19 يوليو 1971 وبدعة المحاكم العسكرية الايجازية

أحمد الفاضل هلال

تأتي الذكرى السادسة والأربعين لحركة 19/يوليو/1971م ليس فقط لتوقظ مجدداً الصدمة وأحزان معتقة من الماضي   فلا زالت بلادنا تعيش تلك الحالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي. وممارسة الاقصاء الممنهج والانفراد بصناعة القرار ولا زالت تتصدر قضايا الديمقراطية والحريات والاعتراف بالتنوع والتعدد وايقاف الحرب ومكافحة الفقر تحتل مكان الصدارة في سلم أولويات الصراع السياسي والاجتماعي في الدعوة للتغيير وافساح المجال للقوى الاجتماعية الجديدة التي تشكلت في رحم الواقع الجديد الذي اهتزت فيه الكثير من المعايير.

ولا شك ان الاصلاح الدستوري والقانوني ينطرحان بشكل حاد وجاد في هذا الظرف البالغ الحساسية من تطور بلادنا نحو مجتمع يقوم على حكم القانون والمؤسسات وهذا الاصلاح يعتبر التحدي الحقيقي للنظام الحاكم.

لقد شهدت محاكمات اعضاء حركة 19 يوليو تجاوزات صريحة للقانون الدولي والإنساني، فلقد تمت محاكمة مدنيين في محاكم عسكرية ايجازية وتم الاختيار فيها بشكل انتقائي وحددت لهم مسارات وبل ان بعض الأحكام كانت جاهزة بدون اخذ افادات المتهمين وتوفير الأدلة والشهود في حالات الشهيد جوزيف قرنق والشفيع احمد الشيخ وعبدالخالق محجوب.

إن احالة المتهمين من المدنيين إلى المحاكم العسكرية الايجازية هو انتهاك لمبدأ العدالة من حيث توفير الفرص للمتهم في الدفاع عن نفسه وتوكيل من ينوب عنه في الدفاع. ولا يمكن القول بأن المحاكم العسكرية هي مستقلة بحكم ان اعضاء المحكمة العسكرية لا يمكن ان يتجاوزوا ما هو مطلوب منهم بحكم التراتيبية والرتب والنظام العسكري وأن قراراتها لا تستأنف كما في حالة المحاكم المدنية.

هذه الصفحة المظلمة والمشحونة بالمظالم ولعنات الضحايا يجب ان تقفل نهائياً. ويجب أن تناضل كل القوى السياسية والمهنية ومنظامت المجتمع المدني لالغاء مثل هذه المحاكم لأنها مثلت ولا زالت تمثل وصمة عار في التاريخ والاستقلالية . وأن الفصل بين السلطات تمثل الضمانة الوحيدة لضمان النزاهة والحياد في اتخاذ القرار.

ويجب أن يمتد نضال كل الشرفاء من القوى الوطنية والديمقراطية أيضاً لالغاء حكم الاعدام حتى يتسق القانون الجنائي مع المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان.

وهذا ليس في قضايا الرأي والضمير ولكن على الإطلاق في أحكام الاعدام. أن الحكم في الأساس المقصود منه الإصلاح والعلاج واعادة الحق ووضع المجرم أيضاً في خط التعافي. إن الحكم في الواقع وفي حصيلته النهائية ليس للتشفي وأخذ الثأر بصورة لا تقل بشاعة. إن الأعمال الشنيعة والبشعة لا تقابل بغريقه الذي يرشك باللبن ترشه بالدم. وهذا لا يعني إطلاقاً التضامن مع الضحايا واهلهم ولقد أثبت التاريخ فشل مقابلة العنف بالعنف المضاد. إن التسامح قد يؤدي إلى انحسار العنف وارتكاب الجرائم وإن الجريمة أيضاً لا يمكن ان تفصل عن المحيط وتأخذ كجزيرة معزولة عن السياق والاجتماعي والاقتصادي والنفسي.

لانريد القول بأننا نريد الانسجام مع القوانين والمواثيق الدولية كجزء من مجاراة الموضة ولكن هنالك حاجة إنسانية لاتخاذ مسارات جديدة ومختلفة في معالجة جرائم الحق الخاص والعام ولكن من منظور يتسامى على المرارات . وفي التجربة السودانية هنالك مقاربة وجنوح للمصالحات والعفو والتصالح وهي ترفض الدية باعتبارها "أكل الدم" هذه الجوديات بين القبائل والمجتمعات السودانية هي ممارسة مبكرة للعدالة الانتقالية وشكل للحقيقة  والمصالحة والتي يتم فيها الاعتراف بالجريمة والندم على ما تم. على العموم لا يمكن أن نبدأ من الفراغ ولنا تاريخ وارث يمكن الاستلهام الايجابي منه وتطويره للمواكبة ولخلق مجتمع أكثر إنسانية من عقلية الثأر والانتقام وكل هذا يتطلب وضع ضوابط ولكن في إطار روح التسامح.

ذكرى 19 يوليو تفتح نافذة قديمة ظلت مفتوحة ولكن يتمكن الزمن وتكرار التجارب المؤلمة من تهوية صدور أصدقاء ومحبي ذلك النفر ناهيك عن الأسر كزوجات وابناء وآباء وأمهات ...الخ. نعم للعفو ولكن لا للنسيان ولا يمكن الإنسان أن يظل إلى الأبد في قاع الأسى يجب أن نطفو على الموجات ولكن لا أحد في هذه الدنيا الواسعة أن يطلب من أسر الشهداء أن ينسوا. هذا كذب وتضليل ولكن الإنسان بمقدوره أن يتجاوز اللحظات الصعبة ولكن الجروح دائماً تفتح في الداخل .ان المصائب في الحياة ليست جامدة وإذا كان أبوك وامك اليوم ففي الغد تواجه مشكلة ابنائك وزوجتك قدرك.

إن أجهزة  المخابرات الغربية تطلق في فترات زمنية مختلفة جزءاً من أسرار أجهزتها وعملياتها غير القانونية ،ولكن في بلادنا كاد أن ينقضي نصف قرن من الزمان ولا يعرف أحد بعد عن أسرار المحاكمات والوصايا وأين دفنوا.؟ إن المسألة لا تتعلق بشهداء 19 يوليو ولكن هنالك انتهاكات جسيمة قد حدثت بعد ذلك التاريخ. يتحتم على الأحياء ان يتحرروا من عقدة الخوف وتأنيب الضمير بأن يكشفوا للشعب ذلك الجزء المخزي الذي أحيط بالكتمان وهذه دعوة لكل شريف للادلاء بما يملك من معلومات وأسرار قد طال زمانها ولكن التاريخ لا ينسى. ولابد من تشكيل رأي عام ضاغط من أجل الكشف عن الأسرار والخفايا ومن تلطخت أيديهم بدماء الضحايا وان كشف الأسرار فيه علاج وشفاء نفسي للشعب والأسر والأصدقاء حتى يتمكن الجميع من مواصلة الحياة العادية.

وفي ذكرى 19 يوليو لابد من التأكيد بأن عملية التغيير السياسي والاجتماعي لايمكن  إلا عبر الديمقراطية وادواتها ووسائلها المختلفة في التداول السلمي الديمقراطي عبر العمل السياسي المثابر ، لأن السياسة لا تقوم على الرغبات والمزاج.

وبغض النظر عن الطرق المختلفة لتقييم حركة 19 يوليو  اوما يدور حولها من جدل إلا انها شكلت فصلاً وانعطافاً في تاريخ الثورة السودانية في الحاجة إلى التغيير وان قادتها وابطالها لا زالوا يسكنون ويعيشون معنا كمشاريع وأحلام وهم مكان التقدير والاعجاب ولهم التجلة ولكل شهداء الثورة السودانية وضحايا التعسف والظلم وان الموتى الحقيقيون هم أؤلئك الذين لم يتركوا أثراً.

ويا دامى العينين والكفين إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل