صفحة من تاريخ السودان

وقائع محاكمة البكباشى على حامد ورفاقه عام 1959

  • كانت كل تحركات الانقلابيين مكشوفة لدى الاستخبارات العسكرية.
  • رأس المحكمة الأميرالاى محمد أحمد التجانى ومثل الاتهام البكباشى مزمل سليمان غندور.
  • تغيير الصاغ عوض خلف الله لسر الليل بسلاح الطيران أجهض المحاولة الانقلابية

بقلم: معاوية جمال الدين

كنت نشرت شهادة هذه الشهادة فى جريدة " الخرطوم " فى فترة صدورها فى القاهرة . وبما أن صاحب الشهادة كان - بطبعه - لايحب الأضواء ولا هو ممن يلهثون وراء الشهرة . كان اتفاقى معه أن أحجب اسمه عند النشر .. وبما أن صاحب الشهادة غادر دنيانا مؤخرا وبما أن شهادته أحدثت ردود فعل واسعة لأهميتها ولاحتوائها على معلومات نشرت لأول مرة فاننى أعيد نشرها هنا .

رحم الله المناضل الأستاذ كمال رمضان المحامى صاحب هذه الشهادة الذى ظهر فى محاكمة البكباشى ( المقدم ) على حامد صديقا للصاغ ( الرائد ) عبد الرحمن كبيدة .

( فى صباح يوم 10/ 11 / 1959 بثت اذاعة أمدرمان البيان التالى :

" فى الساعات الأولى من صباح اليوم قام البكباشى على حامد واليوزباشى عبد الحميد عبد الماجد والملازم ثان محمد محجوب عثمان وبعض الضباط الذين استغنى عن خدمتهم نتيجة لحوادث مايو الماضى تساندهم بعض العناصر الهدامة بمحاولة تمرد فى صفوف الجيش بمدرسة المشاة بأمدرمان ولكن بعض الضباط وصف الضباط وعمال حاميات المدن الثلاث بما تحلوا به من اخلاص وولاء لجيشهم ووطنهم العزيز استطاعوا القبض على متزعمى الحركة " )

الجدير بالذكر أن محكمة عسكرية برئاسة الأميرالاى ( العميد ) محمد أحمد التجانى وعضوية القائمقام (العقيد) يوسف الجاك طه والقائمام ( العقيد ) ابراهيم النور سوار الدهب أصدرت حكما باعدام البكباشى على حامد والبكباشى يعقوب كبيدة والصاغ عبد البديع على كرار واليوزباشى طيار الصادق محمد الحسن واليوزباشى عبد الحميد عبد الماجد . وحكما بالسجن المؤبد على الملازم ثانى محمد محجوب عثمان اضافة الى أحكام أخرى بالسجن لمدد متفاوتة لبعض الضباط والطرد من الخدمة لعدد آخر من الضباط . ومثل الاتهام البكباشى مزمل سلمان غندور الذى طالب بتوقيع أقصى العقوبة على المتهمين .

الصادق الطيار يلقي دفاعه امام المحكمة العسكرية

  • شهادة الأستاذ كمال رمضان:ـ

( أجهضت الحركة فى نفس يوم التحرك وان شئنا الدقة قبل يوم التحرك .. فقد كانت كل تحركات الانقلابيين مكشوفة لدى الاستخبارات العسكرية .

فى ليلة التحرك جاء الصاغ عوض خلف الله - وكان وقتها قائدا لسلاح الطيران - الى رئاسة سلاح الاشارة فى الخرطوم بحرى وقام بتغيير " سر الليل " وأطقم الحراسة فى السلاح .

هذا التصرف من جانب الصاغ عوض خلف الله أحبط مشاركة سلاح الاشارة فى الانقلاب وهو مالم يحدث فى أسلحة أخرى شاركت فى الانقلاب ..

وفى هذا اشارة الى أن تحركات الانقلابيين كانت مكشوفة لجهاز الاستخبارات العسكرية. 

 كيف علمت الاستخبارات بالانقلاب؟.

علم اللواء حسن بشير نصر نائب القائد العام للقوات المسلحة بنبأ تحرك بعض بعض الضباط للقيام بانقلاب اثر اتصال من الشاويش هجرو آدم السنوسى . من جانبها أوعزت الاستخبارات العسكرية للشاويش هجرو لأن يواصل اتصالاته مع ضباط الانقلاب.

كان هجرو ينقل كل التحركات للاستخبارات العسكرية حتى تفاصيل لقائه بالبكباشى على حامد قائد الانقلاب فى خورأبوعنجة نقلها للاستخبارات.

البكباشي علي حامد

القبض على قائد الانقلاب:ـ

قبض على البكباشى على حامد فى سلاح المهندسين بأمدرمان وقبض أيضا فى الموقع نفسه على المرحوم الرشيد الطاهر بكر المحامى وفى حوزته بدلة عسكرية تحمل رنبة البكباشى وهى نفس رتبة قائد الانقلاب وضبط فى حوزته أيضا البيان الأول للانقلاب . عند القاء القبض على قادة الانقلاب لم يسقط أى شخص رغم حدوث اطلاق نارالا أن قادة الانقلاب استسلموا فى هدوء ..

وكانت هيئة الدفاع عن المتهمين تعتبر أن هذا عنصر مخفف عند صدور الأحكام وهو مالم يحدث .

المحاكمة:ـ

شكل القائد العام للقوات المسلحة محكمة عسكرية لمحاكمة المتهمين برئاسة الأميرلاى محمد أحمد التيجانى والقائمقام ابراهيم النور سوار الدهب والقائمام يوسف الجاك طه .

وتشكلت هيئة الاتهام من البكباشى محمد عبد الحليم والبكباشى مزمل سلمان غندور .

وبدأت المحكمة فى مبنى سلاح الاشارة فى الخرطوم بحرى .. كان جو المحكمة معاديا للمتهمين وصاحب انعقادها حملة تحريضية مثيرة .

فى هذا الجو اعتذر عدد كبير من المحامين عن عدم المثول أمام المحكمة كأصدقاء للمتهمين .

فى بداية المحاكمة تناوب كل من البكباشى محمد عبد الحليم ومزمل سلمان غندور فى القاء القاء خطبة الاتهام وطالبا بتوقيع أقصى العقوبة على المتهمين ..

كان توزيع المحامين على المتهمين كالآتى :

الأستاذ محمد زيادة حمور تولى الدفاع عن البكباشى على حامد . الأستاذ أنور أدهم تولى الدفاع عن الصاغ عبد البديع على كرار . الأستاذ كمال رمضان تولى الدفاع عن الصاغ عبدالرحمن كبيدة .الأستاذ أحمد زين العابدين عمر تولى الدفاع عن البكباشى يعقوب كبيدة . الأستاذ أحمد سليمان تولى الدفاع عن الملازم ثانى محمد محجوب عثمان .

الأستاذ منصور خالد تولى الدفاع عن اليوزباشى طيار الصادق محمد الحسئن .

الأستاذ جوزف فيليب تولى الدفاع عن موظف البوستة الذى الذى قام بقطع الاتصالت السلكية والهاتفية تحت التهديد .

حضر الجلسات المرحوم الأميرالاى عبد الرحمن الفكى المستشار القانونى للقوات المسلحة فى ذلك الوقت . ومثل شاهد الاتهام الأول هجرو آدم السنوسى .. ثم توالى مثول الشهود وكانوا من الشاويشية وضباط الصف . كان هناك ضابط مشارك فى الانقلاب لم يتم القبض عليه حتى ذلك الوقت وهو اليوزباشى " النقيب " عبد الحميد عبد الملجد الذى عبر النهر من سلاح الاشارة الى الضفة الأخرى لدى سينما النيل الأزرق بعد أن تأكد ىمن فشل الانقلاب، ثم ألقى القبض عليه بعد ذلك وأعدم.

اعتراف الرشيد الطاهر:ـ

فى أثناء أيام انعقاد المحكمة اقتيد المرحوم الرشيد الطاهر الى مبنى محكمة المديرية فى الخرطوم حيث أدلى باعتراف قضائى .. وفى هذا الاعتراف ذكر المرحوم المرحوم الرشيد أسماء ثلاثة ضباط كانوا مشاركين فى الحركة ولم يتم اعتقالهم حتى ذلك الوقت وهم : الملازم ثان فاروق عثمان حمد الله . الملازم ثان عبد المنعم محمد أحمد " الهاموش " الذى أعدم فيما بعد فى انقلاب 19 يوليو . والملازم ثان فايز حسين .

وعليه تم اعتقال هؤلاء الضباط فى مبنى سلاح الخدمة فى الخرطوم بحرى .

لم تكن هناك بينة ضدهم فى كل أقوال شهود الاتهام اللهم الا ماجاء فى أقوال اليوزباشى عبد الحميد عبد الماجد حيث ذكر أن أنه وفايز اتفقا على أن يحركا قوات القيادة الشمالية التى كانت موجودة فى سلاح الاشارة فى ذلك الوقت . وهى القوات التى لم تتحرك لقيام الصاغ طيار عوض خلف الله بتغيير سر الليل وأطقم الحراسة كما ذكرنا من قبل مادفع الملازم ثانى فايز حسين لأن يقضى ليلته فى غرفة اليوزباشى بشير محمد على ويتوجه الى مكتبه فى اليوم التالى كالمعتاد .

علمت هيئة الدفاع باعتراف الرشيد الطاهر الذى كان يتولى الدفاع عنه الأستاذان محمد يوسف محمد ودفع الله الحاج يوسف .

اعتراف الرشيد الطاهر خلق جوا من التوتر وسط هيئة الدفاع خوفا من أن يفجر قضايا أخرى فى المحكمة لدى استجواب الشهود . الا أن ذلك - ولحسن الحظ - لم يحدث .

كان الرشيد الطاهر ومحامييه يجرون مشاوراتهم بعيدا عن بقية المتهمين ..

من الوقائع الطريفة التى شهدتها المحكمة أن الرشيد الطاهر كان يستجوب الشهود مباشرة لأنه محام .. عند مثول الأميرالاى عوض عبد الرحمن صغير الذى كان قائدا لسلاح المهندسين آنذاك حيث ألقى القبض على الرشيد الطاهر سأله الرشيد عن حدود المنطقة العسكرية فى أمدرمان .. رد الأميرالاى عوض بقوله :

المنطقة العسكرية تحد شرقا بالنيل الأبيض وغربا بالفتيحاب وتحد جنوبا ب ..

وهنا قال الأميرالاى للرشيد :

شوف يا الرشيد " محل قبضوك ده هو جوه المنطقة العسكرية " .

اذ اتضح للأميرالأى عوض أن الرشيد يريد أن يقدم دليلا على أن اعتقاله كان خارج المنطقة العسكرية .

واستمرت المحاكمة .. كان مأخذ هيئة الدفاع على المحكمة يتمثل فى أن أعضاءها لم يكونوا ملمين بالقانون ولم يكونوا قادرين على على توصيف أركان الجريمة ما يعنى فى فقه القانون أن الجريمة لم ترتكب ولهذا طلب الصاغ عبدالرحمن كبيدة حضور رئيس القضاء والنائب العام للمثول أمام المحكمة كشاهدين خبيرين لتوصيف أركان الجريمة التى قدم بموجبها للمحاكمة وليوضحا للمحكمة هل هذه الجريمة تنطبق عليها التهم أم لا ... رفضت المحكمة الاستجابة لطلب الصاغ كبيدة ورفضت طلبا آخر باحضار رئيس القضاء والنائب العام كشاهدى محكمة .

صادف رفض الطلب ذكرى الاعلان العالمى لحقوق الانسان ما دعا الصاغ عبدالرحمن كبيدة لأن يعلن أمام المحكمة أن حقوقه انتهكت فى اليوم العالمى لحقوق الانسان وقد أبرزت ادى الصحف احتجاج الصاغ كبيدة بالخط العريض .

مرافعات المتهمين:ـ

جاء فى مرافعة الصاغ عبد الرحمن كبيدة : " للمرة الثانية أقف فى نفس هذه القاعة لأواجه تهما فخمة .. ضخمة .. مشرقة وللمرة الثانية أجد ممثلى الدعاء هم هم لم يتطوروا ولم يواكبوا الزمن .. يقدمون شهود اتهام من الشاويشية وصف الضباط وكأنهم لم يؤمنوا بالتطور الذى حدث وكان يمكنهم أن يسجلوا ما أدلى به الشهود " !

فى سنة 1957 كان الصاغ عبد الرحمن كبيدة قدم لمحكمة عسكرية بتهمة تزعم حركة انقلابية فى نفس القاعة التى شهدت محاكمة قائد حركة البكباشى على حامد .

كانت النية مبيتة لاعدام الضباط الخمسة وكل ما أمكن انجازه هو تعطيل الاعدام .. اذ كان النظام ينوى اعدامهم قبل يوم 17 نوفمبر وهو اليوم الذى صادف الذكرى الأولى لانقلاب 17 نوفمبر 1958.

اعلان المتهمين بالأحكام:ـ

صدرت الأحكام باعدام الضباط الخمسة وأخطر المتهمون فى أثناء وجودهم فى سجن كوبر . وصارت الأحكام واجبة التنفيذ صباح اغد وسئلوا عما ذا كانوا يرغبون فى مقابلة بعض ذويهم لترك وصايا ..

بذلت محاولات عدة لتخيف الأحكام واتصل بعض الوسطاء بالسيد الصديق المهدى وغيره من الو جهاء للتدخل لدى السلطات . وفشلت المحاولات وأعدم الضباط الخمسة شنقا رغم مطالبتهم بأن يعدموا رميا بالرصاص كما تقضى بذلك قوانين القوات المسلحة .

ونفذ حكم الاعدام فى ديسمبر 1959 بالسجن العمومى فى كوبر .

وصدر الحكم بسجن المرحوم الرشيد الطاهر خمس سنوات ) .

على هامش هذه الشهادة ذكر لى الأستاذ كمال رمضان أن مأمور سجن كوبرمختار صابر الذى حضر تنفيذ الاعدامات قال له أن الضباط الخمسة ماتوا كما يموت الرجال وأن اليوزباشى طيار الصادق محمد الحسن ردد وهو فى طريقه الى المشنقة هذين البيتين :

[ مشيناها خطى كتبت علينا .. ومن كتبت عليه خطى مشاها

ومن كانت منيته بأرض .. فليس يموت فى أرض سواها ] .