عن المساهمات السياسية والفكرية للراحل محمد علي جادين

في ندوة فكرية أقيمت الأحد الماضي بقاعة "طيبة برس" بالخرطوم، قال الكاتب الصحفي الأستاذ "فيصل محمد صالح" إن ظروف نشوء ونمو التيار القومي التقدمي في السودان تظهر جلية في كتابات رئيس حزب البعث السوداني الراحل الأستاذ محمد على جادين، وقال "فيصل" إن معرفته بجادين من خلال كتاباته قديمة، وأنه قرأ كل مساهماته في وقت باكر، وعكف على مراجعة الكثير من مؤلفاته، على الرغم من أن معرفته الشخصية به جاءت في وقت لاحق."

 

نظرة نقدية:

وأشار "صالح" إلى أنه لا يوجد تيار سياسي في السودان سواءاً في اليسار أواليمين قام بنقد تجربته الخاصة ومراجعة أفكاره مثلما فعل جادين، مستثنياً في ذلك بعض  المجموعات في الحركة الإسلامية مثل "المحبوب عبد السلام" و"عبد الوهاب الأفندي"، وبخلاف ذلك – يقول فيصل - لم تتعرض التيارات الفكرية بمختلف مكوناتها لمثل هذا النقد الجذري والموضوعي والشفاف، والذي يظهر بصورة واضحة في كتابات الراحل، وزاد:"لا زلت أعتقد أن جادين لم يُقرأ جيدا".

 ومضى " فيصل " للحديث عن الراحل كأحد مؤسسي التيار القومي التقدمي  في السودان "الجبهة العربية التقدمية"، والتي نشأت في جامعة الخرطوم فقال:

(كان هناك "القوميون العرب"، و"التقدميون العرب"، بصحبة "شوقي ملاسي"، والذين كونوا مجموعة "الإشتراكيون العرب"، قبل أن تندمج كل هذه المكونات في تيار قومي تقدمي واحد، وبنشاط سياسي وتنظيمي وفكري مشترك منذ خمسينات  القرن الماضي، فوفرت كتابات "جادين"  مادة كافية لدراسة التيار القومي التقدمي، لجهة أن هذا التيار كان مواجهاً بتساؤلات حول جذوره وظروف نشأته من الخمسينات حتى تشكُّله بصورة واضحة ونُمُوِّه في الستينات، و حوت كتابات "جادين" توثيقاً جيداً، واشارات مهمة للحظات التلاقي والإنقسام في التيار القومي التقدمي وركز جادين في هذا الصدد على مؤتمر "1963" الذي وحد كل هذه المجموعات قبل أن يحصل الإنشقاق الشهير، ويخرج منه الناصريون والقوميون العرب والإشتراكيون، على الرغم من أنهم كانوا يسترشدون بفكر البعث وكتابات ميشيل عفلق وحركة الميثاق الناصرية وحركة التحرير القومي الجزائرية والتيار القومي اليمني).

ولاحظ "فيصل" أن "جادين" يأسى في كتاباته على هذا الإنشقاق، خاصة حينما وجه صوت إدانة واضح لمجموعة "الطاهر عوض الله" وحملهم تبعات الإنقسام داخل التيار القومي التقدمي، لكن "عوض الله" أوضح بأن البعثيين كانوا يحاولون  تجنيد عضوية التيار القومي لحزب البعث في ما يشبه التكتل داخل التنظيم، وبالتالي خرج الناصريون. وقد انتقد "جادين" هذا المسلك في مراجعاته الفكرية اللاحقة لكن التيار الناصري لم يتبلور –بحسب "صالح" - إلا في وقت متأخر على الرغم من أنه كانت له بؤر وكتل هنا وهناك، لكن حتى مشاركة التيار الناصري في نظام مايو لم تتم إلا كأفراد ووجوه أو كتنظيم غير متماسك في أواخر السبعينات.

مراجعات فكرية:

ومن المعلوم أن جادين خاض معارك ضخمة وطويلة ومراجعات فكرية كما كانت هناك عدة كتابات لعبد العزيز حسين الصاوي ويحي الحسين ومحمد وداعة وبكري خليل وقادت هذه المساجلات لتبلور الإنشقاق منذ العام "1996" حتى حدوثه فعلياً وخروج حزب البعث السوداني في العام "1998"

 ونسبة لطبيعة تنظيم حزب البعث ومركزية القيادة القومية فيه، فقد شملت مراجعات "جادين" قضية قومية القيادة التي صارت رهينة للقيادة القطرية في العراق، كما كانت له مراجعات نقدية جوهرية في قضية الديمقراطية. ولفت "فيصل" النظر إلى أن البعث كحزب نشأ خارج السلطة، ولذلك كانت قضية الديمقراطية حاضرة في أدبياته وأفكاره الأولى، بخلاف تنظيم الناصريين الذي نشأ في ظل السلطة،  فكانت قضية "الديمقراطية" خاملة الذكر في أدبياته الأولى، لكن البعثيين عادوا لاحقاً لتبني فكرة ونظام الحزب الواحد بعد أن تنسموا السلطة في سوريا والعراق، فتضاءلت الديمقراطية وغابت كقضية. وربما كان هذا الأمر من الأسباب التي جعلت "جادين" يخرج من الحزب، بالإضافة لظهور إشكاليات أخرى تتعلق بالعلاقة بين السودان والعالم العربي. وكانت رؤية "الجبهة العربية الإشتراكية" وعلى رأسها محمد علي جادين وعبد العزيز حسين الصاوي تختلف منذ البداية عن رؤية الجبهة التقدمية العربية في جامعة الخرطوم، فبينما كانت "الجبهة العربية الإشتراكية" تنظر للعروبة بمنظور سوداني، كانت مجموعة "الطليعة التقدمية العربية" تنظر بمنظار العروبة للسودان. ويتضح ذلك بصورة واضحة في مراجعات جادين.

 ومضى "صالح" للقول :" إن رؤية "جادين" لا تنفي وجود التوجه القومي والعروبي، لكن هذا التوجه ينطلق عند جادين من خلال الواقع والعلاقات بين القوى القومية التقدمية  والقوى القومية الأخرى في السودان وتبحث في كيفية التوفيق بين القومي والواقع السوداني المتشابك وتستصحب اعترافاً بالتعدد الثقافي في السودان وحقوق القوميات غير العربية وكيفية النظر إليها ومعالجة إشكالياتها.

 وعلى الرغم من  العدد الكبير من المؤلفات والتراجم  التي صاغها الراحل أشار صالح  لأول لكتاب صدر له ضمن إنتاجه الفكري والسياسي، وهو كتاب "الثورة المهدية  - مشروع رؤية جديدة"، وقال إنه وبحكم انتمائه السابق للتيار الناصري فيمكنه القول بأن الناصريين لم تكن لهم عصبية تنظيمية بخلاف البعثيين الذين كانوا ينظرون للأمور بمنظار التنظيم البعثي الصارم وقال:

 (لم تكن لنا حساسية في قراءة كافة كتابات التيار التقدمي، وكل انتاج القوميين بمختلف مشاربهم واتجاهاتهم، ولم نخضع للتجنيد في الجامعة، بل جئنا من القاهرة ونحن ناصريون، وكنا نرى أن لا سبب للخلاف بين البعثيين والناصريين فقمنا بمبادرة لتقريب شقة الخلاف، ووقر في ذهننا أن الخلافات بينهما هي خلافات تنظيمات حاكمة، وليست خلافات فكرية، ونحن لم تكن لنا علاقة بتجربة "عبد الناصر" في الحكم، فلسنا مسؤولين عن هذه الخلافات التنظيمية كي تلقي بأثقالها علينا، ولما كانت الكوادر البعثية مدربة تدريباً عالياً، فقد صاروا يطمحون لتجنيدنا من داخل الحوار نفسه، ولهذا السبب أوقفنا الحوار بعد جلستين فقط. وكنا نعاني حينها من أن السودان ليس لديه انتاج فكري في هذا الجانب فكنا نقرأ كتابات "عصمت سيف الدولة" ومجلة "المستقبل العربي" ولم تكن هناك كتابات سودانية قبل "جادين"، ولذا تفاعلنا مع كتابه "الثورة المهدية - مشروع قراءة جديدة من إعداد "جادين" و"عبد العزيز حسين الصاوي" وهو كتاب مركزي وأساسي لم يسبقه إلا كتاب "اسحق شداد" الصادر عن دار الطليعة العربية وبعض الملامح لرؤيا قومية في كتاب محمد أبو القاسم حاج حمد "السودان المأزق التأريخي وآفاق المستقبل".

 جادين كموثق وباحث:

  في العام "1997" أصدر جادين كتابه "تقييم التجربة الديمقراطية الثالثة في السودان - دراسة توثيقية في إنجازات وإخفاقات النظام الديمقراطي "1985- 1989""، وحاول فيه الكاتب الإجابة على سؤال لماذا سقطت الديمقراطية؟ ويعتبر دراسة توثيقية في اخفاقات الديمقراطية. وفي العام (2011) أصدر "جادين" كتابه "صفحات من تاريخ التيار القومي وحزب البعث في السودان"  وهو توثيق لتجربة التيار القومي وحزب البعث، كما أصدر كتاب "مناقشات حول الديمقراطية والوحدة الوطنية في السودان" في العام "2003"، فكتاب "مراجعات نقدية لفكر حزب البعث العربي في السودان" وكتب جادين كذلك عن إنشقاق (1976) وهو جزء مغيب من التاريخ إضافة لكتابه "بدر الدين مدثر والبعث في السودان" وكتاب "السودان .. بناء الدولة الوطنية" و"مراجعات لحزب البعث في السودان"، وكتاب " دارفور إقليم العذاب "

 فكان التيار القومي التقدمي في السودان منفتحاً – والحديث لا يزال لصالح - وكانت فيه مراجعات مستمرة وتجارب ثرَّة ومتنوعة للحد الذي اقترح فيه بعضهم تبني "الماركسية"، وكان "جادين" أقرب لـ"سودنة" فكر التيار القومي والمساهمة في هذا الخصوص برؤية تستوعب إشكاليات الواقع السوداني وتوصل لقناعة بالهوية المزدوجة للسودان والاعتراف بالتعدد وتطوير النظر للمجموعات غير العربية، وللأمانة لم تُطرح العروبة كإثنية نهائياً في أدبيات التقدميين بل نظروا إليها كثقافة وهي نظرة  تختلف كلياً عن خطاب النظام المسمى بـ"الإسلاموعروبية"، وقدم جادين اسهامات ثرة في تقييم تجربة الديمقراطية الثالثة وناقش إنجازاتها وإخفاقاتها وأزمة النظام الديمقراطي معتبراً أن القوى السياسية السودانية  تحركت قبل وعقب انقلاب "1989" بصورة أكثر جدوى ونجاعة من تحركاتها في بداية فترة الديمقراطية الثالثة، وصارت أكثر وعياً بأهمية السلام وأجمعت على ذلك، مشيراً لإتفاقية الميرغني ـ قرنق والمفاوضات مع الحركة الشعبية وتعديل قانون الانتخابات، والإعتراف بالقوى الجنوبية التي كانت ستغذى البرلمان بوجوه ربما أثرت الساحة السياسية إذا أتيح للتجربة الديمقراطية الإستمرار.

 ووثق "جادين"  لتاريخ "بدر الدين مدثر" على الرغم من خلافه معه ولم ينكر عليه دوره في الحركة القومية وحزب البعث، ليحرر "جادين" الكتاب وهي درجة من التسامح عالية لا تتوفر عادة عند السياسيين السودانيين، وهو موقف أخلاقي نادر في الساحة السياسية، وهذه الكتب غاية في الثراء ولا بد من إعادة قراءة انتاج جادين الفكري وهو الإحتفاء الحقيقي به.

 واختتم فيصل حديثه بكلمات حيدر ابراهيم في تقديمة لأحد كتب جادين:

(الناس في السودان ينتظرون موت الشخص ليكيلوا له المدح، أما أنا فسأمدح جادين في حياته على الرغم من اختلافي معه، فهو أقرب الناس لقلبي. وعندما سُئِلت مرة عن واقع الثقافة والكتابة في السودان قلت أنه لولا فضل محمد علي جادين لغدت بلقعاً، ولم أظلم غيره من الكُتَّاب والمثقفين وقلت "أن الفصل بيننا في هذا الصدد هو رفوف المكتبات وصفحات الكتب والصحف والمجلات، وقلت بأنني لم أظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون").