مفهوم المركز والهامش: رؤية نقدية(2 )

بقلم/ تاج السر عثمان 

  تناولنا في الحلقة  الأولى من هذا المقال  مفهوم المركز والهامش من زاوية نقدية، وخلصنا إلى أنه مُضلَّل ويغبشُ الوعي الطبقي للكادحين، ومن المهم الفرز والتحليل الطبقي في كل حالة، والصراع ضد كل أشكال الاضطهاد الطبقي والإثني والقومي والعنصري والجنسي،  وأن جوهر الصراع إذن طبقي يتجلى في مختلف الميادين الاقتصادية والسياسية والثقافية.

كما تناولنا رؤية الحزب الشيوعي السوداني لقضايا المناطق المهمشة أو الأقل تخلفاً،ولاحظنا أن الحزب الشيوعي لم يختزل القضية في تضاد بين المركز والهامش، ولم يتناول قضايا المناطق المهمشة فقط على المستوى الاقتصادي، بل تناول الجانب المكمل، والذي يتعلق بالجانب الاجتماعي والثقافي والإثني والتاريخي، وطرح ضرورة الاعتراف بالتنوع والفوارق الثقافية والإثنية والدينية، وحرية الضمير والمعتقد، وحق المجموعات القومية الأقل تخلفاً في استخدام لغاتها المحلية في التعليم، إضافة للتمييز الإيجابي للنساء وأبناء المناطق المهمشة، وتوفيرإحتياجات الناس الأساسية في التنمية المتوازنة وفي التعليم والصحة والخدمات، والتداول الديمقراطي للسلطة.

ونواصل في هذه الحلقة تجربة وممارسة الحركة الشعبية لتحرير السودان، والمتغيرات في شعاراتها وأهدافها، حدثت تطورات ومتغيرات في أهداف وشعارات الحركة الشعبية لتحرير السودان، فبيان الحركة(المانفيستو) الصادر عام 1983م أشار إلى ضرورة (النضال من أجل سودان موحد اشتراكي يبدأ النضال له من جنوب السودان).

 الجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي السوداني، كان قد انتقد في  العام نفسه ذلك الشعار: باعتبار أن الهدف المباشر في ذلك الوقت هو إزالة حكم الفرد(النميري) واستعادة الديمقراطية التي تمهد الطريق للنظام الوطني الديمقراطي الذي يفضي إلى الاشتراكية، أي أن الاشتراكية ليست هدفاً مباشراً، إضافة إلى ابتذال شعار الاشتراكية نفسه بعد انقلاب25مايو1969م والجرائم والنهب والفساد ومصادرة الحقوق الديمقراطية باسم الاشتراكية، إضافة لملاحظات الحزب الشيوعي الناقدة التي طرحها حول نظام “منقستو” في اثيوبيا الذي كان يشكل الركيزة للحركة الشعبية في كفاحها المسلح ضد نظام النميري، وكان من رأى الحزب الشيوعي السوداني: أنه لابد من إشاعة الديمقراطية كمنهج في الحكم والحل الديمقراطي السلمي للمسألة القومية في اثيوبيا، وإعطاء تقرير المصير للشعب الإريتري، وقبل ذلك كان الحزب الشيوعي السوداني قد طرح في دورة اللجنة المركزية في أغسطس 1977م ضرورة الديمقراطية والتعددية السياسية للوصول للنظام الوطني الديمقراطي، ونبذ أسلوب الانقلابات العسكرية والحزب الواحد،ولكن نتيجة للمتغيرات العالمية التي حدثت بعد سقوط نظام “منقستو” والمعسكر الاشتراكي في الإتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوربا ،  تخلت الحركة الشعبية عن شعار:(سودان موحد اشتراكي) إذ نلاحظ أن المؤتمر الأول للحركة الشعبية والذي انعقد في 1994م طرح التخلي عن شعار(سودان اشتراكي موحد) ورفع شعار(السودان الجديد)كما طرح المؤتمر شعار(حق تقرير المصير) لجنوب السودان والمناطق المهمشة،هذا إضافة للصراع الذي دار في الحركة الشعبية بعد انقلاب الناصر عام 1993، واتجاهات بعض قادتها للإنكفاء على جنوب السودان والإكتفاء بشعار(الانفصال).

  هذا وقد شخّصت الحركة الشعبية أمراض السودان القديم في : عجز أنظمة الحكم المتعاقبة في الخرطوم عن تطوير إطار قومي للحكم قابل للتطبيق، وانتهاج عملية ديمقراطية سليمة للبناء الوطني مؤسسة على الأشكال المتعددة للتنوع ، وانجاز تنمية غير متكافئة، والفشل في صياغة برنامج للتنمية. كما أشارت الحركة الشعبية الى أن سودان الجبهة الإسلامية والقديم يقومان على الشوفينية والعرقية.

  كما جاء في بيان(مانفستو) الحركة الشعبية، مايو 2008م: “أن السودان القديم ( إنتهج سياسة خارجية غير متزنة تخضع لتوجهات أيديولوجية للمجموعات الحاكمة والنشطة سياسياً (القوميون العرب، الشيوعيون، وأخيرا الإسلاميون) مما يوحي وكأن السودان قد أضحى على وجه الحصر دولة عربية أو إسلامية، أو في أحسن الفروض ذات توجهات منحازة، وعليه أصبحت المصالح للسودان مرهونة لأجندة خارجية عريضة بدون اعتبار لمستحقات المصلحة الوطنية”.

  ويبدو أن الشيوعيين قد تم حشرهم حشراً أعلاه، وبطريقة خاطئة، فالشيوعيون حتى في أيام انقلاب مايو 1969 الأولى: رفضوا السلم التعلميي الذي تم نقله بالمسطرة من التجربة المصرية، وطالبوا بأن تراعي المناهج خصائص السودان الثقافية الزنجية والعربية، ورفضوا النقل الأعمى لتجارب الآخرين، وطالبوا ببعث ثقافات المجموعات القبلية الأقل تخلفاً، والاهتمام بلغاتها المحلية والتوسل بها في التعليم(راجع: عبد الخالق محجوب: حول البرنامج، دار عزة،2002) كما رفض الحزب الشيوعي ميثاق طرابلس 1970، والوحدة الفورية بين مصر والسودان وليبيا، ومراعاة خصائص شعب السودان الأفريقية والعربية، وأن تكون الوحدة طوعية وليست قسرية، وأن الشرط لنجاح الوحدة هو إشاعة الديمقراطية في هذه البلدان حتى تقوم على الطوعية وحرية الإرادة لهذه الشعوب (راجع بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، نوفمبر 1970 ، حول ميثاق طرابلس) وبالتالي، إن الحزب الشيوعي ، كان من أكثر الأحزاب حرصاً على السيادة الوطنية ومراعاة خصائص ظروف وواقع السودان في تطبيق الاشتراكية على واقع بلادنا، وعدم رهن بلادنا للأجنبي، وعدم الخضوع لضغوطه واملاءاته. هذا فضلاً عن أن الحزب الشيوعي السوداني، كان أول حزب سوداني طرح قضية الحكم الذاتي الإقليمي لمشكلة الجنوب والاعتراف بالفوارق الثقافية بين الشمال والجنوب، والمطالبة بالأجر المتساوي للعمل المتساوي،بين العامل الشمالي والجنوبي، وحق القبائل الجنوبية في استخدام لغاتها المحلية في التعليم، كما طرح ضرورة التنمية المتوازنة بين الشمال والجنوب، وعدم فرض الثقافة العربية والدين الإسلامي على الجنوبيين بالقسر، وعندما قامت أحداث التمرد 1955م وارتفعت الأصوات الشوفينية المطالبة بالانتقام من الجنوبيين، رفع الحزب الشيوعي شعار إعلاء صوت العقل، ووقف الأعمال الانتقامية المنفلتة ومعالجة جذور المشكلة، والتي عمقها الاستعمار وجعلها قنبلة موقوتة لتنفجر بعد خروجه من البلاد، تلك كلها مواقف تاريخية مشهودة للحزب الشيوعي، وبالتالي، فإن هجوم الحركة الشعبية على الحزب الشيوعي وتشويه التاريخ لايفيد شيئاً، ولا أساس موضوعي له.

 كما أشار بيان الحركة الشعبية، مايو 2008م إلى أن :” رؤية السودان الجديد والتي تقوم على: الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، المساواة والتوزيع العادل للسلطة وفرص التنمية، حكم القانون واحترام حقوق الانسان، وذلك هو الخيار الأفضل لصيانة وحدة السودان وسيادة أراضيه ، وإلا التمزق”.

 وهي كلها شعارات عزيزة علينا، ولكن تجربة شراكة الحركة الشعبية مع المؤتمر الوطني ، أكدت سير البلاد في انتهاكات حقوق الإنسان وضرب عرض الحائط بوثيقة الحقوق في دستور السودان الانتقالي للعام 2005م من خلال الرقابة على الصحف ، ولم يحصر جهاز الأمن نفسه في جمع المعلومات كما أشار الدستور ، إضافة إلى قمع المواكب والمسيرات السلمية وإطلاق النار عليها كما حدث في بورتسودان وكجبار والطلاب، مما أدى لاستشهاد عدد منهم، إضافة إلى عدم انجاز شيء في التحول الديمقراطي وإلغاء القوانين المقيِّدة للحريات والتي تتعارض مع الدستور، إضافة الى تدهور أحوال الناس المعيشية وارتفاع ضروريات الحياة حتى  أصبحت الحياة لاتطاق، واستمرار الانتهاكات والإبادة الجماعية في دارفور، مما إستوجب المساءلة من قبل مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، وحتى في الجنوب نفسه لم يتم شئ يذكر في التنمية (التعليم ، الصحة، الخدمات”مياه، كهرباء..الخ”، إضافة الى ضعف البنيات الأساسية، رغم عائدات النفط التي لم تذهب للتنمية.

 وكانت الحصيلة سيادة الاتجاه الانفصالي بعد رحيل جون قرنق  ودفع أمريكا ونظام المؤتمر الوطني في ذلك حتى تم انفصال الجنوب ، وأصبح الوضع مزرياً كما نراه الآن، هناك خطورة للمزيد من تمزيق  ما تبقى من الوطن بعد إعلان مؤتمر الحركة الشعبية  “شمال” الأخير في كاودا شعار تقرير المصير ، والذي في ظل غياب الديمقراطية وحرية الإرادة يمكن أن يقود إلى الانفصال، بينما الواجب الأساسي هو قيام أوسع تحالف من أجل إسقاط النظام واستعادة الديمقراطية التي تفتح الطريق للحل الشامل والعادل لقضايا المناطق الثلاث.

كما أثار المانفستو مشكلة فكرية عندما حدد طبيعة الأزمة الوطنية في السودان بأنها (أزمة هوّية أساسها عجز السودانيين عن التصالح مع واقعهم الثقافي والإثني والذي يجعل منهم أمة).

  وفي نظري أن أزمة الهوية منتوج تاريخي لبنية فوقية استمرت من تشكيلات اجتماعية استغلالية(رق، اقطاع) كانت سائدة في السودان القديم والوسيط، ولطريق تنمية اقتصادي- اجتماعي- ثقافي سارت عليه البلاد منذ احتلال الانجليز للسودان عام 1898م والذي كرّس التطور غير المتوازن، وكرّس الفوارق الطبقية والإستعلاء الثقافي الذي شكل قناعاً أيديولوجياً زائفا لنهب واستغلال كادحي المناطق المهمشة، وتحقيق أكبر قدر من الثراء بإبقاء هذه القوميات الأقل تخلفاً في أسر التخلف وعدم السير في طريق التطور الوطني الديمقراطي الذي يفجر الفائض الاقتصادي الكامن في الريف السوداني؛ بتحقيق الاصلاح الزراعي الديمقراطي وتحرير جماهير الريف من الفقر والأمية والتخلف، ونشر التعليم والخدمات الصحية وتوفير خدمات المياه والكهرباء وتوفير العناية البيطرية للثروة الحيوانية، وانجاز تحولات ثقافية تقوم على تراثنا الزنجي والعربي، والاعتراف بالفوارق الثقافية، وبعث لغات القبائل الافريقية والتوسل بها في التعليم، فالأزمة كانت ولازالت أزمة طريق تطور رأسمالي سارت عليه الطبقات والفئات التي حكمت بعد الاستقلال (مدنية وعسكرية) وكان من نتاجه عدم الاعتراف بالفوارق الثقافية والاثنية وعدم التصالح معها.

 إن طرح الأزمة، بأنها أزمة هوّية فقط تغبش الوعي الطبقي للكادحين، بعدم تحديد أسباب الأزمة الحقيقية وهي تطلع أقسام من البورجوازية(في الشمال والمناطق المهمشة) للثراء على حساب الكادحين، وعدم تحقيق التنمية الاقتصادية التي يتم فيها توزيع الفائض الاقتصادي بعدالة؛ والتي يتم فيها اشباع حاجات الجماهير الأساسية في معيشة تليق بالحياة، وتعليم وصحة ، وخدمات “مياه، كهرباء، عناية بيطرية..الخ”، توفير البنيات الأساسية من طرق وكباري .الخ، وإشاعة روح الإنسانية وإعلاء قيمة الإنسان بغض النظر عن دينه أوجنسه.

 كما أن خطورة طرح الازمة بأنها أزمة هوّية فقط تؤدي الى الحرب العنصرية والإثنية، وتعمق الاتجاهات العرقية والانفصالية في الشمال، والتي أيضاً لها مصلحة في تغبيش الوعي الطبقي للكادحين.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+