ورشة العدالة الاجتماعية (3-4)

  • نبيل أديب: يمكن للفرد المقاضاة بشأن الحقوق وإلزام الدولة بتوفيرها إستنادا علي إنها نصوص دستورية ملزمة.
  • المشاركون:العدالة الاجتماعية قضية مهمة تحتاج الي معالجة شاملة.

الخرطوم:حسين سعد

حفزت ورشة تعزيز العدالة الاجتماعية في السودان التي نظمها مركز الايام للدراسات الثقافية والتنمية بالتعاون مع مؤسسة فريدريش أيربت   بقاعة الدراسات الانمائية بجامعة الخرطوم،حفزت المشاركيين للدفع بمقترحات ومناقشات كبيرة حول ذات الموضوع،واستعرضت الورشة عددا من الاوراق غطت موضوعات اقتصادية وتنموية وسياسية وقانونية وطرحت الورشة  قضية العدالة الاجتماعية بشكل عبر عن عمق إشكالية تلك القضية في إطارها المفهومي والتطبيقي، وشدد الحضور علي أهمية معالجة هذه القضية من منظور أشمل يتسق  مع عمق تداعياتها وتأثيراتها على الدولة والمجتمع وما تفرضه متطلبات البناء والتغييرلا سيما مع التحديات الاقتصادية على الشرائح الفقيرة. وإستحوذ مفهوم العدالة الاجتماعية علي حيز كبير من الجدل علي المستوي الاقتصادي حتي صار من المفاهيم الشائعة الاستخدام في الادبيات السياسية وفي الخطابات وتقارير المنظمات الدولية والوطنية،وعالميا بداء هذا الاهتمام واضحا من خلال عقد المؤتمرات والندوات وإبرام الاتفاقيات على المستويين الإقليمي والدولي. وكانعكاس لتعاظم الاهتمام دوليا بموضوع العدالة الاجتماعية،تم جعل يوم20فبراير، كيوم عالمي للعدالة الاجتماعية.
ويأتي إفراد يوم 20 فبراير من كل سنة من طرف هيئة الأمم المتحدة للاحتفال فيه، بوصفه اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية بموجب القرار رقم10/62- حيث تقرر إعلان الاحتفال سنويا بيوم 20 فبراير كيوم عالمي للعدالة الاجتماعية بداية من الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة سنة2008، وفي ورقته التي قدمها في الورشة (حق التقاضي والعدالة الاجتماعية ) قال الدكتور نبيل أديب أن العدالة الإجتماعية لا خلاف حول أنها تعني العلاقة المنصفة والعادلة بين الفرد والمجتمع فيما يتعلق بتوزيع الثروة، وإن كان الناس لا يتفقون على مفهوم الإنصاف الذي يحققها. وشرح نبيل حق المقاضاة بشأن العدالة الاجتماعية في الدستور الذي حض الدولة على العمل من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية في عدد من النصوص ضمها الفصل الثاني من الباب الأول، أهمها النص على العدالة الإجتماعية في المادة (12) ونصها كالتالي "(1) تضع الدولة استراتيجيات وسياسات تكفُل العدالة الاجتماعية بين أهل السودان كافة، وذلك عن طريق تأمين سُبل كسب العيش وفرص العمل وتشجع التكافل والعون الذاتي والتعاون والعمل الخيري. (2) لا يُحرم أي شخص مؤهل من الإلتحاق بأي مهنة أو عمل بسبب الإعاقة، ولجميع الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة والمسنين الحق في المشاركة في المناشط الاجتماعية أو المهنية أو الإبداعية أو الترفيهية.

  • نصوص في وثيقة الحقوق:

وقال اديب ان بعض الحقوق المتصلة بالعدالة الإجتماعية ظهرت في وثيقة الحقوق، ومن ضمنها المادة (32) حقوق المرأة والطفل المادة (45) حقوق الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة والمسنين والمادة (46) الرعاية الصحية العامة. ولكن أهم المواد بالنسبة لدراستنا هذه مادتين: الأولى هي المادة (35) التي نصت على حق التقاضي، فنصت على أنه يكفل للكافة الحق في التقاضي، ولا يجوز منع أحد من حقه في اللجوء إلي العدالة. وهذا يعني جواز المقاضاة بالنسبة للتعليم مثلا بالنسبة لأي مواطن حرم منه بسبب تمييز على أساس الدين أو العنصر أو العرق أو النوع أو الإعاقة. وكذلك يجوز المقاضاة لفرض مجانية التعليم على الدولة في المستوى الأساسي.كذلك بالنسبة للصحة العامة فالدولة ملزمة بتوفير الرعاية الصحية الأولية وخدمات الطوارئ مجاناً لكل المواطنين، وبالتالي يجوز لهم مقاضاتها إذا أغفلت هذه الواجبات.أما المادة الثانية فهي الفقرة 3 من المادة (27) ونصها "تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة، وهي التي سمحت للجيل الثاني من حقوق الإنسان بالدخول إلى وثيقة الحقوق. يقصد بالجيل الثاني لحقوق الإنسان الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، والتي تعمل على ضمان ظروف ومعاملة متكافئة لفئات المجتمع مختلفة. وتشمل هذه الحقوق: حق الحصول على عمل، وحق الحصول على الرعاية الصحية والسكن، بالإضافة للضمان الاجتماعي وإعانات العاطلين. وقد تم تضمين حقوق الجيل الثاني في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المواد 22 إلى 27، وأيضا في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

  • اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺪوﻟﻲ:

ويرى أديب ان العهد الدولي المذكور تبني مبدأ العدالة الإجتماعية  حيث نص في مقدمته على أن الدول المتعاقدة إذ ﺗﺪرك أن اﻟﺴﺒﻴﻞ اﻟﻮﺣﻴﺪ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ اﻟﻤﺜﻞ اﻷﻋﻠﻰ اﻟﻤﺘﻤﺜﻞ، وﻓﻘﺎ ﻟﻺﻋﻼن اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻟﺤﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن، ﻓﻲ أن ﻳﻜﻮن اﻟﺒﺸﺮ أﺣﺮارا وﻣﺘﺤﺮرﻳﻦ ﻣﻦ اﻟﺨﻮف واﻟﻔﺎﻗﺔ، هـﻮ ﺳﺒﻴﻞ ﺗﻬﻴﺌﺔ اﻟﻈﺮوف اﻟﻀﺮورﻳﺔ ﻟﺘﻤﻜﻴﻦ  الإﻧﺴﺎن ﻣﻦ اﻟﺘﻤﺘﻊ ﺑﺤﻘﻮﻗﻪ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ واﻟ ﺜﻘﺎﻓﻴﺔ.ويلزم النظر الى مادتين: الأولى هي المادة (2)(1) والتي تنص على أن ﺗﺘﻌﻬﺪ الدوﻟﺔ الطرف ﻓﻲ هـﺬا اﻟﻌﻬﺪ ﺑﺄن ﺗﺘﺨﺬ، ﺑﻤﻔﺮدهـﺎ وﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻤﺴﺎﻋﺪة واﻟﺘﻌﺎون اﻟﺪوﻟﻴﻴﻦ، وﻻ ﺳﻴﻤﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺼﻌﻴﺪﻳﻦ اﻻﻗﺘﺼﺎدي واﻟﺘﻘﻨﻲ، وﺑﺄﻗﺼﻰ ﻣﺎ ﺗﺴﻤﺢ ﺑﻪ ﻣﻮاردهـﺎ اﻟﻤﺘﺎﺣﺔ، ﻣﺎ ﻳﻠﺰم ﻣﻦ ﺧﻄﻮات ﻟﻀﻤﺎن اﻟﺘﻤﺘﻊ اﻟﻔﻌﻠﻲ اﻟﺘﺪرﻳﺠﻲ ﺑﺎﻟﺤﻘﻮق اﻟﻤﻌﺘﺮف ﺑﻬﺎ ﻓﻲ هـﺬا اﻟﻌﻬﺪ، ﺳﺎﻟﻜﺔ إﻟﻰ ذﻟﻚ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺴﺒﻞ اﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ، وﺧﺼﻮﺻﺎ ﺳﺒﻴﻞ اﻋﺘﻤﺎد ﺗﺪاﺑﻴﺮ ﺗﺸﺮﻳﻌﻴﺔ" والثانية هي المادة (4) ونصها "ﺗﻘﺮ اﻟﺪول اﻷﻃﺮاف ﻓﻲ هﺬا اﻟﻌﻬﺪ ﺑﺄﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻟﻠﺪوﻟﺔ أن ﺗﺨﻀﻊ اﻟﺘﻤﺘﻊ ﺑﺎﻟﺤﻘﻮق اﻟﺘﻲ ﺗﻀﻤ ﻬﺎ ﻃﺒﻘﺎ ﻟﻬﺬا اﻟﻌﻬﺪ إﻻ ﻟﻠﺤﺪود اﻟﻤﻘﺮرة ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻧﻮن، وإﻻ ﺑﻤﻘﺪار ﺗﻮاﻓﻖ ذﻟﻚ ﻣﻊ ﻃﺒﻴﻌﺔ هﺬﻩ اﻟﺤﻘﻮق، وﺷﺮﻳﻄﺔ أن ﻳﻜﻮن هـﺪﻓﻬﺎ اﻟﻮﺣﻴﺪ ﺗﻌﺰﻳﺰ اﻟﺮﻓﺎﻩ اﻟﻌﺎم ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻊ دﻳﻤﻘﺮاﻃﻲ" والتي تمنع الدول من إخضاع التمتع بتلك الحقوق للقيود إلا بشروط معينة، ففي حين أن المادة الأولى تتحدث عن التمتع التدريجي، وهذا يعني ربط التمتع بتلك الحقوق  بالإمكانيات المتاحة، مما يحمل على الظن بأن تلك الحقوق غير قابلة للمقاضاة بذاتها، وهذا ما يؤيد الفهم الذي تبناه دستور 2005 لمفهوم العدالة الإجتماعية، من حيث عدم خضوعه للمقاضاة بذاته، والمادة الثانية التي تمنع إخضاع تلك الحقوق لقيود تمنع التمتع بها إلا بشروط معينة وهذا يعني خضوعها للمقاضاة. ولفتت الورقة الي عدد من الحقوق التي تم النص عليها من بينها الحق في العمل (6) والحق في توفير ظروف عمل عادلة ومرضية ، (7) والحق في تكوين والإشتراك في النقابات ، (8) والحق في الضمان الإجتماعي ، (9) وحقوق الأسرة، (10) والحق في مستوى معيشي كافٍ للفرد وأسرته ،(11) والحق في التمتع بإعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية ، (12) والحق في تعليم أولي مجاني وإجباري ، (13) و (14) والحقوق الثقافية .وأضاف نبيل هذه الحقوق جميعاً تمكن للفرد المقاضاه بشأنها وإلزام الدولة بتوفيرها إستنادا ً على أنها نصوص دستورية ملزمة للدولة .

  • الطوارئ:

وأوضح مقدم الورقة أن بعض الحقوق الأساسية لا تخضع لأي قيود وحتى في زمن الطوارئ مثل الحق في الحياة والحق في عدم الخضوع للتعذيب، وقد نصت عليها المادة 4 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ونصها   1. في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد ، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.2. لا يجيز هذا النص أي مخالفة لأحكام المواد 6 و 7 و 8 (الفقرتين 1 و 2) و 11 و 15 و 16 و 18.3. على أية دولة طرف في هذا العهد استخدمت حق عدم التقيد أن تعلم الدول الأطراف الأخرى فورا، عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، بالأحكام التي لم تتقيد بها وبالأسباب التي دفعتها إلى ذلك. وعليها، في التاريخ الذي تنهى فيه عدم التقيد، أن تعلمها بذلك مرة أخرى وبالطريق ذاته. وقد أكد ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر عام 2008 " حماﻳـــــﺔ ﺣﻘـــــﻮﻕ ﺍﻹﻧـــــﺴﺎﻥ ﻭﺍلحرﻳـــــﺎﺕ ﺍﻷﺳﺎﺳـــــﻴﺔ ﰲ ﺳـــــﻴﺎﻕ ﻣﻜﺎﻓﺤﺔ ﺍﻹﺭﻫﺎﺏ " في المادة 4 من ذلك الإعلان أن الجمعية العامة "ﺗﺆﻛــﺪ ﻣــﻦ ﺟﺪﻳــﺪ  ٤ ﺍﻟﺘــﺰﺍﻡ ﺍﻟــﺪﻭﻝ، ﻭﻓﻘــﺎ ﻟﻠﻤــﺎﺩﺓ ﻣــﻦ ﺍﻟﻌﻬــﺪ ﺍﻟــﺪﻭﱄ ﺍﳋــﺎﺹ  (١١)  ﺑﺎﳊﻘﻮﻕ ﺍﳌﺪﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺑﺎﺣﺘﺮﺍﻡ ﺣﻘﻮﻕ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﺑﻮﺻـﻔﻬﺎ ﻏـﲑ ﻗﺎﺑﻠـﺔ ﻟﻠﺘﻘﻴﻴـﺪ ﰲ ﺃﻱ ﻇـﺮﻑ ﻣﻦ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ، ﻭﺗﺬﻛﺮ ﻓﻴﻤـﺎ ﻳﺘﻌﻠـﻖ ﲜﻤﻴـﻊ ﺍﳊﻘـﻮﻕ ﺍﻷﺧـﺮﻯ المذكورة ﰲ ﺍﻟﻌﻬـﺪ ﺑـﺄﻥ ﺃﻱ تدابير ﺗﻘﻴﺪ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﻌﻬﺪ ﳚﺐ ﺃﻥ ﺗﺘﻔـﻖ ﻣـﻊ ﺗﻠـﻚ ﺍﳌـﺎﺩﺓ ﰲ ﲨﻴـﻊ ﺍﳊـﺎﻻﺕ، ﻭ  ﺗـﺸﺪﺩ ﻋﻠـﻰ ﺿـﺮﻭﺭﺓ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺃﻱ ﺍﻟﻘﺒﻴﻞ ﺗﻘﻴﻴﺪ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﻭﻣﺆﻗﺘ" ،ولكن بعض الحقوق كالحق في الصحة مثلاً يمكن لإخضاعها لقيود وفقاً لأحكام المادة (4) وقد أوضحت مبادئ ليمبرج Limburg Principle  وهي المبادئ التي تمت صياغتها عام 1986 أن المادة (4) قصد منها أن تحمي حقوق الأفراد وليس السماح بتقييدها وقد أكدت المبادئ أن القيودالمفروضة يجب أن تكون مقررة بالقانون ولكن يجب ألا يكون ذلك القانون تعسفياً أو غير معقول أو  ينحو للتمييز وأن تلك القيود يجب أن تكون واضحة ومتاحة للجميع ويجب أن يضع القانون ضمانات كافية ضد فرض تلك القيود بشكل غير مشروع أو إنتهاكي وجملة الرفاه العام يجب  أن تفسر بأنها تعنى لفائدة الشعب في مجموعه .

  • حق المقاضاة بحكم القانون:

هذا من حيث الدستور أما من حيث القانون فإن كثير من المؤسسات في الدولة تقوم بأعمال تتصل بالعدالة الإجتماعية، ومن ذلك التأمين، والضرائب، والصحة، والتعليم والخدمات العامة وهذه كلها تحكمها قوانين بالإضافة أيضاً لقوانين العمل وتشمل بالإضافة لقانون العمل نفسه القوانين المتصلة بتنظيم القوى العاملة وحل النزاعات المتصلة بالعمل وبالتالي فإن تلك القوانين هي مدخل للمقاضاه ليس فقط بالنسبة للحقوق التي تكفلها بل أيضاً بالنسبة للحقوق التي تهملها وهي تعمل في ذلك جنباً إلى جنب مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية،وقال إن فتح الأبواب للمدافعين عن حقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني التي تعمل في مجال العدالة الإجتماعية التي تقوم بالمقاضاه نيابة عن تلك الأقسام، بغرض إحداث تغييرات في المجتمع تجعل العدالة الإجتماعية واقعاً معاشاً أو تقديم العون لهم لتمكينهم من المقاضاة للحصول على حقوقهم  هي مسألة ضرورية لقابلية تلك الحقوق للمقاضاة.

  • القانون المخالف للدستور:

ومضت الورقة بالقول إذا كان القانون الإداري لم يعد يحفل بالمصلحة الشخصية في دعاوي الشأن العام فإن التمسك بها في الدعاوى الدستورية، لا يعدو أن يكون صورة من إضفاء حصانة على قوانين وممارسات مخالفة للدستور. الدعاوى الدستورية التى يقيمها الأفراد طائفتان: الأولى متعلقة بإلغاء القوانين المخالفة للدستور، و الثانية متعلقة بحماية حق دستوري. بالنسبة للأولى القانون المخالف للدستور ليس بقانون أصلاً، ويجب على المحاكم الإمتناع عن تطبيقه، وليس هناك إلزام على أحد بإحترامه، مما يلزم معه عدم وضع أي سياج يعرقل إعلان ذلك، لأن القانون  غير الدستوري باطل منذ لحظة إصداره.ولما كان بقاء أي قانون مخالف للدستور فيه إضرار بالمجتمع ككل، لما يؤدي إليه من عدم إستقرار الأحكام و المعاملات عند إلغائه بأثر رجعى،   فلا بد من رفع كل الحواجز التي تمنع المحكمة الدستورية من إلغائه، لأنه ليس هناك أسوأ من السماح بإنتهاك الدستور، وليست هناك مصلحة أعلى من مصلحة جريان الأمور وفقاً لأحكام الدستور.

  • العون القانوني:

عرف نبيل العون القانوني  بأنه تقديم النصح  القانوني والمساعدة في نزاع قائم أو محتمل، أو التمثيل في ذلك النزاع، لأولئك الذين بسبب وضعهم المالي  لن يكون في وسعهم الحصول على تلك الخدمة بمواردهم الذاتية. هذه الخدمة ليست متاحة للجميع، بل هي مقيدة بوجود عدد من الشروط تختلف بإختلاف الأنظمة القانونية التي تقدم الخدمة في ظلها، ولكن جميع الأنظمة تتفق في أن شرط تقديم الخدمة الأساسي هو أن يكون طالبها في حالة من العوز تجعله غير قادر على الوفاء بثمنها، إلا أن عدم المقدرة يختلف من نظام لآخر بحسب مستوى المعيشة السائد في المجتمع الذي يحكمه ذلك النظام. عادة يتم تحديد معيارعدم المقدرة المالية بأن يقل الدخل الشهري عن مبلغ محدد من المال وأن لا يكون  لطالب الخدمة مورد بديل.كما أن هنالك شرطا اولي تجتمع عليه الأنظمة القانونية كشرط أساسي للحصول على الخدمة، فهنالك أيضاً إجماعاً من سائر الأنظمة على توفير خدمة العون القانوني للشخص المتهم بإرتكاب جريمة خطيرة إذا كان غير قادر على سداد ثمنها .   وتزداد أهمية العون كلما إزدادت شدة العقاب الذي يتعرض له الشخص . وهذا ما دفع واضعو دستور 2005 إللى أن يرفعوا مرتبة الحق في الحصول على العون القانوني في حالة  الجرائم البالغة الخطورة إلى مرتبة الحق الدستوري (م 4 3/ (6) من الدستور)

  • مجالات:

وقال نبيل يجب أن يحدد التشريع المجالات التي يمكن فيها تقديم العون القانوني. بالنسبة للسودان فرغم أن الحق الدستوري في العون القانوني جاء في المادة 34 (6) والتي تتحدث عن الجرائم الأكثر خطورة إلا أن الفقرة (6) لا يجوز قراءتها بمعزل عن الفقرات الأخرى من المادة ولا بمعزل عن العهود التي تشكل جزء من وثيقة الحريات .وأضاف هذا يعني أن إلتزام الدولة لا يقف على توفير محام لغير المستطيع فقط في حالة ما إذا كان متهما بجريمة شديدة الخطورة بل أيضاً في حالة إذا  كانت العدالة تقتضي ذلك ويشمل ذلك القضايا  المدنية والجنائية على السواء لأن المادة 14 /1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على أن الناس جميعا سواء أمام القضاء. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون. وقال ان العون  يقدم بصفة أساسية لجميع المتهمين في إجراءات جنائية تتعلق بتهمة بإرتكاب جريمة معاقب عليها بالإعدام أو بالقطع، أو بعقوبة سالبة للحرية،وكذلك لضحايا إنتهاكات حقوق الإنسان والعنف المسبب لأذى جسيم ،والقضايا المتعلقة بحقوق الأطفال،والدعاوي المتعلقة بالعنف الأسري ودعاوي الأحوال الشخصية التي يرى المجلس أو مقدم الخدمة أن عدم تقديم العون فيها يؤثر سلباً على العدالة.بجانب دعاوى الشأن العام والدعاوي المتعلقة بحقوق دستورية. وأوضح ان مسألة العون القانوني يجب أن يتم تنظيمها بواسطة مجلس متخصص مستقل عن الجهاز التنفيذي والسبب في ذلك هو أن السلطة التنفيذية غالباً ما تكون هي الطرف المقابل في دعاوي الشأن العام بما في ذلك الدعاوي الإدارية والدستورية، ولذلك فلا بد أن يتم تكوين المجلس المنظم لمسألة العون القانوني من متخصصين مستقلين عن الجهاز التنفيذي يضمنون تقديم الخدمة في المجالات التي تلزم المبادئ الدستورية الدولة بتقديمها، وفي نفس الوقت يضمنون ان تقوم الجهات الأخرى المقدمة للخدمة بالإلتزام بالقواعد التي تحمي طالب الخدمة من كافة أشكال التمييز والإستغلال. ومن المهام الرئيسية للمجلس أن يراقب وصول الخدمة إلى الشخص المحتاج للعون من حيث المقدرة المادية ومن حيث المجالات التي يستخدم المال العام لتقديم العون القانوني.وان يكون من مهام المجلس إستقطاب الدعم المالي بالإضافة للميزانية المرصودة له من الدولة ويقوم بتوزيع المبالغ التي تزيد عن حاجته للمراكز المختلفة للعون القانوني.وهنا يمكن للمجتمع المدني أن يقوم بدورهام.

  • العون القانوني في السودان:

حتى الأن فإن العون القانوني في السودان تقوم به إدارة العون القانوني بوزارة العدل ولا يوجد قانون يحكم العون القانوني بشكل عام فبالإضافة للمادة 34 /6 من الدستور والتي سنتعرض لها لاحقا لا نجد سوى نص المادة 135 (3) من قانون الإجراءات الجنائية والتي تنص على أنه اذا كان المتهم بجريمة معاقب عليها بالسجن مدة عشرة سنوات أو أكثر أو بالقطع أو بالاعدام معسرا، فعلى النائب العام بناء علي طلب المتهم أن يعين من يدافع عنه وتتحمل الدولة كل النفقات أو بعضها .وقد نشأت إدارة العون القانوني بوزراة العدل بموجب قانون تنظيم وزراة العدل لعام 1983 وينظم إجراءات طلبات العون لائحة العون القانوني تحت إشراف إدارة العــون القانوني وهي إحدي الإدارات العامة المتخصصة التابعة لوزارة العدل.وأوضح هنالك إجراءات تتطلبها لائحة تنظيم العون القانوني للحصول على المساعدة القانونية التي تقدمها إدارة العون القانوني وتتلخص هذه الاجراءات في الاتي :-

  1. تقديم طلب مكتوب من طالب الخدمة لرئيس الادارة للنظر والتقرير فيه بعد القيام بالاستجواب والتحقيق مع مقدمه .
  2. ثبوت إعسار مقدم الطلب بالفعل وعدم مقدرته المالية بتكليف محامي يترافع عنه امام المحاكم بأي من الطرق المنصوص عليها في لائحة تنظيم العون القانوني لإثبات الإعسار .
  3. إذا تبين لرئيس الادارة من خلال الاستجواب والتحقق مع مقدم طلب العون بان وقائع الدعوى تشير الي إحتمال نجاحها ووجود امل فيها .(يتبع)