اجتماع القصر حول الاقتصاد: بين الإجراءات الأمنية والسياسة الاقتصادية الراشدة(1/2)

اختلفت ردود الفعل حول القرارات الصادرة من اجتماع الرئيس مع صناع القرار الاقتصادي والأجهزة الأمنية والعدلية، والتي اتخذت الإجراءات التالية:

  • وقف الشركات الحكومية كلها من شراء الدولار.
  • توجيه التمويل المصرفي نحو الإنتاج.
  • تنظيم مشتريات الشركات ذات السيولة العالية من العملات الأجنبية.
  • تصحيح نظام سعر الصرف المدار.
  • وقف تهريب سلع الصادر والسلع المدعومة.
  • ترشيد السفر الحكومي وربط سفر مسؤولي الهيئات والشركات الحكومية بإذن من مجلس الوزراء.
  • وقف تمويل التجارة المحلية وتوجيه لتمويل الصادر والصناعات التحويلية.
  • تحديد سقف تحويل الرصيد.
  • إجراءات قانونية صارمة فيما يخص التعامل بالنقد الأجنبي، وتهريب السلع المدعومة وسلع الصادر والذهب.
  • وقف شراء السلع الأساسية نقداً (البترول والجازولين والغاز والقمح)، على أن تطرح في عطاء عام عبر تسهيلات مصرفية.
  • سياسات لترشيد لاستيراد السلع غير الضرورية والكمالية.
  • إجراءات مشددة على المصدرين الذين لا يستعيدون حصيلة الصادر بحظرهم من التصدير والتعامل المصرفي.

 

 ٍإن الاجتماع الذي خرج بتلك القرارات ترأسه رئيس الجمهورية بحضور رئيس مجلس الوزراء ورئيس جهاز الأمن وكل من وزير المالية والنائب العام ومحافظ بنك السودان، ولعل صوت الإجراءات الأمنية والعدلية كان الأعلى بعد الاجتماع، إذ صرح النائب العام (سيتم توجيه تهم تخريب الاقتصاد القومي وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب لتجار العملة والسماسرة والمتعاملين فيها بمختلف مستوياتهم لضبط سعر الصرف. وسيتم اتخاذ الإجراءات فورا وبكل حسم وسيتم اتخاذها عبر النيابات العامة والمتخصصة ونيابة مكافحة التهريب وستنفذ هذه الإجراءات فورا) وتبع ذلك التصريح حملة شملت أعداد كبيرة من تجار العملة وسماسرتها.

وتبع محافظ بنك السودان التهديد الصادر من النائب العام بتهديد آخر موجه للمصدرين " ستكون هناك اجراءات مشددة جدا على المصدرين الذين لا يستعيدون حصائل الصادر الي داخل البلاد سيعلنها المركزي في الايام القادمة".

ويتضح من الإجراءات أن المقصود بها إعادة التوازن في سوق النقد الأجنبي الرسمي والموازي بإجراءات ذات صبغة إدارية وأمنية وعدلية. فهل تؤدي مثل هذه الإجراءات للتوازن المطلوب؟ فلنأخذ القرارات واحدا بعد الآخر:

·        وقف الشركات الحكومية من شراء الدولار

هذه المسألة تثير عدة أسئلة عما هي الشركات التي كانت تشتري العملة وما هو مجال عملها ولماذا تشتري العملة؟ وألم تعلن الحكومة وفقا لسياستها الرسمية خروج الدولة من المجال التجاري؟ والذي سمحت الدولة لأن تكون لديها شركات تعمل في الاستيراد فهل تخصص لها نقدا أجنبيا من البنك المركزي، أما أنها وفقا لقانون المنافسة(والحكومة تحتكم للسوق وقوانينه) أليس من حقها أن تلجأ لشراء العملة للقيام بعملياتها التجارية التي توافق عليها الدولة أو التي أنشأت لتقوم بها؟ فإما أن تمنع كل الشركات والأفراد العاملين بالتجارة من شراء العملة بما في ذلك شركات الدولة أو تصفى هذه الشركات أو يتم تمييزها ولسبب أو أسباب واضحة فيخصص لها بنك السودان نقدا أجنبيا للقيام بالمهام الموكلة لها. نحن لا نملك إجابات على كل هذه الأسئلة غير أننا نرى أن القرار بشكله الحالي وبدون الخيارات التي وضعناها: يسمح لها بالشراء إلا أن يمنع الجميع، تصفي أو يخصص لها نقد من بنك السودان، يعني تعطيل هذ الشركات عن العمل، فهل هذا ما قصدته الحكومة بقرارها؟ إذن فليس من خيار سوى تصفية هذه الشركات. نحن لا نمانع مثل الحكومة في وجود شركات عامة تعمل في التجارة، ولكن لتحقيق أهداف اقتصادية وطنية مثل توفير السلع الاستراتيجية وبأسعار معقولة مثل استيراد القمح أو تجارة السكر والشاي والبن ومدخلات الإنتاج الزراعي من آليات وخيش وسماد ومبيدات وغيرها؛ أو شركات تعمل في مجال الصادر تهدف لحماية المنتج مثل تصدير القطن والحبوب الزيتية والصمغ والمعادن كالذهب، ولكن تكوين مثل هذه الشركات يتطلب الإدارة الاقتصادية الكفوءة والشفافية في معاملاتها وخضوعها للمراجعة والمحاسبة. والواضح أن الشركات التي يشملها القرار ليس من بين هذه الشركات التي ندعو لها، ولا تخضع لشروط الشفافية والمراجعة والمحاسبة ولا يدري عنها الرأي العام شيئاً. فالحل في حلها وتصفيتها أو توفيق أوضاعها بعلنية وشفافية.

·        توجيه التمويل المصرفي نحو الإنتاج

وهذا شعار طالما رفعه الناس من العامة والساسة والاقتصاديين وردده بنك السودان والحكومة، ولكنه لا ينفذ وقد أدرك اقتصاديو التنمية والحكومات الوطنية السابقة أهمية ذلك فأنشأت ثلاثة بنوك متخصصة أولها البنك الزراعي(الذي كان يساهم في تمويل الزراعة المطرية التقليدية والآلية، ويساعد في تسهيل شراء الآليات الزراعية وفي توفير الخيش والحاصدات بالتعاون مع مؤسسة الزراعة الآلية ومؤسسات المؤسسة العامة للإنتاج الزراعي التي قامت هذه الحكومة بحلها)وثانيها البنك الصناعي (وكان يقدم التميل للصناعات الجديدة) وثالثها البنك العقاري (المتخصص في تمويل متوسطي الدخل في بناء منازلهم وما زالت بنوك البنك العقاري تقف شاهدة على إنجازه) وأضاف نظام نميري لتلك البنوك بنكا للتعاون (يختص بتمويل الجمعيات التعاونية) وبنكا للادخار (يختص بتمويل الأسر والمشاريع الصغيرة) بل أن بنك السودان ووزارة المالية كانا يقومان بتمويل الزراعة المروية، التي تساهم الحكومة في إدارتها وشراكتها، وكانت البنوك والمصارف التقليدية تمول بعض المشاريع في النيلين الأبيض والأزرق والزراعة الآلية وتقدم التمويل لرأس المال الجاري أو الدائر أو التشغيلي للصناعات،ولكن الحكومة الحالية وحكومة نميري ألحقا ضررا بالغا بمسألة تمويل الإنتاج. فالحكومة الحالية بما أحدثته من تغييرات في البنك الزراعي والبنك الصناعي والسماح لهما بالعمل التجاري واقحامهما في المعاملات المصرفية المسماة إسلامية قد جعلت منهما بنوك لا تفيد تمويل الإنتاج ولا تختصر عملها في مهامهما التنموية والإنتاجية، أما إحالة تمويل الزراعة المروية للبنوك التجارية الإسلامية بما في ذلك البنك الزراعي بصيغته الجديدة فهو أحد أسباب مشاكل الإنتاج الزراعي، لقد فشلت كل منشورات البنك المركزي السابقة في تحديد نسب لتمويل الإنتاج والإنتاج الصغير في تحقيق أي تقدم في هذا المجال، وفي تقديري سيظل هذا القرار حبرا على ورق ما دامت الصيغ الإسلامية السائدة ذات طبيعة تجارية تقوم على المرابحة أو السلم الذي هو استعادة لـ"لشيل بالباب الخلفي."

 إن قضية تمويل الإنتاج والتنمية تحتاج لصيغ مصرفية جديدة غير الصيغ الإسلامية السائدة وتحتاج لتكامل التمويل مع الخطط والسياسات الاقتصادية الزراعية والصناعية الصحيحة. فبدون حل مشاكل الزراعة الهيكلية وعلاقات الإنتاج في المشاريع المروية وحماية الزراعة المطرية التقليدية وتحديثها وضمان الأسعار المجزية لمنتجاتها، فلن يجدي التمويل وسينتج عن التعسر والسجون، ولن يقوم الممولون بتقديم عروض التمويل العادلة والمحفزة للإنتاج. أما في مجال الإنتاج الصناعي فلا يوجد حل تحت صيغة البنوك الإسلامية الحالية لتمويل تشغيل المصانع (راس المال الدائر أو المتغير)لهذا سيظل هذا القرار شعارا بلا تنفيذ حتى نعيد النظر في النظام المصرفي ونعيد هيكلته وصياغته وفقا لأسس مصرفية جديدة.

·        تنظيم مشتريات الشركات ذات السيولة العالية من العملات الأجنبية

بالرغم من عدم إفصاح القرار عما يقصد بالشركات ذات السيولة العالية التي تحتاج مشترياتها للتنظيم، فإن الذهن يذهب فورا لشركات الاتصالات، والتي لها أرباحاً طائلة ويسمح لها القانون بتحويلها للخارج، وبما أن بنك السودان لا يستطيع توفير ذلك النقد لها فإنها تشتري ذلك النقد من السوق الموازي وتمثل ضغطا كبيرا على طلب النقد الأجنبي، ولا أدري كيف تريد الحكومة أن تنظم مشتريات هذه الشركات؟ والوضع كله من خلق الحكومة التي باعت نصيبها في هذه الشركات دون سبب معقول غير إيديولوجية الخصخصة، وعدم قيام الحكومة بنشاط تجاري(رغم أنها كشفت أن لديها شركات تجارية تشتري النقد الأجنبي) وهذا وضع لا تحسد عليه. ولا أظن أن الحل الصيني مثلا بإعطائها جزءاً من مشروع الجزيرة أو الرهد سينفع هنا. والحل هو أن نبحث عن مال أجنبي لشراء أسهم في هذه الشركات، وأن يمدها بنك السودان من النقد الأجنبي عندما يتخذ السياسات الصحيحة في مجال الاستيراد وجلب أموال المغتربين،ولكن شركات الاتصالات ليست وحدها فهناك البنوك الأجنبية التي تمسك بالقلم فتخصم أرباحها من النقد الأجنبي من مشترياتها، ومما يدفعه لها العملاء ولربما مما يبيعها بنك السودان فمن يعرف؟

الحكومة لن تستطيع تنظيم مشتريات هذه الشركات، إلا بعد أن يكون لها نقد أجنبي! فمن أين لها؟

·        تصحيح نظام سعر الصرف المدار.

وهذه خطوة بمقدور الحكومة أن تفعلها بتخفيض جديد في سعر الجنيه، وبالتالي رفع أسعار السلع التي تحسب بالسعر التفضيلي وهو ما تسميه الحكومة (دعما) وقد لاحظت بعثة صندوق النقد الدولي أن أثر هذا سيكون تضخميا وسيضر بالإنتاج مثلما ما حدث لرفع أسعار الوقود والطاقة من قبل. الإجراء سيضر بالمواطنين وبالإنتاج معا وهو مطاردة للسوق الموازي ستدفعه لرفع أسعاره للعملات الأجنبية.

·        وقف تهريب سلع الصادر والسلع المدعومة

وهذا إجراء أمني من المفترض أن يكون واجبا دائما لقوات حرس الحدود والأمن والجمارك، ولا يحتاج لقرار فهو تنفيذ للقانون، لكن كيفية تنفيذه تحتاج لإعادة تنظيم وترتيب أولويات هذه القوات، بحيث تصبح فعلا حامية لحدود الوطن ولتتبع المهربين بدلا من تتبعها للسياسيين وهو يحتاج أيضا لإعادة توزيع ميزانية القوات النظامية، ومدها بالعربات والطائرات المروحية (الهيلكوبتر) وأجهزة الاتصال والمراقبة الحديثة والحوافز للعاملين بها حتى لا يكونوا عرضة لرشاوي المهربين، كما يتطلب تعديلا في القوانين يجعل عقوبة التهريب رادعة ولا تنفع معها وساطة الكبار.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+