سقوط موغابي وجنوب أفريقيا

بقلم :  فتحي الفضل

أسفر الصراع على السلطة بين الأجنحة المختلفة في حزب زانو على إقالة الرئيس موغابي وعودة نائب الرئيس أميرسون كرئيس ليكمل الفترة حتى الانتخابات القادمة في عام 2018م . السؤال هل يستفيد المؤتمر الأفريقي الوطني من تجربة زمبابوي؟!

بالطبع الوضع في جنوب أفريقيا يختلف كثيراً خاصة وهناك احترام ـ إلى حد كبير ـ للحريات الديمقراطية، بوجود أحزاب خارج الحزب الحاكم لها جذور تاريخية في نضالات شعب جنوب أفريقيا ضد نظام التفرقة العنصرية.

لكن هناك بعض السمات المشتركة ومن ضمنها أن الطبقة الحاكمة السوداء ـ خاصة المتمركزة حول الرئيس زوما ـ تتحول تدريجياً إلى فئة حاكمة لها مصالحها الخاصة بعيداً عن مصلحة الحزب الحاكم والملايين من مؤيديه. والتجربة الديمقراطية في البلاد تساعد في نمو قوى المعارضة داخل وخارج الحزب الحاكم. لكن ما يظهر الآن، وهو شبيه بالصراع الذي دار في زانو. داخل الحزب الحاكم هناك على الأقل اتجاهين أحدهم يلتف حول زوما ويسعى إلى توريث الحكم لزوجته السابقة. أي استمرار نفس السياسة وحماية مصالح البرجوازية السوداء الجديدة وتحالفها مع رأس المال. وهناك طرف آخر يسعى لانتخاب نائب الرئيس سيرل راما فوسا النقابي السابق والملياردير الحالي. لكنه يقف الآن مع عملية التغيير واعادة النظر في الدستور الذي شارك في صياغته والذي أعطى الأقلية البيضاء الحماية الاقتصادية.

والشئ الملفت للنظر أن موقف الـANC الرسمي من احداث زمبابوي كان الصمت الكامل. والتأييد الصامت من قبل زوما لصديقه موغابي.

والصوت الوحيد الذي ارتفع في جنوب أفريقيا هو صوت الحزب المعارض "التحالف الديمقراطي" والذي يضم مجموعة من المثقفين البيض واعداد من القياديين السود الذين تركوا أو أقيلوا من حزب المؤتمر الوطني. فقد أصدر الحزب بياناً تضمن موقفه الواضح تجاه ما جرى في زمبابوي مشيراً "إن هذا يمثل انتصاراً لشعب زمبابوي والذين تعرضوا للاضطهاد خاصة في السنوات الأخيرة من حكم موغابي وإن قصة روبرت موغابي ليست شاذة. ولكنها شبيهة بأوضاع كثيرة في قارتنا". واستطرد البيان ليؤكد "فقد كان ـ موغابي ـ محارباً وقائداً لشعبه في النضال من أجل الاستقلال لكنه تحول من محرر إلى مستبد سجن شعبه وأشاع الفساد وخرب الاقتصاد".

بالطبع هذا الوصف لا ينطبق على الرئيس السابق بل كذلك على الفئة الحاكمة والمتنفذة في قيادة حزب زانو. والتي حكمت خلف موغابي في السنوات الـ37 الماضية.

ويمكننا الاشارة إلى تصريح أحد زعماء المعارضة في زمبابوي الذي أكد ما جرى بإزاحة موغابي "لقد أزحنا مستبداً لكن لا زال الاستبداد موجوداً وحياً" وبهذا التصريح كان يشير السيد ديفيد كولنارد إلى أن مجموعة نائب الرئيس قد انتصرت على مجموعة زوجة الرئيس السابق ولكن بقى النظام كما هو .

ويستمر الصراع حول السلطة في جنوب أفريقيا بين طرفين داخل قيادة الحزب الحاكم. فمن جهة يصطف جزء من القيادة خلف زوما مؤيداً ترشيح نكوساناـ زوجة زوما السابقة ورئيسة الاتحاد الأفريقي سابقاًـ وقد نجحوا حتى الآن في حماية الرئيس من كل المحاولات التي جرت إلى اقالته بالطرق الدستورية والدفاع عنه ضد كافة الاتهامات بالفساد والمحسوبية باعتبارها تهم ملفقة من قبل دوائر أجنبية ورجعية محلية. لكن تبقى المسألة الرئيسية في كيفية حل المعضلات والتحديات التي تواجه جنوب أفريقيا.

وهنا يظهر الفرق واضحاً بين البلدين ، فهناك التحالف الثلاثي الذي من المفروض أن يقود البلاد فوجود كوساتوـ اتحاد النقابات العمالية ـ والحزب الشيوعي عوامل مساعدة على الأقل في كشف عمق الفساد وتقاعس جناح زوما في حل مشاكل وأزمة جنوب أفريقيا. فبرنامج "الثورة الوطنية الديمقراطية" المتفق عليه لم ير النور. ولم ينفذ منه إلا القليل، وبالتالي استمرت أحوال الغالبية العظمى من سكان البلاد تواجه نفس المشاكل التي عاصرتها في عهد التفرقة العنصرية. ـ الفقر ، البطالة، عدم توفير الخدمات الأساسية لقطاعات واسعة، سيطرة البيض على قمة الاقتصاد مع مشاركة محدودة للبرجوازية النامية من السود.

وفي هذا الإطار يظهر الخلاف بين أطراف التحالف من جهة القيادة الحالية للمؤتمر الوطني ومن جهة اخرى النقابات والحزب الشيوعي.

وفي تقدير بعض المراقبين أن الفترة القادمة ستشهد تطورات مهمة داخل الحزب الحاكم وبينه وبين اطراف التحالف. فمثلاً حول المرشح للرئاسة تقف أطراف التحالف بشكل مستقل وترقب ما يجري داخل المؤتمر الوطني. وقد صرح السكرتير العام للنقابات بأن التحالف ـ الحزب الشيوعي والنقابات ـ يجب أن يخطو خطوة إلى الأمام وتحديد مواقف مستقلة في وجه تقاعس قيادة المؤتمر الوطني في التعامل مع التزمر ومظاهر المعارضة التي تبديها قطاعات واسعة من الشعب . ورد سكرتير الحزب الشيوعي في الاجتماع الموسع لحزبه بأن لكل مقام مقال. وأن الحزب سيتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب. ورغم أن هذا الرد قد يبدو دبلوماسياً إلا أنه يتضمن احتمال أن يتخذ الحزب الشيوعي موقفاً مستقلاً في حالة عدم اقتناعه بمرشح الحزب الحاكم.

وكما قلنا سابقاً وكما اكدت تجربة زمبابوي وبعض التجارب الأفريقية الأخرى فأنجولا وموزمبيق كأمثلة ,إن تاريخ القيادي وحده لا يكفي بل دوره بعد عملية الانتصار على العدو هو الأساس. فمثلاً سيرل راما فوسا أحد أبرز قادة المؤتمر الوطني والزعيم السابق لكوساتو. تحول إلى ملياردير بعد إسقاط النظام وكان مهتماً بالمشاركة في إصدار الأوامر للشرطة لفض إضراب عمال المناجم بالقوة الشيء الذي قاد إلى اغتيال 34 عاملاً. ولا زالت علاقته بالنقابات يشوبها الكثير من البرود.

لذا هناك من يتوقع أن يستفيد المؤتمر الوطني من تجربة زمبابوي بتصحيح علاقته بقوى التحالف وسماع رأيهم في اشراكهم بصورة أفضل في اتخاذ القرارات المهمة. ومن جهة اخرى تؤكد تجربة زمبابوي ـ رغم طغيان التناقض بين اطراف النظام ـ إن هناك قوة لا يستهان بها في الحركة الجماهيرية التي تسعى وتطالب وتناضل من اجل التغيير الجذري.

ومن الطبيعي أن يكون يمثل هذه القوى مكاناً في جنوب أفريقيا دوراً أكبر في تحديد مستقبل الصراع الاجتماعي في البلاد. خاصة وقد شاركت هذه القوى ممثلة في الحزب الشيوعي والنقابات في النضال الطويل ضد نظام التفرقة العنصرية وطرحت البديل الأكثر جذرية لتطور الثورة في جنوب أفريقيا. 

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+