19يوليو المعلم البارز في مسيرة الثورة السودانية

الوضع داخل الحزب والموقف من الجيش 19 يوليو

بقلم/ فتحي الفضل

"هذا جزء من دراسة"

إن الدراسة المتأنية لتاريخ الحزب تؤكد أن الصراع حول نشاط الحزب وخطه الثوري ظل مستمراً منذ بدايات الحزب إلى يومنا هذا، لكنا في هذا المجال سنركز على الفترة(63 ـــ 71).

منذ طرح الأفكار التي نادت بعدم العمل المستقل للحزب وسط الجماهير وإلى اندماجه في أحزاب البرجوازية، تعرض حزبنا للعديد من الهزات على كل المستويات القيادي منها والقاعدي، القضية الأساسية التي ظل الاتجاه الثوري يطرحها بشدة منذ بداية الصراع هي تطوير أداء الحزب بتحسين التكوين الشيوعي لأعضاء الحزب وإبتداع الأساليب العصرية والعلمية، لقد جاء في تقرير اللجنة المركزية في يناير1963 ما يلي:( يجب أن نهتم بالتكوين اللينيني للأعضاء ونساعد تكوينهم الأيدولوجي، خاصة في المسلك إزاء الجماهير)"من الجماهير وإليها، نعلم الجماهير ونتعلم منها" والخط الجماهيري لحزبنا يستند على القاعدة العامة "حيث الجماهير ومن الجماهير وإليها، نعلِّمُ الجماهير ونتعلَّم منها" ويبدو أن تقرير"إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير" والذي صدر في عام63 قد كان من ضمن أسباب صدوره ومناقشته ظهور بعض التيارات داخل الحزب قاعدة وقيادة، والتي انهكها النضال اليومي "الصبور والدؤوب" من الهروب إلى الأمام وتبني أسلوب الكفاح المسلح.

كان لهزيمة التيار اليساري المتطرف ومن بعد انتصار ثورة أكتوبر ثم هزيمتها على أيدي الأحزاب التقليدية خاصة حزب الأمة، أن بدأت بعض القيادات داخل الحزب تبحث عن طريق آخر لهزيمة الرجعية. ويبدو انتصار خط الحزب الثوري برفع شعار:(الإضراب السياسي العام) وإسقاط حكم الطغمة العسكرية قد جنب العديد من المناضلين إلى صفوف الحزب. وكما تشير وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية، فقد كان من المهم أن تتحول هذه العناصر إلى عناصر شيوعية حقاً. لا تقتنع بالبرنامج السياسي للحزب الشيوعي فقط، بل يجري في تكوينها الفكري على أساس الماركسية، وتشير الوثيقة إلى أن "ظاهرة تساقط عدد من كادر الحزب وقتها، وفي قطاع قيادي مهم مثل اللجنة المركزية، يجد تفسيراً له في هذا الواقع أيضاً مع العوامل الأخرى. إن قدرة حزبنا على رفع لواء الماركسية في داخله ووحدة تفكيره. لا على أساس البرنامج السياسي وحسب، بل على الأساس الأيدولجي، ستظل مهمة أساسية باستمرار إذا كان لنا أن نقدم للجماهير الثورية حزباً قادراً على قيادة الثورة الاجتماعية.

وهكذا فإن القضية الأساسية في تربية الكادر هي التأهيل الايدولوجي، في كل الأوقات وفي جميع المنحنيات والمنعطفات التاريخية. ونسبة القصور الذاتي للحزب الذي انعكس سلباً على الطبقة العامة، والفشل في تأهيل الطبقة العاملة لقيادة التحالف العريض الذي أسقط نظام عبود "لم يعد من الممكن سير الحركة الثورية بتطلعات أكتوبر"وهكذا استمرت الحركة الجماهيرية والحزب في طريق متعرج في نضالها من أجل "شق الطريق الديمقراطي الجديد وضد قوى اليمين. وفي خلال هذا الصراع استطاعت الثورة المضادة أن تحتكر السلطة مرة أخرى.

وبعد المؤتمر الرابع صدرت الوثيقة الرابعة و"القديمة الحديثة" في سبيل تحسين العمل القيادي، بعد عام من المؤتمر الرابع. وقد صدرت هذه الوثيقة بعد التجارب المريرة التي ما أضرت بالحزب وقيادته منذ سنوات بداية الستينات. ففي تلك الفترة وما تلاها تعرض الحزب للملاحقة والاضطهاد، وعانت قيادته من التشريد والسجن والاعتقال. زد إلى ذلك عملية الانقسام التي قادها يوسف عبد المجيد وزميله أحمد الشامي، والتي أدت إلى المزيد من تشتيت الجهود وإنهاك القيادة بمحاصرة الانقسام وهزيمته وأعقب ذلك إنتصار ثورة اكتوبر المؤقت وهزيمتها على يد القوى الرجعية ثم المؤتمر التداولي في الجريف الذي دفع بقيادات المنظمات الجماهيرية إلى اللجنة المركزية للحزب. ويمكننا القول:إن انتصار ثورة اكتوبر تحت قيادة البرجوازية الصغيرة المتمثلة في جبهة الهيئات قد كان أحد الأسباب الذي قعد بتلك الثورة من أن تصل نهايتها أي بإنهاء التحول الديمقراطي وتنفيذ مهام المرحلة الوطنية الديمقراطية. "تشير الوثيقة بعد أن تتعرض لدور الحزب في النضال من أجل الاستقلال ودوره في فترة الديمقراطية الأولى من بعد في مقاومة دكتاتورية عبود وثورة أكتوبر إلى أن الحزب لم ينجح في التأثير على الجماهير" لأن المعارك اليومية لا يمكن أن تعوض الحزب الشيوعي عن وجود نظرية للعمل الثوري، التي تتخذ أهمية قصوى في حل مشاكل العمل القيادي.على ضوئها يعرف ما يراد من تطور في قيادة الحزب الشيوعي. ويختفي الغموض، ويخرج الإحساس بأهمية التغير إلى رحاب التنفيذ، وتصبح قضية تطوير العمل القيادي مسألة ثابتة في جدول أعمالنا لا مجرد مشاريع متقطعة تظهر حيناً وتختفي.

وهكذا استمر السجال داخل الحزب وبشكل أكثر جدية في الحلقات القائدة في الحزب، خاصة اللجنة المركزية والمكتب السياسي، ولم تستوعب بعض القيادات أسس التغير في القيادة وتنزيل بعض الزملاء من الكتب السياسي وعدم انتخاب آخرين، وقادوا عمليات التذمر والانخراط في الثرثرة والتكتل والإضراب عن النشاط الحزبي تماماً كما فعل آخرون بعد المؤتمر الخامس، وكأن المناصب القيادية هي ملك لزيد أو عبيد وإنه يمكنك أن تنال هذا المنصب بكل الطرق الممكنة بما في ذلك خرق اللائحة.  من الجانب الآخر وضح الخلاف ليس في القيادة فحسب، بل أن الخلاف هو انعكاس للموقف الطبقي، لأن هناك التناقض بين القوى الاجتماعية والطبقية الجديدة الذي ينضج وعيها الذاتي وتتطلع إلى قيادة جديدة لتقدم البلاد. ولايمكن للحزب أن يقود هذه القوى الديمقراطية "إلا أن يضع نفسه في المستوى الذي يستطيع من فوقه تلبية الحاجات الحقيقية للظروف الجديدة للثورة"، وإلهام الجماهير التي تعيش تلك الظروف وقيادتها بالفعل وحل مشاكلها وبتقديم الردود المقنعة لها في كل ما تتساءل حوله من قضايا سياسية ونظرية وفكرية واقتصادية، وبالطبع هذا التناقض قائم ومظهره واضح في أقسام من الحزب الباحثة عن قيادة ووجود تنظيمات تسير تحت ريادة الفكر الثوري الشيوعي.

وقد بدأت المواقف تتبلور فالعناصر البرجوازية التي تستعجل النتائج وتتأثر أكثر من غيرها بتنفيذ رغباتها الذاتية دون الاهتمام بوضع الجماهير وحركتها، وضعت تصورها ـ عقب الرِّدة لثورة أكتوبر ـ على أساس تجربة يوليو في مصر والخط الجديد "الذي بلورته القيادة السوفيتية "بأهمية دخول القوات المسلحة كعامل حاسم في السياسة السودانية لضرب معاقل الرجعية ومساعدة القوى التقدمية لاستلام السلطة، وكان المقال الشهير للمرحوم/أحمد سليمان هو المنافس لتلك المجموعة، ورغم أن اللجنة المركزية قد حسمت هذه القضية بإدانة التفكير الانقلابي والتوجه نحو حركة الجماهير، إلا أن هذه المجموعة وبالتعاون مع ممثلي شريحة البرجوازية الصغيرة داخل الجيش وبدفع من المخابرات المصرية، ظلت متمسكة بطرحها إلا أن وأتتها الفرصة في 25 مايو1969 فأستلمت السلطة.

وهكذا وقبل أن يتم الحل الجذري لإصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير، وقبل أن تفهم قيادة وقاعدة الحزب وتهضم ما جاء في وثيقة "تحسين العمل القيادي" دخل السودان والحزب فترة جديدة من النشاط السياسي. إذ استلمت شريحة البرجوازية الصغيرة الحكم، وبالتالي فُرضت على الحزب والحركة الجماهيرية مهام إضافية وجديدة. وفي مقدمة تلك المهام الدفاع عن الحكم الجديد وتغطية وتأمين ظهره، المشاركة في السلطة التنفيذية، على حسب اختيار "مجلس الثورة" وليس باختيار الحزب. ومن الجهة الأخرى طرحت قيادة الحزب ـ رغم تحفظ بعض القياديين ـ مسألة تحويل الانقلاب العسكري إلى ثورة شعبية وبشكل أساسي استقلال الحزب والمنظمات الجماهيرية ومشاركتها حسب أرضيتها وقراراتها المستقلة.

ورغم أن تأييد الانقلاب العسكري داخل قيادة الحزب قد نال الإجماع، إلا ان كيفية التعامل معه وتفسير مسألة تحويل الانقلاب إلى ثورة شعبية "لم تحظ بذلك الإجماع". ومنذ البداية بدأ الخلاف واضحاً، فقد رفضت أجزاء من القيادة مسألة الانصياع لقرار مجلس الثورة بتعيين الوزراء الشيوعيين، وطالبت بعدم تنفيذ ذلك القرار، وقد كان للشهيد/عبد الخالق محجوب موقفه الواضح في هذا المجال إذ اعتبره تدخلاً فظاً في الشئون الداخلية وعملية إتخاذ القرار الحزبي، ودعا لعدم الامتثال وقبول هذه الطريقة في التعامل. وأشار إلى أن القبول بها سيفتح الطريق لمزيد من التدخل في الشئون الحزبية ومحاولة التأثير على القرار الحزبي، وبالتالي استقلال الحزب.

وهكذا منذ الأيام الأولى وضح الخلاف داخل قيادة الحزب، وبرز إلى السطح معسكران، أحدهما ينادي بالموقف المستقل وآخر يطالب التهدئة وعدم إحراج السلطة. وبالطبع كان الموقفان يعبران عن الطبيعة الطبقية لمن يقود الثورة الوطنية الديمقراطية، وما هو دور الطبقات؟ وهل هو تحالف أم ذوبان؟ وما هو دور الحزب الشيوعي المستقل؟ وبصورة أو بأخرى استمرار لنفس الصراع الذي بدأت بذوره تظهر قبيل ثورة أكتوبر وبعدها.

وإنعكس هذا الصراع الذي بدأ داخل الحزب على الشارع السياسي.. مؤسسات نظام مايو والمنظمات الجماهيرية، بل وصل هذا الصراع ذروته في اجتماعات "مجلس قيادة الثورة" وتبادل الاتهامات بتسريب مناقشات وقرارات ذلك المجلس إلى الخارج وبوجه الخصوص إلى قيادة الحزب الشيوعي، وضح أن بعض أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي ومن كانت لهم صلات مع جماعة القوميين العرب، خاصة أبو القاسم محمد إبراهيم، وفي جلسات الأنس والونسة التي تضمهم كثيراً ما تناولوا القضايا السياسية وتبادل المعلومات، ويبدو أن المتشددين من القوميين العرب قد نجحوا في استقطاب بعض أعضاء القيادة في الحزب. هذه الخطوة التي انعكست سلباً على موقف العسكريين الثلاث الشهداء بابكر النور وهاشم العطا وفاروق حمدالله ، حيث أصبح هذا الثالوث أكثر حذراً في التعامل مع قيادة الحزب كمجموعة، بل فضل بعضهم التعامل مع أشخاص بعينها في القيادة من أؤلئك الذين لا زالوا يعبرون عن مواقف الحزب الحقيقية ولا تربطهم أي صلات مع أعضاء مجلس الثورة، وبالتالي بدأت التحفظات بين اعضاء الحزب الواحد.

من الجانب الآخر وبإيجاز من مجموعة المرحوم/ معاوية سورج بدأ مجلس الثورة في التضييق على قيادة الحزب. وبعدها اعتقال اعضاء من اللجنة المركزية ونفي الشهيد عبد الخالق محجوب إلى مصر. وبعد عودته تحديد إقامته في مزرعة في الباقير إلى إعادة اعتقاله في معسكر الشجرة. ووضح من خلال تلك الخطوات أن مجلس قيادة ثورة مايو يتدخل بشكل فظ في الصراع الدائر داخل الحزب. وكان الاعتقاد السائد لديهم بأن إبعاد الشهيد عبد الخالق واعتقال المرحوم د.عز الدين علي عامر وتضييق الحركة على الراحل نقد وآخرين، سيساعد في هزيمة ما سمى في ذلك الوقت بإتجاه عبدالخالق".

واستمر الصراع داخل الحزب وفي المنظمات الجماهيرية، وبدأ وكأن باللجنة المركزية ثلاث مجموعات، المجموعة الثورية التي أعلنت رفع راية استقلالية الحزب، والمجموعة الثانية، والتي نادت بالتهدئة وعدم استفزاز قادة مايو والوحدة والإتحاد في تنظيم سياسي واحد، وبين المجموعتين وقف بعض أعضاء اللجنة المركزية يمسكون العصا من النصف، وفي أغلب الأحيان لا يشاركون في النقاش الدائر. وبلورت هذه المجموعة موقفها في المؤتمر التداولي في أغسطس 1970م بعدم المشاركة في التصويت على الوثائق،ولكنها أدانت الانقسام الذي قاده معاوية وأحمد سليمان واستمرت في عضوية الحزب.

من القضايا التي لم تحظ بالمناقشة رغم أهميتها، كانت قضية "تحرير الشهيد عبدالخالق" فقد طرحت القضية داخل المكتب السياسي واللجنة المركزية وطلب من بعض الأعضاء تنفيذ ذلك. لكن طالت المدة، وأصبح الوضع خطيراً، خاصة وقد كان هناك الاتهام بأن قيادة مايو تستهدف تصفية الشهيد/عبدالخالق جسدياً بتسميمه. هذا التلكؤ وربما الفشل، دفع بالشهيد عبدالخالق لوضع خطة "تحريره" بنفسه كما جاء في إفادة الزميل محمد إبراهيم ، فشل القيادة في هذه العملية وفشلها المركب في توفير مكان لاستقباله ولاختفائه يشير إلى الضعف الذي أصاب هذه المؤسسة القيادية.

بخروج الشهيد عبدالخالق من معسكر الشجرة، وصلت العلاقة مع مجلس ثورة مايو إلى نقطة اللاعودة، ووضح أن الخلاف لا يمكن حله بالطرق السلمية أو التراضي، والكل يتربص بالآخر. زد إلى ذلك ما تردد من وجود أكثر من محاولة انقلاب داخل القوات المسلحة، وكل ذلك كان يدفع في طريق التحرك العسكري.

وهكذا الحال بدأ الاستعداد الجدي لرد الهجوم من قبل قيادة مايو، ورغم استمرار لجنة الوساطة بين الحزب ومايو، إلا أن اجتماعاتها كانت تعبيراً عن رغبات ذاتية في حل خلاف سياسي مبدئي لا يمكن حله، وأصبحت لقاءات عديمة الفائدة.

السؤال الذي يطرح نفسه دائماً: كيف يمكن تحويل الانقلاب العسكري إلى ثورة شعبية؟ أو حركة شعبية؟

وكما سبق قلنا أن كل المنظمات الجماهيرية كانت قد عقدت مؤتمراتها ـ ما عدا النقابات ـ وتبنت خط الحزب وتعرضت قياداتها للاعتقال والسجن من جراء طرحها الجرئ في الشارع السياسي المناوئ لقيادة مايو.

واجه الحزب ككل الإجابة على هذا السؤال، وأكد الحزب على أهمية تعميق الديمقراطية بإعفاء القوى صاحبة المصلحة في الثورة الحق في التنظيم والتعبير بما في ذلك حق التظاهر والاعتراض على قرارات قيادة مايو طرح الحزب برنامجه قصير المدى للدفاع عن مكاسب الشعب وتدعيم "الخطوات الايجابية التي إتخذتها مايو" ويأتي على رأس ذلك تنفيذ بيان"9 يونيو" حول قضية الجنوب.

هذا التوجه الايجابي من قبل الحزب قابلته قيادة مايو بالعداء الصريح، انعكس ذلك باصرارها على أن كل الأحزاب والمنظمات قد حلت بموجب الأوامر الجمهورية بما في ذلك الحزب الشيوعي . ورغم قبولهم للتفاوض ومشاركة الحزب في الحكم إلا أن ذلك يتم ـ على حسب طرحهم ـ بمبادرات فردية. وقد كان لقرار إبعاد الشهداء بابكر النور وفاروق حمد الله وهاشم العطا من مجلس الثورة أثره في تعميق حدة الخلاف ونقل الصراع إلى الشارع.

ومنذ نوفمبر 1970م وصل الخلاف بين الطرفين إلى ذروته، وبات أن الوقت قد حان لحسمه لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. ونحن نتحدث هنا عن الأطراف العسكرية. صاحبت تلك الخطوة إقصاء أعداد مهولة من الضباط الشيوعيين من القوات المسلحة.

ورغم استمرار نضال الحركة الشعبية ضد خطوات مايو السلبية ومحاولات ضبط النفس من قبل القوى الثورية، باتجاه التصحيح وليس العداء الصريح، إلا أن الرد الذي قدمته قيادة مايو برفضها لمواقف الحركة الجماهيرية، وتصفية العناصر التقدمية والوطنية في القوات المسلحة، كل هذا لعب دوره في تصعيد نقاط الخلاف وتسميم الجو بين الأطراف المتنازعة.

لقد لعبت القيادة المصرية دوراً أساسياً في تلك الفترة في السياسة السودانية وكان من جراء تدخل المخابرات المصرية إثر انقلاب مايو رغم عدم اقتناع بعض قادة الانقلاب، واستمر تدخل الأجهزة المصرية بتشجيع عناصر القوميين العرب والخونة داخل الحزب بالإتحاد معاً وتصفية الحزب الشيوعي. وقد كان لوجود عبدالناصر في قمة نظام الحكم في مصر، أثره في تخفيف حدة التوتر التي سادت في السودان، إلا أنه بوفاة عبدالناصر وهزيمة الاتجاه اليساري داخل الإتحاد الاشتراكي المصري، وإنفراد السادات بالسلطة وتدعيم مواقف القذافي في ليبيا وانقلاب الأسد على مجموعة صلاح جديد "اليسارية" وتكوين حلف طرابلس، أصبحت هذه الأنظمة السند الأساسي لحركة القوميين العرب في السودان المعادية للشيوعية والحزب.

وقد وصل الموقف في السودان إلى نقطة التفجر، وبقى من يتخذ الخطوة الأولى، وهنا تجب الإشارة إلى حوار دار بين بعض قيادات الحزب والتنظيم العسكري. وقد أشار المتحدث باسم العسكريين إلى أهمية تحديد دورهم في عملية تصحيح مسار مايو. واستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية. فباعتبار أن صف الضباط والضباط الثوريين روافد أساسية في الجبهة الديمقراطية، فلهم دوراً مهماً في إنجاز مهامها وتحويل مايو إلى حركة شعبية في تقديري هذه النقطة جديرة بالاعتبار والمناقشة.

من الجانب الآخر وضح أن العلاقة بين قيادة الحزب ـ كمؤسسة ـ والعسكريين لم تكن في مستواها المطلوب، بل ساءت إلى درجات. حيث اتضح أن هناك عدم ثقة وتعاون بين بعض القياديين والعسكريين، أشير فقط إلى رفض الشهيد/الشفيع مقابلة الشهيد/هاشم عقب النداء الذي أذيع بترقب (بيان هاشم العطا) السؤال: لو كان الذي طلب مقابلة الشفيع في ذلك الوقت قبل أي انقلاب هو النميري أو أي عسكري آخر هل كان سيجاب بالرفض؟

المهم يجب أن نتحاور بصدق وديمقراطية حول تلك الفترة الحرجة من تاريخ حزبنا والمسيرة الثورية، كنت أتمنى أن تنال هذه القضية الأساسية نفس الاهتمام الذي نالته أحداث "بيت الضيافة" ولا زالت الفرصة مواتية. يجب التأكد على أن التاريخ  دائماً ليس حكاية المنتصر فقط ، فنحن الشيوعيون يجب علينا الإعتداد بحزبنا وبمنجزاته. والاعتراف بالخطأ بقصد الاستفادة وتطوير أدائنا. فشلنا في تقديم التقييم الواضح في وقته أدى إلى ضياع الفرصة للاستفادة القصوى بما جرى. وتشتت الأراء وفي بعض الأحيان إتخاذ القرارات الخاطئة فيما يخص علاقة الحزب بالقوات المسلحة، وقد أتاح هذا الخطأ للجميع للكتابة عن هذا الحدث العظيم حسب المصالح والتقديرات وفي روايات مختلفة، تماماً كما لـ19 يوليو وعلاقتها بالحزب الشيوعي. وهذا الجزء الذي يبدو غامضاً قد يبتلعه الزمن ويقبره. كما يتمنى البعض. وهنا تبدو أهمية البحث والتنقيب والجري وراء الحقيقة. قد تكون هنا صعوبة خاصة بعد هذه السنوات الطوال. ولكنها مهمة ممكنة وغير مستحيلة.

الشيء الأخير أردنا أو أبينا أنه وفي كل التفسيرات لم يشكك أحد في قيام صف الضباط والضباط الشيوعيين والتقدميين بحركة يوليو، وبالتالي علاقتهم بالحزب فهم منا ونحن منهم، ولا أظن القيام بالحركة بشكل مستقل أو بمعرفة ودراية وموافقة من فياجة الحزب ـ وأنا من أصحاب الرأي الأخير ـ هي القضية الأهم. فلو كان هناك أخطاء يجب الاعتراف بها وتصويبها، وإلا فلنحتفل بالذكرى الـ(42)لحركة يوليو التصحيحية ونحن في طريقنا لإسقاط نظام الرِّدة.