الرواية السودانية آفاق ورؤى تجانس أجيال أم إختلاف رؤى

بوليفونية الخطاب السردي في رواية جمجمتان تطفئان الشمس(2)

اعداد وتقديم/ أبو طالب محمد

 تسعى هذه الورقة لقراءة رواية جمجمتان من خلال تعدد أصواتها السردية، والشاهد على ذلك انفتاح النص على احداثيات واقع السودان المعاصر بكل ما تواجهه من اشكاليات ناتجة من مأزق الحروب،المجاعات، التشرد،

الهجرة والأمراض المزمنة. حيث استوعبت الرواية في خطابها السردي هذه الأزمات وجسدتها عبر وحدات سردية انفردت بطابع الطرح الأيديولوجي مستعينة بذلك بالأساطير والحكايات الشعبية والرسائل والتداعي والأشباح. حيث الكل في الرواية له رسالة وله مآلات أراد أن يفصح عنها، مما جعل الرواية تستند بشكل كبير على مسرح الحدث، وقدمت عبره شخصيات تتحدث عن ماضيها وذكرياتها، والداعي لهذا الكشف العامل النفسي الذي عايشته الشخصيات في معسكرات اللاجئين والنزوح الإجباري، بهذا المفهوم صارت رواية جمجمتان للروائي والقاص منجد باخوس ذات محمولات فكرية ناتجة من مساهمات الفرد في عرض منولوجه الداخلي وتوجيهه للقارئ بأصوات متعددة، وعليه سوف تستند الورقة على ثلاثة محاور رئيسية لإثبات ما تقدم عرضه في جسد النص وهي:البوليفونية و محمول التداعي و توظيف الأشباح.

  • أسلوب الحكايات:-

   أخذ هذا الأسلوب مكاناً كبيراً في بنية النص وتراوحت طريقة سرده بطرق مختلفة نجده داخل بنية النص يحكى بواسطة الراوي العليم مثل طريقته في سرد الحكايات لجورين في الحلم، ويحكي بواسطة شخصية عن نفسها، ويحكي بواسطة بشر لحيوان، وبينهما روابط منطقية في خطاب النص، لأن الشخصيات التي تحكى أو يحكى عنها تعتبر شخصيات تعيش في عالم مشترك من التوهان الكلي والضياع وتعتبر أيضاً شخصيات حولتها الحروب إلى أشلاء قذفت بها في نفق بائس جعلها تستوحي من ماضيها حكاوي بمثابة تحرر من القيود النفسية ويتمثل هذا الأسلوب الحكائي عن شخصية أخرى ترويها(جبرين أجو) تقول:(لا أحد يعلم من أين أتى، ولا أحد يعلم شيئاً عن عائلته ذات مرة وجدته معلقاً نفسه فوق شجرة يتدلى شانقاً نفسه بعمامة طويلة محاولاً الانتحار، دائماً يتشاجر ويتعارك مع السكارى في بيوت الفداديات ينتهي عراكه بضربة أو جرح.. يختفي ويعود كما هو، ودائماً تجده يتحدث عن زوجته وطفلتهما).. بناءاً عليه لاحظ أن جورين لها علاقة خاصة بجرين، لأنهما أصحاب أحزان يخدرها جبرين بالسكر وجورين بالممارسة الجنسية معه.. وتقول(ليس لي أحد غير الداعرين الذين يدخلون عريشتها).

   الملاحظ أن الوافدون على عريشتها يمارسون معها نفس ما يمارسه جبرين، لكن قاسم الاشتراك جمعهما بجبرين لأن له فقده ولها خسرانها في الحياة.

   وحكاية ثانية عن مرأة تحمل طفلها الصغير بترت قدمها بآلة حادة من جراء الحرب وقعت على الأرض كجثة وطفلها بقربها. وحكاية امرأة بعينين معصوبتين تتلمس الطريق بعصا تصطدم بصخرة ثم تهوي وتخترق رصاصة جسدها.

   وحكاية جورين عن أختها أشول التي تم اختطافها وأغتصبت أمام عينيها، وتقدم أيضاً حكاية جون الشاب الذي كان يحلم باتمام زواجه من أشول، الذي صار يجمع عدداً من الأبقار للزواج وعندما شارف على التسعين بقرة وشارفت مواعيد الزواج داهمت القرية غارة أحرقته وأحرقت أبقاره وعلقت جثته فوق الصخور. وتحكي جورين عن استيلا، الفتاة الجنوبية التي هربت مع عائلتها وتحمل على ظهرها جدتها التي توفت من شدة العطش وسقتها من دمها، هنا النص خلق من عزلة(جورين) في أماكن مجهولة ملاءمة وتعايش مع جثة أبيها وجدتها وبدأت في التحاور مع جثتيهما الأب حيث اقتربت من رأسه رأس الأب وضمته على صدرها بقوة حدثته عن قيادة القبيلة وأخبرته بأن السلطان قد مات، وأنه سيكون سلطان القبيلة القادم وتوسوس له عن الاحتفال بتنصيبه سلطاناً وبأنه سوف يرتدي زي السلاطين ويحمل الحربة ويرتدي التاج والملابس الجلدية.. حدثته بأن القرية عن بكرة أبيها واقفة منتظرة أياه والطبول ستقرع لمدة يومين والرقص سيكون جميلاً، أتكلم وأثرثر لأبي في أذنه.. الرواية ص98)

   من هذه الحكاية يتولد صوت ذاكرتها على صوت الطبول والخلاخل الحديدية وتسمع صوتاً خفيفاً بالغناء ينبعث من ذاكرتها وتبدأ في الرقص، بالتالي الرقص وجد معادل موضوعي مع حوار جثة الأب. وهو توظيف بمثابة التألف مع الذكريات.

حكاية الجدة إيمي للعنز:

   قدمت هذه الحكاية في النص من خلال أسلوبين وهي حكايات من بشر إلى حيوان.

  • الأسلوب الأول: أسلوب حكائي قديم عن تكوين الجنس البشري ونشوء الانسان، الميلاد- الأساطير القديمة وتحكي لها عن تاريخ الكجور(صارقيل) وعن معتقدات القبيلة التي توارثتها من الثقافة الشعبية.
  • الأسلوب الثاني: أسلوب حكائي حديث عن الدعوة الدينية التي أتى بها رجل بشارب كث ولحية طويلة يحث الناس على تعاليم الدين الجديد واتباع نهجه وترك ديانة المعتقدات.

   يعتبر هذان الأسلوبان لهما دوراً كبيراً جداً في اصطدام الديانات- االديانة الأولى متوارثة من الأجداد والمعتقدات الأسطورية، والثانية الديانة السماوية، وبين فكرة التخلي من الأولى والقبول بالثانية نتج صراع عنيف ونشبت حروبات بين الطرفين وقتال دموي مرعب في المنطقة، لأن بعضهم متمسك بدينه الممتد عبر الجذور والآخر تبع طريقة الديانة الجديدة. أعتقد أن رفض رجال القبيلة للديانة الجديدة فيه مبرر فني في بنية النص، لأن الداعي"بدوي" أتى بأسلوب دعوة تحمل في طيأتها ملامح عنف مما جعل بعض رجال القبيلة يرفضون دعوته ويتمسكون بدينهم.

   حكاية أخرى يحكيها جبرين عن مشاهد الدفن الجماعي للأحياء الذي فعله العسكر مع أناس دون مبرر، ويحكي عن فعل الذبح الجماعي وكرنفال الدم. ويحكي عن الفتاة العذراء وكيفية محاولاتها للخروج من تحت جسد العسكري ويرد كيفية قتلها وهو يكبر الله أكبر الله أكبر وتنحرف مسارا حكاياته إلى حفلات الرقص والغناء ويتذكر زوجته عشة بت عجبنا. هذه الحكايات قادته أن يكون مدمناً ويشنق نفسه داخل المعسكر.

توظيف الطقس الجنائزي:

   وظف النص فكرة الطقس المصاحب للأموات وأعتقد أنه وظف طقس الموت عند قبيلة الأشولي، المعتقد يوضح عند موت شخص يجتمع أهله وأقرباءه ويرقصون ويغنون ويعزفون الطبول هذا الطقس كاملاً وظف في الرواية لكن حالته الاحتفائية لم تكتمل داخل البناء الفني للنص سرعان ما تلاشى بصدد هجوم الغزاة على القرية وعلى طقسهم ومارسوا ضدهمأبشع أساليب القتل. قطعوا أرجل شيخ مسن وقذفوا به في النار وفجروا جثة رجل آخر، يعتبر هذا التداخل الاحتفالي والصدام الدموي ناتج من تحركات مسارات النص في استيعابه لدور الحروب وقضائها على كل نمط حياة يوحي بالأستقرار.