مابعد19 يوليو... مسيرة واقع مختلف

بقلم/قرشي عوض

تمر علينا ذكرى حركة 19 يوليو 1971م هذا العام وحزبنا يعبر مرحلة مابعد المؤتمر السادس بنصاعةٍ في خطه السياسي،

يزداد بريقها كلما أمعن النظام الطفيلي في تنفيذ برنامجه القائم على إنتاج وإعادة إنتاج التجزئية والإحتراب. فكلما تأثرت فئة من الشعب كانت بعيدة في الماضي بنشاط الطفيلين، انداحت موجة الوعي بخط الحزب السياسي. كأن يتقدم الحزب في جبهة المعارضة بالاشتراك مع آخرين في تأسيس قوى الإجماع الوطني، والشروع في إعادة ترميم منظمات الجماهير ممثلة في النقابات العمالية والإتحادات المهنية وبناء المنظمات الديمقراطية، للدرجة التي نستطيع أن نقول معها:(نحن اجتزنا المحنة...ونحن الليلة أشد ثبات) عكس مايريده لنا المتسكعون على أرصفة السياسة بأن19 يوليو  مجرد(شرف لا ندعيه وتهمة لاننكرها) في إجتزاءٍ يغلفه الغرض لحديث الرفيق التيجاني الطيب من سياقه العام .  

  • تبعيات ماحدث

في تلك الليلة من يوليو عام 1971 (تحرك حلفاء الطبقة العاملة في المؤسسة العسكرية تدفعهم تقديراتهم الذاتية النبيلة لينصبوا متراس فرح جرئٍ يقطعون به الطريق على فلول الرِ دة الظلامية. وإن انكسر المتراس وتشتت حواليه مطر الرصاص الراعف، حينها ركز الشيوعيون والديمقراطيون أقدامهم في رحم الأرض كما تنقز جزوع النخل على ضفتي النهر. لمعوا كما الشهب ، وأضاءوا كما النيازك، وكتبوا وصاياهم الأخيرة بأجسادهم المطوحةِ فوق شرفات هذا العالم كأرق كلمات الحنين لأزمنة مقبلة).

 الحديث بين قوسين ورد في مقدمة كتاب حروف ومقاصل الذي ضم قصائد الرثاء والمدح الذي قيل  عن بسالة الشيوعين وهم يواجهون المحنة، مضافاً إليها بأن(أمثال الرجال الذين تنعيهم هذه القصائد لايعرفون كيف يموتون فحسب، ولكن كيف يموتون وبشرفٍ).

إذا 19 يوليو لم يكن فيها مايُعيِّب ، خاصة أن الشهداء قد(صانوا شرفنا ، وبينهم وبين الموت خطوات) ولكن حديث الرفيق ـ الذي يأخذ منه من يرددونه الجزئية التي تروق لهم ـ يمثل قمة النقاء الثوري، فالرجل يضيف وفي نفس الموضع أن المؤسسات الرسمية في الحزب ممثلة في اللجنة المركزية والمكتب السياسي لم تتخذ قراراً باستلام السلطة عبر عملية عسكرية، ومع ذلك فإن19يوليو قام بها شيوعيون وديمقراطيون. هذه الجزئية من حديث تيجاني التي يتجنبها المروجون العموميون، تعكس أمانة الرجل ودقته في التعامل مع التاريخ وليس تهرب الحزب من مسئوليته تجاه قضية ترتبط به،  بل أن تيجاني ورفاقه هم من تحملوا تبعياتها من ملاحقة وتشريد واختفاء واعتقال ، فالرجل جاء إلى مكتبه في صحيفة(الميدان) بالخرطوم(2)عقب انتفاضة الشعب في الـسادس من ابريل عام1985م من معتقلات النظام، الذي قامت ضده يوليو.

  • مهمة في جنح الظلام

للحزب رجال ونساء بعيدين عن الأضواء، لكن حين تتعمّق في الحفر تصطدم بهم ، هؤلاء هم الذين حولوا أحلام الجنرال إلى كابوس وأبطلوا وهم راود مخابرات المنطقة العربية والعالم الرأسمالي ، في القضاء على الحزب الشيوعي. ففي تلك الليلة حالكة الظلام كما يحكي لنا الزميل/الشفيع الجزولي سعيد في كتابه عن والده كيف تحرك(موتر فيسبا) في جنح الليل لتنفيذ واحد من أخطر التكاليف الحزبية. إعادة تأمين الحزب وانسحابه إلى قواعده الأساسية.  هذه المهمة سماها اجتماع اللجنة المركزية الأول بعد المجزرة وفي ظل المطاردات الوحشية وحملات التحريض ضد الشيوعيين التي فاز بها المخنثين وأشباه الرجال كما تعكس صحافة تلك الايام ، حماية جسد الحزب وتأمين قيادته بالداخل. بدأت المهمة بالتخزين في بيوت أذن الشعب أن تفتح ويذكر فيها اسمه. فنزل الشيوعيون المطلوبون من قبل النظام ضيوفاً معززين مكرمين، ولم يكونوا عبءً عليهم.  فقد ذكر لي أحدهم أن اختفاء الزميل/نقد في منزله كان سبباً في نجاح أولاده في المدارس، كما ذكرت الزميلة/فائزة نقد بأن الرجل أينما حل في المخابئ السرية، وهى بيوت عادية يسكنها سودانيون كان يؤسس حديقة منزلية.

بهذا الايمان بالحياة انتظم أول اجتماع للجنة المركزية.  عنه يقول الزميل الجزولي كنا(10)فخبط تيجاني منضدة أمامه بكلتا يديه، وقال:(نحن الـ(10حانبني الحزب) ويضيف الجزولي لو بحثتم عن تلك التربيز ووجدتموها قطعاً ستجدون أصابع تيجاني محفورة عليها.

  • مقدمة الهجوم

كان اجتماع اللجنة المركزية بداية فعلية لإعادة وتجميع فروع الحزب وخلاياه كأدوات عمل ضرورية لإعادة بناء الحركة الجماهيرية، واستئناف المواجهة مع النظام، والتي توقفت حتى يلملم الزملاء جراحهم الخاصة، وينحنون على جراح بعضهم باللطف والتقبيل وهم يقتسمون الزاد القليل.

 في هذا الوقت كان النظام يمضي خلف الوشايات التي تبرع بها من ساخت ركبهم عند المواجهة، والمتعلقة بسلاح الحزب وعن ما إذا كان في الجريف أو غيرها من احياء الخرطوم، في حين كان الحزب يعمل في الجبهة التي اختارها ورسخها بالشعار الذي اعتمده باكراً(حيث الجماهير منها نتعلم، ولها نُعلَّمُ ).

بعد أقل من عام خفت أوار الكتابات التي سوَّد بها صحف النظام الذين نصبوا أنفسهم خبراء في تصفية الحزب الشيوعي، من رفاق قدامى، وتكنوقراط ومترممين على موائد الشمولية منذ كان فصاعداً. والسبب في بوار بضاعتهم يعود إلى اكتشاف الجماهير العمالية لحقيقة جوهرية، وهي أن الهجوم على الحزب الشيوعي هو مجرد مقدمة للهجوم عليها وأن استهداف الشيوعيين هو استهداف لمصالحها. فالنظام يعلم أن قوة الحزب تكمن في إلتصاقه بالجماهير التي تشكل عصب الاقتصاد السوداني في الميكنة الزراعية والنقل والتصدير، وأن انقطاع أي حلقة في هذا العقد تعني توقف الحياة .

أولى الخطوات في الهجوم كانت تقليص عدد النقابات، التي تأسست بقانون النقابات لعام1948 والذي يعطي أي(30) شخصا الحق في تكوين نقابة فكان عدد النقابات يفوق الـ(200)نقابة ، تم تقليصها لأقل من(42) بدمج فئات تختلف عن بعضها من حيث الوصف الوظيفي في نقابة واحدة ، وذلك بهدف تحجيم الحركة المطلبية الآخذة في التنامي نتيجة اشتداد الأزمة الاقتصادية ، والتي قادت لانفجار الشارع بعد عامين فقط ، بمظاهرات عنيفة هزت أركان النظام(لعبت الجباه الديمقراطية بالمدارس الثانوية بالعاصمة والأقاليم دوراً كبيراً في انتفاضة شعبان1973 وليس صحيحا أنها كانت من صنع الإسلاميين).

 وكان العمل وسط النقابات رغم القوانين التي تحد من امكانياتها وبناء الحركة الجماهيرية وتكوين تجربتها الخاصة مدخلاً أساسياً لانتفاضة مارس ابريل التي أطاحت بالنظام الذي انحرف يميناً كلياً بعد عام1977.  وهو انحراف مُهِدَ له بتنفيذ روشتة البنك الدولي والانخراط في الاحلاف الاقليمية التي تعمل تحت إمرة الامبريالية العالمية مثل مناورات النجم الأسطع واتفاقية الدفاع المشترك .

لم يتوقف استهداف الحركة الجماهيرية المناهضة للتوجهات الاقتصادية الطفيلية واهدار سيادة السودان الوطنية بجعله جزءاً من الترسانة الامريكية في المنطقة بعد انتفاضة مارس ابريل ، اذ رفض المجلس العسكري اعتماد القوى الحديثة في توزيع الدوائر في الانتخابات القادمة ، وقال:(إن تعريف التجمع لها ليس واضحاً ) واعتمد بدلاً عنها دوائر الخريجين،وهى خطوة كانت تعني إبعاد الجماهير التي صنعت الانتفاضة من المشهد السياسي القادم، وعن التجربة التي تكونت خلال صراع تلك الجماهير  طوال عهد مايو، تمهيداً للانقضاض على شعارات الانتفاضة، ومن ضمنها شعار:(لن يحكمنا البنك الدولي) فكانت الآمال معقودة في كل القارة الافريقية أن يقوم السودان بالاستناد إلى زخم الانتفاضة بعدم التوقيع على تلك الروشتة ، حتى تحذوا الدول الأخرى  حذوه ، لكن تلك الآمال خابت بتوقيع الحكومة المنتخبة على تلك الروشتة ،والاستمرار في السياسات القديمة التي ثارت ضدها الجماهير في انتفاضتها العظيمة ، مما خلق نوعاً من عدم الاستقرار السياسي نتيجة الفهم الخاطي للقيادة السياسية للمعادلة الديمقراطية، فكانت الحكومة تريد ديمقراطية بلا نقابات ، وبلا حركة مطلبية وتقض مضجعها، فلم تستجب للمطالب النقابية النابعة من واقع الناس المعاش. فكان الشيوعيون يتقدمون تلك الحركة ويطرحون هموم الناس من مرافعات نواب الحزب داخل الجمعية التأسيسية وندوات الحزب الجماهيرية .

كان تحقيق الاستقرار يتطلب أمران لاثالث لهما، أما الاستجابة للمطالب الشعبية بالتراجع عن  إملاءات صندوق النقد الدولي، أو أن تقوم القوة الطفيلية المستفيدة من هذا التوجه الاقتصادي بأحكام قبضتها على الأوضاع بمصادرة الديمقراطية . وقد نجح الخيار الثاني فقامت الجبهة الإسلامية بإنقلابها العسكري. وبعد أن انجلى غبار التضليل وتغبيش الوعي باسم الدين، ظهرت الحقيقة التي لايختلف حولها اثنان وهى أن القوى التي تسيطر على السلطة هى الرأسمالية الطفيلية متسربلة بالإسلام،  وأن مصالحها تتعارض مع التنمية، وأنها لا تستطيع أن تنتج سلطتها وتعيد إنتاجها إلا في إطار من التجزئية والاحتراب، مما يعتبر رد اعتبار شعبي لبرنامج وتوجهات الحزب الشيوعي، والتي أخذ تأثيرها ينداح حتى بلغ مرافئ الحزب الحاكم فظهرت أصوات تتحدث عن طهر الشيوعيين واستقامتهم السياسية والخلقية. فهل ذهبت تلك الدماء الغالية وتلك التضحيات الجسيمة هباءاً منثوراً.

 أفلا يحق للشيوعيين أن يرددوا في ذكرى يوليو مع صناجة الشعب وحادي ركبهم محجوب شريف:(الشعب بقرر مين الحي والميت مين ) لقد ذهب شهداء يوليو يلفهم البهاء في ميعة الصبا، في حين انتهى الأمر بالجلادين ملاحقين في عواصم الجوار ومطلوبين للمثول أمام العدالة .

 كما أوقفت بعضهم شرطة مكافحة المخدرات في بعض العواصم العربية ، مما جعل فاطمة تقول لأحد رجال الأمن وهو يحاول منعها من السفر بمطار الخرطوم دون أن تفتري عليه الكذب:( إنت كلب حراسة لدولة رئيسها صعلوك ، ونائب رئيسها تاجر مخدرات).

 كما انتهى الحال بالذين ناصروهم من قدامى الرفاق إلى أن يصبحوا نزلاء السجون بتهمة الشيكات "الطايرة" والمرتدة سبحان الله ، مين الحي ، والميت مين.