حين شرحت الشيوعية لجدتي ... لماذا أنا شيوعي ؟

عماد البابلي

جدتي ( أم علي ) بلغت السبعين عاما ، من أصول ريفية بحتة لا تفهم من الحياة سوى أن المرأة هي أداة للتكاثر فقط وماكينة لحفظ النوع البشري وإدامته لاحقا عبر ولادات لنماذج بشرية ممتدة عبر دولاب الزمن الطويل منذ فجره على هذا الكوكب  ..   ..

جدتي تحب الجدال كثيرا وكانت تسأل كثيرا عن أي شيء يأتي على مسمعها ووصل لها بأني شيوعيٌ عبر اخوالي وهم عصبة متدينة.   وفي يوم من الأيام حدث نقاش بيني وبينها حول الشيوعية وحول أسسها الفكرية !!! طبعا أي محاولة شرح لها تعتبر مثل محاولة شرح لوحة تشكيلية لها .. أصرت جدتي بجنون أن أشرح لها ما هي الشــيوعية ومن أي كوكب أخر قدمت ؟؟ قدمت لقمر الشرق المملوء بالفساد والجريمة والملوث بدماء الحلاج والسهروردي وأبن المقفع ودماء الشهيدة العباسة أخت الرشيد!!

بدأ الحديث وجلست خالتي الصغرى ومعها ابنة خالي ذات الخمسة عشر ربيعا التي أشبهها كثيرا بالمرأة المضطجعة تحت أسد بابل العظيم ،   .. كان   بديهة أن العامل الاقتصادي أهم من العامل الأيديولوجي في تحريك التاريخ والمجتمع !! عندما تكون المقدمات خطأ يجب أن تكون النتائج خطأ ، الوعي مغيب بشكل كلي من المحيط ، المحيط الذي يريد العودة للصحراء لحد ما قبل ملايين الأعوام من التخلف حيث ثقافة الكهوف والعقول المعزولة عن بعضها البعض ،   كيف يمكن أن أفهم جدتي كل تلك الحقائق ؟؟ كيف أفهمها المادية الجدلية والعدالة الاجتماعية وقانون فائض القيمة الذي يمتص من خلاله صاحب رأس المال تعب الشغيلة ومفهوم سوق الدولة ؟؟ كيف ؟؟!!!

كان لا بد من البساطة الشديدة في الشرح

ســـــــــــــألتني جدتي : لماذا كفرت بدين الآباء والأجداد وأصبحت شيوعيا ؟؟؟

(( أأأه يا جدتي العزيزة ، أدعو لك بطول العمر المديد !! الشيوعية يا جدتي ليست دينا أبدا ولا يمكن لها أبدا أن تكون عقيدة في يوم ما ، فهي نظام أخلاقي يتمحور حول حب الإنسان لأخيه الإنسان ، أخلاقيات تقف بعيدا عن الطمع والنهم والتنافس بين البشر ، الشيوعية يا جدتي تنادي بالفردوس الأرضي حيث الحب والسلام والخير لكل الناس ، وهي ليست أفكاراً مستوردة من الغرب ومن دول الجوار لكنها فطرة بشرية وهبها الله لبعض البشر !! الإمام علي كان اشتراكيا رائعا يؤمن بأن الجوع شبح يقتل الناس كل يوم ألف قتلة ، لهذا عاش الجوع وعاش الفقر ورضي به كقدر حتى يخرج من هذه الدنيا عاريا مثلما جاءها كطفل !! وهناك يا جدتي أسماء أخرى مثل أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والأمام الحسين وكافة الأئمة المعصومين ، كلهم اشتراكيين كانوا أول من يجوع وأخر من يشبع !! حتى أئمة المسلمين كالأمام مالك والشافعي وأبو حنيفة النعمان كانوا على نفس النهج .. أدرك الجميع بأن هذه الدنيا هي غابة قاسية لا يُرحم فيها الضعيف أبدا ، غابة من الصراع والتنافس على لقمة العيش ومظاهر خادعة حمقاء تميز البشر عن بشرٍ أخر !! الفقراء الكادحون يا جدتي هو هم الشيوعية الوحيد .. الشيوعية تؤمن بتوزيع الثروة بين الناس ، فكل برميل نفط يجب أن تكون للمواطن فيه حصة ، كل شخص يجب أن يملك بيتا وسيارة وفق ضوابط خاصة تنظم تلك الملكية الخاصة .. المجتمع الشيوعي خالٍ من شخص يشتري سيارة سعرها 60 ألف دولار وشخص يسكن بالقرب منه يحتار بتوفير العلاج لأطفاله !! حق العلاج متوفر للجميع ولا توجد عيادات خاصة فالكل يعمل في المستشفى !! والغني يقف في الدور مع الفقير ، الشيوعية يا جدتي لا تفرق بين كردي وعربي أو بين سني وشيعي أو غيره فالكل سواسية أمام المجتمع !! نحن نقدِّس المجتمع وأي عامل جمعي أخر يوحد الناس فيما بينهم !! كارل ماركس نحترمه فقط ككاتب لتلك الأفكار ولا نعتبره مرجعا شاملا ، نحن لا نقدس الفرد ولكن نقدس المجتمع فقط .. الواحد من أجل الكل وليس الكل من أجل الواحد ، نحن نحارب بشدة أي نزعة نرجسية أو ذاتية فردية تعتبر أن باقي البشر جزء من حالة المزاج البرتقالي الذي يعيشه   

الإقطاع. يا جدتي فتك بهذا البلد وأعتبر الفلاح ملكية تدخل ضمن ملكيات الشيخ أو صاحب الإقطاعية ، وتتذكرين جيدا كيف أن أخو جدي ( العم عبد الله ) كيف مات حين دهسه حصان الشيخ !! هل حزن الشيخ على روحه ؟؟؟ بقى طوال الليل يضحك هو وجمع من حاشيته المتملقة يضحكون على مصيره وكأنه جرذ وليس إنسان !! الشيوعية يا جدتي تحارب بشدة الاستعباد الذي بورك من قبل الحوزة الدينية في النجف !! الحوزة يا جدتي تحمل الصالح والطالح من البشر ، تتذكرين جيدا الشهيد الأول محمد باقر الصدر وكيف قتل ؟؟ قتلوه لأنه حارب بشدة امتيازات رجال الدين والأرقام المفزعة التي وصلت لها أرصدتهم !! لهذا قتلوه !! طلبوا منه أن يصدر فتوى تؤيد البعثية القومية ، فرفض ولهذا اعتبروه خائنا للبلد !! الشهيد الثاني السيد محمد صادق الصدر ؟؟؟ وكيف هي أخلاقياته الإشتركية ، كان يرفض بشدة شراء مكيف هواء حديث والبقاء على مبردة الهواء القديمة !! على الرغم من الهدايا التي تأتيه من هنا وهنا !! وكان السيد محمد صادق يتأكد من ماء الحنفية ألف مرة قبل أن يتركها !! تلك هي الأخلاق الشيوعية التي أؤمن بها يا جدتي الفاضلة ، بغض النظر عن هوية الشخص أو دينه أو قوميته أو لون بشرته ، قضية المساواة بين البشر هي همنا الوحيد وتدركين جيدا كم هو صعب ومستحيل ذاك الهدف !!! قضية تحريم الشيوعية في الوسط الديني كانت سياسية أكثر من كونها قضية فكر !! صدرت فتوى من رجل دين واحد ولم تؤخذ بالإجماع ، إذن هنا القضية قضية اجتهاد شخصي فقط ولكن النفوذ الأميركي والرأسمالي أستثمر الفتوى لصالحة فراح يكبر ويهلهل عليها حتى يضمن سرقة النفط وباقي ثروات البلد !! إذن هنا يا جدتي هذا البلد مثل الكعكة الكبيرة ، كعكة لا تنفد أبدا !!! لسنا سياسيون أو حزبيون متكتلون كالسلاحف خلف لافتات تافهة، وأخر ما أفكر به هو الحزب أو السلطة أو الكعكة!!!.

تلك هى الشيوعية يا جدتي ، وهي بعيدة عن الكفر والإلحاد ، الشيوعية تحمل نظرية اقتصادية كتبها ماركس ذات يوم ، نظرية حالها حال باقي العلوم الأخرى ، لماذا لا يحرم الدين نظرية نشوء الكون في الفيزياء ؟؟؟ ولماذا لا يحرم تجارب الأدوية التي تختبر على الجرذان أولا وثم تعطى للبشر ؟؟؟؟ وهو دليل على وجود علاقة بين أجسادنا وأجسادها !! وطبعا لا أجزم لك بأن الإنسان أصله قرد لأني غير مقتنع بها بشكل كلي ومثبت بهذه الفكرة .... لسنا سوفيت أو روس أو ألمان نحن عراقيون قبل أي شيء أخر .. نحن عراقيون قبل أي شيء أخر.)) ))

تركت جدتي وهي تشعر بالنعاس الشديد ، نامت بسلام ولكن عيناها تبسمان لي بشكل غريب!!

منظرها أخذني على بساط سحري إلى ســـتينيات القرن الماضي في مقهى صغير في شارع الرشــيد ، كانت أغنية زهزر حسين ( علماني ) تطربني أنا وجدتي النائمة.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+