في وداع مَنْ نُحِبُ ونُقدر

وبعد أن هدأت العاصفة، ووارت الجماهير جسدها الطاهر والمقدس إلى مقره الأخير. وبعدما قال الجميع من محبي ورفاق فاطمة وأهلها كلمات الوداع الأخير، وسكت صوت السلطة ومؤيديها بعد محاولاتهم النيل من فاطمة وهي جسد مسجي، ونسوا أنها ولآخر لحظات حياتها وبأصرارها على البقاء في بريطانيا. كانت تعلن الرفض الكامل والواضح لجماعة الانقاذ والسلطة ومن لف لفهم من أفراد يحسبون على العائلة الكبيرة والممتدة؛ والتي ظلت في أغلبها مؤمنة بمبادئ فاطمة الشيوعية والمناضلة حسب ما رسمته وخطته الراحلة الجميلة الإنسانية.

وأي حديث غير ذلك محله الهواء الطلق والهبوب والتراب والتمسح بالسلطة والانصياع لرغباتها، إن كان من ضمن الأسرة أو من خارجها.

الراحلة العزيزة والكل يعرف. قائدة شيوعية في المقام الأول ولأنها قائدة شيوعية وعضو قيادي في مركزية الحزب ومكتبه النسائي، كانت المسؤولة عن الحركة النسائية الديمقراطية. وأبدعت في نضالها كعضو قائد في الحزب الشيوعي في جميع المجالات التي شاركت فيها. وجودها في قائمة الحزب الشيوعي لانتخابات الخريجين كان له الأثر الكبير في انتخابها. كأول نائبة برلمانية في الشرق الأوسط وأفريقيا،لكن ذلك لم ينل من تواضعها وموقفها الشيوعي بامتياز للتصدي لمؤامرات الرجعية السودانية ممثلة في أحزاب الأمة والاتحادي وجماعة الأخوان المسلمين في مؤامرة حل الحزب الشيوعي ومصادرة نشاطه، وكانت فاطمة الشيوعية البوق الواعي والشجاع الذي حارب دون هوادة جميع الأحزاب الإسلامية العربية وأطروحاتها لحل الحزب ومصادرة نشاطه بما في ذلك حقوق المرأة العاملة.

والراحلة ليست فقط مجرد قائدة إلتقى بها بعض الكتاب في مواقف وتواريخ مختلفة، بل مثلت فاطمة بتجربتها الممتدة على عقود ثمانية انتمائها الواضح للفكر الماركسي، وممارستها الذكية لذلك الفكر وتطبيقه على الواقع السوداني.وعلى وضع المرأة السودانية وكيفية استنهاضها. وأي محاولة للتخفيف من شيوعية فاطمة وانتمائها للحزب الشيوعي كقائدة فذة هو محاولة فبركة حكاية ليس لها أساس.

وبالطبع كمسيرة كل المناضلين والمفكرين والطلائع كان أن اصطدمت فاطمة مرات ومرات مع رفاقها خاصة، لم يكن فقط الجمود العقائدي هو السبب، بل السبب الرئيسي في سيادة الفكر الذكوري الذي ساد ولا زال يسود في القيادات السياسية والنخب القائدة.

ومن هنا برزت فاطمة كقائدة نسائية رائعة مكتملة الملامح وسودانية حتى النخاع، أحبتها نساء الحي، والعاملات وستات الشاي والعاملات في الحقول وراعيات الماشية وبنات الجنوب، كان لكل من هذه المجموعات من النساء لهن مطالبهن وكانت فاطمة دائماً وأبداً ما تقدم ما عندها، وتستلهم نضال وبسالة هؤلاء النسوة في مواجهتها للمجتمع الذكوري الطبقي، والبعض الذي يرى في المرأة "عورة".

يكثر الحديث عن ثوبها الذي لم تتخلَ عنه طيلة حياتها، هذا الثوب الذي صار مثل الساري الهندي، تراه من بعيد وتتوقع رائحة ومذاق البلد. لأنها بطهارتها القدسية وتفانيها في خدمة الشعب لا تتردد في قول الحق، مستعينة بتجربتها الحزبية التي أعطتها المقدرة في العطاء المستمر ونكران الذات، والالتصاق بالشعب وقضاياه. لونها الأحمر القاني الذي طغى ويطغى في لحظات غضبها الخلاق على التخلف وهجمة اليمين. ويجعلها كالنمرة في تحدي الطغيان والموت، وكانت تردد:(لم يبق في هذه البلاد من يعيش تحت قبضة الحكم الأسود وطغيان النميري ومن بعده جماعة الانقاذ) وأشارت بكل وضوح في جملتها الشهيرة:(يشموها كَدحة) مشيرة إلى حكم الميرغني والصادق وضياع السودان بين أصابعهم ومواقفهم وصراعاتهم غير المبدئية، والصبيانية أحياناً. والتي صبت في خانة خدمة الرجعية وحلفاء الاستعمار ومن لف لفهم.

أحزنها كثيراً عندما لم يجد ذلك القاضي أي تهمة تدينها وخوفه من الطاغية الدكتاتوري فحكم بالبراءة على أساس مس في عقلها. وقتلها الحزب مرة ومرات عندما تجاسرت العناصر اليمينية في الغربة، وقيمتها بأنها مريضة نفسياً، وما إلى ذلك . وبالطبع لم ننسى موقف زميلها الذي أصر على إدانتها علناً عقب اصرارها على ملاحقة المجرم الذي عذب القائد الشيوعي الشفيع، او بعض ضعاف النفوس الذين حاولوا الايقاع بينها وبين بعض الزعماء  

اصطدمت فاطمة كثيراً ببعض "الرفاق" من أحزاب صديقة، عندما شاركت في مؤتمر السلام بموسكو في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. عندما أصرت على طرد وفد حكومة نميري برئاسة عبدالله حسن ـ وزير الداخلية آنذاك ـ وكان أن تم بعد مثابرة منها ورفضها لكل الوساطات.

فاطمة لم تساوم في الحق، فاطمة هي مثال الروعة السودانية الحقيقية، هي تربية البيت ومدرسة الشيوعيين، وتخرجت من مدرسة البيت وتربية الشيوعيين لتصل إلى أعلى تمثيل للمرأة السودانية وللشيوعي السوداني. وجودها على رأس الإتحاد النسائي أعطى الإتحاد طعمه الوطني والتقدمي. وربط هذه الحركة الديمقراطية النسائية بحركة التقدم والاشتراكية في السودان والعالم الخارجي.

 اسم فاطمة له رنين خاص وسط الشيوعيين وأحزاب الطبقة العاملة، نعتها غالبية أحزاب المنطقة وأحزاب أوربا وأمريكا اللاتينية. وشاركت الآلاف من حركات النساء الديمقراطيات في فلسطين والعراق وإيران ومصر وجنوب أفريقيا في تشييعها، ولم ينس هؤلاء فاطمة بل وضعوها في حدقات العيون. وفي قلوبهم العامرة بالمحبة والنضال والصدام ضد أعداء البشرية وعملاء الامبريالية.

أما الآخرين والذين بكوها بدموع التماسيح ومن تنكروا لها ولمبادئها الشيوعية وحاولوا في الساعات الأخيرة ركوب الموجة وطعن الحزب من الخلف،فنحن على الدرب سائرون وفي طريق فاطمة واصلون لإقامة ما كانت تحلم به دائماً وطن حر وشعب سعيد.

ويا هؤلاء من ودعتم فاطمة لكم في عنقنا الكثير من الود والحب والتقدير فقد أكرمتم قائدة قل ما يجود الزمان بمثلها.