الرواية السودانية آفاق ورؤى تجانس أجيال أم إختلاف رؤى

بوليفونية الخطاب السردي في رواية( جمجمتان تطفئان الشمس)(3/3)

إعداد وتقديم/ أبو طالب محمد

 تسعى هذه الورقة لقراءة رواية جمجمتان من خلال تعدد أصواتها السردية، والشاهد على ذلك انفتاح النص على احداثيات واقع السودان المعاصر بكل ما تواجهه من اشكاليات ناتجة من مأزق الحروب،المجاعات، التشرد، الهجرة والأمراض المزمنة. حيث استوعبت الرواية في خطابها السردي هذه الأزمات وجسدتها عبر وحدات سردية انفردت بطابع الطرح الأيديولوجي مستعينة بذلك بالأساطير والحكايات الشعبية والرسائل والتداعي والأشباح. حيث الكل في الرواية له رسالة وله مآلات أراد أن يفصح عنها، مما جعل الرواية تستند بشكل كبير على مسرح الحدث، وقدمت عبره شخصيات تتحدث عن ماضيها وذكرياتها، والداعي لهذا الكشف العامل النفسي الذي عايشته الشخصيات في معسكرات اللاجئين والنزوح الإجباري، بهذا المفهوم صارت رواية جمجمتان للروائي والقاص منجد باخوس ذات محمولات فكرية ناتجة من مساهمات الفرد في عرض منولوجه الداخلي وتوجيهه للقارئ بأصوات متعددة، وعليه سوف تستند الورقة على ثلاثة محاور رئيسية لإثبات ما تقدم عرضه في جسد النص وهي:البوليفونية و محمول التداعي و توظيف الأشباح.

-محمول التداعي:

   إن النظر في مبدأ الفردانية من منطلق التخصيص يظهر فلسفياً، بمظهر قضية تجديد الانسان الفردي فما أن تكلم بعض المفكرين عن العمليات الذهنية، ضمن وعي الفرد كمرتكز حتى كان من البديهي أن تستقطب القضايا الفلسفية المتعلقة بالذاتية الشخصية، مقداراً من الاهتمام ولقد كان لأراء بعض المفكرين الأثر في تطور النزعة الفردية التي ستظهر بشكل واضح في الابداع الأدبي().

   وبناءاً عليه ذهب الفيلسوف J. Lock حيث يقول:(أن مبدأ الفردية كذات واعية تكون على صلة بذاتيها الخاصة المتواصلة من خلال ذكريات عن أفكارها، وعن أفعالها الماضية.وعن طريق التداعي والافصاح عن أسرار ما يدور في مخيلتها، ويتم ذلك بالتفاعل أو الانفعال نسبةً لوطاة الزمن وتبدل الأحوال().

   هذا المفهوم تجلى بشكل واضح في رواية جمجمتان، باعتبار أن النص في بوليفونية خطابه السردي راهن على مبدأ الفردانية حيث نجد جل شخصيات الرواية تنطلق من فكرة التداعي بكل محمولاته النفسية وإفصاحها للأيديولوجيات المختلفة، وهذا الطرح الذاتي نجده منبعث من اللحظة التي دفنت فيها استيلا أبيها وجدتها، حيث طافت ذكرياتهاحول تاريخ قريتها المحترقة وفرار سكانها نحو الأحراش والكهوف، والباقون ذبحوا وقذف بهم داخل النيران، تتذكر ليالي الرقص والغناء، ختان الأطفال، وموسم الحصاد والفرح العارم لحظة الميلاد. وتتذكر جدتها وهي تحكي لها عن يوم ميلادها بأن يوم ولادتها صادف ولادة أطفال كثر في القبيلة، وأخذوهم إلى الغابة وحضرت لكل واحد منهم حفرة يوضع فيها لمعرفة إن كانت الأسلاف قد منحت قوتها لأحد.. وتقول:(أخذتني جدتي وأمي ونساء القرية والمولودين الآخرين إلى الغابة يغنين ويقرعن الطبول ويرقصن بأجسادهن المليئة بالدهون والخرز والسلاسل النحاسية) الرواية ص 102.

   هذه الحكاية وضحت محمول تداعي عكس طقس اليوم السابع لميلاد الأطفال وحملهم إلى الحفر لمعرفة حلول قوة الأسلاف داخل جسد أحدهم، ويستمر التداعي في توصيل محموله بشكل أكبر من خلال طقس اليوم السابع وتقول:(يظهر شيخ عجوز فوق الشجرة بيده إبريق فخاري وسوط طويل مصنوع من ذيل البقر، شريط بلاستيكي أسود يتقاطع في صورة على شكل صليب يخرج خنجراً لامعاً وطويلاً ويطعن به الإبريق الفخاري، ويخرج منه طائراً أسوداً بمنقار يحمل تميمة بمنقاره، ثم يطعن الرجل إبريقه مرة أخرى يصرخ الطائر ويتلوى في سماواته...الخ ثم يقول:(يا روح الجد المقدسة أدخلي جسد هذه البنت استيلا أمنحيها القوة والبقاء أينما كانت) الرواية ص 103.

   ويكتمل الطقس بحلق الرأس ونثر الشعر في الجهات الأربعة.

   ثم محمول تداعي الرجل المسن في المغارة وهو عائش مع ذكرياته ويحادث نفسه يستدعي ذكريات القرية، ويتذكر النيران وهي تلتهمها ويتذكر الجدة إيمي وعنزتها، وهي تحكي لها عن التاريخ السلالي والكجور وصارقيل، إذاً محمول هذا التداعي ناتج من عزلته في المغارة لا يجد شخص يحادثه سوى نفسه، مما استدعى خلق عالم استطاع أن يكون لصيق الصلة بحياة ماضيه، وأن يكون في حالة استرجاع دائم للحروب وحياة الاستقرار ما قبل الحرب، لذا هذا الرجل عايش زمن ذاكرة مفتوح وزمن حاضر مقيد فيه بعزلته.

   وعليه أضحت كينونة الفرد في الرواية هي المتحركة والطاغية، وصار الفرد وحده المسؤول مبدئياً عن تحديد الأدوار الاجتماعية والسياسية والاقتصادية().

   من خلال ما تقدم يظهر مع تطور الرواية الحديثة مثل"الرواية قيد الدراسة" أن صوت الراوي أخذ يخفت وصوت الشخصية يعلو، وذلك نتيجة تطور تقنية البوليفونية في البناء الروائي واتجاه الرواية نحو المنظور الذاتي. وترتب على ذلك ظهور أساليب تعبيرية مثل المونولوج والتداعي، وهو أسلوب واضحاً في الكتابة الروائية وخاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. وتفسيره هو طغيان السرد في حالته الانفعالية والتخيلية عند الشخصية، وطغيان هذا الجانب الفني في السرد يرجع إلى وضعية الفرد في حقبة من التاريخ الحديث.. حروبات، أزمات، سيطرة، استعمارية استعباد، خيبة أمل().

   ومن خلال هذا برز لنا أهمية التداعي في الكتابة الروائية(الرواية قيد الدراسة)، في محاولة فصل الشخصية الروائية عن ذلك التعاقب والتراتب في الأحداث لفسح المجال للحظات التأمل والتوقف، حيث تقدم لنا الشخصيات المفصحة عن أعماق وصفها المأساوي في علاقتها بالعالم وبالوجود ويقدم أسلوب التداعي قوة الشخصية المنعزلة رغماً عن تعايشها مع شخصيات أخرى().

   ورغما عن ذلك تبني عالماً يعيش ويساير المجتمع إلا أنه تعايش من بعيد، حيث نلاحظ الشخصية في بعدها المأساوي تقدم اعترافات عن نفسها(عشة بت عجبنا- استيلا- فريال- رجل المغارة- جورين- بدوي- التاجر- بدوي شيخ الدين) وعن الأخر رغبة في الافصاح عن طبيعة العلاقة التي تحكم عالماً ينهار إلى درجة أننا نجد أنفسنا مع شخصية متهمة في حضورها الاجتماعي().

  • توظيف الأشباح:

   وظفت رواية جمجمتان فكرة الأرواح أو الأشباح أو الطيف بحثاً عن معادل روائي منطقي وتمثل الشبح في شخصية(كونياك) الذي يأتي إلى"جورين" يحدثها عن الحروب وعن حياته المهنية ويأمرها أن تقرأ اللفافات. لكن فكرة الشبح في النص لم تكن ذات طابع منطقي روائي باعتبار أن"جورين" عاصرت الأحداث التي يرويها لها كونياك(الشبح). وهذا خطأ في المنطق الفني لأن توظيف الشبح أو الأرواح يتم بين شخص وآخر شرطاً أن يكون الأخر بعيداً عن وقائع الأحداث، مثلاً شكسبير عندما وظف الشبح في مسرحية(هاملت) من خلال حدث قتل الملك"كلود يوس" على يد أخيه وتزوجت الملكة(غرترود) عمه، هنا فكرة الشبح تدل على عدم وجود هاملت لحظة وقائع الأحداث مما استدعى توظيفه في نص المسرحية وقائع الأحدوثة بواسطة الشبح . إذاً الأرواح في الرواية لم تكن منطقية في توظيفها باعتبارات الشخصيات جميعها معاصرة للأحداث والوقائع ومشاركة فيه والدليل الآخر انفراديتها في استدعاءها للماضي بطريقة بوليفونيةهذه الأسباب أدت إلى اشكاليات توظيف الأرواح في الرواية

ختاماً:-

   توصلت الورقة إلى الآتي:-

  • تعدد أصوات الرواية داخل نسيج سردي استطاع في طرحه تجسيد الاشكاليات السياسية والاجتماعية المعاصرة.
  • رهان الرواية على مبدأ التداعي وحضوره القوي في بنية النص ودوره تجاه المحمولات الفكرية.
  • عدم التبرير الفني في توظيف الأرواح داخل بنية الرواية، لأن شخصياتها معاصرة للأحداث ومشاركة في الوقائع.

 

 قائمة المصادر والمراجع:

  • عواد علي: غواية المتخيل المسرحي: مقاربات لشعرية النص والعرض والنقد : بيروت: المركز الثقافي العربي ، 1967، ص 15- 16.
  • نفسه، ص16.
  • فوزية العيساوي: التداعي ومسير الكشف مقال منشور، www.aljariabed.net ص1.
  • نفسه، ص2.
  • نفسه، ص3.
  • نفسه، ص4.

7-نفسه، ص5.

  • نفسه، ص6.
  • منجد باخوس: جمجمتان تطفئان الشمس(رواية): جوبا: رفيقي للنشر، 2015م.