محنة الكاتب السوداني(2-2)

عبد العزيز بركة ساكن

و سيندهش القاريء اذا عرف انه ليس بالسودان الى لحظة هذه الكتابة  اية مجلة ادبية او صحيفة مختصة بنشر الأدب، خاصة كانت أم حكومية، و انه ليست هنالك وزارة ثقافة بالمعني المعروف، وتوجد وزارة تسمى وزارة الثقافة و الشباب و الرياضة، واعلن احد وزرائها في صحيفة ما انه لا يشترط على وزير الثقافة ان يتعاطى الثقافة، اي ان يكون مثقفا، بالتالى تهتم هذه الوزارات بكرة القدم ، ولو ان الحال في مجال الكرة ليس بأحسن منه في مجال الأدب إلا ان بالسودان حاليا ما لا يقل عن عشرين صحيفة يومية مختصة بكرة القدم، والمفارقة المضحكة المبكية توجد بالبرازيل تلك الدولة ذات التاريخ الحقيقي في كرة القدم ، صحيفة رياضية واحدة فقط؟

بعض الكُتّاب – شخصي واحد منهم- ندعي العبقرية في التحايل على محنة النشر، فالناشر الذي يقوم في الغالب بنشر أعمالي هو مكتبة الشريف الأكاديمية، لدي اتفاق غريب معه، وهو ان يعطني ثلاثين في المئة من الكتب التي يقوم بطباعتها، على أن أوزعها بطريقتي الخاصة. بالرغم من أنني حتى الآن لم اجن شيئا من الكتب التي اقوم بتوزيعها بنفسي في مدن وقرى السودان إلا انني استفدت كثيرا من تجارب السفر و الشوف و الأمل في ان أجد مبلغا ولو يسيرا من المال مقابل ما اكتبه، في الحق اصرف على الكتابة الكثير من الوقت و الكتب و مصروفات الأسفار الطويلة، و اتحمل في شأنها الشتائم و التشكك في اخلاقي.

هنا نعرج لمحنة اخرى وهي الظن العام في ان الكاتب يكتب تجاربه و مغامراته لا غير، وإلا من اين له بكل تلك الحكايات الضالة؟ وهذا يتطلب من اخواتنا الكاتبات عندما يكتبن ان يتجنبن الخوض فيما يجر عليهن تهمة الإنحراف، ويثير حفيظة ازواجهن و اخوانهن و انف المصنفات الكلبي، و المحنة في ان الكاتب كلما تجنب شيئا ما لمخافة ما ، فانه ينحرف بعمله نحو هُوَّة الضعف الفني. .

ومحنة النشر خارج السودان بالمجلات و الصحف الرصينة التي تدفع مقابل مادي عن النشر، مثل مجلة العربي وغيرها، محنة شائكة، لدي تجربة وقد خاضها قبلي استاذي مبارك الصادق، وهي ان مجلة العربي ترسل شيكا مسحوبا على البنك الباركليز، وفي السودان لا يوجد مثل هذا البنك، بل محرم تماما التعامل مع البنوك الأمريكية وتوجد قائمة سوداء لأخرى. ولقلة المبلغ فانك لا تستطيع ان تقوم بمحاولات اخرى تجعلك تتحصل على قيمته، لأن تكلفة صرفه أكبر من قيمته، لذا احتفظ الآن بشيكات مجلة العربي باليورو داخل شنطتي، للذكرى العطرة وانا في اشد الحاجة للمال الذي تحويه. أما عن اعمالي الصادرة باللغة الفرنسية فإلى الآن لم يستطع الناشر- ولا أنا- ان يفهم لم لم يكن سهلا امر تحويل نصيبي مباشرة لحسابي في السودان؟.

بعد ان يتخطى الكاتب كل تلك الحواجز، مثل ثعلب عجوزيخدع الشباك التعبة، يقع في شرك النقد، وهو محنة سوف لا ينجو منها بالسهل، فالنقد في السودان- في كثير من الأحيان- يقوم على المزاجية ، الشللية، الأخوانيات و احيانا البلديات و الحزبية الضيقة جدا، على الرغم من ان جيلا من النقاد يمتلك الكفاءة العلمية، اي تخرج من كليات النقد، بل ان كثيرا من حملة الدكتوراة في هذا المجال قد شرفوا الساحة الأدبية، إلا ان حركة النقد مازالت بطيئة وغير فاعلة، بل تصبح في احيان كثيرة معيقة لحركة الإبداع ، حيث ان ميكانزم الشلة، منذ سنوات قليلة كان يعمل على انتاج كُتّاب الشلة، وفي سكته هذه قد يقوم بتجاهل كتابات كثيرة جيدة، تجاهلا متعمدا،وقد يسحق تحت حوافرة العجلة كُتّابا مثابرين كان يُرجى منهم الكثير،ليلقي الضوء على تجارب فطيرة فقيرة، حالما يكتشف القاريء زيفها منذ الأسطر الأولى..

واذا كان الكاتب يتمتع بروح كديس بري، ونجا من كل تلك المحن و الإحن، فما ينجيه من الجرى اليومي وراء لقمة العيش الذي يلهيه عن القراءة و الكتابة و المنتديات عن السفر؟ وكما يقر بول الوار بأن "الخبز خير من الشعر"، اعتصم أكثرهم بوكر الخبز..

سألت مرة ابني الصغير اسمه المهاتما، عمره ثماني سنوات

- عندما تكبر، عايز تكون شنو؟ اي ما هي امنيتك؟

قال بسرعة وكأنه يعد الإجابة مسبقا

- عايز اكون كاتب مثلك!

وعندما سألته لماذا يريد ان يصبح كاتبا، قال لأن الكاتب لديه مال كثير و لديه عربة. وحتى لا يضيع ابني في الوهم الأخضر كما ضاع ابوه، اخذت اشرح له، بأن العربة التي اقودها هي عربة المصلحة التي اعمل بها، و ان النقود التي ادفعها يوميا من اجل توفير الطعام له و لأخيه، هي ما تدفعه لي المؤسسة مقابل ان أعمل الوقت كله لها، وشرحت له انني اذا اردت ان أعيش ككاتب،اكتب و أقرا واقدم الأوراق الأدبية و أحضر المنتديات، عليه و اخوه ان يتوقفا عن الذهاب للمدرسة و يتسولا في الشوارع، ونصحته بأن تكون له امنية أخرى اذا اراد المال و العربة و الحياة الرغدة الطيبة، سياسي مثلاً او ناشر كتب..

ولكنه اصر على امنيته في ان يصبح كاتبا، بالتالي كتبت هذه الوصايا الإحدى عشر من أجله:

- عندما تكتب عليك ان تنسى ماهو دينك او حزبك او قبيلتك، عليك فقط بالنص.

- لا تتردد مطلقا في ان تكتب اية كلمة تخطر ببالك اذا كانت لها ضرورة فنية.

- عند لحظة الكتابة لا تهتم مطلقا بكل ما تعلمته من فضائل وقيم و اخلاق، اهتم فقط بالإنسان، بالقيم التي تخصه و الأخلاق و الفضائل التي تخصه، اقصد الإنسان الذي تشكله في النص .

- لا تفكر في النشر إلا بعد ان تفرغ من الكتابة، لآن التفكير في النشر يجر الى التفكير في ما يجب ان يكتب و ما لا يجب.

- انس كل القوانين التي تقيد كتابتك وتحد من حريتك.

- ضع العالم في جيبك و انت تكتب، امتلكه كله ، زمانا و مكانا.

- استخدم اللغة التي تروق لك انت شخصياً.

- لا تتبع غير الموسيقى التي تنبع من ذاتك، الموسيقى التي تخصك،الموسيقى التي هي جزء منك و انت جزء منها.

- تذكر مقولة بودلير" لا تخلط الحبر بالفضيلة".

- لا تنسى وصية جدتك فرجينيا وولف " كل الموضوعات تصلح للكتابة".

- في غمرة الكتابة لا تفوتك الحرفة، اقصد فن اللعبة، لأن الرواية ليست هي الحكاية ولكنها فن كتابة الحكاية، وكذلك الشعر، القصة و الرسم.

في مصر كنت قد التقيت قبل سنوات كثيرة، بصديق درسنا الجامعة معا بمدينة اسيوط، اسمه احمد خالد وهو روائي وقاص مصري مشهور، سألته عن حاله و احواله ، قال لي: ( إنه الآن متفرغ للكتابة ) واندهشت جدا لهذه الجملة التي لا توجد اطلاقا في قاموس الثقافة السودانية.

وسرحت بخيالي في اسئلة عصية، من اين يأكل هذا الشاب، كيف يوفر مصروفه الشخصي ولحسن حظه انه غير متزوج ولكن من يدفع له ايجار الشقة؟ وكنت أعرف انه لم يكن من اسرة ثرية او بقايا باشوات. وعندما شاهد دهشتي، قال لي : ( إن هذا الشيء عادي تماما في مصر، و لقد فرغتني المؤسسة الحكومية التي اعمل بها، انا اصرف مرتبي شهريا و اذهب للمنتديات و اقرأ و اتسكع و أحب من اجل ان اكتب روايتي الجديدة في عامين كاملين.) قارنت هذا بأديبنا الأعظم ابراهيم اسحق الذي ظل يعمل و يكتب اكثر من ثلاثين عاما و الى اليوم، قارنته بأستاذنا الروائي و القاص عيسى الحلو وهو على مشارف السبعين واذا لم يذهب للجريدة سيموت من الجوع ويطرد من بيت الإيجار، بذات الحال الروائي و القاص مبارك الصادق، الناقد مجذوب عيدروس، الشاعر عالم عباس، و الناقد عبد القدوس الخاتم الذي لم يقعده عن العمل سوى المرض، القاص بشرى الفاضل. وكثيرون هم الآن فوق الخمسين أو الستين لم يتفرغ اي منهم ليوم واحد من اجل مشروعه الأدبي، وإلا اصابتهم لعنة المسغبة ، ولأن هؤلاء الشيوخ الذين افنوا جل عمرهم في خدمة الأدب و الثقافة لا يشملهم التأمين الصحي و ليس هنالك ضمانا اجتماعيا يحمي اسرهم ، فكثير منهم مات محبطا بأتفه الأمراض مثل القاص زهاء الطاهر و الروائي محمود محمد مدني صاحب الدم في نخاع الوردة،و القاص بدر الدين عبد العزيز وتركوا اسرهم للريح، بذلك ينقلون محنتهم اقصد لعنتهم ككُتّاب الى اسرهم من بعدهم، وهم السابقون و نحن اللاحقون. تخليوا الروائي الفذ الطيب صالح اذا تفرغ للرواية بعد كتابة رواية موسم الهجرة الى الشمال في اوائل الستينيات من القرن الماضي ، دعنا لا نتحدث عن جائزة نوبل، لأنها كما يقول الأستاذ عنها "حظوظ"، ولكن كم من الروايات الجميلة كان سيكتب وكم من القصص الساحرة؟ ولكن كان ابو الرواية السودانية فقيرا ايضا، وظل يعمل الى ان اقعدته الشيخوخة والمرض عن العمل ثم تفرغ مجبرا في اواخر ايامه..

فكرت ذات مرة- كثير من الأفكار الشيطانية انتابني بين حين وآخر- أن اتفرغ للكتابة سنة واحدة فقط، تبدأ ب 30 مارس 2008 و تنتهي ب 30 مارس 2009، وكان حينها قد انتهى عقد العمل الذي يربطني بالأمم المتحدة و منظمة رعاية الطفولة السويدية كمستشار لحقوق الطفل بدارفور، وكانت بجيني بعض الجنيهات حصيلة عمل شاق وخطر استمر لثمانية عشر شهرا مع قوات حفظ السلام الأفريقية ثم الجيش السوداني، وفكرت عمليا وسريعا في ان استثمرها في مشروع صغير يوفر لأطفالي مصروفات السنة التي سوف اقضيها للعمل النهائي في مخطوطة رواية الجنقو مسامير الأرض، وكنت متفائلا جدا، وطيبا جدا، و اكتشفت فيما بعد انني كنت غبيا جدا، عندما اودعتها جميعا، في مشروع كانت خسارته داوية بعد ثلاثة اشهر فقط،ولكنني قررت ان اظل متفرغا الى بقية العام، لذا قمت بعمل خفيف وهو ان اصمم اقمصة من اقمشة القطن و ابيعها للمثقفين بأماكن تجمعاتهم، لقد كنت في صباي اعمل تلميذا لخياط في بلدتي بخشم القربة،وامتهنت فن تصميم الأزياء ذات فقر من قبل ، اي كانت لدي فكرة لا بأس بها في هذا المجال، وفشلت محاولات اخرى كثيرة من أجل توفير لقمة العيش، ولولا نجدة الأصدقاء و الصديقات، لولا الصبر الذي تعلمته من امي، لولا مهارتي في إدارة الجوع و الفقر، لما اتممت العام متفرغا للكتابة، واعتبر ان تلك كانت مغامرة كبيرة سوف لا اكررها فيما بعد..

إذا،كيف يبدع الكاتب السوداني وهو في دوامة تلك المحن، و محنة الكاتب السوداني تقود الى محنة الأدب السوداني بالضرورة،و تبقي حقيقة واحدة مهمة، من جراء كل تلك المحن، يصبح "الكاتب السوداني مشروع فاشل لكاتب عالمي"

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+