قصة قصيرة

اخيراً ها أنت امامي إذاً

بقلم/اسماعيل ابو قرجة 

بغتة رأيتها تنسل من وسط الزحام وهي توليني ظهرها، فوراً عرفتها. فانداحت بداخلي دوائر من الفرح والسرور، تلك المها التي أظمأتني طويلاً، كم كنت اتأملها، وهي تركض أمامي جميلاً، ها هي "تتشعلق" على سلم البص المكتظ ساعة الهاجرة عائدة من العمل، تزم شفتيها في حزم مقطبة ذلك الجبين البديع فتبدو أبهى منها وهي تبتسم. وها هي تحاول التخلص من تلك المتسولة الصغيرة التي تسألها إلحافاً وتتسلقها كما لبلابة عجفاء وهي تعلن ضجرها بانفعال مكبوت، وها هي ...وها هي.

أتذكر حين رأيتها أول مرة عاكفة على شراء بعض الكتب من باعة الرصيف ، قفز قلبي فجأة وطار نحوها كفراشة، حوو حول رأسها الجميل وهي سادرة في تأملها، كانت تتأمل واجهات الكتب باهتمام مثير وتسأل عن هذا الكتاب وذاك، لم يبدو عليها أنها لاحظت وجودي، لكنني تبعتها من بعيد حتى ركبت البص وعدوت بعد ذلك سعيداً طوال اليوم رأيتها كثيراً بعدها، كانت دوماً تبدي انهماكاً في أمر ما حتى إنها كانت لا تراني يبد أني كنت اعود في المساء سعيداً وخفيفاً أسترجع شريط يومي ذاك، وأشكر مهاتي فقد أورقت أيامي واخصبت بحضورها المثير هذا.

صرت أتصيد أوقاتها وأمكنتها وأجلس الساعات الطوال وأتخيل تفاصيلها، أفردها امامي وأجعل لنفسي مكاناً بينها... أحادثها ...نتبادل الابتسام... والعتاب.

تكررت رؤيتي لها كثيراً حتى كان هذا اليوم حين رأيتها تنسل بغتة من وسط الزحام، كنت مهموماً تحاصرني الكثير من الأسئلة اليومية الصعبة وانا أعبر شارع الرحمة عند تقاطع فرحات في زاوية السوق الكبير، كل الناس في عجلة من امرهم كأنما هناك أمر جلل على وشك الحدوث، آلاف الباعة يندفعون مرة واحدة والكل يرفع عقيرته بالنداء فيخرج الصوت في وقت واحد محدثاً جوقة مربكة تتخللها أصوات تتعالى بغناء فج ؟؟؟؟هذي المطاعم القريبة والكافتريات ذات الحشد الطافح ، وأنا لا أسمع ولا أرى. لكني أتكلم إذ تصدر عني همهمة لا يفهمها إلا من تأمل وجهي ساعتها.

بغتةً رأيتها فنسيت تعاستي تلك وخرجت من شرنقتي لا ألوى على شئ فقط جعلت أركض، أركض ، أبتغي وجهها الكريم، كانت مسرعة مكعهدي بها دائماً تخرج منسلة من وسط الجموع كسهم وهي تتفادى الاصطدام بالباعة الذين يلحون ببضائعهم وأشيائهم رافعين ثغائهم البهيمي، ونحن في عدونا الرشيق ذاك اعترضنا ذلك الموكب العظيم. هاج القوم وماجوا (الكشة) زاد جنون الباعة وهلعوا ففاروا كتنور عظيم. إنهمروا في الطرقات الكل يطلب النجاة، ستات الشاي اندلقت كبابيهن وأنسكب السكر أرضاً، تلاطمت امواجهن فجأرن(بالشكية لي أب يداً قوية) العسكري ذو الصوت الأبح يجري متوعداً بالويل والثبور، يجري حتى يكاد كرشه أن يندلق أمامه.

إمتلأت مهاتي رعباً من هذا الموكب المباغت فدلفت إلى الشارع الرئيسي متأففة تطلب الجهة الأخرى وانا خلفها كالحوار أهدر، ولا أرى ولا أسمع.

وأنا عامة في حالة جذبي تلك!! رأيت ما جعل قلبي ينخلع وأنفطر مني الفؤاد، ها هي مهاتي تطير من امامي كما اليمامة والناس على حافة الطريق يصرخون بصوت واحد مفزوع (يا ساتر) لقد دهستها تلك السيارة المسرعة لم يقف صاحبها ، بينما وقف قلبي تماماً، ركضت نحوها كما كنت أفعل منذ ان رأيتها أول مرة وركض معي بعض المارة، كانت ترقد على الأسفلت كيمامة أصطادها شرك ملعون والدماء تناثرت هنا وهناك على ثوبها، رفعتها على ذراعي بلهفة وجزع، الحمد لله... ندت عنها أنة، ما زالت على قيد الحياة ، تأملت ذلك الوجه الآسر الذي كم تابعته طيفاً من بعيد، نفس الوجه المقطب والشفاه المزمومة بحزم، نفس ذلكم الهدوء الحبيب.

استنجدت بسيارة قريبة، حملتها على ذراعي وهي غائبة عن وعيها وأنا مآقي ملأى بالدموع أتمتم بالدعوات، طففت أجمع ما تبعثر من أوراقها ، بعض الكتب والأقلام، شريط كاسيت، صباعي طباشير ملون وبين هذا وذاك بطاقة صغيرة عليها أسمها.

في المستشفى دونت أسمها سريعاً على استمارة الدخلو بينما هي مسجاة في طريقها إلى غرفة العمليات، لم يكف قلبي عن الوجيب ولم يكف لساني عن الدعاء، وأنا بانتظارها بالخارج أروح في ردهة المستشفى واجئ مضى الوقت بطيئاً حتى رأيتهم ينقلونها إلى غرفة صغيرة في الجوار، ركضت إليهاكما كنت أفعل دائماً لكنها هذه المرة كانت مسجاة ومغمضة العينين هادئة ويبدو الألم على محياها عميقاً، لم يسألني أحد عن صلتي بها وعمن أكون لكني ها انا ذا أمامها في هذه الغرفة وحدي!! ليس لها أحد سواي!! يا إلهي كيف حدث كل هذا؟! مر الشريط أمامي منذ رأيتها أول مرة وحتى هذه اللحظة الحزينة..أخيراً ها أنت امامي إذاً! تحركت قليلاً فتحت عينيها باعياء نصف فتحة وابتسمت ابتسامة شاحبة ، اغمضت بعدها مرة أخرى ، يا إلهي هل هذه الابتسامة لي أنا؟! هل تراها كانت تعرفني ؟! ولكن!! ما بال وجهها يمتفع فجأة؟ ما بال لونها يتبدل؟ ركضت إلى الطبيب مرة أخرى في فزع جاء يتبعه فريق من الممرضات لم اطق أن أرها وهي تنازع أشحت بوجهي نحو الجدار، ها هي تفارق الحياة، تقدم نحوي الطبيب والممرضات يواسونني وانا كوم من الأسى.. وانا كذلك، إذا بي أرى قوم يهرعون على الصالة وهم في فزع عظيم كانوا يتجهون نحو الغرفة الصغيرة نساء ورجالاً، دلفوا علينا مرة واحدة والحزن ملء الوجوه والنسوة في نواح ها قد جاء أهلها هرعوا إليها ولكن كان كل شئ قد انتهى ، عانقوا بعضهم بعضاً مواسين، هموا بأخذ الجثمان ولكن! فجأة انتبهوا لوجودي، التفتوا إلى في استفسار فأجهشت بدوري بالبكاء.