بعيدا عن الطنين، قريبا من فاطمة!

بقلم : جابر حسين

يقول العالم إنك قد رحلت، لكنك هنا، أنت هنا، معنا يا فاطمة. و ... في هذا المقام العالي، مقامك يا فاطمة، نقول أيضا:

اليوم يا فاطمة،

 ثمة ينابيع في أعماقك

 وثمة دروب عديدة

 لم يمش عليها أحدا سواك

 إلا الحزب

 إلا الرفاق

 وإلا أحلامك!

أكان حقا هذا أوان الرحيل

 أن تمضي والأسي بداخلك،

 بعض الحزن

 وكثير الفرح

 أهذا أوان المرح

 وهذا السبيل؟!

وهاهي الصراصير تزحف وتعبر أمام مواكبك

 تعبر الشارع،

 طنين طنين طنين

 تعبر إلي الصحف المأجورة

 إلي الأقلام المأجورة

 إلي ميديا الجلاد و إلى الأسافير

 ترى،

 أيكون هو الأخير؟!

طنين ... طنين ... طنين

 فيا لبؤس ذاك الطنين!!

أيتها الغائبة/ الحاضرة

 أيتها الخالدة

 كان علينا أن نفتديك

 بالشمس

 بالدمع

 والنبع

 والنهر

 والبحر

 و ... بالمقاومة

 يا فاطمة!

 

فاطمة أحمد إبراهيم، تقرأ سيرتها، في ظني، في ثلاث سياقات، هي تواريخ ميلادها أيضا، فلم تولد، كما عامة الناس، مرة واحدة في حياتها. هذه ( الثلاث ) ولادات هي التي شكلت جوهر حياتها ووضعتها، من ثم، في هذا العنفوان الجليل ، علامة وإشارة وشعار، في بلادها وفي وعي شعبها، ثم بلغت به، هذا العنفوان كله، أطراف الدنيا جميعها! هكذا، سأرى منها هذي ( المحطات ) الثلاث، الولادات التي غدت في ملامحها وفي تماسك شخصيتها، عزما ووعيا ومسارا حتى آخر أيام حياتها. ورحيلها نفسه، لم يكن ذلك المكتوب في شهادة الوفاة، حوالي الخامسة والنصف صبيحة يوم السبت12/8/2017م، بل أنها، لوجه الحقيقة، قد تركت الدنيا قبل ذلك  بنحو عامين حين داهمتها أمراض الحياة جراء ما عايشته من آلام ومحن ونضالات، فلم تكن منذ يومذاك في الحياة التي عرفتها وخبرتها، فساستها بقلب جسور وبوعي مثابر وكفاح باسل، حتي حان أوان رحيلها ذاك!

  • ميلادها الأول:

  كان يوم مولدها البيولوجي صبيحة يوم20/7/1932 في الخرطوم، ثم، من بعد، انتقلت الأسرة إلي أم درمان، وإلي البيت الرصين، حيث الحكمة والتقوى والعلم والأدب، في بيت والدها أحمد إبراهيم مدرس اللغة العربية المحترم بكلية غردون، ووالدتها عائشة بت الناظر التي كانت تتقن القراءة والكتابة، وهو الشيء النادر وسط نساء ذلك الزمان، وجدها كان ناظرا لمدرسة أولية في العهد التركي، وخالتها زينب الناظر هي أول أستاذة للغة الانجليزية بمدرسة الإتحاد. في تلك البيئة الصالحة، وفي ذلك البيت بدأت تطلع زهور حياتها ووعيها، تنمو وتزهر في أشراق لامع، بذور الوعي غدت في عقلها وفي حياتها الخاصة، والعامة من بعد، هكذا، كان البيت، وكانت الأسرة تشكلان وعيها ليكون في معرفة الحياة وجدواها النبيلة. هذه البيئة هي التي جعلتها، وهي في مدرسة أم درمان الثانوية في العام 1949م، تقود أول مظاهرة نسائية ضد الاستعمار. ثم، من بعد، تشرع مع رفيقاتها في تكوين الإتحاد النسائي السوداني الذي أعلن ميلاده في31 يناير1952م فمن أين لها كل هذا الوعي الوطني الجسور؟ في البيت كان هنالك أخويها، مرتضي أحمد إبراهيم الذي يعد وطنيا مخلصا ومهندس مياه مقتدر، إلتحق منذ تخرجه في جامعة الخرطوم بوزارة الري أوائل الخمسينات وأشرف علي تخطيط وتنفيذ العديد من مشروعات الري والخزانات والطاقة الكهرومائية التي شهدها سودان ما بعد الاستقلال وعمل مديرا لمشروع دول حوض النيل بالبحيرات الإستوائية ثم وزيرا للري 1969م/1971م ثم مديرا لمشروعات الري والخزانات بالصندوق الكويتي حتي نهاية الثمانينيات؛ مرتضي ظل منذ بواكير دراسته الجامعية عضوا في الحزب الشيوعي حتي يوم رحيله بالنمسا في 18/10/2011م و في البيت أيضا كان شقيقها الشاعر المعروف صلاح أحمد إبراهيم. صلاح كان قد انتمي مبكرا أيضا للحزب الشيوعي، فشرع يغدو شاعرا كبيرا بعد نشره أعماله المهمة: غابة الأبنوس/غضبة الهبباي/ نحن والردي/ محاكمة الشاعر للسلطان الجائر علاوة علي المجموعة القصصية ( البرجوازية الصغيرة ) بالإشتراك مع علي المك وعدة ترجمات. لكن صلاحا، جراء خلافات شخصية، أشعل نارها ولهيبها هو، أتخذ موقفا معاديا للحزب الذي ينتمي إليه حتى تم فصله من عضوية الحزب العام 1958م ثم ظل علي خصومة جارحة ومفضوحة مع الحزب حتى رحيله! هكذا، أيضا، لم يكن أمام وعي فاطمة إلا أن يكون في مسار الحزب الشيوعي كل سني حياتها، فقد نهلت من هذا الفيض الثر للفكر التقدمي الذي نما وشب في معية المجتمع السوداني المتدين بالدين الشعبي المعروف بسماحته واعتداله بعيدا عن التعصب والتطرف الذي كرسه في أوساط مجتمعنا الأخوان المسلمين وما هم بمسلمين علي قول الرشيد نايل المحامي!

 

  • الميلاد الثاني:

تلك، إذن، كانت هي البيئة المعافاة التي أحتضنت وعي فاطمة وشكلت توجهاته، من بعد، في الحياة والمجتمع وفي فكرها علي وجه الخصوص. ذاك كله كان يحدث إليها وهي بعد في أطوار ميلادها الأول. أما الثاني، فكان يوم أن اختارت دربها ورسالتها في الحياة، يوم أن إنتمت للحزب الشيوعي في العام 1954م فاختارت ( آمنة ) أسما حركيا لها وغدت تحت دلالاته عضوة فاعلة ونشطة في صفوفه ثم قيادية في لجنته المركزية ومكتبه السياسي حتي لحظة أقعدها المرض عن أنشطتها السياسية والاجتماعية. في هذه المرحلة الهامة من حياتها شرعت تؤسس لوعيها منابرا حرة ورايات عديدة، فأنشأت وأصدرت مجلة( صوت المرأة) في يوليو1955م بعد عام واحد من انضمامها للحزب الشيوعي، فكانت أول إصدارة نسائية في بلادنا، تؤازرها رفيقاتها الجسورات اللواتي هن من ذات نهج وعيها، صاحبات الريادة في النضال الحركي لأجل قضايا المرأة والنهوض عاليا بوعيهن. سارت، بتصميم واع وبشجاعة في دروب النضال التي كانت محفوفة بالوعورة والخشونة يومذاك، ثم، جراء تداعيات ذلك الوعي الذي سطع، كما الشهاب في حياتها، دخلت العام 1965م عضوة في البرلمان عن دوائر الخريجين في الانتخابات التي أعقبت ثورة اكتوبر المجيدة، وظلت، جراء ذلك الميلاد أيضا، تناضل من داخل البرلمان لأجل قضايا النساء وحقهن في الحياة، حتي أجاز البرلمان تلك المطالب الكبيرة العام 1968م فأصبحت من يومذاك من الحقوق الاساسية للمرأة في بلادنا و ... ينعمن بها اليوم. في أجواء هذه المرحلة حدث أمر هام في حياتها، تزوجت العام 1966م من القائد العمالي الشيوعي الشفيع أحمد الشيخ، رئيس اتحاد عمال السودان ونائب رئيس اتحاد عمال العالم، كان الزواج في ميدان الربيع بأم درمان وقدم للحشود الكبيرة التي شاركتهم ذلك الفرح ذو الدلالات الكبيرة البلح والماء البارد فقط، مهر العروس كان عشرة جنيهات، أبدا، حسب علمي، ما فعل أحدا مثل ذلك في بلادنا إلا  فاطمة والشفيع وأميرة ومحجوب شريف! الميلاد الثاني، كان إذن، زمان التفتح والزهو بالنضال والإنتصارات، وتلك، بكاملها، كانت مرحلة وهاجة الضوء والفعل في تاريخ بلادنا، مرحلة النهوض الثوري والآمال الكبيرة في التحرر والتقدم والإزدهار، عبر الوحدة والديمقراطية والسلام، تلك أيام الحزب العاليات، أيام فاطمة أيضا.

 

  • الميلاد الثالث، الفصل الأخير الدامي في حياتها:

 

لو جاز لنا أن نقول أن ميلادها الثاني كان حقبة إزدهار وتنامى نضالها السياسي والاجتماعي والحزبي، لجاز لنا أن نقول، بإطمئنان عميق، أن ميلادها الثالث هو الفصل المكتمل لوعيها السياسي ومواقفها الاجتماعية على جميع وجوهها. بدأ ذلك الفصل من حياتها يوم أن أرتضت، بكامل وعيها، أن تربط حياتها الشخصية والفكرية والاجتماعية بالشفيع أحمد الشيخ، صاحب القامة الجليلة في تاريخ الحزب الشيوعي والنضال العمالي السوداني وفي العالم. ذلك الفصل من حياتها نعتقد أنه جدير بالعناية والدرس من جوانبه النفسية والاجتماعية، وفي لحظات الأحداث التاريخية التي ظللته في زمانها بالذات، لربما سيأتي وقتا لتلك المهمة الضرورية يوما ما، فقد شكل، ذلك الرباط الثوري في وجهاته الزوجية والعائلية والحزبية محور نشاطها وحياتها حتي يوم رحيلها بعمر(85)عاما! كما ذكرنا تزوجت فاطمة من الشفيع العام 1966م بعد حوالي عام واحد من انتصار ثورة اكتوبر المجيدة، لكأنهما كانا ينتظران، كما يقول إبراهيم محمد علي الدوش، أن تحل الديمقراطية في سماء بلادنا حتي يكون الفرح ويكون الزواج! نلاحظ هنا، كيف يكون وجه القسوة والحزن والوجع الممض إحدى ملامحها التي ظلت تلازمها وهي تخوض معاركها مجللة بهذا البهاء السديد، سيدة الممكنات وأن كانت تحت ظلال العسف والقسوة والهوان، فأبدا لم يبد عليها الوهن ولا الإستكانة ولم تعرف، طوال حياتها، الإستسلام أو المهادنة، مثلما فعلها الكثيرون، من باعة التسامح، من بعد رحيلها، ذلك الطنين المقزز، طنين البلبلة علي حد قول محجوب شريف! لنبدأ نتصفح، لنري، هذه الصفحات المجللة بالدم والظلم والقسوة في مسيرتها العظيمة صوب إكتمالها في العام وفي الخاص أيضا. رحلت والدتها، عماد أسرتها وقدوتها النسائية في شهر يونيو 1971م، كانت فجيعة مؤلمة على قلبها لا شك، وكان قد بدأ يتفتح للحياة، وقبل ( الأربعين ) علي رحيلها أعدم السفاح نميري زوجها وقائدها النقابي والحزبي الشفيع أحمد الشيخ في 28 يوليو 1971م أعدموه شنقا، بمعية عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي وجوزيف قرنق القائد الشيوعي الجنوبي عضو لجنته المركزية ومكتبه السياسي، الوزير عن شئون الجنوب في حكومة أكتوبر الديمقراطية، وكيف تم إعدام زوجها، قائدها وملهمها؟! قام الرائد ابوالقاسم محمد ابراهيم  بتعذيبه بالضرب المبرح منه شخصيا وبالركل بأحذية العسكر الغليظة في مواضع حساسة من جسده وعلي رأسه وبالطعن بالسونكي في اجزاء جسده كلها، وكان الشفيع صامدا، لم ينكسر أبدا، فقط سمح لدماءه أن تسيل غزيرة علي ملابسه الممزقة وعلي الأرض، أينما حط عليها، لم يسمع أحد، أبدا، أنه يئن أو يصرخ، بل كان يهتف، حين تواتيه القدرة لفعلها، بحياة شعبه وحزبه والطبقة العاملة السودانية، أي بسالة تلك، وأي شجاعة جعلها الشفيع تلطخ بالعار كله وجه السفاح ونظامه وكل الجلادين، أينما كانوا وحلوا! ولنا أن نتخيل وقع هذا كله، علي قلب فاطمة وهي تعيش وتري هذا الدم كله يطلع منه ومنها وصغيرهما أحمد! عندما أخذوا الشفيع، زوجها ووالد أحمد، إلي منصة المشنقة بسجن كوبر في ذلك الليل الذي يمتد، خجلانا حتي الغياب، كان الشفيع شبه ميت، كان ميتا حين علقوا جسده علي حبل المشنقة، ملطخا بدمه حين شنقوه، لكنه مجللا بالمجد وبالخلود. كنت أنا يومذاك موظفا صغيرا بقسم شئون الضباط بالقيادة العامة بالخرطوم، فشاهدت، عيانا بيانا كما يقولون، الشفيع وهو يرتدي جلبابا ممزقا، كان أبيضا ، لكنه صار أحمرا جراء دمه الذي نزفه عليه، والجنود المأمورين بوحشية أبو القاسم ينهالون عليه ركلا وضربا وشتائم، عندها، في تلك اللحظة الدموية، لحظة العار الذي جلل وجه وحياة النميري وأبو القاسم حتي الأبد، خرج اللواء مصطفى عثمان( جيش) فرأي ذلك المشهد الدموي فصرخ بصوت مجلجل:( وقفوا الضرب دا، خذوه براحة لمحل ما جاتكم بيهو التعليمات) فتوقفوا! كان وراء كل تلك الوحشية، أداة النميري القذرة، أبو القاسم محمد إبراهيم، وهو نفسه الذي أصدر البشير ( مرسوما جمهوريا ) بإعادته للخدمة العسكرية وترقيته لرتبة الفريق، ثم إحالته للتقاعد مرة أخري، ذلك في المرسوم الواحد الذي لم تحدث سابقة مثلها ، ومتى صدر؟ في ذات يوم رحيل فاطمة!!! فأينها، يا أصحاب الطنين المهزلة، الأخلاق السودانية التي تتشدقون بها، عويلا وصراخا وخسة، لمجرد أن الجماهير، الجماهير العريضة وليس الحزب الشيوعي، قد قاموا بطرد رئيس الوزراء ووالي الخرطوم ووالي شمال دارفور ومعتمد أم درمان من عزاء فاطمة! التعذيب الدامي، والموت الذي جعلوا الشفيع فيه قبل اعدامه، وثقته وثيقة( مجاذر الشجرة ) التي أصدرها الحزب الشيوعي وفيها تفاصيل تلك المحاكم وتداعياتها الوحشية التي ادانها وإستبشعها العالم كله! لا شك أن وقع تلك الأحداث علي قلب فاطمة كان ثقيلا مهولا، جارحا وموجعا، مرعبا في تفاصيله الدموية تلك، وقاسيا حد أن يتيح، للجسد، للروح وللوعي، الإنهيار والتفكك والإنهزام في مواجهة الحياة، هذي أمها ترحل، ولبرهة قصيرة يجري للشفيع كل هذا الهول المخيف، بالدم، دمه ودمها أيضا، لكنها أبدا لم تنكسر ولم تنحني، ظلت، كلما واتتها اللحظة، تلعن الجلاد ورهطه من أبالسة الدم والحقارة! فيا باعة التسامح، مدعو الدفاع عن الأخلاق السودانية، المتحسرون على طرد رموز النظام  من العزاء، ألم تذكروا كيف شرعت فاطمة نفسها لتضرب، بمحض سواعدها المريدة، وجه أبو القاسم محمد إبراهيم، معذب الشفيع تحت قبة البرلمان وأمام الملأ؟!

في ظني، أن صمود فاطمة في وجه هذا الطوفان من الدم والطعن والقتل، الذي دخل إليها في حديقة حياتها وزهورها، في حياتها الزوجية وعائلتها، وفي حضنها حيث صغيرهما الغض لا يزال وقتذاك، يعد  من جميع وجوهه ملحمة خالدة كتبتها فاطمة بنبض قلبها وضوء وعيها وبتماسكها الأسطوري في كتاب حياتها، في مسيرتها التي بادلها شعبنا حبا بحب، إجلالا بإجلال، تجلي بأروع وأعظم ما يكون، في جلال مواكب تشيعهها التي، في ظني أيضا، ليس مثلها في الوطن العربي، إلا تشييع عبد الناصر ونقد ثم فاطمة. لك المجد كله، و الحضور في وعينا ونضالنا، وأبدا لست أنت الغائبة يااا فاطمة !