فى مثل هذه الايام من يوليو 1971

بقلم : على سعيد

فى مثل هذه الايام من شهر يوليو 1971 كان الجو مشحونا ومحتقنا بسبب العداء السافر الذى كاله الانقساميون عن الحزب الشيوعي فمنهم من استوزر او صار سفيرا او نديما لجعفر نميري الذى صاروا يزينون له كل باطل ويشوهوا الحزب ويكشفون عن ما يعرفونه من اسراره بل ويحرضون على اغتيال سكرتير الحزب الشيوعي الاستاذ عبد الخالق محجوب. وهامت سماء الخرطوم بالإشاعات والتوقعات خصوصا وان نميري وبطانته او اسياده من مدعى القومية العربية كان قد اعتقل اكثر من 40 من كادر الحزب بليل واودعهم سجن كوبر. وكانت هذه اخطر مؤشرات المواجهة بين زمرة نميري بمساندة السادات والقذافي وشرذمة الانقساميين ومجموعات من صنائع المخابرات المصرية فى السودان يسيرون مظاهرات صغيرة هنا وهناك تأييدا لنميري ويعلو بين الحين والآخر صوت السلطة الانقلابية فى تنظيم كتائب مايو. التنظم الذى ولد ميتا وحاولوا  الوقوف به كخصم لاتحاد الشباب السوداني الذى زين سماوات السودان فى مؤتمره الثالث فى مارس من نفس العام بحضور الشباب التقدمي الحي من معظم بلدان العالم واذكر على وجه الخصوص وفود نيكاراجوا وشبيبة تشيلي والبرتغال والشباب اليساري الفرنسي ومن الولايات المتحدة الأمريكية والهند وسوريا والبلدان الاشتراكية.  فى الحقيقة كان مؤتمر اتحاد الشباب السوداني آنذاك يمثل احدى ملاحم الحركة الجماهيرية  واحد مظاهر النفوذ  العالمي لشباب السودان التقدمي والديموقراطي.

صبيحة 19 يوليو بدأ هادئا مثله مثل أيام الخرطوم الحبلى بالمفاجآت

بعد الظهيرة جاءني جارى الدكتور عابدين محمد زين العابدين قلقا وقال لى ( افتح الراديو ( الارسال التلفزيوني كان يبدأ فى الخامسة فى تلك الايام) وخلال ذلك سألني د. عابدين - انت مش عارف انو فى انقلاب فى البلد وهنا علت المارشات العسكرية من الراديو وكان د. عاردين يتحدث بجدية وعصبية ( الانقلاب اذا كان يساري فالحزب حيروح فيها) وكنت انا اطمئنه ظاهريا والقلق ينهشني واقول يا شيخ انشاء الله يكون يساري عشان نؤدب نميرى والانقساميين والمخابرات الاجنبية.واخذنا نتجادل حول هوية وجدوى ومآل هذا الانقلاب حتى علا صوت المذيع (هناك بيان هام يليقيه الرائد هاشم العطا فترقبوه)هناك من صار يقفز فرحا بازاحة نميرى وهناك من توجس من حكم الشيوعيين وهناك من اظهر تبرمه من الانقلاب والانقلابب المضاد والنقاش حول كيف يحدث انقلاب فى وضح النهار والشوارع تزدحم بحركة السير؟..وهكذا كان الجميع يضربون اخماسا فى اسداس تخمينا. لم يكن لدينا وسيلة للاتصال بمن يشفى غليلنا فى مثل هذه الظروف على الاقل لتامين الشارع ككوادر جماهيرية ونساعد فى اعمال الحراسة وغيرها والبعض برم بكل شيئ لان هاشم العطا لم يشرك الكوادر احماية ظهره فيأتيه الرد ( كيف يكون انقلاب اذا كان سيفشى اسراره للمدنيين) وآخر يردد بعد ثقته فى العسكر الذين يعتقدون انهم وحدهم القادرين على كل شيء ولا يثقوا فى قدرات المدنيين. الخ وهكذا كان التعبير عن القلق والتوجس والتوقعات طوال الامسية حتى صدور البيان الاول بواسطة هاشم العطا قبيل منتصف ليلة 19 يوليو 1971 . تعرف بان هذه ثورة قام بها الضباط الاحرار لتصحيح مسار ثورة 25 مايو بعد ان انحرف بها نميرى وخان مبادئها وإطمأن بان الامور كلها تحت السيطرة خصوصا بعد تأييد القيادة الجنوبية للجيش ( بالواضح اي بدون ترميز للتأييد).

حدث ارتياح بالغ فى اوساط الكثيرين من الوطنيين ونزلت بعض المظاهرات العفوية.

فى صبيحة 20 يوليو تجمعت بضع عشرات من منسوبي النظام تقودهم عناصر من القوميين العرب وهم يهتفون( عائد عائد يا نميري) ولم توجه الشرطة باستعمال العنف لتفريقهم ولم تعلن حالة الطوارئ وبدأت مظاهرات تأييد تجوب العاصمة بشعارات وهتافات بسارية منحازة للحزب الشيوعي ولم تراعي حلفاء الثورة الوطنية الديموقراطية وغطت الشعارات مسحة شبهة بان الحزب الشيوعي هو الذى خطط ونفذ الانقلاب.

فى يوم 22 يوليو احتشدت الجماهير فى ميدان القصر الجمهوري حيث خاطبهم هاشم العطا وخلال ذلك سري خبر مدو بان القذافي قد احتجز طائرة الخطوط الجوية البريطانية التى كانت تقل كل من بابكر النور الذى اعلن رئيسا لمجلس الثورة ومعه  فاروق عثمان حمد الله عضو مجلس الثورة واحتجزت السلطات الليبية كل منهما وسلمتهما الى نميري الذى اعدمهما رميا بالرصاص. كان هناك  عضو ثان بمجلس الثورة لم يكن معروفا لدى السلطات الليبية/ مصرية هو الراحل محمد محجوب عثمان فنجا من الاحتجاز وقفل عائدا من حيث اتى.

حوالي الثالثة بعد ظهر 22 يوليو كنت فى طريقي الى البيت ببري اللاماب وفجأة سمعت دويا شديدا ويبدوا انها مدفع حاولت الرجوع فاذا احد ضباط الشرطة من رئاسة الداخلية ينصحني ان اواصل الى المنزل فلما سألته ما الخبر كان رده متشائما وختم انشاء الله خير بس احسن دلوقت تطمئن على اولادك.

وانا اقترب من منزلي سمعت الراديو يذيع ان هناك محاولات لضرب الثورة مستعينين بقوى خارجية..وعند وصولي البيت وجدت جمعا صغيرا من الناس قلقين يتساءلون عن الاخبار فلما اقتربت جاؤوا الي متسائلين فاخيرتهم بما اذيع فى الراديو واضفت ( ما بالضرورة تكون مع هاشم العطا ولكن اذا فى تدخل اجنبي لازم نقاتل العدو وبعدين زيتنا فى بيتنا ) قطع حماس الناس شيخ صورته مألوفة بقوله( دا زول شيوعي وهم العاملين الانقلاب دا وهسي نميري راجع ما عنكم كلام زحفوا يا جماعة نسلم الزول دا للبوليس لإنو زعيم الشيوعية هنا) فقاطعه جملة من الشباب وسخروا منه وانفضوا وذهبت الى منزلي فنادانى د. عابدين من فوق السور ثم جاءني وهو قلق يتحسس نظاراته بقلق (ما قلت ليك يا اخى المسألة خطرة وحركة هاشم العطا كان لازم يسبقها تعبئة لكادر وشباب الحزب والديموقراطيين عشان يكونوا مستعدين ويتسلحوا ويدافعوا ضد اليمين الذى لن يتردد فى ذبح الشيوعيين زي ما حدث فى اندونيسيا) حاورته بان الانقلاب لا يمكن ان يكشف عن نفسه بالتعبئة المسبقة ولكن اوافقك لو انتظر الضباط الاحرار تحرك جماهيري واسع وقاموا بتحريض عضويتهم لتنحاز للجماهير وتدافع عنها فيتحول الامر الى انتفاضة يصعب على اليمين مواجهتها ولكن دعنا الآن نفكر فى موضوع التدخل. رد د. عابدين بطريقته المتشائمة....يا اخى انا خايف تكون القصة دى فشلت ويكون دا انقلاب مضاد..وربك يستر. ثم انتبه  وقال لي بالمناسبة ( الزول اللى اتعرض ليك برة دا العمدة(××× ) - وذكر لي اسمه - هو طبعا حاقد من ايام الغاء الادارة الاهلية ونشاط ودور القوى الاشتراكية بالبرارى).

فى مساء نفس اليوم اعتقلنا د. عابدين وانا وآخرين بواسطة شرطة نقطة اللاماب ولعدم وجود مكان لاحتجازنا وجه الضابط النوبتجى بالقسم الشرقي شرطة اللاماب بان يدعنا نقضى الليل فى بيوتنا ونسلم انفسنا صباح اليوم النالى. فى الايام التالية وبعد عودة نميرى منتصرا وهائجا كالثور فى مخزن الخزف كان الجو شديد التوتر ومشحون برائحة الدم. تهديدات نميرى المتخمة بالكراهية والحاضة والمحرضة ضد الشيوعيين، ثم تسليم القذافى لكل من الشهيدين بابكر النور وفاروق حمدنا الله واقتيادهما الى معسكر الشجرة. بدأ ليل طويل مظلم ينيخ بأعجازه وكلكله ليخيم على السودان لتبدأ الردة الحقيقية بانتصار الثورة المضادة اليمينية فى السودان وبمساندة قوية من الاستخبارات الاقليمية من الجيران (انور السادات) متحالفة مع الاستخبارات الدولية وتبدأ مراجعة تركيبة الشعب السوداني وقواه الحديثة والتقدمية ودراستها تمهيدا لتطويع كل الظروف لفرض نظام دموي شمولي يكسر شوكة وجذوة الميل الطبيعي للنهضة والثورة بغية التغيير والانعتاق للشعب السوداني من براثن التبعية.