19 يوليو وعبقرية الصمود

د.احسان فقيرى

;كمتلقين للعلم انذاك في جمهورية تشكوسلوفاكيا  الاشتراكية  وقد حدث انقلاب مايو  25 لم نخفي فرحتنا وقتها   فقد كانت سماء  الوضع السياسي ملبدة بإرهاصات مشروع حضاري اسلامي وجمهورية اسلامية  رئاسية، ولكن ظل القلق يجثم علي  صدورنا ونحن نترقب اخبار الوطن خاصة ولنا تجربة عبود وقمع الحريات وحل الاحزاب السياسية ولم نطمئن حتى بعد اعلان  برنامج نميري من اجل التغيير.

ثم توالت الاحداث، ثم جاءنا الوفد الكبير برئاسة نميري فتضاءلت الفرحة   واحسسنا بان هؤلاء القوم اما غير جادين او متسلقين بريدون الاستوزار  ما عدا النذر القليل الذي كان ينظر بعين ناقدة لكل تصرفات نميري ومن معه  –ماتت هذه الفرحة تماما  عندما تناقلت اخبار الداخل عن وجود صراعات بين اعضاء مجلس الثورة بل امتد هذا الصراع الي الحزب مما  ادي في النهاية الي  ذلك الانقسام التصفوي المشهور والذي فقدنا فيه خيرة القيادات التاريخية بل ظل الحزب لفترة طويلة يمارس نشاطه بثبات ولكن تحت الارض  --وظلت الساحة السياسية تعج بكافة الاحتمالات والاشاعات  --تصدرت اشاعة الانقلابات الاخبار الواردة من الداخل  وان هناك انقلابا يدبر من قبل الضباط الثلاث الذين تم اقصاؤهم من مجلس الثورة (فاروق حمدالله –بابكر النور- وهاشم العطا)وقد سافر ثلاثتهم الي المملكة المتحده للتمويه 

–وبحكم علاقتي بالاسرة  انذاك اتصلنا تلفونيا بالمقدم بابكر النور الذي اكد لنا بان ليس هناك انقلابا في الافق وقد اتي الي عاصمة الضباب للاستجمام.  وبعد ثلاثه ايام من هذه الاشاعة قامت 19 يوليو وبدأ الانقلاب بدون عقبات  تذكر وكان الاتصال الثاني بالسيد بابكر النور. وكنا مشفقين على الوضع كله  على ان لا تسفك الدماء  فطمأننا بابكر بانها حركة تصحيحية وليس انقلابا ونميري سيكون جزءاً من هذا التصحيح ثم اضاف : انا متواجد مع بثينة زوجة نميري لطمأنتها.

وللاسف لم تجري الامور كما رأى هؤلاء الضباط الاوفياء للشعب .فسرعان ما تدخلت الرجعية العربية المتمثلة في حلف طرابلس بقياده القذافي والاسد والسادات وكلاهما لقى المصير  المظلم ---وتحركت   الطائرات وايضاً تحركت الامبريالية العالمية وتم اختطاف الطائرة التي تقل الزعماء لكي يتم تسليمهم للخرطوم وقد كان !! وسبحت الخرطوم في برك دماء ابنائها الشرفاء !

وتوالت الضربات والتصفية لقوي اليسار خاصة اعضاء الحزب الشيوعي وباعذار مختلفة وتهم متعددة منها ضرب بيت الضيافة والتي يعلم الجميع بان هؤلاء لا علاقة لهم بهذه الضربة وقد كان في يدهم رأس الحية نميري ولم يعدموه  فكيف يقومون بتصفية اخرين؟

ان 19 يوليو ستظل محفورة في وجدان الشعب السوداني بكل هذا الصمود  وعدم التراجع –رجال كتبوا وصاياهم على صناديق السجائر في غرفة ليس بها تهوية  ومعتمة، لم تهتز لهم شعرة وهم يعلمون بان اطفالهم يحتاجونهم وان زوجاتهم صغيرات في السن  وانهم ما زالوا  في ريعان شبابه. ان حركة يوليو لم يكن بها شاهد ملك واحد وهذا ايضا احد علامات التحدي والموت من أجل المباديء

التحيه للشهداء العظام وقد ذهبت تلك الانظمة العربية التي وقفت ضد الثورة الى مزبلة التاريخ.

وستظل يوليو معلما نضاليا بارزا ورمزا للصمود وعاشت ذكري الشهداءالابرار.

 

والمجد لشعبنا