بيوغرافيا

في ذكرى رحيل جيلي عبد الرحمن

 

(1931 - 1990)

 يهتز الشارع

يالوركا

اليوم رمادى اجرد

فالسحب تنيخ على افق مدينتنا

 والمغرب مربد

ماذا تلد الهرة سوداء الابوين

 سوى هر اسود

فاحمل يا ( سيزيف ) الصخرة

دارت ساقية الحزن المرة

هذى مئذنة ترمق نهر الليل

يكسوها ظل الشمس الغارب

ذكرى تنبشها ؟

لاشىء على جسر الماضى الشاحب

لاجدوى ! ابواق تعوى حمحمة الخيل !

نعى الناعي في أغسطس من العام 1990 الشاعر السوداني المخضرم جيلي عبد الرحمن عن عمر تجاوز الستين عاماً وبعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع الشعري المتميز فضلاً عن إسهاماته في مجالات الأدب المختلفة ولد جيلي عبد الرحمن بجزيرة صاي بمنطقة النوبة شمال السودان في العام "1931"، وسافر الى مصر بصحبة أسرته، قبل أن يلتحق بالأزهر.

ونشر جيلي أولى قصائده ومقالاته في جريدة "المصري" القاهرية في أوائل الخمسينات من القرن الماضي. وعمل بمجلة "روز اليوسف" وفي جريدتي "المساء" و"الجمهورية" ثم جريدة "الشعب". ومن ثم سافر للإتحاد السوڤيتي في العام "1961" ليحصل على درجة الماجستير في الآداب من معهد گوركي للآداب بموسكو ومن ثم حصل على الدكتوراه في الآداب من  معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوڤيتية.

وعمل الشاعر الراحل محرراً بصحيفة أنباء موسكو في العام "1969" ومراجعاً بدار التقدم للنشر بموسكو في العام "1975" حيث صدرت له ترجمة لمختارات من شعر الشاعر الكازاخي الكبير "أباي كوننبايڤ" و مختارات من شعر المقاومة السوڤيتي بالاشتراك مع ابوبكر يوسف وماهر عسل بعنوان "أشعار مقاتلة".

سافر "جيلي" إلى اليمن الجنوبي حيث عمل أستاذا بجامعة عدن في الفترة (1978-1983)، ومن ثم عمل أستاذاً بجامعة الجزائر في الفترة (1983-1990). وفي نهاية حقبة الحكم المايوي عاد إلى السودان لفترة قصيرة قبل أن ينتقل للقاهرة للعلاج ويتوفي بها في الرابع والعشرين من شهر اغسطس من العام 1990م.

أمضى الشاعر الراحل نحو عشرين عاماً في موسكو، وهي بعض من سنوات الغربة التي قضاها متنقلاً بين الجزائر وعدن والقاهرة وغيرها . وقد ترك جيلي أثراً كبيراً في الشعر العربي بديوانه الوحيد المطبوع في حياته " الجواد والسيف المكسور" الذي كسر فيه عمود الشعر التقليدي واختط لنفسه طريقاً خاصاً فكان إحدى أهم العلامات البارزة في تطور الشعرالعربي الحديث.

ومن أهم أعمال "جيلي" كتاب  (المعونة الأمريكية تهدد استقلال السودان "1958")، وله عدة دواوين منها ("قصائد من السودان "، بالاشتراك مع الشاعر تاج السر الحسن "1956") وديوان ("أغاني الزاحفين" مع نجيب سرور وكمال عمار ومجاهد عبد المنعم "1958"). كما صدر له ديوان ("الجواد والسيف المكسور" من القاهرة "1967"، وأعيد طبعه في الجزائر "1985"). وصدر له بعد وفاته ديوان "بوابات المدن الصفراء" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وله دواوين لم تطبع هي "الحريق وأحلام البلابل" و"القبر المغبون" و"الموت يدهم حلم البرتقال").

وعن أشعار "جيلي" كتب الشاعر الراحل "عبد الرحمن الأبنودي " ذات مرة:

(وفي أشعاره لم يكن "جيلي" يتناول القضايا الوطنية بالمعنى المتعارف عليه، وإنما تسمع همساً ذاتياً رقيقاً عميقاً يقرب لك الأشياء البعيدة ويشركك معه في تنفسها. لم يكن شعره شعراً بالمعني الكلاسيكي للكلمة، وإنما كان شيئا ما في سلوكه، أو خلجات بدنه، كأنه يعرق ويمسح عرقه بمنديله، الرابض دائما في جيبه مفروداً. وبقدر ما قرأنا في ذلك الوقت عن لوممبا وجيفارا وكاسترو، وثورات أمريكا اللاتينية، والمد الثوري في العالم في تلك الأيام، إلا أننا لم نجد من مرت عليه كل هذه الإحداث كالنسائم الطيبة البسيطة التي كانت تتنفسها أشعار جيلي عبد الرحمن. كان حين يغني حواري عابدين نحس نحن المصريون الغربة في المدينة، فقد كان ابناً حقيقيا لحواري القاهرة دون ادعاء مواطنه أو تزلف غرباء).

وقال عنه الراحل كمال عبد الحليم ذات مرة:

(وراعني من "جيلي" لوحاته الرحبة وراعني انني ازداد تعلقا بلوحاته كلما قرأتها وان الوانها ليست من التي يبهتها الزمن، بل تزداد وضوحا ونورا، وراعني انهما من حقائق العبقرية التي تفيض بها بلادنا، بلاد الشرق المستعمر والتي تكتمل قبل الخامسة والعشرين).

وكثيراً ما ظهرت القاهرة في حقبة الأربعينيات من القرن الماضي في شعر جيلي، حينما كانت تضج بالاضطرابات السياسية والاقتصادية، وتشهد أحداثاً جساماً منها الجلاء وخروج الاستعمار الأجنبي لتتسلم مقاليد الأمور نخب وطنية لم تكن أقل سواء من المستعمر فقال في قصيدته "شوارع المدينة":

 مشيت في شوارع المدينة الحزينة

 تكوم الرعاع... وإخوة جياع

يسعلون .. يضحكون!!

وأبصرت عيناي في مفارق الطريق

صبية عنيدة مقطوعة الذراع

تموج في الصراع