الذكرى المئوية لثورة أكتوبر.. الاتحاد السوفييتي في الحرب الوطنية الكبرى(3/3)

 

 د. ماهر الشريف

  • الاتحاد السوفييتي ينتصر في حربه الوطنية

منذ كانون الثاني 1943، بدأ الجيش الأحمر هجومه المضاد على جميع الجبهات. وفي 16 شباط، نجح في تحرير مدينة خاركوف في أوكرانيا، وأعلن ستالين في 23 شباط أن "عملية طرد العدو خارج أراضي الاتحاد السوفييتي قد انطلفت"، وانتقد، في الوقت نفسه، عدم وفاء الحلفاء بوعدهم بشأن فتح جبهة  قتال ثانية في أوروبا، معتبراً أن الجيش السوفييتي ما زال يتحمل العبء الأكبر للحرب.  وفي 15 أيار 1943، أوعز بحل الأممية الشيوعية (الكومنترن) بغية فضح الدعاية النازية التي تزعم أن هذه المنظمة يوظفها الاتحاد السوفييتي للتدخل في شؤون الدول الأخرى والسعي إلى بلشفتها.  بيد أن العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والحلفاء بقيت  متوترة طوال ربيع سنة 1943، وزادها توتراً الخلاف بين الطرفين  حول المسألة البولونية. ولم يرضِ الإنزال العسكري الذي قام به الحلفاء في جزيرة صقلية يوم 10 تموز 1943 ستالين الذي كان ينتظر إنزالاً في فرنسا، علماً أن سقوط حكم موسوليني في إيطاليا في 24 تموز 1943 أضعف ألمانيا النازية.

ما بين 28 تشرين الثاني و 1 كانون الأول 1943، عقدت في طهران  قمة ثلاثية شارك فيها كلُ من جوزيف ستالين، وفرانكلين روزفلت وونستون تشرتشل. ومنذ اليوم الأول للقمة، طالب ستالين بتحديد موعد دقيق لانطلاق عمليات الجبهة الثانية العسكرية، ودعمه في ذلك الرئيس الأميركي الذي اجتمع به مرتين، وهو ما تحقق في 6 حزيران 1944، عندما نزلت القوات الأميركية والبريطانية على شواطئ منطقة النورماندي الفرنسية، وذلك في الوقت الذي كانت  فيه الإدارة الأميركية  تواصل مساعيها الرامية إلى إنتاج القنبلة النووية.

بعد تحرير مدينة لينينغراد بصورة كاملة في كانون الثاني 1944، واصل الجيش الأحمر تقدمه على جبهات القتال،  فحرر مدينة مينسك عاصمة روسيا البيضاء في 13 تموز، وساعد في 8 أيلول في تحرير صوفيا عاصمة بلغاريا، ثم تقدم نحو الحدود الفنلندية على جبهة الشمال، وتمّ  في 19 نيسان، بعد طرد القوات الألمانية، توقيع هدنة بين الاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفنلندا،  ووصلت القوات السوفيتية في نهاية أيلول 1944 إلى  الحدود اليوغوسلافية، وقدمت دعمها للمقاومة الشعبية بقيادة الماريشال تيتو، وساهمت بذلك في تحرير بلغراد في 20 تشرين الأول. وفي اليوم نفسه، دخلت القوات السوفيتية الأراضي الهنغارية، ونجحت، في خريف ذلك العام، في تحرير أراضي ليتوانيا ولاتفيا واستونيا.

كانت أراضي الاتحاد السوفييتي قد تحررت بكاملها في أواخر سنة 1944، ، وساهم الجيش الأحمر في تحرير أراضي رومانيا وبلغاريا، ودخل أراضي بولونيا وسلوفاكيا وهنغاريا. وفي 17 كانون الثاني 1945، تحررت وارسو ، وباتت القوات السوفيتية، في 29 كانون الثاني، على بعد 70  كيلومتراً من برلين. وفي 4 نيسان حررت القوات السوفيتية  مدينة براتيسلافيا عاصمة سلوفاكيا، واحتلت فيينا في 13 نيسان، ثم حررت براغ في 8 أيار. وكان هجومها على برلين قد بدأ في 16 نيسان، ووصلت بعد خمسة أيام إلى ضواحي المدينة، وفي 30 نيسان كان العلم السوفييتي يرفرف فوق مبنى البرلمان. وانتحر هتلر في اليوم نفسه، وتوقفت المعارك في  2 أيار 1945.

وفي 7 أيار 1945 استسلم جنرالات الجيش الألماني، الذي كانت شوكته   قد كسرت على الأرض السوفيتية قبل قيام الحلفاء بإنزالهم العسكري في فرنسا في حزيران 1944. ووقعت هيئة أركان الجيش الألماني مع قيادة قوات الحلفاء في مدينة "ريمز" الفرنسية، في ذلك اليوم، اتفاق الاستسلام. بيد أن  ستالين أصر على أن يتم توقيع اتفاق الاستسلام في برلين، وهو ما تمّ في 8 أيار، على أن يسري مفعوله اعتباراً من اليوم التالي. ولهذا السبب صار الاتحاد السوفييتي يحيي يوم النصر على النازية في الحرب الوطنية في 9 أيار من كل  عام .

 

  • التوافقات الدولية بعد النصر:

كانت قمة يالطا التي عقدت في 2 شباط 1945 بحضور ستالين وروزفلت وتشرتشل، قد  كرست تقسيم أوروبا الذي تحقق عبر القوة، وقررت تشكيل هيئة الأمم المتحدة  مع مجلس أمن  يتكوّن من خمس قوى عظمى تتمتع بحق النقض. وفي 13 نيسان، توفي فرانكلين روزفلت وترك مكانه في البيت الأبيض لنائبه هاري ترومان.

غداة انتهاء  الحرب، كان الجيش الأحمر يعد أكثر من 11 مليوناً من الجنود والضباط، وكان قد احتل برلين وفيينا، وحرر واحتل براغ، وبودابست، ووارسو، وبلغراد، وبوخارست، وفي الشرق منشوريا، وكوريا الشمالية، أي أن قوة الاتحاد السوفييتي كانت كبيرة جداً، وشهرته أيضاً، وظهر في نظر الشعوب بصفته المحرر  من  نير النازية  وقاهر هتلر وجيشه، الذي خسر في معاركه على جبهة الاتحاد السوفييتي 80 في المئة من إجمالي خسائره  في الحرب العالمية الثانية . بيد أن خسائر الاتحاد السوفييتي البشرية  كانت هائلة أيضاً، إذ  قُدر عدد المواطنين السوفييت الذي قتلوا في الحرب بنحو  26 مليوناً، كان 11 مليوناً منهم من العسكريين و 15 مليوناً من المدنيين. وفي لينينغراد وحدها، كانت خسائرالاتحاد السوفييتي  البشرية  أكبر من خسائر الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا مجتمعتين  طوال الحرب. أما خسائره المادية فلم تكن أقل من خسائره البشرية، إذ جرى تدمير 1700 مدينة و 70000 قرية، و 31850 مصنعاً وعشرات الملايين من رؤوس الماشية (إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، ص 418-419  و ص 424- 426).

كان مؤتمر بوتسدام هو الأخير الذي جمع ممثلي الدول الثلاث الكبرى في الأسبوع الأخير من  تموز 1945. وحضره ستالين وترومان وتشرشل. وقد خلف هذا الأخير في بوتسدام  كليمنت أتلي الذي فاز حزبه في الانتخابات التشريعية البريطانية. وجرت المفاوضات  في أجواء معقدة؛ فقبل التئام المؤتمر بأيام، قامت الولايات المتحدة الأميركية في 16 تموز بتفجير  أول قنبلة نووية. وكرست القرارات التي اتخذت في بوتسدام نتائج قمة يالطا. وفي 6 و 9  آب 1945، ألقت طائرات أميركية   قنبلتين نوويتين على مدينتَي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين، كانتا، في الوقت نفسه، بمثابة تحذير إلى ستالين، الذي دخل الحرب ضد اليابان، ونجح الجيش الأحمر في 14 آب 1945 في هزيمة الجيش الياباني، واستعاد الأراضي التي فقدتها روسيا خلال الحرب الروسية-اليابانية سنة 1904، في شمال كوريا، ومنشوريا، وجزر كوريل وسخالين. وفي 2 أيلول 1945، أعلن  اليابان استسلامه، فكان ذلك إيذاناً بنهاية الحرب العالمية الثانية.  

وبينما استغلت الولايات المتحدة الأميركية الحرب لتطوير اقتصادها ، بحيث تضاعف إنتاجها الصناعي، واجه الاتحاد السوفييتي صعوبات كبيرة في عملية إعادة الإعمار، التي انطلقت بالتوازي مع عمليات تحرير الأراضي المحتلة، وذلك بإشراف لجنة خاصة تشكلت في آب 1943 لإعادة إعمار المناطق المحررة، برئاسة عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي مالينكوف.

 

  • مصادر رئيسية:

 

- يُعتبر الكولونيل المتقاعد  والمؤرخ العسكري الأميركي  دافيد غلانتز ( David M.Glantz ) أحد أهم المختصين بدراسة الجيش الأحمر السوفييتي والمعارك التي خاضها خلال الحرب العالمية الثانية. وتتميّز مؤلفاته العديدة باستنادها إلى وثائق الأرشيفات السوفيتية والروسية، وبعرضها  وجهة النظر السوفيتية  وليس فقط وجهة النظر الألمانية. بيد أن مؤلفاته هذه تقتصر على معالجة العمليات الحربية، ولا تعالج الجوانب الاقتصادية والسياسية للصراع.