية المجتمعات الإسلامية، إذ يشير إلى عدة دوافع رتّبها حسب أهميتها، أولها الدافع الإقتصادي ويليه الإجتماعي ثم الروحي والنفسي.

   بمعنى أكثر دقة وشمولاً، تكشف لنا هذه المعطيات التاريخية، إلى جانب الحقائق الآركيولوجية الوارد ذكرها، عن خاصية البنية الإجتماعية والثقافية لوادي النيل الأوسط أثناء المراحل الأخيرة في دولة الفونج. تلك البنية الإجتماعية الثقافية التي تشكلت فيها البذور الأولى التي انبثقت وتناسلت منها النخبة الشمالية المهيمنة على الحكم في السودان الحديث. وهذا يقودنا إلى ما أشار إليه أوفاهي في حديثه حول إتصال الأسر والعشائر الدينية التي اكتسبت مكانة ونفوذ في أواخر دولة الفونج. وإذا كانت هذه الطبقة، خاصةً الشريحة التجارية وما إكتسبته من علاقات تجارية متقدمة قد شكلت وقتها بديلاً لمنظومة إقتصادية لم تعد مواكبةً للتحولات الجارية في المنطقة وما حولها، فقد تحولت في العصر الحديث، وتحديداً مع تطورات الحركة الوطنية في العقود الأولى من القرن الماضي وبروز وتمايز طبقات إجتماعية جديدة، إلى طبقة محافظة أصبحت من أهم المستفيدين من السياسة الإقتصادية التى أرساها المستعمر كما جاء في وصف وتحليل تيم نيبلوك. حدث هذا مقابل بروز طبقة وسطى حديثة قوامها جماعات الأفندية من خريجي كلية غردون والتي تطورت وإتسعت تدريجياً لتضم أطياف الإنتليجنتسيا وقطاعات المهنيين وكل ما يستصحب ذلك من تنوع فكري وآيديولوجي.

 

  • الفولكلور القديم ونهاية الأسطورة

 

رأينا من خلال هذه المرجعيات الآثارية والتاريخية كيف تتكشف الأبعاد العرقية والثقافية في نظرية الهجرة العربية وكيف يتبدى الأصل الطبقي والآيديولوجي في خيار الهوية العربية. وكما ذكرنا، هناك أيضاً ما وصفناه بجدلية الوعي والتجربة في إستجابة الإنسان السوداني للمتغيرات السياسية والإجتماعية وكيف يمكن أن يشكل ذلك تحدياً لقناعات وتقاليد راسخة حول الهوية. فالتجربة المباشرة دائماً ما تحرك موقفاً نقدياً حتى عند أبسط الناس تجاه ما يعتبر أموراً راسخة، وغالباً ما ينكشف الفارق بين ما هو متصور ومعتقد وما هو حقيقة وواقع. تبدو هذه الحالة بوضوح في مشكلة الهوية وتجلياتها في تجارب الفرد السوداني داخل السودان وخارجه. ومرجع ذلك إلى المتغيرات والأزمات العميقة التي تعيشها المجتمعات السودانية منذ عقود والتي نتجت عنها ظواهر مثل النزوح الواسع من الريف إلى المدينة وتسارع عمليات المدننة والهجرة المستمرة إلى دول البترول العربية والدول الغربية الأمر الذي أدى إلى تحول متصاعد في المواقف والرؤى. وبالطبع، ليس منا من لا يملك عشرات الأمثلة من التجارب والمواقف والنوادر. وفي ما يلي مثال مشخص لجدلية الوعي والتجربة لدى الأفراد وإنتقال معتقد الهوية من الثابت إلى المتحول:

   والدي، عليه الرحمة، مزارع بسيط لم ينل من التعليم غير الخلوة، وكان في أواخر سبعيناته عندما عاد من السعودية بعد أدائه فريضة الحج. سألته مداعباً، كيف وجد أهله وأبناء عمومته من العرب. أجاب بعد فترة من الصمت: "أبداً، هم ناس ونحنا ناس." رددت عليه مستطرداً: "لكن إنتو بتقولوا جدّكم العباس." أجاب بعد ضحكة عالية: "متلصّقين!" صفة "متلصّق" في العربية السودانية تقال عادة لمن يدعي القرابة دون سند واضح إلى شخصية هامة أو أسرة ثرية أو ذات مكانة إجتماعية، وهو سلوك إجتماعي مذموم. ربما يشك المرء في أن هذه الإجابة من جانب الحاج ربما كانت ردة فعل لنوع من الإحباط ناتج عما يكابده الحجيج عادة من صعوبات ومضايقات أثناء أدائهم الفريضة في مكة. لكن عفوية الإجابة مع إستخدام مثل هذا الوصف دليل على أن الحاج يعني ما يقول. وإذا وضعنا في إعتبارنا أن موضوع الأنساب والأصول من الأمور التي لا يستهين بها ذلك الجيل فإن إجابته لا يمكن أن تكون ردة فعل عابرة،  كما لا يمكن إعتباره، والكثيرين من جيله، كحالات معزولة. على عكس ذلك، يمكن للمرء أن يقرأ في إجابته إنعكاساً لديناميكية الفولكلور وخيارات ومحددات الهوية وأن الأمور أكثر تعقيداً مما قد تبدو في سطحها. فبالنسبة لمجموعات الشمال النيلي، مثلاً، بما فيهم المتحدثين بالنوبية، تشتمل صفة "عربي" على ثلاث معاني بحسب ما يقتضيه السياق. فيمكن أن تشير إلى الأصل "العربي" أو يقصد بها أفراد الجماعات المترحلة من سكان صحراء بيوضة وشمال كردفان الذين إستقروا على أطراف النيل أو يأتون للعمل في أوقات المواسم الزراعية، أو تستخدم بمعنى مطابق لصفة قُلعي أي مقتلع الجذور ولا أصل له. والقُلعي هو الشخص الذي لا يملك أرضاً على النيل حتى وإن كان من أهل المنطقة، وعادةً ما يشار إلى شخص ما بالعربي، أي قلعي، إذا لم يعد لسبب ما يملك شيئاً من الأرض. وهذا المعنى الأخير يعتبر وصمة إجتماعية تقلل كثيراً من مكانة الفرد، وهو المعنى الأكثر شيوعاً لدى هذه المجتمعات الزراعية والذي ينسجم مع منظومة قيمها المرتبطة بالأرض.

   هكذا، إذن، تؤسس علمياً مدرستا الآثار والتاريخ لنظرية الإستمرارية الإثنوثقافية في تاريخ الحضارة السودانية، والتي بدونها، بحسب نظرية الهجرات القديمة، يصبح إنسان السودان المعاصر بكل موروثه ومشمول حياته المادي والفكري والفني والروحي مجرد عابر سبيل ضمن سيرورة تاريخية عشوائية بلا مقصد وبلا معنى.