شهادات هامة حول تنفيذ إنقلاب 19 يوليو 1971

الملازم ثاني مدني علي مدني احد منفذي انقلاب 19 يوليو

شهادة الضابط مدني علي مدني:ـ

الميدان : بتصرف

ما تزال وقائع التاسع عشر من يوليو عام 1971 يكتنفها الغموض وتحوم حولها الأسئلة ويجتهد المهتمون والمحللون على تفكيك شفرات وقائعها، كلما أطلت ذكرى جديدة للحدث الذي هزً سكون الأحداث السياسية في السودان.

وقد شغلت الجزئية المتعلقة بدور الحزب الشيوعي السوداني في حركة 19 يوليو، الكثيرين من أولئك المتعاطفين والمشايعين للحزب جنباً لجنب مع أعدائه والمتقاطعة قناعاتهم الفكرية والسياسية معه على حد سواء، تأتي أهمية هذه الجزئية نسبة لأن الأفكار والمبادئ الماركسية الأساسية للحزب الشيوعي السوداني، لا تؤمن مطلقاً بالانقلابات العسكرية كوسيلة للوصول للسلطة، بقدر إيمان الحزب الأكيد بضرورة أن يأتي أي تغيير لبنية السلطة السياسية عن طريق العمل الدؤوب والصبور في أوساط الجماهير التي تسعى هي بنفسها نحو دفة القيادة السياسية عن طريق قناعاتها بضرورة تغيير المزاج العام للشارع الساسي في السودان، والانتصار للبرنامج السياسي المتقاطع مع كافة البرامج السياسية الأخرى للقوى السياسية المتنافسة على مقاعد السلطة، حيث رسخ الحزب الشيوعي السوداني، ومنذ مؤتمراته الأولى مبادئه وقناعاته الأساسية حول مواقفه من الديمقراطية الليبرالية وإمكانية الوصول للسلطة عن طريق صناديق الانتخابات، حيث ترسخت هذه القناعة بالممارسة على أرض الواقع، خاصة في منتصف ستينات القرن الماضي عندما هددت شعاراته وبرنامجه السياسي معاً مواقع القوى السياسية التقليدية التي ارتجفت أوصالها، وعملت على فبركة الحادث الذي أدى لحل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية في محاولة ثبت فشلها فيما بعد بإقصاء الحزب الشيوعي عن الحياة السياسية في السودان.

نبرز اليوم شهادة ضابطين مهمين من المنفذين المباشرين للانقلاب في 19  يوليو، وهما ضمن عضوية تنظيم الضباط الأحرار الذي اتخذ قرار التنفيذ بعد أن صوتت غالبية عضويته على ذلك، وبنتيجة هذا التصويت كان على كافة الضباط المنضوين في عضويته الالتزام بهذا القرار والعمل على نجاحه. ونقدم في هذا الجزء شهادة الضابط مدني علي مدني على أن نقدم في الجزء الثاني شهادة الضابط عمر وقيع الله.

الضابط مدني علي مدني كان قد تخرج حديثاً من الكلية الحربية برتبة ملازم ثان وتم اعتقاله في أعقاب فشل الانقلاب وقُدم لمحكمة عسكرية إيجازية قضت بإعدامه بعد أن أدانته بالاشتراك في تنفيذ الانقلاب، وقد تم تخفيف الحكم عليه فيما بعد بالسجن لمدة 15 عاماً سجناً قضى منها نحواً من سبع سنوات قبل أن يطلق سراحه:ـ

انا من الضباط الذين اشتركوا في حركة 19 يوليو. وأقول بكل الصراحة والشفافية، أنه ليست هنالك أي علاقة للحزب الشيوعي بما حدث نهار 19 يوليو 1971، لا من قريب ولا من بعيد. صحيح أن هنالك ضباط شيوعيين اشتركوا في قيادة الحركة . ولكن، ليس من موقعهم التنظيمي داخل الحزب الشيوعي، بل، من موقعهم كأعضاء داخل تنظيم الضباط الأحرار، الذي أقر، وبالاغلبية المطلقة، تغيير نظام مايو بالقوة العسكرية لظروف ومعطيات كانوا يعرفونها هم. حيث أن العسكريين الشيوعيين المنضوين تحت لواء الضباط الاحرار، تحكمهم لائحة ودستور التنظيم وليس الحزب.

الحزب كان يعلم أن تنظيم الضباط الأحرار قد قرر تغيير النظام بالقوة. ولكنه، كحزب، لم يخطط ولم يشارك في تنفيذ الحركة. كما أنه لا يستطيع أن يمنع الضباط المنتمين له من المشاركة، هذه علاقة قد لا يفهمها المدنيون ولكنها بالنسبة لنا، نحن العسكريين، واضحة ولا تحتاج لشرح. الحركة طرحت شعار (سلطة الجبهة الوطنية الديموقراطية) وتلاقت مع الحزب الشيوعي في هذا الطرح وساندها ولكن بعد وقوعها فعلا وليس قبله. إذن، ما المانع في مساندة حركة طرحت نفس البرنامج الذي كنت أنت اصلا تتبناه؟. لذلك قال الشيوعيون: إن ما ما حدث،  شرف لا ندعيه ولا تهمة ننكرها. وقد صدقوا في ذلك مثلما صدقوا قبلها في تأييدهم لمايو عندما قالوا أنها حركة برجوازية صغيرة لا يجب تركها وحدها ولا الارتماء فيها بالكلية. هذا تاريخ ستعود إليه الأجيال جيلاً إثر جيل وعلينا نحن الآباء أن نسلم أبناءنا تاريخاً ناصع البياض.

طلبوا من الحزب الشيوعي الموافقة على تنفيذ الانقلاب ولكن الحزب رفض ذلك وبقوة. فاضطر الضباط الشيوعيون الانصياع لقرار التنظيم ، الذي كانوا قد اقسموا على أن يكون الولاء له، رغم إن الشهيد عبد الخالق قد خرج من المعتقل بتدبيرهم وكان تحت حمايتهم حتى قبيل ساعة الصفر بقليل، إلا أنه رفض، وفي عناد، الموافقة على تنفيذ الانقلاب باسم الحزب وعلى العسكريين، وحدهم، تحمل تبعات ما سيحدث دون إقحام اسم الحزب في ذلك. لأنه كان قد اجتمع مع أعضاء المكتب السياسي قبل الانقلاب بيوم وقال : ( إنه سيطرح المسألة على الحزب وهو كسكرتير عام، ليس لديه السلطة ولا الخيار في أن يوافق أو يرفض ). واجتمع فعلا مع رفاقه تحت حماية وتأمين العسكريين المنظمين في الحزب ثم عاد ليقول أن الحزب، ليس فقط لا يوافق، إنما يرفض جملة وتفصيلاً، القيام بمثل هذه المغامرة.

الشهيد عبد الخالق قال لنا إن الحزب يرفض، جملة وتفصيلاً، الضلوع، كحزب شيوعي، في هذه الحركة. وعلى الضباط الشيوعيين مطلق الحرية في المشاركة مع زملائهم إن أرادوا أو لا. ولما كان العسكريون ملتزمين بقرارات التنظيم، كان لا مفر من المشاركة. بل وقرروا أن يكونوا رأس الرمح حتى يضمنوا نجاح الانقلاب كي لا يحدث أي تراخي أو اختراق. وقد كان. الحركة طرحت (سلطة الجبهة الوطنية الديموقراطية) وهو نفس الشعار المطروح من جانب الحزب. وقد نجحت الحركة. ماذا يفعل الشيوعيون في هذه الحالة؟ هل يقفوا متفرجين أم يدافعوا عن شعارهم الذي رفع ويعملوا على تحقيقه؟ كان لا بد من الوقوف مع من رفع لك شعارك.

العسكريون، بحكم ولائهم للتنظيم - كما أسلفت - انحازوا لاخوانهم أعضاء التنظيم بعد التصويت الذي تم داخل التنظيم حول العمل على استلام السلطة بالقوة العسكرية عن طريق الانقلاب أم لا، وبالفعل جاءت نتيجة التصويت لصالح الانقلاب، إذا قرر التنظيم فعل شيء وخضع هذا الشيء للنقاش وطرح للتصويت كما بينت، وقد أدى جميع الأعضاء، شيوعيين وغيرهم، قسم الولاء على ذلك. وإلا، كان يمكن أن يكونوا تنظيماً منفصلاً يكون تابعاً برمته للحزب الشيوعي، مثلما فعل القوميون العرب بتنظيمهم لـ (أحرار مايو) الذي اخترقناه وعملنا فيه منذ تكوينه وحتى يوم تنفيذ حركتنا. حين قرر التنظيم تغيير النظام بالقوة، لم يكن للضباط الشيوعيين الخيار. إما المشاركة أو الخروج من التنظيم نهائياً. وهذا طبعاً لا يمكن بأي حال من الأحوال. بل هو الخيانة بعينها. طلب الضباط الشيوعيون رأي الحزب احتراما لعضويتهم فيه وتنويراً لقيادته وضمان المساندة عند نجاح الحركة. لو فشلت الحركة قبل التحرك واحبطت في مهدها، هل هناك من كان في استطاعته أن يلوم الحزب الشيوعي أو يتهم قيادته بالضلوع في إنقلاب؟ هل وجدوا وثائق مع الضباط أو اعترف أي واحد منهم أن الحزب الشيوعي كان وراء هذه الحركة؟ كل ما حدث، أن الحزب ساند الحركة، بعد وقوعها ونجاحها - وليس قبله - لأنها طرحت شعاره وبرنامجه. المساندة القوية للحركة من جانب الحزب منذ الوهلة الأولى، هي التي خيلت للناس أن الحزب كان وراء هذه الحركة. أقول هذا القول، والشهيد أحمد جبارة وشخصي، كنا أقرب ضابطين للشهيد المقدم عثمان حاج حسين (آب شيبة) قائد الحرس الجمهوري والمخطط الفعلي مع الرائد هاشم العطا والعقيد عبد المنعم محمد أحمد (الهاموش).

أصبح بذلك الانقلاب  واقعاً بعد أن تم تنوير عدد من الضباط والصف والجنود التابعين للتنظيم، بقرار تغيير النظام بالقوة. فأصبح من العبث، بل والمخاطرة، التراجع عن قرار كان قد اتخذ سلفا من جانب (تنظيم الضباط وصف الضباط والجنود الأحرار) وهذا هو اسم التنظيم كاملاً الذي قام بالعملية، وكان عدد الشيوعيين الذين شاركوا فيه 10 من مجموع أكثر من 60 ضابطا لا صلة لهم بالحزب الشيوعي ولا سلطان له عليهم.

أن الجماهير التي خرجت منذ الوهلة الأولى، سبقت الحزب نفسه. لماذا؟ أولا، كان كل الشيوعيين يعرفون أن الرائد هاشم العطا، ينتمي للحزب الشيوعي. حتى الذين لم يكونوا على علم بهذه الحقيقة، فقد رسخها في أذهانهم نميري نفسه بعد أن أقال هاشم ورفيقيه بابكر النور وفاروق حمدالله. وكنت قد قلت، أيضاً، إننا طلبنا من هاشم ألا يذيع البيان بنفسه تحسباً من الذي حدث. ثم إن بيان هاشم اشتمل في فقرات كثيرة منه على برنامج الحزب الشيوعي المطروح والذي تعرفه جماهيره بما في ذلك (سلطة الجبهة الوطنية الديموقراطية).ظنت هذه الجماهير أن حزبها، إذن، وراء هذه الحركة. فخرجت إلى الشارع بلافتاتها وشعاراتها مؤيدة ومندفعة بلا تحفظ. ماذا يملك الحزب إزاء هكذا فعل؟ هل يمسك عصا يعيد بها جماهيره إلى بيوتهم كما تعاد الأغنام إلى زريبتها؟ وأظن - وهذا رأيي الشخصي ولم يقل به أحد - أن هاشم حين أصر على إذاعة البيان بنفسه، إنما كان يريد أن يضع الحزب أمام جماهيره. فطالما أن الحزب الرسمي رفض تأييده، فلا بد من الرجوع إلى الجماهير لاستفتائها. وهل الحزب إلا جماهيره؟ هنا اضطر الحزب الرسمي اضطرارا إلى اللحاق بالحركة قبل أن تتطرف وينحرف مسارها. فالعسكريون مهما كانوا سياسيين، فهم لم يحترفوا السياسة. وجود الحزب، الذي خرجت جماهيره كلها مؤيدة، كان لا بد من وجوده على الساحة لكبح جماح هذه الجماهير وترشيد تأييدها حتى لا يخرج من سياقه. وجود الحزب، يجعل الجماهير في انتظار ما تريد أن تفعله القيادة. نحن، كعسكريين ، لم نقم بانقلاب عسكري تقليدي الهدف منه البقاء في السلطة، والترقيات الاستثنائية، التي عارضناها حتى عندما قامت بها مايو لأنها تخل بالضبط والربط الذي هو عصب العسكرية وعمودها الفقري، لذلك لم نسمي مجلسنا ب (مجلس قيادة الثورة) لأن الثورة إنما تقودها هذه الجماهير التي خرجت لتاييدنا. ولم نقل انها ثورة جديدة ولكن قلنا نريد أن تعود الثورة لمبادئها الأولى التي أعلنتها صبيحة 25 مايو 1969 والتفت، على أساسها، الجماهير حول الثورة. كان غرضنا أن تتسلم سلطة الجبهة الوطنية الديموقراطية إدارة الحكم في البلاد ومن ثم الرجوع إلى ثكناتنا. حتى الحكومة التي تم ترشيحها لتتولى مرحلة الانتقال لم تكن تضم غير قلة قليلة جدآ من الشيوعيين بصفتهم أحد فصائل الجبهة العريضة. انا لست كادرا حزبيا قياديا حتى يسالني الناس كيف ولماذا وأين ومتى.؟ ولكنني ذكرت الوقائع بكل تجرد وأمانة. وقلت، فيما قلت، من أراد أن يصدق فانعم وأكرم، ومن أراد أن يكذب، فليات بادلته ويفند اقوالي بالأدلة والبراهين.لو وجدت سلطة مايو دليلا واحدا أو شاهدا ولو من الجنود، ناهيك عن الضباط ، لما توانت أجهزة إعلامه، كلها ، في عرضه على الشعب ليدين، وعلى رؤوس الاشهاد ، مسؤولية الحزب الشيوعي فيما جرى. نحن، كتنظيم للضباط والصف ضباط والجنود الأحرار ، نتحمل، وللتاريخ ، أي عمل قمنا به سواء كان خطأ أو صواباً. وجلسنا مع بعضتا البعض، داخل السجون وخارجها، ونقدنا أنفسنا وحللنا الأسباب التي أدت إلى انتكاسة حركتنا. وأعود واكرر القول، أن تنظيم الضباط الأحرار ليس كله شيوعيين حتى ينصاع لأوامر ولوائح ودستور الحزب. هو تنظيم يضم كل القوى الوطنية ذات المصلحة في الثورة، وأن قراراته واجبة التنفيذ من كل أعضائه، وأن الضباط الشيوعيين الملتزمون لم يكونوا الأغلبية فيه، وأن قرارات التنظيم واجبة الاحترام والتنفيذ بعد إخضاعها للنقاش الطويل وتقييمها من نواحي عسكرية وسياسية وإقليمية ودولية ثم طرحها للتصويت الذي تكون نتيجته ملزمة للجميع. لو كان الحزب الشيوعي يريد انشاء تنظيم منفرداً، لما عجز عن ذلك. ولكنه لم يفعل ولم يمنع منسوبيه من العسكريين من الانخراط في التنظيمات الثورية التي تعمل لصالح الجماهير. حتى لو رفض الضباط الشيوعيون تغيير النظام بالقوة، لما استطاعوا فعل شيء إلا أن يشوا بزملائهم ويفشوا اسرارهم للسلطة وحينها يكون على الرجولة والكرامة والشهامة السلام. وقلت، أيضاً ، حين قرر التنظيم تغيير النظام بالقوة، فقد ارتضى الشيوعيون أن يكونوا رأس الرمح فيه لضمان نجاحه لأنهم كانوا في وحدات عسكرية هي الأقدر على القيام بهذه المهمة. وقد كانوا على العهد ونجحوا. ولكن تكالبت عليهم استخبارات الدنيا كلها، لا سيما المصرية والسعودية والليبية والبريطانية، زائدا الاخطاء العسكرية القاتلة، مما أدى إلى انتكاسة الحركة. هذا كل ما حدث. قلت أشياء سمعتها ورايتها وشاركت فيها. أي شيء يتعلق بالحزب الشيوعي، خلاف ما قلته انا هنا، فلست مسؤولا عنه ولا ينبغي لي.

 هذه كلمتي للتاريخ وقد شارفت الآن على السبعين عاماً من عمري. صدقها من صدقها وكذبها من كذبها...والله على ما أقول شهيد.